السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تابع :
في حديث مصالحة الروم ثم قتالهم قال بعض المحرفين : أن المقصود بالخيل هو الدبابة ! وفي حديث إخبار الفخذ الرجل بما أحدث أهله بعده ، قالوا أن المقصود هو الجوال كما سبق ! وفي الحديث الذي ذكر حمار الدجال ، قال بعض من صحح الحديث أن المقصود هو الطائرة .
ولعلي هنا أخص الأمر الأخير بالذكر ، بقاعدة مهمة مبيناً فيها خطورة مثل هذا التحريف ، وهذه القاعدة يمكن تطبيقها على بقية الأمور الأخرى ، وعلى أي تأويل باطل .
فكلامي هذا وإن كان عن حمار الدجال ( على افتراض صحة الحديث ، وهو لايصح ) ... إلا أنه قاعدة عامة لكل خبر غيبي يحاول البعض تأويله خلاف ظاهره فأقول :
إما أن النبي عليه الصلاة والسلام يعلم حقيقة حمار الدجال ..... وإما لا ؟
فإن كان لا يعلمها .. فهذا قدح في النبوة ... إذ تكلم في أمر غيبي وهو لا يعلم حقيقة الأمر ...... فهذا الاحتمال باطل لقدحه في النبوة ... ويترتب عليه تجهيل النبي عليه الصلاة و السلام .
وإن كان يعلمها فهو : إما أنه يعجز عن وصف دقيق لهذه الحقيقة ..... وإما أنه قادر على الوصف !
فإن كان يعجز عن الوصف ... فهذا قدح في بلاغته وفصاحته عليه الصلاة والسلام ..... فهذا الاحتمال ظاهر البطلان ولا يقول به أحد .
وإن كان قادراً على الوصف ... فهو إما أنه أظهر هذه الحقيقة .... وإما أنه أخفاها !
فإن كان أظهرها فالحمد لله .... فقد بين حمار الدجال وذكر صفته .
أما إن كان أخفاها .... فهذا ضد النصح والتبليغ المأمور هو به ... وخصوصاً أنه كان في مقام التحذير لأمته والنصح لها ، فلماذا لم يصف لهم مركبة الدجال ... ولماذا استعمل لفظ ( حمار ) بدلاً من أن يصف هذه المركبة وصفاً دقيقاً ؟!
إن غاية ما يستند عليه القائلين بمثل هذه التأويلات .... في مثل هذه المسائل هو ما فحواه : أن عقول الناس في ذاك العصر لا تستوعب مثل هذه الآلات العلمية الحديثة ! فيُخشى أنهم إذا سمعوا بوصفها لا يؤمنون ... وربما بعضهم يكفر !!
وهذا في الحقيقة طعن في إيمان الصحابة رضي الله عنهم ... وأن إيمانهم كان هشاً ضعيفاً ... و يتملكني العجب من قول هؤلاء :
فإذا كان الناس في ذاك العصر صدقوا عندما أخبرهم بالمعراج ... وهو في ليلة واحدة ... هل من المعقول أن يتشككوا ويتزعزع إيمانهم إذا أخبرهم بقطعة حديدة تطير بين السماء والأرض ؟!!
إذا كان الناس في ذاك العصر صدقوا عندما أخبرهم بمخلوق له ستمئة جناح سد مابين الخافقين ... فهل من المعقول أن يتزعزع إيمانهم إذا أخبرهم بقطعة حديدة تطير بين السماء والأرض ؟!!
إذا كان الناس في ذاك العصر آمنوا وصدقوا عندما أخبرهم أن هذه الأجساد بعد أن تبلى وتتحلل ، تُعاد كما كانت ... فهل من المعقول أن يتزعزع إيمانهم إذا أخبرهم بقطعة حديدة تطير بين السماء والأرض ؟ !
وغير هذا كثير ! مما يدل على أن الناس في ذاك العصر آمنوا بما هو أعظم من الأمور التي يزعم هؤلاء أن النبي عليه الصلاة والسلام أخفاها عنهم خوفاً عليهم من عدم الإيمان ... أو تشككهم .
ففي ذاك العصر كان إيمانهم يرجع لقوة إيمانهم بقدرة الله على خلق ما يشاء وفعل ما يريد ... فإذا أخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام بحمار له هذه الصفات .... فهم يصدقون بهذا ، لعلمهم بقدرة الله عز وجل على خلق مثل هذا المخلوق ... ولا يتشككون ولا يتزعزع إيمانهم .
وكذلك لو أخبرهم بقطعة حديدة تطير بين السماء والأرض ... فإنهم سيصدقون بهذا ، لأن مرجعهم هو الإيمان بقدرة الله على إيجاد مثل هذا الأمر ....... وخصوصاً أنهم متيقنين من صدق المخبر الذي لم يجربوا عليه كذباً .
وفي حقيقة الأمر أن أولئك كان إيمانهم بمثل هذه الأمور أقوى وأصدق من إيمان هؤلاء ، فلو أخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام بقطعة حديدة بين السماء والأرض .. لقالوا : آمنا وصدقنا .... أما هؤلاء فأتاهم الخبر الذي صححوه ، عن الصادق المصدوق ، بأن حمار الدجال صفته كذا وكذا ، فأخذوا يتشككون ويتعجبون ويتأولون !
هذه القاعدة وإن كنت أوردتها في هذا الحديث الذي لا يصح ، إلا أنها قاعدة مهمة فهي تشمل باب الأسماء و الصفات ، وأمور مابعد الموت ... وغيرها من الأمور التي استطال عليها المحرفين .
لنا لقاء بمشئية الله .
.