بإدراكنا للمعنى الحقيقي للحوار وأهدافه وإحترامنا للأطراف المتحاورة الأخرى بالرغم من احتمالية عدم توافق الأفكار والإتجاهات, والبعد عن الغلو والتطرف نستطيع أن نحقق أهدافنا التوعوية وأن نتبوأ مكانه رفيعة بين المجتمعات بإذن الله تتوافق مع رسالتنا كخير أمة أخرجت للناس
ساحات الحوار العربي - حوار بإدراكنا للمعنى الحقيقي للحوار وأهدافه وإحترامنا للأطراف المتحاورة الأخرى بالرغم من احتمالية عدم توافق الأفكار والإتجاهات, والبعد عن الغلو والتطرف نستطيع أن نحقق أهدافنا التوعوية وأن نتبوأ مكانه رفيعة بين المجتمعات بإذن الله تتوافق مع رسالتنا كخير أمة أخرجت للناس
ساحات الحوار العربي - حوار
 
 عدد الضغطات  : 1599
ساحة المرآة العربية 
 عدد الضغطات  : 1916 اعلان متوسط 
 عدد الضغطات  : 1208

الرئيسية - الساحة المفتوحة - ساحة الشعر و الأدب - ساحة الطب والطب البديل - حوار الإقتصاد والبورصة - ساحة السياحة والسفر - الساحة الرياضية - ساحة المرح والترفيه - ساحة الكومبيوتر والاتصالات - ساحة التصاميم والدروس - ساحة المرآة العربية - ساحة الإقتراحات و الشكاوي (خاص بالمشرفين) - سوق حوار الإلكتروني ( قريبا)




العودة   ساحات الحوار العربي > الساحة المفتوحة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 04-26-08, 11:52 PM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي ليالي بيشاور

مقدمة كتاب
ليالي « بيشاور »

سفر قيّم ، يضمّ مناظرات وحوار في مواضيع خلافية عديدة ، أهمّها إمامة وولاية أمير المؤمنين الإمام عليّ عليه السلام وخلافته الشرعية للرسول الأمين صلى الله عليه وآله بلا فصل ، والاستدلال عليها من الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة الشريفة ، وعقائد الإمامية ، والأدلة العقلية والنقلية لإِثباتها .
جرت هذه المناظرات الودّية المبنية على النقاش العلمي ، والمنطق البعيد عن التعصّب والمجرّد عن التقليد والأهواء ، بين أحد علماء الإماميّة ـ المصنّف قدس سره عندما كان في الثلاثين من عمره ـ وبين محاوريه من كبار علماء العامّة المعاصرين له ، وبحضور جموع غفيرة من أبناء الطائفتين في دار أحد وجهاء مدينة « بيشاور » الباكستانيّة ، وبحضور ما يقرب من 200 كاتب من الفريقين للتدوين والتوثيق وتسجيل ما يجري من حوار ومسائل وأجوبة وردود وشبهات ، وكذلك أربعة من الصحفيّين لكتابة ما يدور في هذه المجالس من المناقشات بكلّ جزئيّاتها ونشره في اليوم التالي في الصحف والمجلات الصادرة هناك في ذلك الوقت .
أُقيمت هذه المجالس ـ بناءً على طلب بعض علماء العامّة وكبار شخصياتهم ـ لمدّة 10 ليالٍ ، من ليلة الجمعة 23 رجب سنة 1345 هـ إلى ليلة الأحد 3 شعبان من السنة نفسها؛ وعقب انتهائها أعلن عدّة من الحاضرين تشـيّعهم والتزامهم بمذهب الحقّ مذهب أهل البيت عليهم السلام .
كان قد صدر الكتاب سابقاً بالفارسية .
ترجمة وتحقيق : السـيّد حسين الموسوي .
صدر في بيروت سنة 1419 هـ .

مقدمة المترجم
جدير بأن نسمي عصرنا بعصر الحوار والتفاهم .
لقد حان الوقت ليتصارح المسلمون بأمورهم العقائدية حتى يظهر الحق وتتوحد كلمتهم عليه ، فإن الوحدة الإسلامية ، أمنية جميع المسلمين .
ولأننا لمسنا أن التفرقة هي بغية أعدائهم ، وهي الوسيلة التي استعملها أعداء الدين والمستعمرون لفرض سيطرتهم على البلاد الإسلامية ونهب خيراتها وبث مبادئ الكفر والإلحاد والضلال والفساد بين أبناء الإسلام الحنيف .
وبما أن الوحدة الإسلامية ضرورة ملحة ، وهي لا تتم إلا بالصدق والحوار الإيجابي البناء بلا تعصب ولا عناد مع تحكيم القرآن والعقل والوجدان الحر ، في اختيار أحسن القول ، كما أمر بذلك رب العباد في قوله العزيز : ( فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) (الزمر آية 18) ، فيلزم على المسلم الكامل والإنسان العاقل ، أن يكون بصيرا في أمر دينه ، عالما بقضايا مذهبه ، لا يقبل قولا ولا يتمسك به إلا عن دليل وبرهان ، حتى يصبح في أمره على يقين وإيمان .
لأنه إذا سلك طريقا وتمسك بعقائد ومبادئ بغير علم يسنده ولا دليل يعضده وبرهان يرشده ، فسيكون كمن أغمض عينيه ولزم طريقا طويلا يمشي فيه على أمل أن يوصله إلى مقصده ومنزله ، حتى إذا أصاب رأسه الحائط ، فأبصر وفتح عينيه ، فإنه سوف يرى نفسه بعيدا عن مقصده ، تائها ضالا عن سواء الصراط .
فمن لم يحقق في الأمور الدينية ولم يدقق في القضايا المذهبية ، بل ذهب إلى مذهب آبائه ولزم سبيل أسلافه ، فربما فتح عينيه بعد جهد طويل ، فيرى نفسه تائها قد ضل السبيل .
ولذا عبر الله العزيز الحكيم عن هكذا إنسان بالأعمى فقال : ( ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ) (الإسراء 72) .
ولإنقاذ المسلمين من العناد والتعامي قدمت على تعريب هذا الكتاب القيم من اللغة الفارسية إلى العربية ، لعله يحقق شيئا من هذا الهدف السامي . راجيا أن يترك في المسلمين أثرا إيجابيا ، فيقرب قلوبهم ويوحد صفوفهم وكلمتهم ، ويجمعهم على كلمة الله سبحانه بالحق والإصلاح ، والسعادة والفلاح ، ولقد أدركت مؤلف هذا الكتاب المرحوم آية الله السيد محمد ( سلطان الواعظين ) وحضرت مجلسه وسمعت حديثه ومواعظه .
فلقد كان رحمة الله عليه رجلا ضخما في العلم والجسم ، ذا شيبة وهيبة ، وكان جسيما وسيما ذا وجه منير ، قل أن رأيت مثله ، وكان آنذاك يناهز التسعين عاما من عمره الشريف ، ولقد شاركت في تشييع جثمانه الطاهر في مدينة طهران ، حيث عطلت أسواق عاصمة إيران لوفاته وخرجت حشود عظيمة في مواكب عزاء حزينة وكئيبة ، ورفعت الرايات والأعلام السوداء معلنة ولائها وحبها لذلك العالم الجليل والسيد النبيل .
ولا أذكر تاريخ وفاته بالضبط ، ولكن كان في العقد الأخير من القرن الرابع عشر الهجري ، واشهد الله العزيز أني لما بدأت بتعريب هذا الكتاب رأيت ذلك السيد العظيم مرتين في الرؤيا ، وكان مقبلا عليا مبتسما ضاحكا في وجهي ، وكأنه يشكرني على هذا العمل .
فأسأل الله تبارك وتعالى أن يتغمده برحمته الواسعة وان يتقبل هذا المجهود منه ومنا ويجعله ذخيرة لآخرتنا ولكل من ساعد وسعى في نشر هذا الكتاب ، إنه سميع الدعاء .

قم المقدسة
حسين الموسوي
28 شوال 1419هـ
الموافق 14 فبراير 1999م

تمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد رسوله المصطفى ، وعلى آله الطيبين الطاهرين .
وبعد :
إن هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم ، هو الكتاب القيم ((ليالي بيشاور )) لمؤلفه الكبير : سماحة السيد محمد الموسوي ، الملقب بـ : ( سلطان الواعظين الشيرازي ) .
وقد كتب مقدمة طويلة لكتابه استغرقت ما يقرب من مائة صفحة من كتابه القيم هذا ، تطرق فيها على أهمية التقارب بين المسلمين ، وإلغاء الخلافات والخصومات التي بثها الأعداء في أوساطهم .
وحث فيها على الوحدة الإسلامية والأخوة الدينية التي ندب الله المسلمين إليها ، وحرض على الاعتصام بحبل الله الذي دعاهم القرآن للتمسك به والالتفاف حوله .
وحذرهم عواقب التشتت والتفرق ، وذكرهم الله من الوقوف بعيدا والاكتفاء بالتفرج ، أو الابتعاد والاشتغال ـ لا سمح الله ـ بقذف بعضهم بعضا بما يسخط الرحمن ويؤذي حبيبه المصطفى ، الذي بعثه الله رحمة للعالمين ، وأرسله ليتم به مكارم الأخلاق ، معالي الشيم والفضائل الإنسانية ، وجمع الناس على التوحيد .
وندبهم إلى ما ندب إليه القرآن من التعارف فيما بينهم ، قال تعالى : ( لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم )(1) مرتئيا أن أفضل الطرق للتعارف هو الحوار الحر ، والنقاش العلمي البحت ، والمناظرة المنطقية البعيدة عن كل تعصب ، والمجردة عن التقاليد والأهواء ، من الخلفيات الشائنة .
وقد اشترك هو( قدس سره ) ـ بدعوة من أصدقائه ومعارفه في بيشاور(2) ـ في مجالس المناظرة التي عقدت له بهذا الشأن ، والتي اشترك فيها كبار علماء السنة لمعاصرين له آنذاك ، وقد استمرت المناظرة ليالي عديدة استغرقت عشرة مجالس ، نشرتها في حينها جرائد الهند وصحفها ، وتلقاها الناس بالقبول والترحيب .
ثم وفق المؤلف ـ رحمه الله ـ إلى جمعها في هذا الكتاب بدقة ، وطلب منهم مواصلة قراءته من الصفحة الأولى حتى الصفحة الأخيرة ، وذلك لترابط البحث وتسلسله ، مما يؤدي قطعه إلى ضياع الموضوع ، وعدم الاستفادة الكاملة من البحث .
ولما كان الكتاب باللغة الفارسية ، وقد أجاز ـ قدس سره ـ في المقدمة ترجمة الكتاب ـ ترجمة أمينةـ إلى سائر اللغات ، حاولنا ترجمته إلى اللغة العربية ، مساهمة منا في هذه الخدمة الإنسانية النبيلة ، بغية التوصل إلى الحق ، والتعرف على الواقع والحقيقة ، ومشاركة منا في ما دعانا إليه كتاب الله وسنة رسوله الكريم وسيرة أهل بيته الطاهرين ، من : التعارف والتقارب ، والتوحيد والتآخي ، و أخيرا نيل العزة والسعادة في الدنيا ، والنجاة والفوز بالجنة في الآخرة ، إن شاء الله تعالى .

مقدمة المؤلف

قال السيد المؤلف :
سافرت إلى العتبات المقدسة في شهر ربيع الأول عام 1345هـ ، وكان لي من العمر ثلاثون سنة ، فتشرفت بزيارة مراقد الأئمة الأطهار من آل النبي المختار ( صلوات الله وسلامه عليه وعليهم ) في العراق ، ومنها عزمت على السفر إلى الهند وباكستان بغية السفر منهما إلى خراسان والتشرف بزيارة الإمام الرضا عليه السلام ، فوصلت ـ كراتشي ـ وهي مدينة ساحلية تعد من أهم الموانئ في المنطقة .
وما إن وصلت إليها وانتشر خبر وصولي في أهم الصحف هناك ، فاجأتني دعوات كثيرة من الاخوة المؤمنين الذين كانت بيني وبينهم معرفة سابقة ومودة قديمة ، وكان لا بد لي من إجابة تلك الدعوات الكريمة ، وإن كانت تستوجب مني قطع مسافات بعيدة ، وشدّ الرحال من مدينة إلى أخرى ، ومن بلد إلى آخر .
فواصلت سفري إلى مدينة بومبي ، وهي ـ أيضاـ من أكبر مدن الهند وأعظم الموانئ فيها ، فاستقبلني المؤمنون الذين دعوني إليها ومكثت فيها ضيفا معززا بين أهلها ليالي وأياما .
ثم تابعت السفر على مدينة (دهلي) ومنها إلى (آكره) و(لاهور) و(بنجاب) و( سيالكوت) و( كشمير) و(حيدرآباد) و(كويته) وغيرها ...
وقد استقبلني كثير من الناس وعامة المؤمنين في هذه المدن بحرارة فائقة فكانوا يرحبون بقدومي ويحيوني بهتافات وتحيات على العادات والرسوم الشعبية المتعارفة هناك .
وفي أيام وجودي في تلك المدن المهمة التي سافرت إليها ، كان العلماء من مختلف المذاهب والأديان يزورونني في منزلي ، وكنت أرد لهم الزيارة في بيوتهم ، وكان غالبا ما يدور بيني وبينهم محاورات دينية ومناظرات علمية مفيدة ، كنت أتعرف من خلالها على عقائدهم ، وهم يتعرفون على عقائدي .
ومن أهم تلك المناقشات والمحاورات ، حوار ونقاش دار بيني وبين البراهمة والعلماء الهندوس في مدينة (دهلي) ، وكان ذلك بحضور قائد الهند ومحررها من الاستعمار الزعيم الوطني غاندي .
وكانت الصحف والمجلات تنشر ـ عبر مراسليها ـ كل ما يدور في المجلس من الحوار بالتفصيل ، وبكل أمانة وصدق .
وكانت نتيجة تلك المناظرات أن ثبت الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا ، فقد خرجت من الحوار منتصرا على المناظرين ، وذلك بالأدلة العلمية والبراهين العقلية ، حتى ثبت للحاضرين في المجلس أن مذهب أهل البيت ـ الذي هو مذهب الشيعة الجعفرية الاثنى عشرية ـ هو المذهب الحق ، وأنه أحق أن يتبع ، وأنا أقول مرددا ( الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله )(3).

السفر إلى سيالكوت
ثم سافرت إلى مدينة ( سيالكوت) بدعوة خاصة من (( الجمعية الاثنا عشرية )) التي كان يرأسها صديقي الوفي الأستاذ أبو بشير السيد علي شاه النقوي ، مدير تحرير مجلة (( در النجف)) الأسبوعية .
وعندما دخلت هذه المدينة لقيت استقبالا حافلا وتجمعا من مختلف الطبقات ، ومن حسن الحظ أني وجدت ضمن المستقبلين زميلا لي ، كان وليا مشفقا ، وهو الزعيم ( محمد سرور خان رسالدار) ابن المرحوم ( رسالدار محمد أكرم خان ) وأخ الكولونيل ( محمد أفضل خان ) وهو من أكبر شخصيات أسرة (قزل باش) في ولاية (البنجاب) .
وتعود معرفتي بهذه الأسرة الكريمة إلى عام 1339هـ في مدينة كربلاء المقدسة ، حيث كانوا قد تشرفوا آنذاك لزيارة مراقد الأئمة الأطهار من آل النبي المختار ( صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ) وسكنوا فيها ، كما وكانت لهم مناصب حكومية مرموقة في ولاية البنجاب .
وكان ( محمد سرور خان ) هذا رئيس شرطة ( سيالكوت) وكان أهل البلد يحبونه ويحترمونه لشجاعته وحسن سيرته وديانته .
فما أن رآني حتى ضمني إلى صدره ، ورحب بقدومي ، وطلب مني أن أحل ضيفا عنده وأنزل مدة إقامتي ـ هناك ـ في بيته ، فقبلت دعوته وذهبت معه ، وشيعني المستقبلون إلى ذلك البيت الرفيع .
وفور نزولي ضيفا هناك نشرت صحف ولاية ( البنجاب) خبر وصولي إلى سيالكوت فكانت الوفود والرسائل ـ رغم عزمي على السفر إلى إيران لزيارة الإمام الرضا عليه السلام ـ تتسابق في دعوتي إلى زيارة بلادهم ومدنهم .
وأخص بالذكر سماحة حجة الإسلام السيد علي الرضوي اللاهوري ، العالم الجليل ، والمفسر النبيل ، صاحب تفسير (( لوامع التنزيل )) ذي الثلاثين مجلدا ، وكان يسكن مدينة لاهور ، فدعاني بإلحاح منه وإصرار إلى هناك ، فاستجبت لدعوته ، وذهبت ملبيا طلبه .
كما وتلقيت فيها أيضا دعوة كريمة من إخواني المؤمنين من أسرة قزل باش ، الذين كانوا من شخصيات ورجال الشيعة المعروفين في ولاية ( البنجاب) ، وكانت دعوتهم لي لزيارة مدينة ( بيشاور) وهي آخر مدينة حدودية مهمة تربط ولاية البنجاب بأفغانستان .
ولما تلقيت تلك الدعوة ، ألحّ عليّ الزعيم ( محمد سرور خان) ـ مضيفي الكريم ـ بأن لا أرد دعوة أفراد أسرته ورجال قومه من ( بيشاور) ورجاني أن ألبي دعوتهم وأذهب إليهم .

في بيشاور
ثم إني عزمت على الذهاب إلى بيشاور ، فسافرت إليها في اليوم الرابع عشر من شهر رجب الحرام ، وحين وردتها استقبلني أهلها استقبالا حافلا قل نظيره في تلك المدينة ، وكان على رأس المستقبلين رجالات ووجهاء أسرة قزل باش .
ولما استقر بي المكان طلبوا مني بإصرار أن أرتقي المنبر وأخطب فيهم ، ولما لم أكن أجيد اللغة الهندية ، لم أوافق على ارتقاء المنبر ، ولم أخطب طول سفري في الهند ، رغم طلباتهم المتكررة .
ولكن لما كان أهالي بيشاور يجيدون اللغة الفارسية ، وكان أكثرهم يتكلم بها ، حتى كادت اللغة الفارسية أن تكون هي اللغة الدارجة فيها ، لبّيت طلبهم وقبلت أن أخطب فيهم بالفارسية .
فكنت أرتقي المنبر وقت العصر في الحسينية التي أسسها المرحوم ( عادل بيك رسالدار) وكانت مؤسسة ضخمة تتسع لضم الجماهير الغفيرة من الناس ، وكانت تمتلئ بالحاضرين ، وهم ليسوا من الشيعة فحسب ، بل فيهم كثير من أصحاب والمذاهب المختلفة ـ الإسلامية وغيرها ـ .

موضوع البحث
ولما كان أكثر أهالي بيشاور مسلمين ، ومن العامة وكانوا يحضرون في المجلس مع كثير من علمائهم ومشايخهم ، جعلت موضوع البحث هو : الإمامة ، فكنت أتكلم حول (( عقائد الشيعة )) وأبيّن دلائل الشيعة العقلية والنقلية لإثباتها ، وأذكر النقاشات ، في المسائل الخلافية مع العامة .
وعلى أثرها طلب مني علماء السنة وكبار شخصياتهم الذين كانوا يحضرون البحث أن اجتمع بهم في لقاء خاص للإجابة عن إشكالاتهم ، فرحبت بهم ولبيت طلبهم .
فكانوا يأتون في كل ليلة إلى البيت ، ويدور البحث بيننا ساعات طويلة حول المواضيع الخلافية من بحث الإمامة وغيرها .

من بركات المنبر
وفي يوم من الأيام عند نزولي من المنبر أخبرني بعض الحاضرين من أصدقائي بأن عالمين كبيرين من مشايخ العامة وهما : الحافظ محمد رشيد ، والشيخ عبدالسلام ، وكانا من أشهر علماء الدين في (كابل)[عاصمة أفغانستان] ـ ومن منطقة تدعى ضلع ملتان ـ قد قدما إلى بيشاور ليلتقيا بي ويشتركا مع بقية الحاضرين في الحوار الدائر فيما بيننا كل ليلة ، وطلبوا مني السماح لهما .
فأبديت سروري ورضاي بهذا النبأ ، واستقبلتهما بصدر منشرح وقلب منفتح ، ورحبت بقدومهما وجالستهما مع جماعة كبيرة من أصحابهما في ساعات كثيرة .
فكانوا يأتون بعد صلاة المغرب إلى المنزل الذي نزلت فيه للمناظرة ، وذلك لمدة عشر ليال متتالية ، وكان النقاش والحوار يدور حول المسائل الخلافية بيننا ، ويطول إلى ست أو سبع ساعات ، وربما كان البحث والحوار يستمر بنا أحيانا إلى طلوع الفجر ، كل ذلك بحضور شخصيات ورجال الفريقين في بيشاور .
ولما انتهينا من المحاورة والمناظرة في آخر ليلة من المجلس ، أعلن ستة من الحاضرين ـ من العامة ـ تشيعهم ، وكانوا من الأعيان والشخصيات المعروفة في المدينة .
ومن حسن التقدير أنه كان يحضر مجلسنا ما يقرب من مأتي كاتب من الفريقين ، إذ كانوا يشتركون مع الحاضرين في مجلس المناظرة للكتابة ، فكانوا يكتبون المواضيع المطروحة ، ويسجلون الحوار والنقاش وما يجري من مسائل وأجوبة وردود وشبهات ، بأقلام أمينة وعبارات وافية وجميلة .
وكان بالإضافة إلى أولئك الكتاب ، أربعة من الصحفيين يكتبون أيضا ما يدور في المجلس بكل جزئياته ، ثم ينشرون ما يدونوه من المناظرات والمناقشات في اليوم الثاني في الصحف والمجلات الصادرة هناك .
ويضيف المؤلف ـ رحمه الله ـ بعد ذلك : بأنه سيعرض على القارئ الكريم في هذا الكتاب الذي سماه : (( ليالي بيشاور )) ما نقلته تلك الصحف الرصينة ، وسجلته تلك الأقلام الأمينة ، وما سجّله هو بنفسه من نقاط مهمة عن تلك الليالي والمجالس التاريخية القيمة .
ثم يدعو الله العلي القدير أن ينفع به المسلمين ، ويجعله ذخيرة له في يوم الدين ، وكان قد كتبه وفرغ من تأليفه في طهران . </SPAN>
العبد الفاني
محمد الموسوي
((سلطان الواعظين الشيرازي))
  #2  
قديم 04-26-08, 11:53 PM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي


المجلس الأول
ليلة الجمعة 23 / رجب / 1345 هج


المكان: بيت المحسن الوجيه الميرزا يعقوب علي خان قزل باش(1)، من الشخصيات البارزة في بيشاور.
الابتداء: أول ساعة من الليل بعد صلاة المغرب.
إفتتاحية المجلس: حضر المشايخ والعلماء وهم:
الحافظ(2) محمد رشيد والشيخ عبد السلام، والسيد عبد الحي، وغيرهم من العلماء، وعدد كبير من الشخصيات والرجال من مختلف الطبقات والأصناف.
فرحبت بهم واستقبلتهم بصدر منشرح ووجه منبسط، كما ورحب بهم صاحب البيت واستقبلهم استقبالا حارا، ثم أمر خدمه فقدموا الشاي والفواكه والحلوى لجميع من حضر.
هذا، ولكن مشايخ القوم كانوا على عكس ما كنا معهم، فقد رأينا الغضب في وجوههم، إذ أنهم واجهونا في البداية بوجوه مقطبة مكفهرة، وكأنهم جاؤونا للمعاتبة لا للتفاهم والمناظرة.
أما أنا فكنت لا أبالي بهذه الأمور، لأني لم أبتغ من وراء هذا اللقاء هدفا شخصيا، ولأم أحمل في نفسي عنادا ولا في صدري تعصبا أعمى ضد أحد، وإنما كان هدفي ان أوضح الحق وأبين الحقيقة.
ولذلك لم أتجاوز عما كان يجب علي من المعاملة الحسنة فقابلتهم بالبشر والابتسامة، والترحيب والتكريم، وطلبت منهم أن يبدؤوا بالكلام بشرط أن يكون المتكلم شخصا معينا عن الجماعة حتى لا يضيع الوقت، ولا يفوت الغرض الذي اجتمعنا من أجله.
فوافقني القوم على ذلك وعينوا من بينهم الحافظ محمد رشيد ليتكلم نيابة عنهم، وربما خاض الآخرون ـ أحيانا ـ في البحث ولكن مع إذن مسبق.

بدء المناظرة
بهذا أخذ المجلس طابعه الرسمي، وبدأت المناظرات بيني وبينهم بكل جد وموضوعية، فبدأ الحافظ محمد رشيد وخاطبني بلقب: (قبله صاحب)(3) قائلا:
منذ نزولكم هذا البلد، شرفتم مسامع الناس بمحاضراتكم، وخطبكم، ولكن بدل أن تكون محاضراتكم منشأ الألفة والإخاء فقد سببت الفرقة والعداء، ونشرت الإختلاف بين أهالي البلد، وبما أنه يلزم علينا إصلاح المجتمع، ورفع الاختلاف منه، عزمت على السفر، وقطعت مسافة بعيدة مع الشيخ عبد السلام وجئنا إلى بيشاور لدفع الشبهات التي أثرتموها بين الناس.
وقد حضرت اليوم محاضرتكم في الحسينية، واستمعت لحديثكم، فوجدت في كلامكم سحر البيان وفصل الخطاب أكثر مما كنت أتوقعه، وقد اجتمعنا ـ الآن ـ بكم لننال من محضركم الشريف ما يكون مفيدا لعامة الناس إن شاء الله تعالى.
فإن كنتم موافقين على ذلك، فإنا نبدأ معكم الكلام بجدّ، ونتحدث حول المواضيع الأساسية التي تهمنا وتهمكم؟
قلت: على الرحب والسعة، قولوا ما بدا لكم، فإني أستمع لكم بلهفة، وأصغي لكلامكم بكل شوق ورغبة، ولكن أرجو من السادة الحاضرين جميعا ـ وأنا معكم ـ ان نترك التعصب والتأثّر بعادات محيطنا وتقاليد آبائنا، وأن لا تأخذنا حمية الجاهلية، فنرفض الحق بعد ما ظهر لنا، ونقول ـ لا سمح الله ـ مثل ما قاله الجاهلون : (حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا) (4) أو نقول: (بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) (5).
فالرجاء هو أن ننظر نحن وأنتم إلى المواضيع والمسائل التي نناقشها نظر الإنصاف والتحقيق، حتى نسير معا على طريق واحد ونصل إلى الحق والصواب، فنكون كما أراد الله تعالى لنا: إخوانا متعاضدين ومتحابين في الله تبارك وتعالى.
فأجاب الحافظ: إن كلامكم مقبول على شرط أن يكون حديثكم مستندا إلى القرآن الكريم فقط.
قلت إن شرطكم هذا غير مقبول في عرف العلماء والعقلاء، بل يرفضه العقل والشرع معا، وذلك لأن القرآن الكريم كتاب سماويّ مقدّس،فيه تشريع كل الأحكام بإيجاز واختصار مما يحتاج في فهمه إلى من يبينه، والسنة الشريفة هي المبينة، فلا بدّ لنا أن نرجع في فهم ذلك إلى الأخبار والأحاديث المعتبرة من السنة الشريفة ونستدل بها على الموضوع المقصود.
الحافظ: كلامكم صحيح ومتين، ولكن أرجو أن تستندوا في حديثكم إلى الأخبار الصحيحة المجمع عليها، والأحاديث المقبولة عندنا وعندكم، ولا تستندوا بكلام العوام ّ والغثّ من عقائدهم.
وأرجو أيضا أن يكون الحوار هادئا، بعيدا عن الضوضاء والتهريج حتى لا نكون موضع سخرية الآخرين ومورد استهزائهم.
قلت: هذا كلام مقبول، وأنا ملتزم بذلك قبل أن ترجوه منّي، فإنه لا ينبغي لرجل الدين والعالم الروحي إثارة المشاعر والتهريج في الحوار العلمي والتفاهم الديني، وبالأخص لمن كان مثلي،إذ إن لي العزّ والفخر وشرف الانتساب إلى رسول الله (ص)، وهو صاحب الصفات الحسنة والخصال الحميدة والخلق العظيم، الذي أنزل الله تعالى فيه:(إنّك لعلى خلق عظيم) (6).
ومن المعلوم أني أولى بالالتزام بسنة جدي، وأحرى بأن لا أخالف أمر الله عز وجل حيث يقول: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (7).
الحافظ: ذكرت أنك منتسب إلى رسول الله (ص) ـ وهو المشهور أيضا بين الناس ـ فهل يمكنكم ان تبينوا لنا طريق انتسابكم إلى النبي الأعظم (ص)، والشجرة التي تنتهي بكم إليه؟
قلت: نعم، إن نسبي يصل عن طريق الإمام الكاظم موسى بن جعفر عليه الصلاة والسلام إلى رسول الله (ص)، وذلك على النحو التالي:

شجرة المؤلف
أنا محمد بن علي أكبر " أشرف الواعظين " بن قاسم " بحر العلوم " ابن حسن بن إسماعيل " المجتهد الواعظ " بن ابراهيم بن صالح بن أبي على محمد بن علي " المعروف بالمردان " بن أبي القاسم محمد تقي بن " مقبول الدين " حسين بن أبي علي حسن بن محمد بن فتح الله بن إسحاق بن هاشم بن أبي محمد بن إبراهيم بن أبي الفتيان بن عبدالله بن الحسن بن أحمد " أبي الطيب " ابن أبي علي حسن بن أبي جعفر محمد الحائري " نزيل كرمان " ابن إبراهيم الضرير المعروف بـ " المجاب " ابن الأمير محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي السجاد " زين العابدين " بن الإمام أبى عبدالله الحسين " السبط الشهيد " بن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (سلام الله عليهم أجمعين).
الحافظ: جيد، لقد انتهى نسبك ـ حسب بيانك هذا ـ إلى علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه)، وهذا الانتساب يثبت أنك من أقرباء النبي (ص) لا من أولاده، لأن الأولاد إنما هم من ذرية الإنسان ونسله، لا من ختنه وصهره، فكيف ادّعيت مع ذلك بأنك من أولاد رسول الله (ص)؟!
قلت إن انتسابنا إلى النبي الأكرم (ص) إنما يكون عن طريق فاطمة الزهراء عليها السلام بنت رسول الله (ص)، لأنها أم الإمام الحسين الشهيد عليه السلام.
الحافظ: العجب كل العجب منك ومن كلامك! إذ كيف تتفوّه بهذا الكلام وأنت من أهل العلم والأدب؟!
ألست تعلم أن نسل الإنسان وعقبه إنما يكون عن طريق الأولاد الذكور لا الإناث؟! ورسول الله (ص) لم يكن له عقب من أولاده الذكور!! فإذن أنتم أسباطه وأبناء بنته، لا أولاده وذريته!!
قلت: ما كنت أحسبك معاندا أو لجوجا، وإلا لما قمت مقام المجيب على سؤالكم، ولما قبلت الحوار معكم!
الحافظ: لا يا صاحبي لا يلتبس الأمر عليك، فإنّا لا نريد المراء واللجاج وإنما نريد أن نعرف الحقيقة، فإني وكثير من العلماء نظرنا في الموضوع ما بينته لكم، فإنا نرى أن عقب الإنسان ونسله إنما هو من الأولاد الذكور لا البنات، وذلك كما يقول الشاعر في هذا المجال:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنابنوهن أبناء الرجال الأباعدفإن كان عندكم دليل على خلافه يدلّ على أن أولاد بنت رسول الله (ص) أولاده وذريته فبينوه لنا حتى نعرفه، وربما نقتنع به فنكون لكم من الشاكرين.
قلت: إني وفي أثناء كلامكم تذكرت مناظرة حول الموضوع، جرت بين الخليفة العباسي هارون، وبين: الإمام أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، فقد أجابه عليه السلام بجواب كاف وشاف اقتنع به هارون وصدقه.
الحافظ: كيف كانت تلك المناظرة أرجو أن تبينوها لنا؟
قلت: قد نقل هذه المناظرة علماؤنا الأعلام في كتبهم المعتبرة، منهم: ثقة عصره، ووحيد دهره، الشيخ الصدوق في كتابه القيم: (عيون أخبار الرضا) (8).
ومنهم: علامة زمانه، وبحّاثة قرنه، الشيخ الطبرسي في كتابه الثمين:(الاحتجاج) وأنا أنقلها لكم من كتاب (الاحتجاج)(9) وهو كتاب علمي قيّم، يضم بين دفتيه أضخم تراث علمي وأدبي لا بدّ لأمثالك أيها الحافظ من مطالعته، حتى ينكشف لكم الكثير من الحقائق العلمية والوقائع التاريخية الخافية عليكم.

أولاد البتول عليها السلام ذرية الرسول (ص)
روى العلامة الطبرسي أبو منصور أحمد بن علي في الجزء الثاني من كتابه:(الاحتجاج) رواية مفصلة وطويلة تحت عنوان: " أجوبة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام لأسئلة هارون " وآخر سؤال وجواب، كان حول الموضوع الذي يدور الآن بيننا، وإليكم الحديث بتصرّف:
هارون: لقد جوّزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى النبي (ص) ويقولوا لكم: يا أولاد رسول الله، وأنتم بنو علي، وإنما ينسب المرء إلى أبيه، وفاطمة إنما هي وعاء، والنبي جدكم من قبل أمكم؟؟!
الإمام عليه السلام: لو أن النبي (ص) نشر فخطب إليك كريمتك، هل كنت تجيبه؟!
هارون: سبحان الله! ولم لا أجيبه، وأفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك.
الإمام عليه السلام: لكنه لا يخطب إليّ، ولا أزوّجه.
هارون: ولِمَ؟!
الإمام عليه السلام: لأنه ولدني ولم يلدك.
هارون: أحسنت!!
ولكن كيف قلتم: إنا ذرية النبي (ص) والنبي لم يعقّب؟! وإنما العقب للذكر لا للأنثى، وأنتم ولد بنت النبي، ولا يكون ولدها عقبا له (ص)!!
الإمام عليه السلام: أسألك بحق القرابة والقبر ومن فيه إلا أعفيتني عن هذه المسألة.
هارون: لا... أو تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي! وأنت يا موسى يعسوبهم وإمام زمانهم، كذا أنهى لي، ولست أعفيك في كل ما أسألك عنه، حتى تأتيني فيه بحجة من كتاب الله، وأنتم معشر ولد علي تدّعون: أنه لا يسقط عنكم منه شيء، ألف ولا واو، إلا تأويله عندكم واحتججتم بقوله عز وجل: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)(10) وقد استغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم!!
الإمام عليه السلام: تأذن لي في الجواب؟
هارون: هات.
الإمام عليه السلام: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:(ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين) (11) فمن أبو عيسى عليه السلام؟
هارون: ليس لعيسى أب!
الإمام عليه السلام: فالله عز وجل ألحقه بذراري الأنبياء عن طريق أمه مريم عليها السلام وكذلك ألحقنا بذراري النبي (ص) من قبل أمنا فاطمة عليها السلام... هل أزيدك؟
هارون: هات.
الإمام عليه السلام: قال الله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)(12) ولم يدّعِ أحد أنه أدخله النبي (ص) تحت الكساء وعند مباهلة النصارى، إلا علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين عليها السلام، واتفق المسلمون: أن مصداق (أبناءنا) في الآية الكريمة: الحسن والحسين عليهما السلام، (ونساءنا): فاطمة الزهراء عليها السلام. (وأنفسنا) : علي بن أبي طالب عليه السلام.
هارون: أحسنت يا موسى! ارفع إلينا حوائجك.
الإمام عليه السلام: ائذن لي أن أرجع إلى حرم جدي رسول الله (ص) لأكون عند عيالي.
هارون: ننظر إن شاء الله (13).

الاستدلال بكتب العامة ورواياتهم
هناك دلائل كثيرة جاءت في نفس الموضوع تدل على ما ذكرناه وقد سجّلها علماؤكم ونقلها حفاظكم ورواتكم. منهم: الإمام الرازي في الجزء الرابع من (تفسيره الكبير) (14) وفي الصفحة (124) من المسألة الخامسة قال في تفسير هذه الآية من سورة الأنعام: إن الآية تدل على أن الحسن والحسين [ عليهما السلام ] ذرية رسول الله (صلى الله عليه [وآله ] وسلم) لأن الله جعل في هذه الآية عيسى من ذرية ابراهيم ولم يكن لعيسى أب، وإنما انتسابه إليه من جهة الأم، وكذلك الحسن والحسين [ عليهما السلام ] فإنهما من جهة الأم ذرية رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم.
كما إن الإمام الباقر عليه السلام استدل للحجاج الثقفي بهذه الآية لإثبات أنهم ذرية رسول الله (ص) أيضا(15):
ومنهم: ابن أبي الحديد في: " شرح نهج البلاغة "، وأبو بكر الرازي في تفسيره استدل على أن الحسن والحسين عليهما السلام أولاد رسول (ص) من جهة أمهم فاطمة عليها السلام بآية المباهلة وبكلمة: (أبناءنا) كما نسب الله تعالى في كتابه الكريم عيسى إلى إبراهيم من جهة أمه مريم عليها السلام.
ومنهم: الخطيب الخوارزمي، فقد روى في (المناقب) والمير السيد علي الهمداني الشافعي في كتابه (مودة القربى) والإمام أحمد بن حنبل وهو من فحول علمائكم في مسنده، وسليمان الحنفي البلخي في (ينابيع المودة)(16) بتفاوت يسير: أن رسول الله (ص) قال ـ وهو يشير إلى الحسن والحسين عليهما السلام:ـ " إبناي هذان ريحانتاي من الدنيا، إبناي هذان إمامان إن قاما أو قعدا ".
ومنهم: محمد بن يوسف الشافعي، المعروف بالعلامة الكنجي، ذكر في كتابه (كفاية الطالب) فصلا بعد الأبواب المائة بعنوان: فصل: في بيان أن ذرية النبي (ص) من صلب علي عليه السلام " جاء فيه بسنده عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنه قال: قال رسول الله (ص) إن الله عز وجل جعل ذرية كل نبي في صلبه، وإن الله عز وجل جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب " (17).
ورواه ابن حجر المكي في صواعقه المحرقة: ص74 و94 عن الطبراني، عن جابر بن عبدالله، كما ورواه أيضا الخطيب الخوارزمي في (المناقب) عن ابن عباس.
قلت(18): ورواه الطبراني في معجمه الكبير في ترجمة الحسن، ثم قال:
فإن قيل: لا اتصال لذرية النبي (ص) بعلي عليه السلام إلا من جهة فاطمة عليها السلام وأولاد البنات لا تكون ذرية، لقول الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنابنوهن أبناء الرجال الأباعدقلت: في التنزيل حجة واضحة تشهد بصحة هذه الدعوى وهو قوله (عز وجل)(19): (ووهبنا له [أي:ابراهيم] إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ـ إلى أن قال: ـ وزكريا ويحيى وعيسى)، فعد عيسى (عليه السلام) من جملة الذرية الذين نسبهم إلى نوح (عليه السلام) وهو ابن بنت لا اتصال له إلا من جهة أمه مريم.
وفي هذا أكد دليل على أن أولاد فاطمة (عليها السلام) ذرية النبي (ص) ولا عقب له إلا من جهتها، وانتسابهم الى شرف النبوة ـ وان كان من جهة الأم ـ ليس ممنوع، كانتساب عيسى الى نوح، إذ لا فرق.
وروى الحافظ الكنجي الشافعي في آخر هذا الفصل، بسنده عن عمر بن الخطاب، قال سمعت رسول الله يقول: كل بني أنثى فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة، فإني أنا عصبتهم وأنا أبوهم(20).
قال العلامة الكنجي: رواه الطبري في ترجمة الحسن.
هذا ونقله أيضا بتفاوت يسير وزيادة في أوله، بأن رسول الله (ص) قال: كل حسب ونسب منقطع يوم اليوم القيامة ما خلا حسبي ونسبي(21).
أقول: ونقله كثير من علمائكم وحفاظكم، منهم الحافظ سليمان الحنفي في كتابه: (ينابيع المودة)(22) وقد أفرد بابا في الموضوع فرواه عن أبي صالح، والحافظ عبدالعزيز بن الأخضر وأبي نعيم في معرفة الصحابة، والدار قطني والطبراني في الأوسط.
ومنهم: الشيخ عبد الله بن محمد الشبراوي في:(الإتحاف بحب الاشراف).
ومنهم: جلال الدين السيوطي في (إحياء الميت بفضائل أهل البيت) (23).
ومنهم: أبو بكر بن شهاب الدين في: (رشفة الصادي في بحر فضائل بني النبي الهادي) ط. مصر، الباب الثالث.
ومنهم: ابن حجر الهيتمي في (الصواعق المحرقة) الباب التاسع، الفصل الثامن، الحديث السابع والعشرون، قال: أخرج الطبراني عن جابر، والخطيب عن ابن عباس... ونقل الحديث.
وروى ابن حجر أيضا في (الصواعق الباب الحادي عشر، الفصل الأول، الآية التاسعة...): وأخرج ابو الخير الحاكمي، وصاحب (كنوز المطالب في بني أبي طالب) إن عليا دخل على النبي (ص) وعنده العباس، فسلم فردّ عليه (ص) السلام وقام فعانقه وقبّل ما بين عينيه وأجلسه عن يمينه.
فقال له العباس: أتحبه؟
قال (ص): يا عمّ! واللهِ الله ُأشدّ حبا له مني، إن الله (عز وجل) جعل ذرية كل نبي في صلبه، وجعل ذريتي في صلب هذا.
ورواه العلامة الكنجي الشافعي في كتابه: (كفاية الطالب الباب السابع) (24) بسنده عن ابن عباس.
وهناك مجموعة كبيرة من الأحاديث الشريفة المعتبرة، المروية في كتبكم، المقبولة عند علمائكم، تقول، إن النبي (ص) كان يعبر عن الحسن والحسين عليهما السلام بأنهما ابناه، ويعرفهما لأصحابه ويقول: هذان ابناي.
وجاء في تفسير: (الكشاف) وهو من أهم تفاسيركم، في تفسير آية المباهلة: لا دليل أقوى من هذا على فضل أصحاب الكساء، وهم: علي وفاطمة والحسنان، لأنهما لما نزلت، دعاهم النبي (ص) فاحتضن الحسين وأخذ بيد الحسن ومشت فاطمة خلفه وعلي خلفهما، فعلم: إنهم المراد من الآية، وإن أولاد فاطمة وذريتهم سيمون أبناءه، وينسبون إليه (ص) نسبة صحيحة نافعة في الدنيا والآخرة(25).
وكذلك الشيخ أبو بكر الرازي في (التفسير الكبير) في ذيل آية المباهلة، وفي تفسير كلمة (أبناءنا) له كلام طويل وتحقيق جليل، أثبت فيه أن الحسن والحسين هم أبنا رسول الله (ص) وذريته، فراجع(26).
ثم قلت بعد ذلك: فهل يبقى ـ يا أيها الحافظ ـ بعد هذا كله، محل للشعر الذي استشهدت به؟! بنونا بنو أبنائنا...الى آخره.
وهل يقوم هذا البيت من الشعر، مقابل هذه النصوص الصريحة والبراهين الواضحة؟!
فلو اعتقد أحد بعد هذا كله، بمفاد ذلك الشعر الجاهلي ـ الذي قيل في وصفه: إنه كفر من شعر الجاهلية ـ لردّه كتاب الله العزيز وحديث رسوله الكريم (ص).
ثم أعلم ـ أيها الحافظ ـ أن هذا بعض دلائلنا في صحة انتسابنا إلى رسول الله (ص)، وبعض براهيننا على أننا ذريته ونسله، ولذا يحق لنا أن نفتخر بذلك ونقول:
أولئك آبائي فجئني بمثلهمإذا جمعتنا يا جرير المجامعالحافظ: إني أقر وأعترف بأن دلائلكم كانت قاطعة، وبراهينكم ساطعة، ولا ينكرها إلا الجاهل العنود، كما وأشكركم كثيرا على هذه التوضيحات، فلقد كشفتم لنا الحقيقة وأزحتم الشبهة عن أذهاننا.

صلاة العشاء:
وهنا علا صوت المؤذن في المسجد وهو يعلن وقت صلاة العشاء، والأخوة من العامة ـ بخلافنا نحن الشيعة ـ يوجبون التفريق بين صلاتي الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وقد يجمعون أحيانا، وذلك لسبب كالمطر والسفر.
لذا فقد تهيئوا جميعا للذهاب إلى المسجد، فقال بعضهم: وبما أنّا نريد الرجوع بعد الصلاة إلى هذا المكان لمتابعة الحديث، فالأحسن أن تقام جماعة في المسجد وجماعة في هذا المكان بالحاضرين، حتى لا يفترق جمعنا ولا يفوت وقتنا، فهذه فرصة ثمينة يجب أن نغتنمها.
فوافق الجميع على هذا الاقتراح، وذهب السيد عبد الحي ـ إمام المسجد ـ ليقيم الجماعة فيه بالناس.
وأمّا الآخرون فقد أقاموا صلاة العشاء جماعة في نفس المكان واستمروا على ذلك بقية الليالي التالية أيضا.

مسالة الجمع أو التفريق بين الصلاتين
ولما استقرّ بنا المجلس بعد الصلاة، خاطبني أحد الحاضرين، ويدعى النواب عبد القيوم خان، وكان يعد من أعيان العامة وأشرافهم، وهو رجل مثقف يحب العلم والمعرفة، فقال لي: في هذه الفرصة المناسبة التي يتناول العلماء فيها الشاي أستأذنكم لأطرح سؤالا خارجا عن الموضوع الذي كنا فيه، ولكنه كثيرا ما يتردد على فكري ويختلج في صدري.
قلت: تفضل واسأل، فإني مستعد للاستماع إليك.
النواب: كنت أحب كثيرا أن ألتقي بأحد علماء الشيعة حتى أسأله: أنه لماذا تسير الشيعة على خلاف السنة النبوية حتى يجمعون بين صلاتي الظهر والعصر وكذلك المغرب والعشاء؟!
قلت:
أولا: السادة العلماء ـ وأشرت إلى الحاضرين في المجلس ـ يعلمون أن آراء العلماء تختلف في كثير من المسائل الفرعية، كما أن أئمتكم ـ الأئمة الأربعة ـ يختلفون في آرائهم الفقهية فيما بينهم كثيرا، فلم يكن إذن الاختلاف بيننا وبينكم في مثل هذه المسألة الفرعية شيئا مستغربا.
ثانيا: إن قولك: الشيعة على خلاف السنة النبوية، ادّعاء وقول لا دليل عليه، وذلك لأن النبي (ص) كان يجمع حينا ويفرق أخرى.
النواب ـ وهو يتوجه إلى علماء المجلس ويسألهم ـ: أهكذا كان يصنع رسول الله (ص) يفرق حينا ويجمع أخرى؟
الحافظ: يلتفت إلى النواب ويقول في جوابه: كان النبي (ص) يجمع بين الصلاتين في موردين فقط: مورد السفر، ومورد العذر من مطر وما أشبه ذلك، لكي لا يشق على أمته.
وأما إذا كان في الحضر، ولم يك هناك عذر للجمع، فكان يفرّق، وأظن أن السيد قد التبس عليه حكم السفر والحضر!!
قلت: كلا، ما التبس عليّ ذلك، بل أنا على يقين من الأمر، وحتى أنه جاء في الروايات الصحيحة عندكم: بأن رسول الله (ص) كان يجمع بين الصلاتين في الحضر من غير عذر.
الحافظ: ربما وجدتم ذلك في رواياتكم وتوهمتم أنها من رواياتنا!!
قلت: لا، ليس كذلك، فإن رواة الشيعة قد أجمعوا على جواز الجمع بين الصلاتين، لأن الروايات في كتبنا صريحة في ذلك، وإنما الكلام والنقاش يدور فيما بين رواتكم حول الجمع وعدمه، فقد نقلت صحاحكم وذكرت مسانيدكم، أحاديث كثيرة وأخبارا صريحة في هذا الباب.
الحافظ: هل يمكنكم ذكر هذه الروايات والأحاديث وذكر مصادرها لنا؟
قلت: نعم، هذا مسلم بن الحجاج، روى في صحيحه في باب (الجمع بين الصلاتين في الحضر) بسنده عن ابن عباس، أنه قال: صلّى رسول الله (ص) الظهر والعصر جمعا، والمغرب والعشاء جمعا، في غير خوف ولا سفر.
وروى أيضا، بسنده عن ابن عباس، أنه قال: صلّيت مع النبي (ص) ثمانيا جمعا، وسبعا جمعا (27).
وروى هذا الخبر بعينه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج2 ص221 وأضاف إليه حديثا آخر عن ابن عباس أيضا، أنه قال: صلى رسول الله (ص) في المدينة مقيما غير مسافر، سبعا وثمانيا.
وروى مسلم في صحيحه أخبارا عديدة في هذا المجال، إلى أن روى في الحديث رقم 57، بسنده عن عبدالله بن شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، فجعل الناس يقولون: الصلاة.. الصلاة! فلم يعتن ابن عباس بهم، فصاح في هذه الأثناء رجل من بني تميم، لا يفتر ولا ينثني: الصلاة.. الصلاة!
فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة؟ لا أم لك!
ثم قال: رأيت رسول الله (ص) جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
قال عبدالله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدّق مقالته.
وروى مسلم في صحيحه الحديث رقم 58 ذلك أيضا بطريق آخر عن عبدالله بن شقيق العقيلي، قال: قال رجل لابن عباس ـ لما طالت خطبته: الصلاة! فسكت، ثم قال: الصلاة! فسكت. ثم قال: الصلاة! فسكت، ثم قال: لا أم لك! أتعلمنا بالصلاة، وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله (ص)؟!
وروى الزرقاني وهو من كبار علمائكم، في كتابه (شرح موطأ مالك ج1 ص 263، باب الجمع بين الصلاتين) عن النسائي، عن طريق عمرو بن هرم، عن ابن الشعثاء، أنه قال: إن ابن عباس كان يجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وصلاتي المغرب والعشاء في البصرة، وكان يقول هكذا صلى رسول الله (ص).
وروى مسلم في صحيحه، ومالك في (الموطأ) وأحمد بن حنبل في (المسند) والترمذي في صحيحه في (باب الجمع بين الصلاتين) باسنادهم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله (ص) بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة، من خوف ولا مطر، فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟
قال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمته.
هذه بعض رواياتكم في هذا الموضوع، وهي أكثر من ذلك بكثير، ولكن ربما يقال: إن أوضح دليل على جواز الجمع بين الصلاتين، من غير عذر ولا سفر، هو أن علمائكم فتحوا بابا في صحاحهم ومسانيدهم بعنوان: (الجمع بين الصلاتين) وذكروا فيه الروايات التي ترخص الجمع مطلقا، في السفر والحضر، مع العذر وبلا عذر.
ولو كان غير ذلك، لفتحوا بابا مخصوصا للجمع في الحضر وبابا مخصوصا للجمع في السفر، وبما أنهم لم يفعلوا ذلك، وإنما سردوا الروايات في باب واحد، كان دليلا على جواز الجمع مطلقا!
الحافظ: ولكني لم أجد في صحيح البخاري روايات ولا بابا بهذا العنوان.
قلت:
أولا: إنه إذا روى سائر أصحاب الصحاح ـ غير البخاري ـ من مثل مسلم والترمذي والنسائي وأحمد بن حنبل، وشرّاح صحيحي مسلم والبخاري، وغيرهم من كبار علمائكم، أخبارا وأحاديث في مطلب ما وأقروا بصحتها، ألم تكن رواية أولئك كافية في إثبات ذلك المطلب....، فيثبت إذن هدفنا ومقصودنا؟!
وثانيا: إن البخاري أيد ذكر هذه الروايات في صحيحه، ولكن بعنوان آخر، وذلك في باب (تأخير الظهر إلى العصر) من كتاب مواقيت الصلاة، وفي باب (ذكر العشاء والعتمة) وباب (وقت المغرب).
أرجو أن تطالعوا هذه الأبواب بدقة وإمعان حتى تجدوا أن كل هذه الأخبار والروايات الدالة على جواز الجمع بين الصلاتين منقولة هناك أيضا.

الجمع بين الصلاتين عند علماء الفريقين
والحاصل: إن نقل هذه الأحاديث من قبل جمهور علماء الفريقين ـ مع الإقرار بصحتها في صحاحهم ـ دليل على أنهم أجازوا الجمع ورخصوه، وإلا لما نقلوا هذه الروايات في صحاحهم.
كما أن العلامة النوري في (شرح صحيح مسلم) والعسقلاني والقسطلاني وزكريا الأنصاري، في شروحهم لصحيح البخاري، وكذلك الزرقاني في (شرح موطأ مالك) وغير هؤلاء من كبار علمائكم ذكروا هذه الأخبار والروايات، ثم وثقوها وصححوها، وصرحوا أنها تدل على الجواز والرخصة في الجمع بين الصلاتين في الحضر من غير عذر ولا مطر، وخاصة بعد رواية ابن عباس وتقرير صحتها، فإنهم علقوا عليها بأنها صريحة في جواز الجمع مطلقا، وحتى لا يكون أحد من الأمة في حرج ومشقة.
النواب ـ وهو يقول متعجبا ـ: كيف يمكن مع وجود هذه الأخبار والروايات المستفيضة والصريحة في جواز الجمع بين الصلاتين، ثم يكون علماؤنا على خلافها حكما وعملا.
قلت ـ بديهي، ومع كامل العذر على الصراحة ـ: إن عدم التزام علمائكم بالنصوص الصريحة والروايات الصحيحة التي لا تنحصر ـ مع كل الأسف ـ بهذا الموضوع فقط، بل هناك حقائق كثيرة نص عليها النبي (ص)، وصرح بها في حياته، ولكنهم لم يلتزموا بها، وإنما تأولوها وأخفوا نصها عن عامة الناس، وسوف تنكشف لكم بعض هذه الحقائق خلال البحث والنقاش في موضوع الإمامة وغيره إن شاء الله تعالى.
وأما هذا الموضوع بالذات، فإن فقهائكم لم يلتزموا ـ أيضا بالروايات التي وردت فيه مع صراحتها، وإنما أولوها بتأويلات غير مقبولة عرفا.
فقال بعضهم: إن هذه الروايات المطلقة في الجمع بين الصلاتين لعلها تقصد الجمع في أوقات العذر، مثل الخوف والمطر وحدوث الطين والوحل، وعل هذا التأويل المخالف لظاهر الروايات أفتى جماعة كبيرة من أكابر متقدميكم، مثل: الإمام مالك والإمام الشافعي وبعض فقهاء المدينة فقالوا: بعدم جواز الجمع بين الصلاتين إلا لعذر كالخوف والمطر!
ومع ان هذا التأويل يرده صريح رواية ابن عباس التي تقول: " جمع النبي (ص) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة من غير خوف ولا مطر ".
وقال بعضهم الآخر في تأويل هذه الروايات المطلقة الصريحة في الجمع بين الصلاتين مطلقا، حتى وغن كان بلا عذر ولا سفر،: لعل السحاب كان قد غطى السماء، فلم يعرفوا الوقت، فلما صلوا الظهر وأتموا الصلاة، زال السحاب وانكشف الحجاب، فعرفوا الوقت عصرا، فجمعوا صلاة العصر مع الظهر!!
فهل يصح ـ يا ترى ـ مثل هذا التأويل في أمر مهم مثل الصلاة، التي هي عمود الدين؟!
وهل أن المؤولين نسوا أن المصلي ـ في الرواية ـ هو رسول الله (ص) وأن وجود السحاب وعدمه لا يؤثر في علم النبي (ص)، الذي يعلم من الله تعالى، وينظر بنور ربه (عز وجل)؟!
وعليه فهل يجوز أن نحكم في دين الله العظيم استنادا إلى هذه التأويلات غير العرفية، التي لا دليل عليها سوى الظن المرجوح! وقد قال تعال: (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) (28).
إضافة إلى ذلك ما الذي تقولونه في جمع النبي (ص) بين صلاتي المغرب والعشاء، مع أنه لا أثر حينها للسحاب وعدمه فيه؟!
إذن فهذا التأويل وغيره من التأويلات، خلاف ظاهر الروايات، وخلاف صريح الخبر القائل: " إن ابن عباس استمر في خطبته حتى بدت النجوم، ولم يبال بصياح الناس: الصلاة.. الصلاة، ثم ردّ ابن عباس على التميمي بقوله: أتعلمني بالسنة؟! لا أم لك! رأيت رسول الله (ص) جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء " ثم تصديق أبي هريرة لمقالة ابن عباس.
وعليه: فإن هذه التأويلات غير معقولة ولا مقبولة عندنا، وكذا غير مقبولة عند كبار علمائكم أيضا، إذ أنهم علقوا عليها: بأنها خلاف ظاهر الروايات.
فهذا شيخ الإسلام الانصاري في كتابه (تحفة الباري في شرح صحيح البخاري في باب صلاة الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء آخر ص 292 في الجزء الثاني) وكذا العلامة القسطلاني في كتابه (إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري في ص293 من االجزء الثاني) وكذا غيرهما من شراح صحيح البخاري، وكثير من محققي علمائكم، قالوا: هذه التأويلات على خلاف ظاهر الروايات، وإن التقيد بالتفريق بين الصلاتين ترجيح بلا مرجح وتخصيص بلا مخصص.
النواب: إذن فمن أين جاء هذا الاختلاف الذي فرق بين الأخوة المسلمين إلى فرقتين متخاصمتين، ينظر بعضهم إلى الآخر بنظر البغض والعداء، ويقدح بعضهم في عبادة البعض الآخر؟!
قلت:
أولا: بما أنك قلت بأن المسلمين صاروا فريقين متعاديين، أوجب عليّ الوقوف قليلا عند كلمة: متعاديين، لنرى معا هل العداء ـ كما قلت ـ كان من الطرفين، أو من طرف واحد؟
وهنا لا بد لي ـ وأنا واحد من الشيعة ـ ان أقول دفاعا عن الشيعة ـ أتباع أهل البيت عليهم السلام، وإزاحة لهذه الشبهة عنهم: بأنّا نحن معاشر الشيعة، لا ننظر إلى أحد من علماء العامة وعوامهم بعين التحقير والعداء، بل نعدهم إخواننا في الدين.
وذلك بعكس ما ينظره بعض العامة إلينا تماما، إذ أنهم يرون أن الشيعة أعداءهم، فيتعاملون معهم معاملة العدو لعدوه، ولم تأتهم هذه النظرة بالنسبة إلى شيعة آل محمد (ص)، وأتباع مذهب أهل بيت رسولهم الكريم، إلا بسبب التقوّلات والأباطيل التي نشرت ضدهم بواسطة الخوارج والنواصب وبني أمية وأتباعهم من أعداء النبي (ص) وأعداء آله الكرام (ص) وبسبب الاستعمار ـ في يومنا هذا ـ الذي هو ألد أعداء الإسلام والمسلمين، والذي يخشى على منافعه ومطامعه من وحدة المسلمين واجتماعهم.
ومع الأسف الشديد فإن هذه التضليلات العدوانية أثّرت في قلوب وأفكار بعض أهل السنة، حتى نسبونا على الكفر والشرك!
ويا ليت شعري هل فكروا في أنهم بأي دليل ذهبوا إلى هذا المذهب وفرقوا بين المسلمين؟!
ألم يفكروا في نهي الله تعالى المسلمين عن التفرقة بقوله:(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (29)؟
ثم أليس الله عز وجل، وحده لا شريك له، ربنا جميعا، والإسلام ديننا، والقرآن كتابنا، والنبي الكريم محمد (ص) خاتم النبيين وسيد المرسلين نبينا، وقوله وفعله وتقريره سنتنا، وحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، وأن الحق ما حققه، والباطل ما أبطله، ونوالي أولياءه، ونعادي أعداءه، والكعبة مطافنا وقبلتنا جميعا، والصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، والزكاة الواجبة وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، فرائضنا، والعمل بجميع الأحكام والواجبات والمستحبات وترك الكبائر والمعاصي والذنوب مرامنا؟
ألستم معنا في هذا كله؟
أم أن شرعنا أو شرعكم، وإسلامنا وإسلامكم غير ما بيناه من الدين المبين؟؟!
وأنا على علم ويقين بأنكم توافقوننا في كل ما ذكرناه، وإن كان بيننا وبينكم شيء من الخلاف فهو كالخلاف الموجود فيما بينكم وبين مذاهبكم، فنحن وأنتم في الإسلام سواء (كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) (30).
إذن فلماذا صار بعض العامة ينسبوننا إلى ما لا يرضى به الله ورسوله، ويبغون الفرقة بيننا وبينهم، وينظرون إلينا بنظر العداوة والبغضاء؟! وهذا ما يتربصه بنا أعداء الإسلام ويريده لنا الشيطان، شياطين الإنس والجن، قال تعالى في ذلك: (.... شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول... ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه ....) (31).
وقال تعالى: (إنما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر....) (32). فتارة يوقع الشيطان العداوة والبغضاء بين المسلمين بواسطة الخمر والميسر، وتارة بواسطة التسويلات والأوهام التي يلقيها في قلوبهم عبر التهم والأباطيل التي ينشرها شياطين الإنس في أوساطهم.
ثانيا: سالت: من أين جاء هذا الاختلاف؟
فإني أقول لك وقلبي يذوب حسرة وأسفا: لقد جاء هذا وغيره من الاختلافات الفرعية على أثر اختلاف جذري وخلاف أصولي، ليس هذا الوقت مناسبا لذكره، ولعلنا نصل إليه في مباحثنا الآتية فنتعرض له إذا دار النقاش حوله، وحين ذاك ينكشف لكم الحق وتعرفون الحقيقة إن شاء الله تعالى.
ثالثا: وأما بالنسبة إلى مسألة الجمع والتفريق بين الصلاتين، فإن فقهاءكم بالرغم من أنهم رووا الروايات الصحيحة والصريحة في الرخصة وجواز الجمع لأجل التسهيل ورفع الحرج عن الأمة، أولوها ـ كما عرفت ـ ثم أفتوا بعدم جواز الجمع من غير عذر أو سفر، حتى أن بعضهم ـ مثل أبي حنيفة وأتباعه ـ أفتوا بعدم جواز الجمع مطلقا حتى مع العذر والسفر(33).
ولكن المذاهب الأخرى من الشافعية والمالكية والحنابلة على كثرة اختلافاتهم الموجودة بينهم في جميع الأصول والفروع أجازوا الجمع في الأسفار المباحة كسفر الحج والعمرة، والذهاب إلى الحرب، وما أشبه ذلك.
وأما فقهاء الشيعة، فأنهم تبعا للأئمة الأطهار من آل النبي المختار (ص) ـ الذين جعلهم رسول الله (ص) ميزانا لمعرفة الحق والباطل، وعدلا للقرآن، ومرجعا للأمة في حل الاختلاف، وصرح بأن التمسك بهم وبالقرآن معا أمان من الفرقة والضلالة بعده ـ أفتوا بجواز الجمع مطلقا، لعذر كان أم لغير عذر، في سفر كان أم في حضر، جمع تقديم في أول الوقت، أم جمع تأخير في آخر الوقت، وفوّضوا الخيار في الجمع والتفريق إلى المصلّي نفسه تسهيلا عليه ودفعا للحرج عنه، وبما أن الله يحب الأخذ برخصه، اختارت الشيعة الجمع بين الصلاتين، حتى لا يفوتهم شيء من الصلاة غفلة أو كسلا، فجمعوا تقديما، أو تأخيرا.
ولما وصل الكلام في الجواب عن الجمع بين الصلاتين إلى هنا قلت لهم: أرى الكلام عن هذه المسألة بهذا المقدار كافيا، فإني أظن بأن الشبهة قد ارتفعت عن أذهانكم وانكشف لكم الحق، وعرفتم: أن الشيعة ليسوا كما تصورهم البعض أو صوروهم لكم، بل إنهم إخوانكم في الدين، وهم ملتزمون بسنة النبي الكريم وبالقرآن الحكيم(34).

عود على بدء
قلت: والآن أرى أن من الأفضل أن نعود إلى حوارنا السابق، ونتابع حديثنا حول المسائل الأصولية المهمة، فإن هناك مسائل أصولية أهم من هذه المسائل الفرعية، فإذا توافقنا على تلك المسائل الأصولية، فالموافقة على أمثال هذه المسائل الفرعية حاصلة بالتبع.
الحافظ: إنني فرح بمجالسة عالم فاضل ومفكر نبيل، ومحادثة متفكر، ذي اطلاع وافر على كتبنا ورواياتنا مثل جنابكم، فقد بان لي فضلكم وعلمكم في أول مجلس جلسناه معكم، وكما تفضلتم فإن من الأفضل ـ الآن ـ أن نتابع حديثنا السابق.
غير أنني أستأذن سماحتكم لأقول متسائلا: لقد ثبت لنا بكلامكم الشيق، وبيانكم العذب، أنكم من الحجاز، ومن بني هاشم، فأحب أن أعرف ـ أنكم مع هذا النسب الطاهر والأصل المنيف ـ ما حدا بكم حتى هاجرتم من الحجاز وعلى الخصوص من المدينة المنورة، مدينة جدكم ومسقط رأسكم وسكنتم في إيران؟!
ثم في أي تاريخ تم ذلك ولماذا؟!
  #3  
قديم 04-26-08, 11:55 PM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي

قلت إن أول من هاجر من آبائي إلى إيران هو الأمير السيد محمد العابد ابن الإمام موسى بن جعفر (عليه الصلاة والسلام)، وكان فاضلا تقيا، عابدا زاهدا، ولكثرة عبادته ـ إذ أنه كان قائم الليل وصائم النهار وتاليا للقرآن الكريم في أكثر ساعات ليله ونهاره ـ لقب بالعابد، وكان يحسن الخط ويجيد الكتابة، فصار يستغل فراغه باستنساخ وكتابة المصحف المبارك، وكان ما يأخذه من حق مقابل كتابته يعيش ببعضه، ويشتري بالزائد منه مماليك وعبيدا ويعتقهم لوجه الله (عز وجل)، حتى أعتق عددا كبيرا منهم بذلك.
ولما أدركته الوفاة وارتحل من الدنيا ودفن في مضجعه، أصبح مرقده الشريف وإلى هذا اليوم مزارا شريفا لعامة المؤمنين في مدينة شيراز.
وأمر ابن الأمير أويس ميرزا معتمد الدولة، ثاني أولاد الحاج فرهاد ميرزا معتمد الدولة ـ عم ناصر الدين شاه قاجار ـ بنصب ضريح فضي ثمين على القبر الشريف، وأمر بروضته المباركة ـ وهي مسجد لأداء الفرائض اليومية وإقامة الجماعة، وتلاوة آيات الكتاب الكريم، وقراءة الأدعية والصلوات المستحبة، أمر أن تزين بالمرايا وأنواع البلاط والرخام، ليكون مأوى الزائرين، الذين يفدون إلى زيارة المرقد الشريف من كل صوب ومكان.
الحافظ: ما هو سبب هجرته من الحجاز إلى شيراز؟!
قلت: إن في أواخر القرن الثاني من الهجرة، حينما أجبر المأمون الإمام علي بن موسى الرضا (عليه الصلاة والسلام) على الرحيل من مدينة جده رسول الله (ص) والهجرة إلى خراسان، وفرض عليه الإقامة في طوس، وذلك بعد أن قلده ولاية العهد كرها، وقع الفراق بين الإمام الرضا (ع) وبين ذويه وإخوته.
ولما طال الفراق، اشتاق ذووه واخوته وكثير من بني هاشم إلى زيارته (ع) فاستأذنوه (ع) في ذلك فأذن لهم.
كما وبعثوا كتابا إلى المأمون يطلبون منه الموافقة على سفرهم إلى طوس لزيارة أخيهم وإمامهم الرضا (ع)، حتى لا يصدهم المأمون وجلاوزته وعماله عن قصدهم، ولا يتعرضوا لهم بسوء، فوافق المأمون على ذلك، وأبدى لهم رضاه، فشدوا الرحال، وعزموا على السفر لزيارة الإمام الرضا (ع)، فتحركت قافلة عظيمة تضم أبناء رسول الله (ص) وذريته، وتوجهت من الحجاز نحو خراسان، وذلك عن طريق البصرة والأهواز وبوشهر وشيراز... إلى آخره.
وكانت القافلة كلما مرت ببلد فيها من الشيعة والموالين لآل رسول الله (ص) انضم قسم كبير منهم إلى القافلة الهاشمية، التي كان على رأسها السادة الكرام من أخوة الإمام الرضا (ع)، وهم: الأمير السيد أحمد المعروف بـ: (شاه جراغ) والأمير السيد محمد العابد وهو: (جدنا الأعلى) والسيد علاء الدين حسين، أبناء الإمام موسى بن جعفر (ع)، فكان الناس يلتحقون بهم طوعا ورغبة لينالوا زيارة إمامهم الرضا (ع).
وعلى أثر ذلك ذكر المؤخرون: بأن هذه القافلة حينما قربت من شيراز بلغ عدد أفرادها أكثر من خمسة عشر ألف إنسان، بين رجل وامرأة، وصغير وكبير، وقد غمرهم جميعا شوق اللقاء، وفرحة الوصال والزيارة.
فأخبر الجواسيس وعمال الحكومة المأمون في طوس بضخامة القافلة وكثرة أفرادها، وحذروه من مغبة وصولها إلى مركز الخلافة طوس، فأوجس المأمون ـ من الأخبار الواصلة إليه عن القافلة الهاشمية ـ خيفة، وأحس منها بالخطر على مقامه ومنصبه.
فأصدر أوامره إلى جواسيسه في الطريق، وإلى حكامه على المدن الواقعة في طريق القافلة الهاشمية، يأمرهم فيها بأن يصدوا القافلة عن المسير أينما وجدوها، وأن يمنعوها من الوصول إلى طوس وكانت القافلة قد وصلت قريبا من شيراز حين وصل أمر الخليفة إلى حاكمها بصدها، فاختار الحاكم سريعا وعلى الفور أحد جلاوزته المسمى (قتلغ خان) وكان شديدا قاسيا، وأمره على أربعين ألف مقاتل، وأمرهم بصد القافلة الهاشمية وردها إلى الحجاز.
فخرج هذا الجيش الجرار من شيراز باتجاه طريق القافلة وعسكر في (خان زنيون) وهو منزل يبعد عن شيراز، ثلاثين كيلو متر تقريبا، وبقوا يترصدون القافلة، وفور وصول القافلة إلى المنطقة وهي في طريقها إلى شيراز باتجاه طوس، بعث القائد (قتلغ خان) رسولا إلى السادة الأشراف، وبلغهم أمر الخليفة، وطلب منهم الرجوع إلى الحجاز من مكانهم هذا فورا.
فأجابه الأمير السيد أحمد ـ وهو كبيرهم ـ قائلا:
أولا: نحن لا نقصد من سفرنا هذا إلا زيارة أخينا الإمام الرضا (ع) في طوس.
وثانيا: نحن لم نخرج من المدينة المنورة، ولم نقطع هذه المسافة البعيدة إلا بإذن من الخليفة وبموافقة منه، ولهذا فلا مبرر لصدنا عن المسير.
ذهب الرسول وبلغ مقالته إلى (قتلغ) ثم رجع وهو يقول: إن القائد (قتلغ) أجاب قائلا: بأن الخليفة أصدر إلينا أوامر جديدة تحتم علينا وبكل قوة أن نمنعكم من السفر إلى طوس، ولعلها أوامر أخرى اقتضتها الظروف الراهنة، فلا بد لك أن ترجعوا من هنا إلى الحجاز.

التشاور دأب النبلاء
وهنا أخذ الأمير السيد أحمد يشاور اخوته وغيرهم من ذوي الرأي والحجى من رجال القافلة في الأمر، فلم يوافق أحد منهم على الرجوع، وأجمعوا على مواصلة السفر إلى خراسان مهما كلفهم الأمر، فجعلوا النساء في مؤخرة القافلة، والأقوياء من الرجال المجاهدين في المقدمة، وأخذوا يواصلون سفرهم.
وتحرك (قتلغ خان) بجيشه وقطع عليهم الطريق، وكلما نصحهم السادة أبناء رسول الله (ص) بتخلية الطريق لم ينفعهم نصحهم، وانجر الموقف إلى المناوشة والمقاتلة، ومنها شبت نيران الحرب والقتال بين الطرفين، فحمى الوطيس وانهزم جيش المأمون على أثر مقاومة بني هاشم وشجاعتهم.
فتوسل (قتلغ خان) بالمكر والخديعة وأمر جماعة من رجاله أن يصعدوا على التلال وينادوا بأعلى أصواتهم: يا أبناء علي وشيعته! إن كنتم تظنون أن الرضا سوف يشفع لكم عند الخليفة، فقد وصلنا خبر وفاته، وجلوس الخليفة في عزاءه، فلماذا تقاتلون؟! فإن الرضا قد مات!!
أثرت هذه الخديعة أثرا كبيرا في انهيار معنويات المقاتلين والمجاهدين، فتفرقوا في ظلام الليل وتركوا ساحة القتال، وبقي أبناء الرسول (ص) وحدهم، فأمر الأمير السيد أحمد اخوته ومن بقي معه أن يرتدوا ملابس أهل القرى ويتزيّوا بزيهم، ويتفرقوا في سواد الليل، ويتنكبوا عن الطريق العام حتى يسلموا على أنفسهم ولا يقعوا في يد (قتلغ خان) ورجاله، فتفرقوا من هنا وهناك، في الجبال والقفار مشردين مطاردين.
وأما الأمير السيد أحمد، وكذا السيد محمد العابد، والسيد علاء الدين، فقد دخلوا شيراز مختفين، وانفرد كل منهم في مكان منعزل وانشغل في عبادة ربه.
نعم يقال: أن المراقد المنسوبة إلى أل النبي (ص) في إيران وخاصة النائية منها في القرى وبين الجبال، أكثرها لأصحاب تلك الوقعة الأليمة.

ترجمة الأمير السيد أحمد
الأمير السيد أحمد هو أخ الإمام الرضا (ع)، وأفضل أولاد أبيه بعد أخيه الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، وأورعهم وأتقاهم.
وهو الذي اشترى في حياته ألف عبد مملوك وأعتقهم لوجه الله، ويلقب باللقب المعروف (شاه جراغ) وبعد أن نجاه الله من تلك المعركة، توجه مختفيا مع أخويه إلى شيراز، وأقاموا فيها متنكرين متفرقين.
ونزل السيد أحمد في شيراز عند أحد الشيعة في محلة (سردزك) وهو المكان الذي فيه مرقده الآن، واختفى في بيت ذلك الموالي واشتغل بالعبادة.
وأما (قتلغ خان) فقد جعل العيون والجواسيس في كل مكان لاستقصاء أخبار السادة المشردين والعثور عليهم، وبعد سنة تقريبا عرف مكان السيد أحمد فحاصره مع رجاله، وأبى السيد أن ينقاد ويستسلم لعدوه، فقاتلهم ذابا عن نفسه، وأبدى شجاعة وشهامة هاشمية، أعجبت الناس كلهم، وكان كلما ضعف عن الحرب يلتجئ إلى منزله فيستريح فيه لحظات ثم يخرج ويدافع عن نفسه.
فلما رأى (قتلغ) أنهم لا يستطيعون القضاء عليه عبر المواجهة المسلحة، احتالوا عليه بالدخول إلى بيت جيرانه والتسلل إليه عبر ثغرة أحدثوها من بيت الجيران، فلما دخل السيد بيته ليستريح فيها قليلا، خرجوا وغدروا به، فضربوه بالسيف على رأسه، فخر صريعا، ثم أمر(قتلغ خان)، فهدموا البيت على ذلك الجسد الشريف وبقي تحت التراب والأنقاض.
ولما كان أغلب الناس في ذلك الزمان من المخالفين، ولم يكونوا شيعة لآل محمد (ص) إلا القليل منهم، وذلك على أثر الأكاذيب التي كانت تنشر بواسطة الدولة ورجالها ضدهم، لم يرعوا حرمة ذلك المكان، ولا حرمة الجسد الشريف، ولم يرقبوا فيه رسول الله (ص) بل تركوه مدفونا تحت الأنقاض وأكوام التراب.

اكتشاف الجسد الشريف
وفي أوائل القرن السابع الهجري دخلت شيراز في ظل حكومة الملك أبي بكر بن سعد مظفر اليدن، وكان مؤمنا صالحا يسعى لنشر الدين الإسلامي الحنيف، ويكرم العلماء، ويحترم المؤمنين الأتقياء، ويحب السادة الشرفاء، وكما
قيل: (الناس على دين ملوكهم) كان وزراؤه ورجال دولته مثله ـ أيضاـ مؤمنين أخيار ومنهم: الأمير مسعود بن بدر الدين، وكان كريما يحب عمران البلاد وإصلاح حال العباد، فعُني بتجميل مدينة شيراز وتنظيفها من الأوساخ، وتجديد بناياتها وإصلاح خرائبها، إذ أن شيراز كانت عاصمة ملكهم.
فأمر في جملة ما أمر بإصلاحه، وتجديد البناء فيه ـ إعمار المكان الذي يضم جسد الأمير السيد أحمد منذ قرون، فلما جاء عماله ومستخدموه إلى المكان وانهمكوا بنقل التراب والأنقاض منه إلى خارج البلد، وصلوا أثناء العمل إلى جسد طري لشاب جسيم وسيم، قد قتل على أثر ضربة على رأسه انفلت هامته، فأخرجوه من بين الأنقاض وأخبروا الأمير مسعود بذلك، فجاء هو بصحبة جماعة من المسؤولين للتحقيق في الموضوع.
وبعد الفحص الكثير، والتنقيب عن وجود أثر يدل على هوية الشاب القتيل عثروا على خاتم له كان قد نقش عليه: " العزة لله، أحمد بن موسى " فأذعنوا لما أمروا ذلك ـ إضافة إلى ما كانوا قد سمعوه عن تاريخ ذلك المكان ـ أيضا ـ من أخبار الشجاعة الهاشمية التي أبداها أولاد رسول الله (ص) أنفسهم في الواقعة الأليمة التي دارت هناك وأدت أخيرا إلى شهادة أحمد بن موسى عليه السلام ـ ان هذا الجسد هو جسد الأمير السيد أحمد بن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام.
ولما شاهد الناس أن الجسد الشريف قد أخرج من تحت الأنقاض وأكوام التراب وذلك بعد أربعمائة عام من تاريخ شهادته وهو على نضارته طريا لم يتغير، عرفوا أن صاحبه ولي من أولياء الله تعالى، وأيقنوا بحقانية التشيع مذهب أهل بيت رسول الله (ص)، إذ أنه كان من أولاد الرسول وعلى مذهب أهل البيت الذي استشهد في سبيله ومن أجله، فتشيع على أثر ذلك كثير من اهل شيراز.
ثم أمر مسعود بن بدر الدين، أن يدفنوا الجسد الطاهر في نفس المكان الذي عثروا عليه فيه، بعد أن حفروا له قبرا وصلوا عليه، ودفنوه في قبره مجللا محترما بحضور العلماء وأعيان شيراز، كما وأمر أن يشيدوا على مرقده عمارة عالية ذات رحبة واسعة لتكون مأوى للزائرين والوافدين وبقيت كذلك حتى توفي الملك مظفر الدين سنة 658هـ ق.
وفي عام 750هـ لما آلت السلطة على بلاد فارس إلى الملك إسحاق بن محمود شاه ودخل شيراز، كانت أمه معه، وهي الملكة (تاشي خاتون) وكانت امرأة صالحة، فتشرفت بزيارة ذلك المرقد الشريف، وأمرت بترميم الروضة المباركة وإصلاحها، كما وأمرت ببناء وتشييد قبة جميلة جدا فوق مرقده، وجعلت قرية (ميمند) الواقعة على بعد ما يقرب من ثمانين كيلو مترا عن مدينة شيراز وقفا عليه، وأمرت بأن يصرف واردها على تلك البقعة المباركة، وهي باقية إلى يومنا هذا، حيث يعمل المتولون لها على قرار الوقف وينفقون واردها في شؤونه، ومحصولها حتى اليوم: ماء ورد معروف بجودته وطيبه في العالم.

ترجمة الأمير السيد علاء الدين حسين
السيد علاء الدين هو أيضا من إخوة الإمام الرضا عليه السلام، ومن أبناء الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وهو الذي دخل بصحبة أخويه متسترا إلى شيراز وفارقهما مختفيا في مكان لا يعرفه أحد، واشتغل فيه بالعبادة.
ثم مضت مدة من الزمن وهو مختف، وكان بالقرب من محل اختفائه بستان (لقتلغ خان) والسيد لا يعرف أنها لقتلغ خان، فضاقت به الدنيا يوما وضاق صدره، فخرج من مخبئه وأطل على البستان لينفس عن ضيق صدره ويروح نفسه قليلا، فجلس في زاوية واشتغل بتلاوة القرآن، فعرفه رجال قتلغ العاملون في البستان، فحملوا عليه، ولم يمهلوه حتى قتلوه والقرآن في يده وآياته على شفتيه، فما هالهم إلا أن رأوا أن الأرض تنشق وتضم جسده الشريف وتخفيه عنهم حتى مصحفه الذي كان في يديه.
مرت أعوام كثيرة على هذه الواقعة الأليمة، ومات قتلغ وانمحى أثر البستان، وتبدلت حكومات ودول كثيرة في بلاد فارس، حتى جاء عهد الدولة الصفوية.
وفي عهد الصفويين اتسعت مدينة شيراز حتى وصلت البيوت إلى الأرض التي ضمت جسد السيد علاء الدين، فعندما كانوا يحفرون فيها لوضع أساس للبناء، عثروا على جثة شاب جميل كأنه قتل من ساعته، واضعا يده على قبضة سيفه والمصحف الكريم على صدره، فعرفوا مما لديهم من العلائم والشواهد، أنه السيد علاء الدين حسين بن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام ـ فقيل: إنهم وجدوا اسمه مكتوبا على جلد المصحف الكريم ـ فدفنوه بعد الصلاة عليه في محله.
وأمر حاكم شيراز أن يبنوا على قبره الشريف مكانا عاليا وبناءا رفيعا ليتسع للمؤمنين الموالين الذين يتوافدون لزيارته من كل صوب ومكان.
وبعد ذلك جاء رجل من المدينة المنورة ـ يدعى الميرزا علي المدني ـ لزيارة مراقد السادة الشرفاء، وكان ثريا ومن الموالين لأهل البيت وذراريهم، فقام بتوسيع البناء على مرقد السيد علاء الدين، وشيد عليه قبة جميلة، واشترى أملاكا كثيرة فجعلها وقفا على ذلك المرقد الشريف، وأمر بصرف وارداتها بشؤونه، كما أوصى بأن يدفن بعد موته في جوار السيد علاء الدين، فلما مات دفنوه هناك، وقبره اليوم في تلك البقعة المباركة معروف، وقد كتب عليه اسمه، وهو: (ميرزا علي المدني) ولا يزال المؤمنون يزورونه ويقرأون له الفاتحة.
ثم إنه بعد ذلك أمر الملك إسماعيل الصفوي الثاني بتزيين ذاك البناء المشيد وترميمه بأحسن وجه، فنصبوا الكاشي والمرايا وزينوا الروضة المباركة بأفضل زينة، وهو إلى الآن مزار عظيم ومشهد كريم، يقصدون المؤمنون من كل أنحاء إيران وغيرها، وأهالي شيراز يكنون له غاية الاحترام والتكريم.
قال بعض النسابة: إن السيد علاء الدين كان عقيما لا نسل له، وقال بعض آخر: كان له نسل ولكن انقرضوا، ولم يبق له منهم عقب وذرية.
وكذلك الكلام في أخيه الأكبر السيد أحمد فقد قالوا في حقه: إنه لم يكن له أولاد ذكور، بل كانت له بنت واحدة فقط، وذلك على ما في كتاب (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب).
وقال بعض: كان للسيد أحمد أولاد ذكور أيضا.

ترجمة الأمير السيد محمد العابد
السيد محمد، الملقب بالعابد، هو: ثالث إخوة الإمام الرضا عليه السلام ورابع أولاد الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وهو الذي دخل شيراز بصحبة أخويه، الأمير السيد أحمد والسيد علاء الدين حسين، وفارقهما إلى مكان مجهول، مختفيا ومتنكرا لا يعرفه أحد، يعبد الله تعالى فيه حتى وافاه الأجل ومات موتا طبيعيا ودفن فيها.
ومن كثرة عبادته لقب بالعابد.
خلف أولادا أجلاء، أفضلهم من حيث العلم والتقوى، والزهد والورع هو: السيد إبراهيم المعروف بـ:(المجاب).
لقب بهذا اللقب لأنه عندما تشرف بزيارة فبر جده الإمام أمير المؤمنين علي (ع)، ووقف مسلما عليه، أتاه جواب سلامه من داخل القبر الشريف، فسمعه هو ومن حوله، وعلى اثر هذه المنقبة أجله الناس وعظموه واحترموه، ولقبوه بالمجاب، وبعد وفاة أبيه السيد محمد العابد توجه إلى زيارة العتبات المقدسة، وسكن بجوار قبر جده الشهيد الإمام الحسين (ع)، وقريبا من قبر جده أمير المؤمنين علي (ع) ليزورهما أيما وقت شاء.
وكان موضع قبر الإمام أمير المؤمنين (ع) قد ظهر حديثا وعرف في ذلك الزمان بعد ما كان مجهولا على الناس طيلة مائة وخمسين سنة تقريبا، فظهر بكرامة قدسية لتلك البقعة المباركة، وصار خبره آنذاك حديث اليوم، يتناقله الناس في المحافل والمجالس.
الحافظ: عجيب! في أي حال كان مرقد أمير المؤمنين كرم الله وجهه منذ دفنه إلى ذلك الزمان، حتى اكتشف بعد مائة وخمسين سنة، هل كان مخفيا على المسلمين طيلة هذه المدة؟! ولماذا أخفي عنهم؟؟!
قلت: لما استشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام كان ذلك في زمن طغى فيه بنو أمية، ولما كان عليه السلام يرى بنور الله أن ستمتد حكومة معاوية بعده من الشام إلى الكوفة، أوصى أن يدفن ليلا بلا علم من أحد، وأمر بأن يعفى موضع قبره، لذلك لم يحضر دفنه إلا أولاده وخواص شيعته.
ولكي يشتبه الأمر على الناس ويبقى محل القبر مجهولا عليهم، جهزوا في صبيحة يوم 21 من شهر رمضان سنة أربعين للهجرة بعيرين وعقدوا عليهما نعشين، بعثوا أحدهما إلى مكة، والآخر إلى المدينة، وهكذا نفذت وصية أمير المؤمنين عليه السلام وأخفى موضع قبره عليه السلام عن عامة الناس.
الحافظ: هل يمكنك أن تخبرني ما هو سبب هذه الوصية؟ وما الحكمة في الإصرار على إخفاء القبر؟!

لماذا دفن الامام علي (ع) سرا؟
قلت نحن لا نعلم السبب والحكمة بالضبط، ربما كان ذلك لما يعلمه (ع) من حقد بني أمية وعدائهم الدفين للنبي (ص) ولآله (ع) خاصة، فانه كان من المحتمل أن ينبشوا القبر الشريف ويسيئوا الأدب مع الجسد الطاهر، وهو ظلم دونه كل ظلم!!
الحافظ: هذا الكلام الغريب منكم وبعيد جدا، كيف يمكن لإنسان أن يتعدى على قبر مسلم بعد موته ودفنه، إنه لا يكون مهما كان بينهم من العداء والبغضاء ؟!
قلت: ولكن ذلك ليس ببعيد من بني أمية!!
اما طالعت تاريخهم الأسود وماضيهم الحقود؟!
أما قرأت جرائمهم الفظيعة وأعمالهم الفجيعة، التي يندى منها جبين الأنسانية خجلا، وتدمع عينها أسفا؟؟!
أما علمت أن هذه العصبة الخبيثة والشجرة الملعونة في القرآن، لما قبضوا على زمام الحكم وغصبوا الخلافة، كم من أبواب جور فتحوا؟! وكم من جناية وغواية ابتدعوا؟! وكم من دم سفكوا؟! وأعراض هتكوا؟! وأموال نهبوا؟! وحرما انتهكوا؟!
إن أولئك البعداء عن الإسلام والإنسانية، لم يراعوا شيئا من الدين والأخلاق الحميدة في حركاتهم وسكناتهم، فكانوا يتصرفون في شؤون المسلمين حسب أهوائهم وآرائهم الفاسدة، وإن كثيرا من كبار علمائكم ومؤرخيكم سجلوا جرائم هذه الطغمة الفاسدة بحبر من عرق الخجل، على أوراق العار والفشل، بقلم الخوف والوجل!
ولقد ألف العلامة أبو العباس أحمد بن علي المقريزي الشافعي كتابه المشهور (النزاع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم) وذكر فيه بعض أعمال بني أمية القبيحة وجرائمهم الفظيعة، فانهم لم يرحموا حيا ولم يحترموا ميتا من شيعة آل الرسول (ص)، الموالين لعلي بن أبي طالب أمير المؤمنين (ع) وأولاده الغر الميامين.
وهنا اسمحوا لي أن أذكر لكم ـ كنموذج على ذلك ـ مثالين من هذا الكتاب، حتى تطلعوا على الجرائم البشعة لبني أمية، وتعرفوا حقيقة أمرهم، كي لا تتعجبوا من كلامي و لا تستغربوه، وتعرفوا أن ما أقوله لكم إنما هو عن دليل وبرهان!

شهادة زيد بن علي (ع)
قال المقريزي وغيره من المؤرخين: لما هلك يزيد بن عبد الملك، تولى الحكم أخوه هشام، فبدأ بالجور والعدوان على أهل البيت (ع) وشيعتهم، فكتب إلى عماله بالتضييق عليهم وسجنهم والفتك بهم، وأمر عامله على الكوفة يوسف بن عمر الثقفي، أن يهدم دار الكميت شاعر أهل البيت (ع) وأن يقطع لسانه، لأنه مدح آل الرسول (ص)!!
وكتب إلى عامله على المدينة خالد بن عبدالملك بن الحارث: أن يحبس بني هاشم فيها و يمنعهم من السفر! فنفذ خالد أمر هشام، وضيق على الهاشميين، وأسمع زيد بن الإمام زين العابدين ما يكره، فخرج زيد إلى الشم لشكو خالدا إلى هشام، فأبى هشام أن يأذن له، فأرسل إليه زيد رسالة يطلب الإذن بها له، فكتب هشام في أسفلها: إرجع الى أرضك، فقال زيد: والله لا أرجع، وأخيرا أذن له هشام وأمر خادما أن يتبعه ويحصي ما يقول، فسمعه يقول: والله ما أحب الدنيا أحد إلا ذل.
وأمر هشام جلساؤه أن يتضايقوا في المجلس حتى ل يقرب منه.
فلما دخل زيد لم يجد موضعا يجلس فيه، فعلم أم ذلك قد فعل عمدا، واستقبله هشام بالشتم والسباب، بدل التكريم والترحاب!
وفي المقابل لم يسكت زيد عن الجواب، و إنما أسمع هشاما ما لا يحب أن يسمع، فلم يتحمل هشام وأمر بطرده، دون أن يسمع شكواه، فأخذ الغلمان بيده ليخرجوه، فأنشد زيد:
شرده الخوف وأزرى بهكذا من يكره حر الجلادقد كان في الموت له راحةوالموت حتم في رقاب العبادفخرج من مسجد هشام وتوجه إلى الكوفة، فحدث الناس بظلم الخليفة وعماله، فبايعه خلق كثير فيهم الأشراف والعلماء، لأنهم وجدوه أهلا للقيادة، فهو سيد هاشمي، وفقيه تقي، وشجاع باسل.
ولما رأى أعوانا، نهض ليؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدفع الظلم والضيم عن نفسه وعن المؤمنين، فدارت المعركة بينه وبين يوسف الثقفي والي الكوفة وجيشه الجرار، ولكن أصحاب زيد تركوا زيدا وحده قبل أن يخوض الحرب ويدخل في غمراتها، ولم يبق معه إلا نفر قليل!! ورغم ذلك فقد دخل زيد الحرب وجاهد بشجاعة وبسالة هاشمية وهو يرتجز:
أذل الحياة وعز المماتوكلا أراه طعاما وبيلافإن كان لابد من واحدفسيري إلى الموت سيرا جميلافبينما هو يجاهد في سبيل الله ويحارب الأعداء، إذ وقع سهم في جبهته، فلما انتزعوا سقط شهيدا.
وكان ذلك في اليوم الثامن من شهر صفر عام 121هـ، وكان عمره الشريف إثنتين وأربعين سنة، فرثاه الحسن الكناني بأبيات منها:
فلما تردى بالحمائل وانتهىيصول بأطراف القنا الذوابلتبينت الأعداء أن سنــانهيطيل حنين الأمهات الثواكـلتبين فيه ميسم العـز والتقىو ليا يفدي بين أيدي القوابلفحمله ابنه يحيى بإعانة عدة من أنصاره، ودفنه في ساقية وردمها , و أجرى عليه الماء لكي لا يعلم أحد مدفنه ولكن تسرب الخبر إلى يوسف بن عمر، فأمر بنبش القبر واخراج الجسد الطاهر، ثم أمر بقطع رأسه الشريف فقطع وبعث به الى الشام، فلما وصل الرأس الشريف إلى الشام كتب هشام إلى واليه على الكوفة: أن مثل ببدنه واصلبه في كناسة الكوفة.
ففعل والي الكوفة يوسف بن عمر ذلك، وصلبه في ساحة من سوح الكوفة حقدا وعدوانا، وراح الشاعر الأموي يفتخر بهذه ويقول في قصيدة جاء فيها:
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلةولم أر مهديا على الجذع يصلب!فبقي أكثر من أربع سنوات مصلوبا، حتى هلك هشام وتولى بعده الوليد بن يزيد، فكتب إلى عامله بالكوفة: أحرق زيدا بخشبته وأذر.
ففعل وأذرى رماده على شاطئ الفرات!(35).

شهادة يحيى بن زيد
وفعلوا نفس الصنيع بولده يحيى، فانه قام ضد ظلم بني أمية وجورهم، والتاريخ يذكره بالتفصيل(36) واستشهد في ميدان القتال، فقطعوا رأسه وبعثوه إلى الشام وصلبوا جسده الشريف ست سنين ـ وقد بكى عليه المؤالف والمخالف ـ حتى مات الوليد، ونهض أبو مسلم الخراساني واستولى على تلك البلاد فأمر فأنزل جسد يحيى الشهيد ودفن في جرجان وقبره اليوم مزار يتوافد المؤمنون لزيارته.
بعد هذا الحديث الحزين تأثر كل الحاضرين وتألموا، وبكى بعضهم على مصائب آل النبي (ص)، ولعنوا بني أمية الظالمين.

سر وصية الإمام أمير المؤمنين علي (ع)
إن فاجعة قتل زيد وابنه يحيى وصلبهما، واحدة من آلاف الفجائع التي أحدثتهما أيدي بني أمية، بعد قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).
فيا ترى ما الذي كان يمنعهم، إذا سنحت لهم الفرصة، أن يصنعوا بجسد الإمام علي (ع) الزكي الطاهر، ما صنعوه بجسد حفيده المظلوم زيد بن الإمام زين العابدين (ع)؟!
فقد جاء في كتاب منتخب التواريخ: أن الحجاج بن يوسف الثقفي نبش حوالي الكوفة آلاف القبور، يفتش عن جثمان الإمام علي (ع)!!
فلعله لهذا السبب وصى بنيه أن يدفنوه ليلا لا نهارا، وسرا لا جهارا، ويعفّوا موضع قبره ويخفوه على الناس، وكان كذلك حتى عهد هارون الرشيد.

اكتشاف قبر الإمام أمير المؤمنين علي (ع)
خرج الرشيد يوما للقنص والصيد إلى وادي النجف في ظهر الكوفة، وكانت آجام أصبحت أوكارا للحيوانات.
قال عبدالله بن حازم: فلما صرنا الى ناحية الغري، رأينا ظبية فأرسلنا إليها الصقور والكلاب، فحاولتها ساعة ثم لجأت الظبية إلى فاستجارت بها، وتراجعت الصقور والكلاب، فتعجب الرشيد من ذلك!
ثم إن الظباء هبطت من الأكمة، فتعقبتها الصقور والكلاب، فرجعت الظباء إلى الأكمة، فتراجعت عنها الصقور والكلاب ففعلت ذلك ثلاثا.
فقال هارون: اركضوا إلى هذه الأنحاء والنواحي فمن لقيتموه، ائتوني به، فأتيناه بشيخ من بني أسد.
فقال له هارون: ما هذه الأكمة؟
قال الشيخ إن جعلت لي الأمان أخبرتك!
قال: لك عهد الله وميثاقه أن لا أهيجك ولا أؤذيك.
قال الشيخ: جئت مع أبي إلى هنا فزرنا وصلينا فسألت أبي عن هذا المكان.
فقال: عندما تشرفت بزيارة هذه البقعة مع الإمام جعــفر الصادق (ع) قال: هذا قبر جدنا علي بن أبي طالب (ع) وسيظهره الله تعالى قريبا.
فنزل هارون ودعا بماء فتوضأ وصلى عند الأكمة وتمرغ عليه وجعل يبكي، وبعده أمر ببناء قبة على القبر! ومنذ ذلك اليوم لم يزل البناء في تطور، وهو اليوم صرح بديع لا يوصف.
الحافظ: أظن إن قبر مولانا علي بن أبي طالب، لم يكن في النجف، ولا في النجف، ولا في الموضع الذي ينسب إليه، لأن العلماء اختلفوا فيه، فمنهم من يقول: دفن في قصر الامارة، ومن قائل إنه في جامع الكوفة، وقول إنه في باب كندة، وقيل إنه دفن في رحبة الكوفة وهناك من يقول: حمل إلى المدينة ودفن في البقيع، وبالقرب من كابل في أفغانستان أيضا قبرا ينسب إليه!
ويقال: إن جسد مولانا علي (كرم الله وجهه)، وضع في صندوق وحمل على بعير ساروا به نحو الحجاز، فاعترضهم عدد من قطاع الطرق، وظنوا أن فيه أموالا فسرقوه، ولما فتحو الصندوق وجدوا فيه جثمان علي بن أبي طالب، فذهبوا به إلى ذلك المكان من أفغانستان، فدفنوه، والناس عموما يحترمون ذلك القبر ويزوروه!!
قلت: هذا الخبر مضحك جدا، فرب مشهور لا أصل له، وهو للأسطورة أقرب.
وأما الاختلاف في موضع قبر الإمام علي عليه السلام فقد جاء على اثر وصيته بإخفاء قبره الشريف، وإنما لم أشرح لكم الموضوع بالتفصيل رعاية للوقت.
فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: عن أمير المؤمنين أوصى ابنه الحسن وقال له ما مضمونه: بني إذا دفنتني في النجف ورجعت إلى الكوفة، فاصنع في أربعة مواضع أربعة قبور: 1ـ مسجد الكوفة، 2ـ الرحبة، 3ـ الغري، 4ـ دار جعدة بن هبيرة.
وإن هذا الاختلاف الذي تذكره، إنما يكون بين علمائكم، لأنهم أخذوا كلام هذا وذاك، ولم يأخذوا بكلام العترة النبوية حتى في تعيين موضع قبر أبيهم، سيد العترة، الإمام علي عليه السلام!!
واما إجماع علماء الشيعة فهو على أن قبر الإمام علي عليه السلام في النجف الأشرف، وفي الموضع النسوب إليه، وهم أخذوا هذا الخبر الصحيح من أهل بيته " وأهل البيت أدرى بما في البيت " ومن الواضح أن أولاد علي عليه السلام الذين قاموا بدفنه أعلم من غيرهم بموضع قبره، والعادة في مثل هذه الاختلافات ان يرجعوا إلى الأبناء في تعيين قبر أبيهم، ولكن قاتل الله العناد!!
وإن العترة الهادية وأئمة أهل البيت عليهم السلام، اتفقوا وأجمعوا على أن قبر جدهم أمير المؤمنين عليه السلام، إن هو إلا في النجف وفي الموضع الذي اشتهر به، وحرضوا المسلمين ليزوروا قبر أبي الحسن علي بن أبى طالب عليه السلام في ذلك الموضع.
ذكر سبط ابن الجوزي في " تذكرة الخواص " ص 163 (37): إختلاف الأقوال في قبر الإمام علي عليه السلام ـ إلى أن قال: والسادس: إنه على النجف في المكان المشهور الذي يزار فيه اليوم، وهو الظاهر، وقد استفاض ذلك.
وعلى هذا القول كثير من علمائكم، كأمثال خطيب خوارزم في المناقب وخطيب بغداد في تاريخه، ومحمد بن طلحة في " مطالب السؤول " وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، والفيروز الآبادي في القاموس ـ في كلمة النجف ـ وغيرهم.

أبناء إبراهيم المجاب
صار حوارنا مصداقا للمثل: " الكلام يجر الكلام " وأعود الآن لأتحدث عن نسبي:
توفي السيد ابراهيم المجاب بن السيد محمد العابد في كربلاء المقدسة، ودفن عند قبر جده سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، ومرقده اليوم مزار المؤمنين، وخلّف ثلاثة أولاد وهم ال: السيد أحمد، والسيد محمود، والسيد علي، فهاجروا إلى بلاد إيران ليوجهوا الناس الى الله تعالى ويعلموهم أحكام الدين ويسلكوا بهم سبيل أهل البيت الطاهرين عليهم السلام فأما السيد احمد أقام في منطقة (قصر ابن هبيرة) وبقي فيها مع أولاده وخدموا الدين والمجتمع.
وأما السيدان محمد وعلي، فقد توجها إلى كرمان.
أما السيد علي فسكن مدينة سيرجان وهي تبعد عن كرمان أكثر من مائة كيلو متر، واشتغل هو وأولاده وأحفاده بتبليغ الدين وإرشاد المسلمين.
وأما السيد محمد ـ الملقب بالحائري ـ فقد وصل كرمان وبقي فيها، وخلّف ثلاثة أولاد وهم: أبو علي الحسن، ومحمد حسين الشيتي، وأحمد.
أما محمد حسين وأحمد، فقد رجعا إلى كربلاء وسكنا في جوار جدهم الحسين الشهيد عليه السلام حتى توفيا، وتوجد إلى يومنا هذا في العراق، قبائل كبيرة من السادة الشرفاء ينتمون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عن طريقهما، مثا آل شيته، وآل فخار وهم من نسل السيد محمد الشيتي.
أما آل نصر الله وآل طعمة، فهم من نسل اليد احمد، وهم اليوم سدنة الروضة الحسينية المقدسة في كربلاء.
وأما السيد أبو علي الحسن، فقد هاجر مع أولاده من كرمان إلى شيراز وكان سكانها آنذاك من العامة، بل كثير منهم كانوا يبغضون آل الرسول (ص) فدخل المدينة مع أهله وأولاده بأزياء عربية وأقاموا بالقرب من الخندق المحيط بالبلد فأقاموا بيوتا عربية وسكنوا فيها.
واتصلوا بالشيعة الساكنين في محلة (سردزك) وهم قليلون مستضعفون يعيشون في تقية، فبدأ السيد أبو علي وأولاده بنشر تعاليم آبائهم الطيبين، وتبليغ مذهبهم الحق، في خفاء وحذر.
وبعد وفاة السيد أبي علي قام ابنه الأكبر السيد أحمد أبو الطيب بالتبليغ ونشر عقائد الشيعة وتعاليمهم، واهتم بذلك اهتماما بالغا، حتى أن كثيرا من أهل شيراز وتشيعوا، وأخذ عددهم يزداد يوما بعد يوم، فلما رأى السيد أبو الطيب إقبال الناس عليه، أعلن نسبه ومذهبه، فازداد إقبال الناس عليهم والتفافهم حول السادة الكرام، فنصبوا منبر الارشاد الاسلامي والتوجيه الديني في شيراز باسم السادة المجابية، وهم المنسوبون إلى السيد ابراهيم المجاب، والسادة العابدية وهم المنسوبون إلى إخوان السيد المجاب، فإن أباهم جميعا هو السيد محمد العابد.
فتحرك الخطباء والمبلغون من هؤلاء السادة وسافروا إلى أنحاء إيران لينشروا عقائد العترة الهادية وتعاليمهم باسم ـ المذهب الشيعي ـ فانتشر المذهب الحق في أكثر البلاد الإيرانية، حتى قامت دولة آل بويه وهم شيعة، وجاء بعدهم غازان خان محمود، والسلطان محمد خدابنده، وهم من المغول ولكن تشيعا وخدما مذهب الشيعة وأتباعه، ثم قامت الدولة الصفوية وكان عصرهم أفضل العصور للشيعة في إيران، إذ أعلنوا التشيع هو المذهب الرسمي في إيران ولا يزال كذلك.

هجرتنا الى طهران
في أواخر أيام الملك فتح علي القاجاري، تشرف جدنا السيد حسن الواعظ الشيرازي ـ طاب ثراه ـ بزيارة مرقد الإمام الرضا علي بن موسى عليه السلام، وعند رجوعه من خراسان وصل طهران العاصمة فاستقبله أهلها والعلماء، وتوافدوا إلى منزله يزورونه ويرحبون بقدومه، وجاء وفد من قبل جلالة الملك وبلغوه تحية جلالته ورغبته في أن يجعل السيد محل إقامته في العاصمة، فلبى جدنا دعوة الملك وأجابوه بالقبول.
وكانت المساجد آنذاك في طهران، تختص بصلوات الجماعة وبيان المسائل الشرعية، ولم تنعقد فيها مجالس الخطابة ـ المتداولة في زماننا ـ وكانت التكايا والحينيات تختص بعرض التمثيليات عن وقائع عاشوراء الدامية واقامة العزاء والشعائر الحسينية.
وكانت " تكية الدولة " من أهم التكايا والحسينيات، فطلب جدنا من الملك أن ينصب منبرا للخطابة والتبليغ والإرشاد ـ على النحو المتعارف في زماننا ـ في كل حسينية وتكية.
فأيد الملك ذلك وبدأ بتكية الدولة، ودعا فضيلته ليخطب ويفيد الناس فصعد جدنا المنبر في تكية الدولة فوعظ وبلغ وأرشد الناس إلى حقائق الدين وتعاليم المذهب، وبعد ذلك رثى سيد الشهداء الحسين عليه السلام وأبكى الحاضرين.
فاستقبل الناس طريقته بحضورهم المتكاثف، واستمر مجلسه ليالي كثيرة في ذلك المكان، وبعده دعي على تكية أخرى، وهكذا كان جدنا مؤسس مجالس الوعظ والخطابة، وأول من وضع منبر التوجيه الديني والارشاد المذهبي في طهران.
ثم لما رأى جدنا السيد حسن الواعظ، استقبال الناس لمجالسه وحديثه، أرسل كتابا إلى والده السيد اسماعيل، أحد مجتهدي شيراز، وطلب منه أن يبعث بعض أولاده إلى طهران، وكان له أربعون ولدا فانتخب منهم:
1ـ السيد رضا، وكان فقيها مجتهدا، 2 ـ السيد جعفر، 3 ـ السيد عباس، 4 ـ السيد جواد، 5 ـ السيد مهدي، 6 ـ السيد مسلم، 7 ـ السيد كاظم، 8 ـ السيد فتح الله.
وأمرهم ان يهاجروا الى طهران ليعينوا أخاهم السيد حسن في إدارة مجلس الوعظ والإرشاد، ويطيعوه لنه كان أكبرهم وأفضلهم.
فأقام هؤلاء السادة في طهران واشتهروا فيها وفي المدن المجاورة لها، بحسن أخلاقهم وإيمانهم وبعذوبة بيانهم وحلاوة كلامهم.
فطلب أهالي قزوين من السيد احسن أن يبعث إليهم بعض إخوته، ليقيموا هناك ليرشدوهم ويعلموهم الدين.
فبعث إليهم السيد مهدي والسيد مسلم والسيد كاظم، فسكنوا قزوين وقاموا فيها بأمر التبليغ والتوجيه الديني، وخلفوا أولادا يعرفون بالسادة المجابية، وعددهم اليوم كثير في قزوين.
وأما السيد حسن مع بقية اخوانه فقد سكنوا طهران وعقدوا فيها مجالس كثيرة للتوجيه والإرشاد، فخدموا الدين وأهله خدمة جليلة عن طريق المحراب والمنبر.
وبعد أن توفي جدنا السيد حسن ـ قدس سره ـ سنة 1291 هـ، تعينت نقابة السادة المجابية والعابدية في ولده الأكبر، السيد قاسم، بحر العلوم، وهو والد والدي، وكان عدد رجال هذا البيت الشريف يبلغ ألفا آنذاك، وكانت مؤهلات وشرائط الرئاسة مجتمعة في السيد قاسم، من الزهد والورع والعلم والحلم وحسن الخلق، فكان يحوي العلوم العقلية والنقلية، وعلم الأصول والفروع، واشتهر في زمانه بالعلم وحسن التدبير والإدارة.
وتوفي سنة 1308هـ ونقل جثمانه إلى العراق، وشيع في مدينة كربلاء المقدسة بكل عز واحترام، ودفن عند مرقد جده الإمام الشهيد الحسين بن علي عليه السلام، بجنب قبر والده السيد حسن الواعظ ـ طاب ثراه ـ وبعده انتقلت نقابة السادة العابدية والمجابية، إلى والدي، وهو اليوم من حماة الشيعة وأنصار الشريعة، وحيد عصره، وفريد دهره، السيد علي أكبر، دامت بركاته.
وقد نال من الملك ناصر الدين شاه القاجاري، لقب " اشرف الواعظين " ويبلغ عمره اليوم ثمانين سنة، صرف جله في خدمة الدين وإثبات أصوله ونشر فروعه، وقد قام بتوجيه الغافلين وإرشاد الجاهلين، وخاصة في الآونة الأخيرة، إذ مرت بالأمة عواصف إلحادية وحوادث خطيرة جاءت من قبل الأجانب المستعمرين وأعداء الإسلام والمسلمين، فجرفت الكثير من العوام والجاهلين، فنهض والدي وأمثاله من العلماء الكرام، ووقفوا في وجوه الأعداء اللئام، حتى كشفوا عن الحق اللئام، وشقوا أمواج الفتن والظلام، بنور العلم وضوء الكلام.
فدحضوا الباطل، وأنقذوا العوام من الشكوك والأوهام، فقدر مواقف والدي وخدماته، علماء عصره ومراجع الدين في زمانه، أمثال:
1 ـ آية الله العظمى، مجدد مذهب سيد البشر في القرن الثالث عشر، السيد ميرزا محمد حسن الشيرازي ـ طاب ثراه.
2 ـ آية الله العظمى ميرزا حبيب الله الرشتي.
3 ـ الآية العظمى الشيخ زين العابدين المازندراني.
4 ـ آية الله ميرزا حسين بن ميرزا خليل الطهراني.
5 ـ المجتهد الأكبر آية الله السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي.
6 ـ آية الله العظمى الشيخ فتح الله، شيخ الشريعة الأصفهاني.
7 ـ آية الله العظمى السيد اسماعيل الصدر.
8 ـ آية الله العظمى الميرزا محمد تقي الشيرازي، قائد ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني للعراق.
فهؤلاء المجتهدون الكرام والعلماء الأعلام ـ قدس الله أسرارهم ـ كانوا يحترمون والدي كثيرا ويحبونه ويكرمونه غاية الإكرام والاحترام.
وأما في هذا الزمان، فإن زعيم الشيعة سيد الفقهاء والمجتهدين، وحيد دهره، ونابغة عصره، سماحة السيد أبو الحسن الأصفهاني متع الله المسلمين بطول بقائه، وهو الآن في النجف الأشرف يرفع لواء الدين وراية أمير المؤمنين عليه السلام، ويهتم بنشر علوم سيد المرسلين (ص) في كل أقطار العالم، وقد دخل بواسطته جماعات كثيرة من أصحاب الملل والنحل في الإسلام واعتنقوا مذهب التشيع.
وفي إيران، زعيمنا آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري مد ظله العالي، مؤسس الحوزة العلمية في قم المقدسة، وهو ملاذ الشيعة، وحامي الشريعة في إيران.
وإن هذين العالمين الكبيرين يحترمان والدي ويكرمانه كثيرا، ويقدران جهوده الجبارة في سبيل إحياء الدين ورد شبهات المضلين.
وان سماحة الشيخ الحائري يخاطب والدي بـ " سيف الإسلام " لأن بيانه وكلامه مفعم بالأدلة العقلية القاطعة، والبراهين الساطعة، فلسانه في الدفاع عن الدين الحنيف، والذب عن مذهب التشيع الشريف، أكثر أثرا من السيف.
واليوم بنو أعمامي ورجال شجرتنا المباركة موجودون في أكثر مدن ايران، وبالأخص في طهران ونواحيها، وشيراز وحواليها، وقزوين وضواحيها، وهم يعرفون بالسادة العابدية والمجابية والشيرازية، ولم يزالوا يخدمون الدين وأهله، بسلوكهم النزيه، وبالارشاد والتوجيه.
هذا ملخص تاريخ هذه السلالة الكريمة، في جواب سؤالكم: لماذا هاجرنا إلى إيران؟ وقد تبين لكم من خلال الجواب أن هدف المهاجرين الأولين من هذه السلالة، زيارة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ولما منعتهم السلطات، قاموا يفضحون أعمال الحكام والولاة، ويعلنون جور الخلفاء الجفاة، وينشرون الوعي بين الأمة، ويوجهون الناس الى الحقائق الدينية والأحكام الالهية التي طالما سعى الخلفاء وأعوانهم في تغييرها، فكانوا كما قال تعالى: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون احدا إلا الله وكفى بالله حسيبا) (38).
لما تلونا هذه الآية الكريمة، نظر السيد عبد الحي الى ساعته فقال: لقد مضى كثير من الليل، فلو تسمحون أن نؤجل الكلام الى الليلة الآتية، فنأتيكم إن شاء الله تعالى من أول الليل ونواصل الحديث.
فابتسمت وأبديت موافقتي، فانصرفوا وشيعتهم إلى باب الدار.
  #4  
قديم 04-26-08, 11:56 PM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي

المجلس الثاني
ليلة السبت 24/ رجب /1245هـ


بعدما انتهيت من صلاة العشاء، حضر أصحاب البحث والحوار وكانوا أكثر عددا من الليلة الماضية، فاستقبلتهم ورحبت بهم، وبعد أن استقروا في أماكنهم وشربوا الشاي، افتتح الحافظ كلامه قائلا:
أقول حقيقة لا تملقا: لقد استفدنا في الليلة السابقة من بيانكم الشيق وكلامكم العذب، وبعدما انصرفنا من هنا كنا نتحدث في الطريق عن شخصيتكم وأخلاقكم، وعن علمكم الغزير واطلاعكم الكثير، وقد انجذبنا لصورتك الجميلة وسيرتك النبيلة، وهما قل ان يجتمعا في واحد، فأشهد أنك ابن رسول الله (ص) حقا.
وإني راجعت المكتبة في هذا اليوم، وتصفحت بعض كتب الأنساب حول بني هاشم والسادة الشرفاء، فوجدت كلامكم في الليلة الماضية حول نسبكم الشريف مطابقا في تلك الكتب، واغتبطت بهذا النسب العالي لسماحتكم.
ولكن استغربت وتعجبت من شيء واحد، وهو: أن شخصا شريفا صحيح النسب كجنابكم مع حسن الصورة والسيرة،كيف تأثرتم بالعادات الواهية والعقائد العامية، وتركتم طريقة أجدادكم الكرام واتبعتم سياسة الإيرانيين المجوس، وتمسكتم بمذهبهم وتقاليدهم؟!
قلت:
أولا: أشكرك على أول كلامك حول نسبي وحسن ظنك بي.
ولكنك اضطربت بعد ذلك في الكلام، وخلطت الحلال بالحرام، سردت جملا مبهمة ما عرفت قصدك منها والمرام، وإن كلامك هذا عندي أقاويل وأوهام.
فالرجاء.. وضح لي مرادك من: " العادات الواهية والعقائد العامية ".
وما المقصود من: " طريقة أجدادي الكرام "؟!
وما هي: " سياسة الإيرانيين الني اتبعتها "؟!
الحافظ: أقصد بالعادات الواهية والعقائد العامية: البدع المضلة والتقاليد المخلة، التي أدخلها اليهود في الإسلام.
قلت: هل يمكن أن توضح لي أكثر حتى أعرف ما هذه البدع التي تأثرت أنا بها؟!
الحافظ: إنك تعلم جيدا والتاريخ يشهد، أن بعد موت كل نبي صاحب كتاب، اجتمع أعداؤه وحرفوا كتابه، مثل التوراة والإنجيل فحذفوا وزادوا، وغيروا وبدلوا، حتى سقط دينهم وكتابهم عن الاعتبار.
ولكن أعداء الإسلام لم يتمكنوا من تحريف القرآن الحكيم، فدخلوا من باب آخر، فإن جماعة من اليهود ـ وهم ألد أعداء الإسلام ـ دخلوا الدين وأسلموا عن مكر وخداع، مثل: عبدالله بن سبأ، كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وغيرهم..، أسلموا بالظاهر ولكنهم بدءوا يبثون وينشرون عقائدهم الباطلة بين المسلمين، وذلك عن طريق جعل الأحاديث عن لسان رسول الله (ص).
فأراد الخليفة الثالث عثمان، أن يلقي القبض عليهم ليؤدبهم ففروا إلى مصر واستقروا فيها، فاجتمع حولهم الجاهلون واغتروا بعقائدهم، وصاروا حزبا باسم : " الشيعة " فأعلنوا إمامة علي بن أبي طالب في عهد عثمان رغما له لا حبا لعلي كرم الله وجهه، فوضعوا أحاديث كاذبة في تأييد مذهبهم، مثل:
قال النبي (ص): " علي خليفتي وإمام المسلمين بعدي ".
فكانوا السبب في سفك دماء المسلمين حتى انتهى الأمر إلى قتل عثمان ذي النورين، وبعده نصبوا عليا وبايعوه بالخلافة، فالتف الناقمون على عثمان حول علي ونصروه، فمنذ ذلك الوقت ظهر حزب الشيعة!
ولكن في حكومة بني أمية، لما قاموا بقتل آل علي ومواليه، اختفى هذا الحزب.
وإن عددا من الصحابة، أمثال: سلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر، كانوا يدعون الناس بعد النبي (ص) إلى علي كرم الله وجهه، ولكن عليا لم يكن راضيا بهذا العمل.
فاختفى حزب الشيعة أيام بني أمية وأوائل حكومة بني العباس، وبعد أن تولى هارون الرشيد الحكم ظهر حزب الشيعة مرة أخرى وخاصة في خلافة المأمون، إذ تغلب بمساعدة الإيرانيين على أخيه الأمين فقتله واستولى على الحكم، فقويت شوكته بالإيرانيين، وهم كانوا يفضلون علي بن أبي طالب على الخلفاء الراشدين، وكانوا يسوقون المسلمين إلى الاعتقاد بهذا الباطل، كل ذلك لغرض سياسي ومرض نفسي.
إن الإيرانيين كانوا حاقدين على العرب، لأن حكومتهم اضمحلت وسيادتهم بادت بسيوف العرب.
فكانوا بصدد اختراع مذهب يخالف دين العرب ومذاهبهم، فلما سمعوا بحزب الشيعة وعقائدهم، تقبلوه وسعوا في نشره، وخاصة في دولة آل بويه حين قويت شوكتهم واستولوا على كثير من بلاد الإسلام.
وأما في الدولة الصفوية فقد أعلنوا مذهب الشيعة رسميا في إيران، والحقيقة أن مذهبهم الرسمي هو " المجوسية " كما تقتضي سياستهم، فإنهم إلى يومنا هذا يختلفون مع جميع المسلمين في العالم ويقولون: نحن شيعة.
فالتشيع مذهب سياسي حادث، ابتدعه عبد الله بن سبأ اليهودي، ولم يكن لهذا المذهب اسم في الإسلام.
وإن جدك رسول الله (ص) بريء من هذا المذهب واسمه، لأنه على خلاف سنته وتشريعه، بل هو متشعب من دين اليهود وعقائدهم.
لذا أتعجب حينما أرى عالما شريفا مع هذا النسب الرفيع يتبع هذا المذهب الباطل ويترك دين جده، الإسلام الحنيف!!
وأنت ـ يا سيد ـ أولى باتباع جدك وبالعمل بالقرآن والسنة النبوية الشريفة.
لما كان الحافظ يسترسل في كلامه ويتقول ما يريد، كنت أشاهد الشيعة الحاضرين في المجلس قد تغيرت وجوههم حتى كادوا يهجمون عليه، ولكني أشرت إليهم بالهدوء والوقار.
ثم أجبت الحافظ وقلت: ما كنت أتوقع منك ـ وأنت من أهل العلم ـ أن تتمسك بكلام وهمي واه من أباطيل المنافقين وأكاذيب الخوارج وأقاويل النواصب، أشاعه الأمويون وتقبله العوام الجاهلون.
وإنك خلطت أمرين متباينين، وجمعت بين الضدين، حيث حسبت الشيعة اتباع عبد الله بن سبأ، والحال أنهم يذكروه في كتبهم باللعن ويحسبوه منافقا كافرا.
وعلى فرض ان ابن سبأ كان يدعي أنه موالي علي بن أبي طالب ومحبيه، وذلك لغرض سياسي، فهل من الحق أن تحسبوا أعماله المخالفة للإسلام، على حساب شيعة آل محمد (ص) المخلصين المؤمنين؟!
فلو ظهر لص في زي أهل العلم، وصعد المنبر وصلى بالناس، ولما وثق به المسلمون خانهم وسرق أموالهم، فهل صحيح أن نقول: كل العلماء لصوص وسراق؟!
فتعريفك للشيعة بأنهم أتباع ابن سبأ الملعون، بعيد عن الإنصاف، وخلاف الحقيقة والوجدان.
لذا تعجبت كثيرا من تعبيرك عن مذهب الشيعة، بحزب سياسي اختلقه ابن سبأ اليهودي في عهد عثمان!
وأستغرب كيف تقرأ هذه الأكاذيب وتعتمد عليها، ولا تقرأ الأخبار الصحيحة والروايات الصريحة عن الشيعة في كتبكم المعتبرة أن النبي (ص) هو الواضع لأسس الشيعة وأصولها، وقد شاعت كلمة " شيعة علي " من لسان رسول الله (ص) بين أصحابه، كما نقل وروي ذلك علماؤكم في كتبهم وتفاسيرهم(1).
وإذا كنت تستند في حوارك هذا على كلام الخوارج، وتقولات النواصب، فإني أستند إلى القرآن الحكيم، والأخبار المعتبرة عندكم، حتى يظهر الحق ويزهق الباطل.
وأنصحكم أن لا تتكلموا من غير تحقيق، لأن الحق سوف يظهر، وكلامكم يفند من قبل الحاضرين، فحينئذ يصيبكم الخجل فتندمون، ولا يفيد حينها الندم، ولتكن الآية الشريفة نصب أعينكم: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) (2).
فكلامكم يسجل عليكم ويحفظ عند ربكم، وتحاسبون عليه.
والآن إذا تسمحون لي ولا تتألمون من كلامي، أثبت لكم بالأدلة المقبولة، أن الحق خلاف ما قلتم، والصواب غير ما اعتقدتم.
الحافظ: إن مجلسنا انعقد لهذا الغرض، وكل هذا النقاش والحوار من أجل رفع الشبهات وكشف الحقائق المبهمات، والكلام الحق لا يؤلمنا.

حقيقة الشيعة وبدايتها
قلت: تعلمون أن كلمة: " الشيعة " بمعنى: الأتباع والأنصار(3).
قال " الفيروزآبادي " في (القاموس) في كلمة " شاع ":... وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره، والفرقة على حدة، ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليا وأهل بيته، حتى صار اسما لهم خاصا، جمعه: أشياع وشيع.
فهذا هو معنى كلمة: " الشيعة " فأرجو أن لا تشتبهوا في معناها بعد اليوم.
وأما الاشتباه الآخر الذي صدر منكم عمدا أو سهوا، أو لعدم اطلاعكم على التفاسير والأحاديث الشريفة، أو لأنكم تأثرتم بكلام واه تقوّله أسلافكم، وأنتم قبلتموه من غير تحقيق فكررتم كذبهم بقولكم: إن كلمة " الشيعة " وإطلاقها على أتباع علي بن أبي طالب ومواليه، حدث في عهد عثمان وخلافته، وابتدعه عبدالله بن سبأ اليهودي!
والحال أن هذا الكلام خلاف الواقع والحقيقة، فإن كلمة " الشيعة " اصطلاح يطلق على أتباع علي بن أبي طالب وأنصاره منذ عهد النبي (ص) وإن واضع هذه الكلمة والذي جعلها علما عليهم هو رسول الله (ص)، وهو كما قال الله عز وجل فيه: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى)(4).
وقد قال (ص): " شيعة علي هم الفائزون " وروى علماؤكم هذا الحديث وأمثاله في كتبهم وتفاسيرهم.
الحافظ: لم أجد هكذا روايات وأحاديث في كتبنا، وليتني كنت أعرف، في أي كتاب من كتبنا قرأتم هذا الحديث وأمثاله؟!
قلت: هل إنكم لم تجدوا هذا الحديث وأمثاله في كتبكم، أم استنكفتم من قبوله وأغمضتم عينكم وأبيتم إلا الجحود والكتمان؟؟!
ولكنا حين قرأناه في كتبكم وكتبنا، قبلناه وأعلناه، ولا نكتمه أبدا، لأن الله تعالى يقول: (عن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)(5).
وقال عز وجل: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم)(6).
فالله عز وجل يلعن الذين يكتمون الحق ويخبر أنهم من أهل النار والعذاب، فإياكم أن تكونوا منهم.
الحافظ: هذه الآيات حق وصدق، تبين جزاء الذين يكتمون الحق، ولكنا ما كتمنا حقا، فلا تشملنا هذه الآيات الكريمة.
قلت: بإذن الله ولطفه، وتحت رعايته وعنايته، وبالاستمداد من جدي خاتم الأنبياء (ص)، سأكشف لكم الحق الذي هو أظهر وأجلى من الشمس، وأبدد ظلام الأوهام عن وجه الحقيقة، حتى يعرفها جميع الحاضرين.
وأرجو أن تجعلوا هذه الآيات الكريمة نصب أعينكم، حتى لا تأخذكم العزة بالإثم ولا تخافوا لومة لائم.
ورجائي أن تتركوا التعصب لتقاليد آبائكم وتتحروا من أغلال العادات التي قيدكم بها أسلافكم، فحينئذ يسهل عليكم قبول الحق وإعلان الحقيقة.
الحافظ: أشهد الله أني لا أتعصب، ولا أماري، ولا أجادل، بل إذا اتضح الحق تمسكت به، وإذا عرفت الحقيقة قبلتها وأعلنتها.
وأنا لا أجتهد لأكون غالبا في المحاورة، إنما أريد أن أعرف الحق والحقيقة، فإذا ظهر الحق ومع ذلك تعصبت وجادلت فأكون ملعونا ومعذبا في النار كما صرح الله تعالى.
أما الآن فنحن مستعدون لاستماع حديثك، وأسأل الله عز وجل أن يجمعنا وإياكم على الحق.
قلت: روى الحافظ أبو نعيم(7) في كتابه " حلية الأولياء " بسنده عن ابن عباس، قال: لما نزلت الآية الشريفة:
(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية)(8) خاطب رسول الله (ص) علي بن أبي طالب وقال: يا علي! هو أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين.
ورواه أبو مؤيد، موفق بن أحمد الخوارزمي في الفصل 17 من كتاب المناقب في كتاب تذكرة خواص الأمة(9) وسبط ابن الجوزي(10) بحذف الآية.
وروى الحاكم عبيد الله الحسكاني، وهو من أعاظم مفسريكم، في كتابه (شواهد التنزيل) عن الحاكم أبي عبدالله الحافظ، بسند مرفوع إلى يزيد بن شراحيل الأنصاري، قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: حدثني رسول الله (ص) وأنا مسنده إلى صدري، فقال: أي علي. ألم تسمع قول الله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية)(11).
؟ هم أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض، إذا جثت الأمم للحساب، تدعون غرا محجلين(12).
وروى أبو المؤيد الموفق أحمد الخوارزمي في مناقبه في الفصل التاسع(13) عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كنا عند النبي (ص) فأقبل علي بن أبي طالب، فقال (ص): قد أتاكم أخي، ثم التفت إلى الكعبة فضربها بيده ثم قال: والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة، ثم إنه أولكم إيمانا، وأوفاكم بعهد الله، وأقومكم بأمر الله، وأعدلكم في الرعية، وأقسمكم بالسوية، وأعظمكم عند الله مزية.
قال: ونزلت: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية)(14) إلى آخره.
قال: وكان أصحاب محمد (ص) إذا أقبل علي عليه السلام قالوا: قد جاء خير البرية(15).
وروى جلال الدين السيوطي وهو من أكبر علمائكم وأشهرهم، حتى قالوا فيه: بأنه مجدد طريقة السنة والجماعة في القرن التاسع الهجري، كما في كتاب (فتح المقال).
روى في تفسيره (الدر المنثور) عن ابن عساكر الدمشقي، أنه روى عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنه قال: كنا عند رسول الله (ص) إذ دخل على علي بن أبي طالب (ع)، فقال النبي (ص): والذي نفسي بيده، إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، فنزل: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية).
وكذلك، جاء في " الدر المنثور " في تفسير الآية الكريمة، عن ابن عدي، عن ابن عباس، أنه روي: لما نزلت الآية المذكورة قال النبي (ص) لعلي: تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين.
وروى ابن الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة صفحة 122 عن ابن عباس، قال: لما نزلت الآية (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) قال النبي (ص) لعلي: هو أنت وشيعتك، تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيين، ويأتي أعداؤك غضابا مقمحين.
ورواه ابن حجر في الصواعق باب 11 عن الحافظ جمال الدين، محمد بن يوسف الزرندي المدني، وزاد فيه: فقال علي (ع): من عدوي؟ قال (ص): من تبرأ منك ولعنك.
ورواه العلامة السمهودي في " جواهر العقدين " عن الحافظ جمال الدين الزرندي أيضا.
وروى المير سيد علي الهمداني الشافعي وهو من كبار علمائكم في كتابه " مودة القربى " عن أم سلمة أم المؤمنين وزوجة النبي الكريم (ص) أنها قالت: قال رسول الله (ص): يا علي، أنت وأصحابك في الجنة، أنت وشيعتك في الجنة.
ورواه عنها ابن حجر في الصواعق أيضا.
وروى الحافظ ابن المغازلي الشافعي الواسطي في كتابه " مناقب علي بن أبي طالب (ص) " بسنده عن جابر بن عبدالله، قال: لما قدم علي بن أبي طالب بفتح خيبر قال له النبي (ص): يا علي، لولا أن تقول طائفة من أمتي فيك ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك مقالا لا تمر بملأ من المسلمين إلا أخذوا التراب من تحت رجليك وفضل طهورك، يستشفون بهما، ولكن حسبك أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، وأنت تبرئ ذمتي وتستر عورتي، وتقاتل على سنتي، وأنت غدا في الآخرة أقرب الخلق مني، وأنت على الحوض خليفتي، وإن شيعتك على منابر من نور مبيضة وجوههم حولي، أشفع لهم، ويكونون في الجنة جيراني، وإن حربك حربي، وسلمك سلمي(16).
وصلنا إلى هنا وارتفع صوت المؤذن يعلن وقت العشاء فقطعنا الكلام، وسكتنا عن قراءة ذيل الرواية، والخبر فإنه طويل، فقام الإخوان العامة وتهيؤا للصلاة، وذهب السيد عبدالحي ليؤم المسلمين في المسجد.
وحينما رجع من المسجد جاء بتفسير " الدر المنثور " وكتاب " مودة القربى " ومسند الإمام أحمد بن حنبل، ومناقب الخوارزمي، وقال ذهبت بعد الصلاة إلى البيت وجئتكم بهذه الكتب التي تستندون بها في محاورتكم، حتى نراجعها عند الضرورة.
فتناولت منه الكتب وشكرته وبقيت الكتب عندنا إلى آخر ليلة من ليالي الحوار، ثم استخرجت الأخبار والأحاديث التي نقلتها من تلك الكتب، وكلما قرأت الأحاديث التي مر ذكرها من كتبهم، كنت ألاحظ وجوه المشايخ تنخطف، وألوانه تتغير، والخجل يبدو ويعلو على وجوههم، لأنهم كانوا يحسون بالفضيحة والنكسة أمام أتباعهم الحاضرين.
وقرأنا في كتاب " مودة القربى " إضافة ما نقلناه، حديث آخر في الموضوع هو:
روي أن رسول الله (ص) قال: يا علي، ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيين، ويقدم عليه عدوك غضابا مقمحين.
وبعده قلت: إن هذا بعض الدلائل المحكمة والمؤيدة بكلام الله سبحانه وتعالى وبالأخبار المعتبرة والمقبولة عندكم، ولو نقلتها لكم كلها لطال الكلام، ولكن في ما ذكرنا كفاية لمبتغي الحق بغير غواية.
وأرجو بعد هذا أن لا تكرروا ذلك الكلام الفارغ الوهمي الواهي، بأن مؤسس مذهب الشيعة عبدالله بن سبأ اليهودي
فقد اندفع هذا التهام وارتفع الإيهام، بالقرآن الحكيم وحديث النبي العظيم (ص)، ولقد تبين لكم أن ما كنتم تظنوه في حق الشيعة، إن هو إلا أباطيل الخوارج وأكاذيب النواصب من بني أمية وغيرهم.
ومع الأسف... أنتم العلماء قد ألقيتم هذه الأقاويل إلى أتباعكم من عامة الناس، وألبستم عليهم الحق والحقيقة، من حيث تعلمون أو لا تعلمون.
والآن عرفتم بأن الشيعة محمديون وليسوا بيهود، وإن إطلاق اسم: " الشيعة " على من تولى عليا وأحبه ونصره إنما بدا من نبي الإسلام وهادي الأنام محمد (ص)، وقد صرح به كرارا بين أصحابه حتى صار علما لموالي عليا (ع) وأنصاره، كما سمعتم الروايات والأخبار التي نقلتها لكم.
وجاء في كتاب " الزينة " لأبي حاتم الرازي، وهو منكم قال: إن أول اسم وضع في الإسلام علما لجماعة على عهد رسول الله (ص) كان اسم " الشيعة " وقد اشتهر أربعة من الصحابة بهذا الاسم في حياة النبي الأكرم (ص) وهم:
1ـ أبو ذر الغفاري 2ـ سلمان الفارسي 3ـ المقداد بن الأسود الكندي 4ـ عمار بن ياسر.
فأدعوكم لتتفكروا، كيف يمكن أن يشتهر أربعة من أصحاب رسول الله (ص) الأقربين وحواريه، بلقب أو اسم " الشيعة " بمرأى ومسمع منه (ص) وهو لم يمنعهم من تلك البدعة كما يزعم البعض؟!
ولكن نستنبط من مجموع الأخبار والأحاديث الواردة في الموضوع أن أولئك الأصحاب المخلصين، سمعوا النبي (ص) يقول: شيعة علي خير البرية، وهم الفائزون. لذلك افتخروا بأن يكونوا منهم، ويشتهروا بين الأصحاب باسم " لشيعة ".

مقام هؤلاء الأربعة في الإسلام
يروي علمائكم عن النبي (ص) أنه قال: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " وقد كتب أبو الفداء في تاريخه ـ وهو من مؤرخيكم ـ: أن هؤلاء الأربعة امتنعوا من البيعة لأبي بكر يوم السقيفة، وتبعوا علي بن أبي طالب (ص)، فلماذا لا تجعلوا عملهم حجة؟! مع ما نجد في كتبكم أن هؤلاء كانوا من المقربين والمحبوبين عند النبي (ص)، لكن نحن تبعناهم واقتدينا به وصرنا شيعة علي (ع)، فنحن مهتدون بحديث رسول الله (ص) الواصل عن طريقكم: بأيهم اقتديتم اهتديتم.
ولكي نعرف جاه ومقام هؤلاء الأربعة عند الله تعالى وعند رسوله (ص)، أنقل لكم بعض الأخبار المروية عن طرقكم في حقهم:
1ـ روى الحافظ أبو نعيم في المجلد الأول من حلية الأولياء ص 172 وابن حجر المكي في كتابه الصواعق المحرقة في الحديث الخامس من الأحاديث الأربعين التي نقلها في فضائل علي بن أبي طالب (ع) قال: عن الترمذي والحاكم،
عن بريدة: أن رسول الله (ص) قال: إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم، فقيل من هم؟ قال (ص): علي بن أبي طالب، وأبو ذر والمقداد، وسلمان(17).
2ـ نقل ابن حجر أيضا الحديث 39 عن الترمذي والحاكم عن أنس بن مالك، أن النبي (ص) قال: الجنة تشتاق إلى ثلاثة: علي وعمار وسلمان.
فكيف أن هؤلاء الأربعة الذين هم من خواص أصحاب النبي (ص) وقد أحبهم الله ورسوله، ومن أهل الجنة، خالفتموهم ولم يكن عملهم حجة عندكم؟!
أليس من المؤسف أن تحصروا أصحاب النبي (ص) في الذين دبروا فتنة السقيفة وانخرطوا في تلك اللعبة الجاهلية، وقبلوا منتخب المتآمرين وتركوا حجة ربة العالمين؟!
وأما بقية الصحابة الأخيار، الذين خالفوا ذلك التيار، ورفضوا ذلك القرار، إذ وجدوه جائرا مخالفا لنص الواحد القهار، فساروا على الخط الذي رسمه النبي المختار (ص) لسعادة المؤمنين الأحرار الأبرار، لم تعتبروهم ولم تقتدوا بهم، فكأنكم حرفتم عمليا حديث النبي (ص) " أصحابي كالنجوم... " بأن " بعض أصحابي كالنجوم "؟!

التشيع ليس حزبا سياسيا
وأما قولك: إن مذهب الشيعة مذهب سياسي، والإيرانيون المجوس اتخذوا التشيع وسيلة للفرار من سلطة العرب، كلام بلا دليل وهو من أقاويل أسلافكم، ونحن أثبتنا أن التشيع مذهب إسلامي، وهو شريعة خاتم الأنبياء وامتداد للإسلام.
والنبي (ص) أمر أمته بمتابعة علي ومشايعته في الأمور والحوادث، بأمر من الله سبحانه وتعالى، ونحن نتبع عليا أمير المؤمنين وأبناءه الطاهرين (ع)، ونعمل بأوامرهم حسب أمر النبي المطاع الأمين (ص)، ونرى في ذلك نجاتنا.
ولو تدبرنا التاريخ ودرسنا الحوادث بعد حياة النبي (ص) لوجدناه أن أبرز قضية سياسية وأظهر حادثة انقلابية هي مؤامرة السقيفة وانتخابهم الخليفة. ومع ذلك لا تطلقون على أولائك المجتمعين في السقيفة والهمج الذين تبعوهم كلمة: " حزب سياسي " ولكن تتهمون الشيعة المؤمنين المخلصين بأنهم حزب سياسي!!
وكم عندكم أحاديث معتبرة أن النبي (ص) يأمر الأمة بمتابعة علي بن أبي طالب وأهل بيته الكرام، وخاصة عند التباس الأمر واختلاف الرأي، ولا نجد حديثا واحدا من الرسول (ص) يأمر الأمة بتشكيل السقيفة وانتخابهم الخليفة بعده، ولو كان ذلك من حق الناس، لما نص على أخيه وصنوه علي (ع) من بعده، ولما عينه خليفة بأمر من الله (عز وجل)، في يوم الإنذار ويوم الغدير وغيره.
وأما بالنسبة لتشيع الإيرانيين الذي تزعم أنت وكثير من الذين أغوتهم الدعايات الأموية، بأنه كان من غرض سياسي.
أقول إن من كان له أدنى اطلاع في القضايا السياسية يعرف، أن قوما إذا اتخذوا مذهبا وسيلة للوصول إلى أغراضهم وأهدافهم السياسية تركوا ذلك المذهب ولم يعبئوا به حينما يصلون إلى أهدافهم. والحال أن التاريخ يشهد في حق الإيرانيين الذين تمسكوا بالتشيع واتبعوا آل محمد (ص) وأحبوهم ونصروهم وضحوا بالغالي والنفيس من أجلهم أكثر من ألف عام، وإلى يومنا هذا هم كذلك يجاهدون ويضحون في سبيل إعلاء كلمة الحق والعدل وانتشار راية: لا إله إلا الله، محمد رسول الله (ص) علي ولي الله، فهذا التفاني طيلة ألف عام وأكثر، يستحيل أن يكون لغرض سياسي دنيوي، وإنما يكون لهدف معنوي أخروي، والتشيع عند معتنقيه من الإيرانيين وغيره هدف لا وسيلة!

أسباب تشيع الإيرانيين
أما الأسباب التي دعت الإيرانيين إلى التمسك بمذهب الشيعة والالتزام بولاء أهل البيت، متابعتهم، والسير على منهج علي بن أبى طالب وأبنائه الطيبين، والتفاني في ذلك، هي:
1ـ عدم وجود العصبيات القبلية والنزعات الطائفية والدواعي العشائرية عندهم، لأنهم لم يكونوا ينتمون لأي قبيلة من قبائل قريش أو غيرها الموجودة في الجزيرة العربية، وبعيدا عن كل هذه، وجدوا الحق في علي بن أبي طالب عليه السلام فانحازوا إليه، ولم تصدهم العصبيات والنزعات عن طريق أهل البيت عليهم السلام ومذهبهم.
2ـ الذكاء والتعقل عندهم(18)، يمنعهم من التعصب الباطل والتقليد الأعمى، فهم أهل تحقيق وتدقيق في أمر الدين والعبادة، لذلك كانت المجوسية عندهم رخوة ومتزلزلة، ولهذا السبب أسلمت أكثر بلادهم من غبر حرب وفتحت من غير مقاومة، وبعد فتح بلادهم تركوا المجوسية من غير كره وإجبار واعتنقوا الإسلام بالحرية والاختيار، لأنهم عاشروا المسلمين وحققوا حول الإسلام، وعرفوا حقانيته، فتمسكوا به وأصبح الإسلام دينهم الذي كانوا يضحون أنفسهم دونه، ويقدمون الغالي والنفيس من أجله، ويجاهدون في سبيل الله تحت راية الإسلام مع العرب وغيرهم من المسلمين جنبا لجنب في صف واحد.
وبعدما دخلوا في الإسلام، واجهوا مذاهب شتى وطرائق قددا، كل منهم يدعي الحق وينسب الآخرين إلى الضلال فدققوا وفتشوا عن الحقيقة، وفحصوا وحققوا عن الحق والواقع، فوجدوه في مذهب الشيعة الامامية الاثنى عشرية، فتمسكوا به وانعقدت قلوبهم على معالمه، فتبعوا عليا وأبناءه المعصومين، ورضوا بهم أئمة وقادة وسادة، لأن الله تعالى جعلهم كذلك.
3ـ إن عليا عليه السلام كان يعرف حقوق الإنسان وحقوق الأسرى في الإسلام، لأن النبي (ص) كان يوصي المسلمين بالأسرى ويقول: أطعموهم مما تطعمون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تؤذوهم... إلى آخره، فكان علي عليه السلام يلتزم بتطبيق هذه الحقوق، وأما غيره فما كان يعرفها! وإذا كان يعرفها ما كان يلتزم بها.
وحينما جاءوا بأسرى الإيرانيين إلى المدينة، عاملهم بعض المسلمين بما لا يليق، فقام علي عليه السلام بالدفاع عن ابنتي الملك حين أمر الخليفة أبو حفص ببيعهن، ولكن عليا عليه السلام منعه وقال:إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منع من بيع الملوك وأبنائهم وبناتهم، وإنما تنتخب كل واحدة من هاتين رجلا من المسلمين فتتزوج منه.
وعلى هذا انتخبت إحداهن ـ وهي " شاه زنان " ـ محمد بن أبي بكر، وانتخبت " شهربانو " ـ وهي الأخرى ـ الإمام الحسين عليه السلام.
وذهب كل منهما مع زوجته بعقد شرعي ونكاح إسلامي إلى بيته، فولدت شاه زنان من محمد ولده " القاسم " وأصبح من فقهاء المدينة وهو والد " أم فروة " والدة الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، وولدت شهربانو الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام.
فلما رأى بعض الإيرانيين وسمع آخرون منهم بزواج ابنتي يزدجرد واحترام الإمام علي عليه السلام لهما، شكروا هذا الموقف التاريخي العظيم، والقرار الإنساني الجسيم، من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
وكان هذا من أهم الأسباب التي دعت الإيرانيين إلى تحقيق أكثر حول شخصية أبي الحسن عليه السلام، وعلي عليه السلام هو الرجل المقدس الذي كلما زاد الإنسان معرفة به، زاد حبا له وتعظيما.
4ـ ارتباط الإيرانيين وعلاقتهم بسلمان الفارسي وهو منهم، ثم لسابقته الفاخرة في الإسلام، ومكانته المرموقة عند النبي (ص)، حتى عده من أهل بيته، في الحديث الذي اشتهر عنه (ص) في كتب الشيعة والسنة انه قال (ص): سلمان منا أهل البيت(19).
وكان ينادى من ذلك اليوم: بسلمان المحمدي.
ولسائر فضائله ومناقبه أصبح محور الإيرانيين ومرجعهم في أمور الدنيا والدين.ولما كان سلمان من شيعة أهل البيت والموالين لآل محمد (ص) ومن المخالفين لاجتماع السقيفة والخليفة المنتخب فيها، أرشد قومه وهداهم إلى مذهب الشيعة، ودعاهم إلى التمسك بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، وهو ولاية وإمامة أبى الحسن أمير المؤمنين، لأنه شهد يوم الغدير، وبايع عليا عليه السلام بالخلافة، وسمع أحاديث عديدة من فم النبي الكريم (ص) في شأن أبي الحسن وسمع كرارا حديث النبي (ص) من أطاع عليا فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن خالف عليا فقد خالفني، ومن خالفني فقد خالف الله(20).
5ـ لو تعمقنا في الموضوع وتفحصنا التاريخ للوصول إلى جذوره، لوجدنا أن من أهم أسباب التفاف الإيرانيين حول علي وبنيه عليهم السلام، وابتعادهم عن الغاصبين لحقوق آل محمد (ص) هو: سوء معاملة الخليفة عمر بن الخطاب مع الإيرانيين بعدما أسلموا وهاجر كثير منهم إلى المدينة المنورة، فكانت سيرته معهم خلاف سيرة النبي (ص) مع سلمان، وكانت سيرته معهم تصرفات شخصية تنبئ عن حقد دفين في قلبه لهم، وكان يحقرهم ويمنعهم من الحقوق الاجتماعية التي منحها الله تعالى لكل إنسان(21).
أما معاملة الإمام علي عليه السلام معهم فقد كانت حسنة كمعاملة النبي (ص) لسلمان الفارسي.
  #5  
قديم 04-26-08, 11:56 PM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي

لهذا كان حب الإمام علي وبنيه عليهم السلام، وبغض عدوه وظالميه، مكنون في قلوب الإيرانيين، ولم يجدوا فرصة في لإظهارهما حتى القرن الرابع الهجري في عهد: آل بويه ودولتهم، فأظهروا حبهم لعلي وأبنائه عليهم السلام وبغضهم لظالميه وأعدائه.
وليس هناك أي ارتباط بين تشيع الإيرانيين وحكومة هارون وابنه المأمون العباسي.

دولة آل بويه
وأما آل بويه ـ الذين بدأت دولتهم في شيراز في القرن الرابع الهجري، وسرعان ما سرى نفوذهم في كل بلاد إيران والعراق، بل امتد سلطانهم في جميع بلاد بني العباس، وكانت كلمتهم تحكم في كل الولاة والحكام، وليس للخليفة العباسي إلا مراسيم الخلافة ـ فقد كانوا من شيعة إيران، وآل بويه مع هذه القدرة والنفوذ، ومع أنهم كانوا من شيعة وموالين لعلي وبنيه عليهم السلام، فهم لم يحاربوا التسنن، كما فعل الكثير من ملوك أهل السنة مع الشيعة، ولم يتعصبوا للشيعة على السنة، وإنما أعطوا الشيعة حرية إبداء العقيدة فحسب(22).

شيعة إيران في عهد المغول
وفي سنة 694 هجرية فتح غازان خان المغولي بلاد إيران، ولكنه أسلم وسمي بـ: " السلطان محمود " وكان يظهر الحب والولاء لآل رسول الله (ص) ويحترم محبيهم، وكان الشيعة في حرية العقيدة في دولته، ولما توفي سنة 707 هجرية خلفه أخوه، وقد أسلم هو أيضا وسمي: " محمد شاه خدابنده " ولما اطلع هذا على كثرة المذاهب، وأهل كل مذهب يزعمون أنهم على حق وأن غيرهم على ضلال أحب أن يعرف الحقيقة ويكشف عن الحق ليتمسك به، فأمر بإحضار العلماء من كل مذهب، ثم أمرهم بالمناقشة والمناظرة والمحاورة بمحضره.
وكان العلامة الكبير الشيخ جمال الدين حسن بن يوسف الحلي، ممثل الشيعة في المجلس، وهو وحده ناظر جميع علماء المذاهب الأربعة الحاضرين في مجلس السلطان، وأفحمهم بالأجوبة الكافية والأدلة الشافية، وأورد عليهم مسائل وإشكالات فلم يتمكنوا من ردها.
هنالك ظهر الحق وزهق الباطل، وأعلن " خندابنده " وحاشيته تشيعهم، وأصدر بعد ذلك بيانا إلى جميع ولاته على البلاد، وأخبرهم بما جرى في مجلسه، وأنه تشيع على علم ودراية، لذا يجب أن تلقى الخطب في الجمعة والجماعات باسم الإمام علي وأبنائه (ع)، وطبع الدراهم والدنانير بكلمة: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله، وسعى كثيرا واجتهد لنشر مذهب الشيعة في البلاد.
والملوك الصفويون من بعد المغول، جدوا واجتهدوا في نشر مذهب الشيعة، وأعلنوه المذهب الرسمي في إيران، وقدموا خدمات عظيمة للبلاد والعباد تحت راية علماء الشيعة ومفكريهم.
وإلى يومنا هذا، فإن المذهب الرسمي في إيران هو مذهب الشيعة الإمامية الإثنا عشرية، وهذا منذ عهد آل بويه قبل فترة الصفوية بسبعمائة عام، والمجوس أقلية لا يعدون شيئا بالنسبة للمسلمين في إيران بل هناك أقليات أخرى، ربما يكون عددهم أكثر من المجوس، وهم أيضا لا يعدون شيئا بالنسبة للمسلمين الشيعة في بلاد الفرس.
فالأكثرية الساحقة في إيران، يعتقدون بـ: توحيد الله سبحانه وتعالى، وبرسالة محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وبإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأبنائه المعصومين الأحد عشر (ع).
الحافظ: إني أتعجب منك أيها السيد الحجازي المكي المدني، حيث حللتم في إيران نسيت أصلك، وتركت شريعة جدك، وصرت مدافعا عن الإيرانيين، وحسبتهم أتباع علي كرم الله وجهه، والحال أن عليا برئ من عقائدهم ومذهبهم، لأنهم يؤهلون عليا ويجعلوه بمنزلة الرب (عز وجل) في أشعارهم وأقوالهم، وهو باليقين برئ من هذه العقيدة، لأنه كان عبدا مطيعا لله سبحانه وتعالى.
والآن أقرأ عليك بعض أشعار شعراء إيران الشيعة حتى تعرف صدقي وصحة كلامي، فقد أنشد الشاعر الإيراني، عن لسان علي كرم الله وجهه كفرا صريحا، وهو:
مظهر كـل عـجائب كيست؟ منمظهـر كل العجـائب من؟... أنــا!مظهر سـر غـرايب كيست؟ منمظهر ســر الغـرائب من؟... أنــا!صاحب عـون نوائب كيست؟ منصاحب عـون النوائـب من؟ أنــا..!در حقيقت ذات واجب كيست؟ منفي الحقيقة ذات الواجب من؟ أنــا..!ويقول الآخر:
در مذهب عارفان آكاهالله علي، علي است الله!في مذهب العرفاء العالمينالله علي، علي هـو الله!فهل بعد هذا تشك في كفرهم؟!
قلت: إني لا أشك، ولا كنت شاكا، في كفر القائلين لهذه الأبيات وأمثالها، والعجب ثم العجب منك، إذ تنسب هؤلاء الشعراء الملاحدة والغلاة والزنادقة، إلى الشيعة الموحدين لله تعالى، وعلى هذا الحساب الجائر والخيال القاصر، تفتون ـ لأتباعكم ـ بكفر الشيعة، وتسمحون لعوامكم بنهب أموا الشيعة وسفك دمائهم وهتك أعراضهم.
فكم شبت فتن على إثر هذه الفتاوى، في أفغانستان وطاجيكستان وأوزبكستان وتركستان والهند وباكستان وغيرها، التي يندى منها جبين البشرية، وتبكي لها عين الإنسانية والله يعلم كم من الشيعة المؤمنين قتلوا بأسلحة أتباعكم العوام، لأنهم بسبب هذه التقولات الموهومة والاتهامات المزعومة على شيعة آل محمد (ص) يحسبونهم كفارا، حتى في الأزمنة السالفة كان اعتقاد كثير من أهل السنة في هذه المناطق التي ذكرتها أن من قتل عددا من الروافض ـ الشيعة ـ وجبت له الجنة!!
اعلموا أن مسؤولية هذه الدماء التي سفكت، إنما تكون عليكم، وسوف تسألون عنها في المحشر، يوم ينادي المنادي: (وقفوهم إنهم مسؤولون)(23)! فما يكون جوابكم عند الله تعالى؟!
أسألكم إذا كفر عدد قليل لا يعبأ بهم في قوم مؤمنين يبلغ عددهم الملايين، هل صحيح أن يحكم على كل القوم بالكفر ألم تكن في بلادكم أقليات مشركة وطوائف كافرة؟! وهم يعدون من الأفغان فهل صحيح نحكم على كل أفغاني بالكفر والشرك؟
ألم تكن جماعات من الغلاة الذين يؤهلون عليا في تركيا وغيرها من البلاد الإسلامية؟! فهل صحيح أن نحكم على أهل كل بلد يعيش فيه عدد من الغلاة بالكفر والإلحاد؟!
فإن اعتقادكم هذا بالإيرانيين دون غيرهم، ينبئ عن غيظ وحقد مكنون في قلوبكم ضدهم، ويكشف عن تعصب بغيض ضد الشيعة.
وأما الأبيات التي قرأتها وأمثالها، إن هي إلا من شعر الغلاة، وهم غير الشيعة، بل الشيعة الامامية وعلمائهم يكفرون الغلاة ويتبرؤن منهم، وقد أفتى علماء الشيعة في إيران وفي كل مكان بكفر الغلاة ونجاستهم وقالوا بوجوب الاجتناب عنهم والتبري منهم.

الإسلام يرفض التعصب القومي
وأما قولك: بأني سيد حجازي مكي مدني، فلماذا صرت مدافعا عن الإيرانيين؟!
فمن الواضح أني أفتخر بنسبي إلى رسول الله (ص) وانتسابي لمكة والمدينة، ولكني أحمد الله الذي لم يجعل في نفسي شيئا من النزعة القومية التي تتفرع عن جذور الجاهلية.
لأن جدي رسول الله (ص)، وإن روي عنه أنه قال: حب الوطن من الإيمان، وبهذه العبارة دعا كل قوم إلى الدفاع عن وطنه والتفاني لبلاده أمام هجوم. ولكنه حارب النزعات القومية والعصبيات القبلية بشدة(24) مثلما حارب عبادة الأصنام، وسعى جاهدا لتوحيد القوميات كلها تحت راية التوحيد والإسلام، فنادى بأعلى صوته كرارا بين أصحابه: الناس سواسية كأسنان المشط، لا فخر لعربي على عجمي، ولا أبيض على أسود، إلا بالتقوى.
وقال (ص): أيها الناس، ليبلغ الشاهد الغائب، إن الله تبارك وتعالى قد أذهب عنكم بالإسلام نخوة الجاهلية، والتفاخر بآبائها وعشائرها.
أيها الناس! كلكم لآدم وآدم من تراب، ألا إن خيركم عند الله وأكرمكم عليه، أتقاكم وأطوعكم له.
وقال (ص) حين فتح مكة: يا معشر قريش! إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم خلق من تراب، قال الله تعالى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(25).
فهذا جدي وهو النبي الأكرم (ص) وسيد بني آدم، كان يحترم بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي ويساويهم في المعاملة مع أقرانهم من العرب، كأبي ذر الغفاري والمقداد الكندي وعمار بن ياسر وغيرهم.
ولكن أبا لهب الذي ولد في أشرف بيت من قريش، وهو عم النبي الكريم (ص) حين كفر بالله العظيم، تبرأ منه رسول الله (ص) والمسلمون، ونزلت سورة في ذمه فيها: (تبت يدا أبي لهب وتب)(26)... إلى آخرها.
نعم:

لقد رفع الإسلام سلمان فارسوقد وضع الشرك الشريفَ أبا لهبالتمييز العنصري سبب الحروب
كل من يطالع تاريخ العالم، يعرف أن أكثر الحروب في العالم أو كلها نشبت بسبب حمية الافتخارات الجاهلية، من نزعات قومية وتفرقة عنصرية وغيرها.
فالألمانيون يعتقدون أن قومية (الجرمن) تفوق القوميات الأخرى.
واليابنيون يريدون سيادة بني الأصفر على العالم.
والأوربيون يفضلون البيض على غيرهم.
والامريكيون يريدون السيطرة على العالم بزعمهم أنهم أفضل الخليقة، ويفضلون البيض على السود بشكل فظيع، وقد وضعوا قوانين ظالمة تسحق حقوق السود، فلا يحق لهم أن يدخلوا في الأماكن والمحلات المخصصة للبيض، حتى في الكنائس والمعابد!
وفي المعاهد العلمية، العلماء السود يجلسون في صف النعال والبيض الذين هم أنزل رتبة في العلم، يعلون عليهم في المجلس.
ولا يحق للسود مناقشة البيض في المطارحات والمناظرات العلمية، لذلك خصصوا لهم معاهد خاصة.
وحتى في القطارات والمطارات وغيرها، نجد التمييز العنصري ظاهر، وقانونه الجائر ونافذ في الدول التي تدعي التدمن والالتزام بحقوق الإنسان!
وأشد مظاهر التمييز العنصري اليوم هو في أمريكا، وهي تزعم سيادة العالم والدفاع عن حقوق البشر وحرية الانسان في كل الأقطار والأمصار، ولكنها تعامل السود الذين يشكلون نسبة عظيمة من الشعب الأمريكي كالحيوان، بل يفضلون عليهم بعض الحيوانات، فالسود في أمريكا محرومون من حقوقهم الاجتماعية والإنسانية التي منحها الله تعالى لكل البشر على الحد سواء.
ولكن الإسلام العظيم وقائده الكريم محمد (ص) منذ أكثر من ألف وثلاثمائة عام، ألغى النزعات القومية والتفرقة العنصرية، وحاربها كما حارب الكفر والشرك، وعبر عنها بالنخوة والعادات الجاهلية.
ثم إنه (ص) احتضن بلال الحبشي وصهيب الرومي بالتكريم والمحبة، كما احتضن أبا ذر وعمار وسلمان، وقال في كل واحد منهم، ما بين فيه مكانته وقربه عند الله سبحانه وتعالى.
وعين بلال الحبشي ـ الأسود ـ مؤذنا في مسجده، وهو مقام رفيع في الإسلام، فإن المؤذن: داعي الله ومناديه في عبادة المؤمنين.
وقد جعل الله عز وجل التقوى معيارا في التكريم والتفضيل، فقال عز من قائل: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(27).
وأنا ـ بعيدا عن النزعات القومية و التعصبات الجاهلية ـ ألزم نفسي بالدفاع عن الحق وإن كان أكثره من غير قومي، وأحارب الباطل وإن كان أكثر أهله من قومي، فأصر التشيع لأنه المذهب الحق وإن كان أكثر المتمسكين به إيرانيين، وأحارب الباطل وأرفضه وإن كان أكثر الحجازيين.

نحن أبناء الدليلحيثما مال نميلالغلاة ليسوا من الشيعة
لقد نسبت أشعار الغلاة الإيرانيين إلى الشيعة الموحدين المؤمنين، فخلطت الحابل بالنابل.
فإن شيعة الإمام علي (ع)، سواء أكانوا إيرانيين أم عربا أم غيرهم، كلهم يوحدون الله تعالى ويطيعونه ويعبدونه ولا يشركون به شيئا، ويشهدون بأن محمدا بن عبدالله عبده ورسوله، و خاتم النبيين، ولا نبي بعده إلى قيام يوم الدين.
ويعتقدون بأن علي بن أبي طالب ولي الله وعبده الصالح، اتخذه النبي (ص) أخا، وأوصى إليه وجعله خليفته من بعده، كل ذلك بأمر من الله تبارك وتعالى.
ويعتقدون بإمامة الحسن المجتبى (ع) بعد أبيه المرتضى، ومنم بعده إمامة الحسين الشهيد (ع)، ثم إمامة تسعة من أولاد الحسين (ع) نص عليهم رسول الله (ص) وعرفهم بأوصافهم وصفاتهم، وقد عصمهم الله تعالى من الذنب، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وهم عباده المكرمون، ولا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
ومن كان يقول ويعتقد غير هذا في الإمام علي وبنيه الأئمة الأحد عشر (ع) فلا تنسبوه إلى الشيعة.
ونحن الشيعة في إيران وغيره براء من الغالين في الإمام علي أو بنيه، كالسبئية والخطابية والغرابية والحلولية وغيرهم، وهذه الفرق أقليات متفرقة في أكثر البلاد الإسلامية لا إيران فقط، إلا أنه في تركيا يبلغ عددهم الملايين، مع ذلك لا تنسبون مسلمي تركيا ـ بما فيهم الشيعة الأتراك ـ إلى الغلاة!
فالشيعة في كل مكان بريئون من هذه الفرق، ويتألمون من انتسابها إليهم، كما أن المسلمون عموما يتبرءون منها عندما ينسب المستشرقون هذه الفرقة الغالية إلى الإسلام.
والشيعة: علماؤها وفقهاؤها في إيران وغيرها حكموا على الغلاة بالكفر، وأفتوا بنجاستهم ووجوب الاجتناب عنهم، ومع هذا كله، تنسبون إلينا هذه الفرق الضالة، أو تحسبوننا منهم!! إن هذا إلا بهتان عظيم.
فلو كنتم تقرءون كتبنا الكلامية، لوجدتم ردود متكلمينا وعلمائنا على عقائد الغلاة الإلحادية، بالدلائل العقلية والنقلية، وسأنقل لكم بعض الأخبار المروية في كتبنا عن أئمة الشيعة، وقد جمع قسما منها المحدث الجليل، والحبر النبيل، علامة عصره، ونابغة دهره، الشيخ المولى باقر المجلسي ـ قدس سره ـ في كتابه بحار الأنوار الذي هو أضخم دائرة معارف الشيعة الامامية وعدد أجزائه مائة وعشر مجلدات.
1ـ روي في ج 25 ص 273، حديث 19: عن أبي هاشم الجعفري قال سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن الغلاة و المفوضة فقال الغلاة كفار و المفوضة مشركون من جالسهم أو خالطهم أو واكلهم أو شاربهم أو واصلهم أو زوجهم أو تزوج إليهم أو أمنهم أو ائتمنهم على أمانة أو صدق حديثهم أو أعانهم بشطر كلمة خرج من ولاية الله عز و جل و ولاية الرسول (ص) و ولايتنا أهل البيت.
2ـ وفي ج 25 ص 283، حديث 33: عن الإمام جعفر الصادق (ع) الغلاة شر خلق الله يصغرون عظمة الله و يدعون الربوبية لعباد الله و الله إن الغلاة لشر من اليهود و النصارى و المجوس و الذين أشركوا.
3ـ وفي ج 25 ص 286، حديث 40: عن أبان بن عثمان قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين و كان و الله أمير المؤمنين (ع) عبدا لله طائعا الويل لمن كذب علينا و إن قوما يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا نبرأ إلى الله منهم نبرأ إلى الله منهم.
4ـ وفي ج 25 ص 286، حديث 41: عن الثمالي قال: قال علي بن الحسين (ع) لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبد الله بن سبإ فقامت كل شعرة في جسدي لقد ادعى أمرا عظيما ما له لعنه الله كان علي ع و الله عبدا لله صالحا أخو رسول الله ص ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله و لرسوله و ما نال رسول الله ص الكرامة من الله إلا بطاعته لله عز وجل.
5ـ وفي ج 25 ص 296، حديث 55: عن المفضل بن يزيد قال: قال أبو عبد الله (ع) ـ و ذكر أصحاب أبي الخطاب و الغلاة ـ فقال لي يا مفضل لا تقاعدوهم و لا تؤاكلوهم و لا تشاربوهم و لا تصافحوهم و لا توارثوهم.
6ـ ج 25 ص 297، حديث 59: عن الصادق (ع): لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا و لعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا و إليه مآبنا و معادنا و بيده نواصينا.
7ـ وفي ج 25 ص 303، حديث 69: عن صالح بن سهل قال كنت أقول في أبي عبد الله (ع) بالربوبية فدخلت فلما نظر إلي قال يا صالح إنا و الله عبيد مخلوقون لنا رب نعبده و إن لم نعبده عذبنا.
هذا أئمة الشيعة في ابن سبأ وأبي الخطاب والمفوضة والغلاة، ومع هذا كله، فإنكم وكثير من كتابكم تنسبون الشيعة إلى ابن سبأ الملعون!
فهل وجدتم كتاب واحد من كتب الشيعة الامامية الجعفرية ـ المنسوبين للإمام جعفر الصادق (ع) ـ كلمة واحدة في مدح ابن سبأ؟!
هذه كتبنا من أكثر من ألف سنة ملأت المكتبات والمدارس ـ اقرؤها بدقة، وطالعوها بتدبر، فلن تجدول شطر كلمة في تأييد ابن سبأ وعقائده وأفكاره، بل تجدون رده ولعنه، وأنه يهودي كافر.
فارجعوا عن كلامكم واعدلوا عن قولكم ورأيكم عن الشيعة، واخشوا الله وخافوا الحساب، يوم تسألون عن كل حرف مما قلتم، فقد قال تعالى (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)(28).
وقال سبحانه (فمن يعمل مثقال ذرة خير يره * ومن يفعل مثقال ذرة شرا يره)(29).
فأرجوكم أن تحاوروني بكلام نابع من الواقع والحقيقة، ولا تأخذوا ما يقول أعداؤنا وخصومنا فينا، فإن الخصم قلما ينصف خصمه.
فكما أحتج وأتكلم أنا بالاستناد إلى كتبكم وصحاحكم في إثبات ما أقول، فإن أصول المحاجة والحوار تقتضي أن تكونوا كذلك.
الحافظ: إن نصائحكم مقبولة، وإن شاء الله لا نقول إلا ما فيه رضاه، وإني حين سمعت هذه الروايات عندكم في رد الغلاة، زاد تعجبي فيكم، لأنا نسمع منكم في هذا الحوار تعابير في أئمتكم، يشم منها رائحة الغلو، وهم غير راضين بتلك الكلمات، بالرغم من أنكم تحرصون على كل كلمة تلفظونها، حتى لا يؤاخذكم بها، ولا تكون سببا للطعن فيكم.
قلت: أنا لست جاهلا معاندا، ولا متعصبا جامدا، فإذا كانت في كلامي هفوات ومغالاة، فالواجب أن تنبهوني، فإن الإنسان في معرض السهو والنسيان، وأرجوكم أن تذكروا كل ما كان في نظركم غلوا أو كفرا أو خارجا عن ميزان العقل والمنطق.
الحافظ: إن الله تعالى خص نبيه محمدا (ص) بتحية الصلاة، والسلام في الآية الكريمة: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) (30) ولكن الشيعة كلهم ـ وحتى جنابكم في هذا المجلس ـ كلما ذكرتك أحد أئمتكم ألحقتم باسمه جملة (سلام الله عليه) أو (صلوات الله عليه) عوض أن تقولوا: (رضي الله عنه) فإنكم تشركون أئمتكم مع النبي في ما خصه الله تعالى من التحيات، فعملكم هذا بدعة وضلال وخلاف لنص القرآن الكريم.
قلت: إن الشيعة لم يخالفوا نصا في أي عمل من أعمالهم الدينية، ولكن أعداءهم كالخوارج والنواصب وبني أمية وأتباعهم في القرون الماضية افتروا عليهم، واعترضوا على بعض أعمالهم بأنها بدعة.
وعلماؤنا ردوا عليهم وأجابوهم بأدلة عقلية ونقلية أثبتوا بها أن الشيعة ليسوا أهل البدع والضلال، أجابوهم على الإشكال الذي أوردته بالتفصيل، ولكن رعاية للوقت، وإني أرى آثار التعب والنعاس تبدو على بعض الحاضرين، أجيبكم باختصار:
أولا: إن الله عز وجل في الآية الكريمة يأمر المؤمنين بالصلاة والسلام على النبي (ص) ولا ينهى عن الصلاة والسلام على غير النبي (ص).
ثانيا: كما أن الله تعالى قال في الآية الكريمة: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) فقد قال في سورة الصافات (سلام على آل ياسين) (31).
والله عز وجل في تلك السورة أيضا سلم على أنبيائه بقوله( سلام على نوح في العالمين)(32) (سلام على إبراهيم)(33) (سلام على موسى وهارون)(34) ولم يسلم على آل أحد الأنبياء إلا آل ياسين، و (يس) أحد أسماء نبينا (ص)، لأن الله تعالى ذكر لنبيه الكريم في القرآن، الحكيم خمسة أسماء وهي: محمد وأحمد وعبدالله ونون ويس، فقال (يس * والقرآن الكريم * إنك لمن المرسلين) (35) يا: حرف نداء، و(س) اسم رسول الله (ص) وهو إشارة إلى تساوي ظاهره وباطنه.
النواب: ما هو سبب اختيار حرف (س) من بين الحروف؟!
قلت: لأن حرف الـ (س) في حروف التهجي هو وحده يكون عدد ظاهره وباطنه متساويين، فإن لكل حرف من حروف التهجي عند المتخصصين بعلم الحروف والأعداد زُبَر وبينة، وحين تطبيق عدد: زُبِر وبينة كل حرف يكون عددهما مختلفا، إلا حرف (س) فإن زبره يساوي بينته.
نواب: عفوا يا سيد، أرجو منك التوضيح بشكل نفهمه نحن العوام، ونحن لا نعرف معنى: الزبر والبينة، فنرجو توضيحا أكثر.
قلت: أوضح:
الزبر: هو اسم الحرف الذي يخط على القرطاس: (س) وهو حرف واحد، ولكن عند التلفظ يكون: ثلاثة حروف: س ي ن فكل ما زاد على الحرف وخطه في تلفظه يكون بينته، وعدد (س) عند العلماء: ستون وعدد (ي) عشرة، و(ن) خمسون، فيكون جمعهما ستون أيضا، فيتساوى عدد: (س) وعدد: (ين) وهذا هو الحرف الوحيد بين حروف التهجي يتساوى زبره وبينته.
ولذلك فإن الله تعالى خاطب نبيه قائلا: يس، الياء: حرف نداء، و (س): إشارة إلى اعتدال ظاهره وباطنه.
وكذلك في الآية المباركة قال: (سلام على آل ياسين).
الحافظ: إنكم تريدون بسحر كلامكم أن تثبتوا شيئا لم يقله أحد من العلماء!
قلت أرجوك أن لا تتسرع في نفي ما أقول، بل فكر وتدبر ولا تعجل، فإن العجلة ندامة، لأني أثبت كلامي استنادا إلى كتبكم وصحاحكم، وعندها تُحرج أمام الحاضرين وتخجل، وأنا لا أحب لك ذلك.
وإنكم إما غير مطلعين على كتبكم، أو مطلعين عليها ولكنكم تكتمون الحق!
أما نحن، فمطلعون على كتبكم وما فيها من الروايات والأحاديث الصحيحة والمدسوسة، فنأخذ الصحيحة ونترك غيرها.
وفي خصوص هذا الموضوع نعرف روايات وأحاديث معتبرة في كثير من كتبكم، منها: في كتاب (الصواعق المحرقة) الآية الثالثة في فضائل أهل البيت.
قال إن جماعة من المفسرين رووا عن ابن عباس أنه قال: أن المراد بـ (سلام على آل ياسين) أي: سلام على أل محمد، قال وكذا قاله الكلبي.
ونقل ابن حجر أيضا عن الإمام الفخر الرازي أنه قال: إن أهل بيته (ص) يساوونه في خمسة أشياء:
1ـ في السلام، قال السلام عليك أيها النبي، وقال سلام على آل ياسين.
2ـ وفي الصلاة عليه وعليهم في التشهد.
3ـ وفي الطهارة، قال تعالى (طه)(36) أي: يا طاهر، وقال: ( ويطهركم تطهيرا)(37).
4ـ وفي تحريم الصدقة.
5ـ وفي المحبة، قال تعالى: (فاتبعوني يحببكم الله)(38) وقال : " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)(39).
وذكر السيد أبو بكر شهاب الدين في كتابه " رشفة الصادي... " في الباب الأول ص 24: عن جماعة من المفسرين رووا عن ابن عباس، والنقاش عن الكلبي: سلام على آل ياسين، أي: آل محمد.
ورواه أيضا في الباب الثاني: ص34.
وذكر الإمام الفخر الرازي في التفسير الكبير ج 7 ص 163 في تفسير الآية الكريمة: (سلام على آل ياسين) وجوها... الوجه الثاني: إن آل ياسين هم آل محمد(40).
فجواز الصلاة والتسليم على آل محمد، أمر متفق عليه بين الفريقين(41).

الصلاة والسلام على الآل السنة
روى البخاري في صحيحه ج 3.
ومسلم في صححه ج 1.
والعلامة القندوزي في ينابيع المودة ص 227 نقلا عن البخاري، وابن حجر في الصواعق المحرقة: في الباب الحادي عشر، الفصل الأول، الآية الثانية.
كلهم رووا عن كعب بن عجرة، قال لما نزلت هذه الآية، قلنا: يا رسول الله! قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟
فقال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى وآل محمد... إلى آخره.
قال ابن حجر: وفي رواية الحاكم، فقلنا: يا رسول الله! كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟
قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد... إلى آخره.
قال ابن حجر: فسؤالهم بعد نزول الآية: (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وإجابتهم بـ: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد... إلى آخره، دليل ظاهر على أن الأمر بالصلاة على أهل بيته وبقية آله مراد من هذه الآية، ولم يسألوا عن الصلاة على أهل بيته وآله عقب نزولها ولم يجابوا بما ذكر، فلما أجيبوا به دل على أن الصلاة عليهم من جملة المأمور به... إلى آخر كلامه في " الصواعق " فراجع.
وروى الإمام الفخر الرازي في ج6 من تفسيره الكبير ص 797: لما سأله الأصحاب: كيف نصلي عليك؟
قال (ص) قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، بارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وروى ابن حجر في الصواعق ص 87: قال (ص): لا تصلوا علي الصلاة البتراء.
فقالوا: وما الصلاة البتراء؟
قال (ص): تقولون: اللهم صل على محمد وتمسكون، بل قولوا: اللهم صل على محمد وعلى لآل محمد(42).
قال: وقد أخرج الديلمي أنه (ص) قال: الدعاء محجوب حتى يصلي على محمد وأهل بيته، اللهم صل على محمد وآله.
ولابن حجر بحث مفصل ينقل آراء علمائكم وفقهائكم في وجوب الصلاة والسلام على آل محمد (ص) في التشهد في الصلوات اليومية، ثم يقول: وللشافعي رضي الله عنه:
يا أهل بيت رسول الله حبكمفرض من الله في القرآن أنزلهكفاكم من عظيم القدر أنكممن لم يصل عليكم لا صلاة لهوقد بحث الموضوع السيد أبو بكر بن شهاب الدين في كتابه رشفة الصادي، الباب الثاني: ص 29 ـ 35، ونقل دلائل في وجوب الصلاة والسلام على آل محمد في الصلاة اليومية عن النسائي والدار قطني وابن حجر والبهيقي وأبي بكر الطرطوسي وأبي اسحاق المروزي والسمهودي والنووي والشيخ سراج الدين القصيمي.
ونظرا لضيق الوقت ورعاية لحال الحاضرين أكتفي بهذا المقدار، أكتفي بهذا المقادير، وأترك الموضوع للعلماء الحاضرين حتى يفكروا ويراجعوا وجدانهم وضمائرهم، ثم يحكموا فيه وينصفوا. وبعد هذا كله ستصدقونني حتما وتقبلون بأن الصلاة والسلام على آل محمد ليست بدعة، وإنما هي عبادة وسنة أمر بها النبي الكريم (ص)، ولا ينكر هذا إلا الخوارج والنواصب المعاندون، خذلهم الله، حيث دلسوا على إخواننا العامة، وألبسوا عليهم الحق والحقيقة.
ومن الواضح أن الذين أمر النبي (ص) أن تقرن أسمائهم مع اسمه الشريف، ويصلي ويسلم عليهم في الصلوات اليومية مقدمون على غيرهم في الفضل والشرف.
ومن السفاهة والجهل والتعصب والعناد أن نرجح الآخرين عليهم.
والآن أشاهد آثار التعب والنعاس تبدوا على كثير من الإخوان، لذلك أنهي المجلس وأنتظر قدومكم في الليلة الآتية إن شاء الله.
فقام القوم وانصرفوا وشيعتهم إلى باب الدار.
  #6  
قديم 04-26-08, 11:57 PM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي

المجلس الثالث
ليلة الأحد 25/ رجب / 1345 هجرية


حضر مجلس البحث الذي انعقد في أول الليل فضيلة الحافظ محمد رشيد مع ثلة من المشايخ والعلماء، وجمع كبير من أتباعهم، فلما استقر بهم المجلس وتناولوا الشاي والحلوى....
قال الحافظ: في الليلة البارحة لما ذهبت من هنا إلى البيت لمت نفسي كثيرا لعدم تحقيقي ومطالعتي حول المذاهب الأخرى وعقائدهم وأقوالهم، ولم اكتف بكتب مخالفيهم وبتعبيركم: المتعصبين على غيرهم!
وقد ظهر لنا ـ من جملة كلامكم ـ في الليلة الماضية: أن الشيعة يفترقون على مذاهب وطرق شتى، فأي مذهب على حق عندكم؟ بينوه حتى نعرف على أي مذهب نحاوركم، ونكون على بينة من الأمر في هذا التفاهم الديني والحوار المذهبي!
قلت: إني لم أذكر في الليلة الماضية أن الشيعة على مذاهب، وإنما الشيعة مذهب واحد، وهم المطيعون لله وللرسول محمد (ص) والأئمة الاثني عشر (ع).
ولكن ظهرت مذاهب كثيرة بدواع دنيوية وسياسية زعمت أنها من الشيعة، وتبعهم كثير من الجهال فاعتقدوا بأباطيلهم وكفرياتهم، وحسبهم الجاهلون الغافلون بأنهم من الشيعة، ونشروا كتبا على هذا الأساس الباطل من غير تحقيق وتدقيق.
وأما المذاهب التي انتسبت إلى الشيعة عن جهل أو عمد لأغراض سياسية ودنيوية، فهي أربع مذاهب أولية، وقد اضمحل منها مذهبان وبقي مذهبان، تشعبت منها مذاهب أخرى.
والمذاهب الأربعة هي: الزيدية، الكيسانية، القداحية، الغلاة.

مذهب الزيدية
وبعد وفاة علي بن الحسين (ع) ساق جماعة من الشيعة الإمامة إلى ابنه زيد وعرف هؤلاء بالزيدية وهم الذين (ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم) إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم زاهد شجاع سخي خرج بالإمامة أن يكون إماما واجب الطاعة سواءً كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين(1).
ولما كان زيد الشهيد (ع) كذلك، اتخذوه إماما بعد أبيه فقد خرج ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدفع الظلم عن نفسه وعن المؤمنين، وكان سيدا شريفا، وعالما تقيا، وشجاعا سخيا وقد أخبر رسول الله (ص) عن شهادته، فقد روى الإمام الحسين (ع) أن رسول الله (ص) وضع يده على ظهري وقال: يا حسين سيخرج من صلبك رجل يقال له زيد يقتل شهيدا، فإذا كان يوم القيامة يتخطى هو وأصحابه رقاب الناس ويدخلون الجنة.
وقال الإمام علي بن موسى الرضا (ع) للمأمون وهو يحدثه عن زيد بن علي الشهيد أنه كان من علماء آل محمد غضب في الله فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله، ولقد حدثني أبي موسى بن جعفر أنه سمع أباه جعفر بن محمد يقول: رحم الله عمي زيدا إنه دعا إلى الرضا من آل محمد ولو ظفر لوفّى لله، ومن ذلك أنه قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمد(2).
روى الخزاز(3) في حديث طويل عن محمد بن بكير قال: دخلت على زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وعنده صالح بن بشر فسلمت عليه وهو يريد الخروج إلى العراق فقلت له: يا ابن رسول الله... هل عهد إليكم رسول الله (ص) متى يقوم قائمكم؟ قال: يا ابن بكير، إنك لن تلحقه، وأن هذا الأمر تليه ستة من الأوصياء بعد هذا (ويعني الإمام الباقر) ثم يجعل الله خروج قائمنا، فيملؤها قسطا وعدلا كما ملئت جورا و ظلما.
فقلت يا ابن رسول الله ألست صاحب هذا الأمر؟
فقال: أنا من العترة، فعدت فعاد إلي، فقلت: هذا الذي تقول عنك أو عن رسول الله (ص)؟
فقال: لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، لا ولكن عهد عهده إلينا رسول الله (ص).

الكيسانية
وهم أصحاب كيسان وكان عبدا اشتراه الإمام علي (ع) فأعتقه، ويقولون بإمامة محمد بن الحنفية بعد إمامة الحسن المجتبى والحسين سيد الشهداء (ع)، ولكن محمدا لم يدع الإمامة أبدا وهو عندنا سيد التابعين، ويعرف بالعلم والزهد والورع والإطاعة للإمام السجاد (ع) زين العابدين.
نعم، نقل بعض المؤرخين بعض الاختلافات بينهما، وقد اتخذ الكيساني تلك الاختلافات دليلا على ادعاء محمد بن الحنفية لمقام الإمامة.
ولكن الحقيقة أنه أراد أن يوجه أصحابه إلى عدم صلاحيته لذلك المقام الرفيع، فكان في الملأ العام يخالف رأي الإمام زين العابدين عليه السلام، وكان الإمام عليه السلام يجيبه جوابا مقنعا فيفحمه، فكان محمد يسلم للإمام ويطيعه ، وأخيرا تحاكما عند الحجر الأسود في أمر الإمامة وأقر الحجر بإمامة علي بن الحسين السجاد زين العابدين عليه السلام، فبايع محمد بن الحنفية ابن أخيه الإمام السجاد، وتبعه أصحابه وعلى رأسهم أبو خالد الكابلي، فبايعوا إلا قليل منهم بقوا على عقيدتهم الباطلة بحجة أن اعتراف محمد بإمامة زين العابدين عليه السلام حدث لمصلحة لا نعرفها!!
ومن بعد موته، قالوا بأنه لم يمت! وإنما غاب في شعب جبل رضوى ، وهو الغائب المنتظر الذي أخبر عنه رسول الله (ص) وسيظهر ويملأ الأرض قسطا وعدلا.
وقد انقسموا على أربع فرق: المختارية، الكربية، الإسحاقية، الحربية، وكلهم انقرضوا ولا نعرف اليوم أحدا يعتقد بمذهبهم.

القداحية
وهم قوم باطنيون يتظاهرون بالتمسك ببعض عقائد الشيعة ويبطنون الكفر والزندقة والإلحاد!!
ومؤسس هذا المذهب الباطل هو: ميمون بن سالم، او ديصان، وكان يعرف ويلقب بقداح، وكان ابتداء هذا المذهب في مصر، وهم فتحوا باب تأويل القرآن والأحاديث حسب رأيهم كيفما شاءوا، وجعلوا للشريعة المقدسة ظاهرا وباطنا وقالوا: إن الله تعالى علّم باطن الشريعة لنبيه، وهو علّمه عليا، وعلي عليه السلام علم أبناءه، وشيعته المخلصين.
وقالوا: بأن الذين عرفوا باطن الشريعة، تحرروا وخلصوا من الطاعة والعبودية الظاهرية!!
وقد بنوا مذهبهم على سبعة أسس، واعتقدوا بسبعة أنبياء وسبعة أئمة، فقالوا في الإمام السابع، وهو موسى بن جعفر عليه السلام: بأنه غاب ولم يمت ، وسيظهر ويملأ الأرض قسطا وعدلا!! وهم فرقتان:
1ـ الناصرية: أي: أصحاب ناصر خسرو العلوي، الذي تمكن بقلمه وشعره أن يدفع كثيرا من الغافلين في هوة الكفر والإلحاد، وكان له أتباع في طبرستان.
2ـ الصبّاحيّة: وهم أصحاب حسن الصباح، وهو من أهل مصر، ثم هاجر إلى إيران ونشر دعوته في نواحي قزوين، وكانت واقعة قلعة " الموت " بسببه، والتي قتل فيها كثير من الناس، والتاريخ يذكرها بالتفصيل ولا مجال لذكرها.

الغلاة
وهم أخس الفرق المنسوبة إلى التشيع، وهم سبع فرق كلهم ملحدون: السّبئية، المنصورية، الغرابية، البزيغية، اليعقوبية، الإسماعيلية، الدرزية.
ولا مجال لشرح أحوالهم وعقائدهم، وإنما أشرت إليهم وذكرتهم لأقول: نحن الشيعة الإمامية الإثنا عشرية نبرأ من هذه الطوائف والفرق والمذاهب الباطلة ونحكم عليهم بالكفر والنجاسة، ووجوب الاجتناب عنهم.
هذا حكم أئمة أهل البيت عليهم السلام الذين نقتدي بهم، وقد ذكرت لكم بعض الروايات عن أئمتنا عليهم السلام في حق أولئك الزنادقة الملحدين ـ في الليلة الماضية ـ.
ومع الأسف أن نرى كثيرا من أصحاب القلم لم يفرقوا بين الشيعة الإمامية الجعفرية وبين هذه الفرق المنتسبة للشيعة، مع العلم أن عددنا يربو على أتباع هذه المذاهب الباطلة بأضعاف مضاعفة، وهم نسبة ضئيلة جدا، وعددنا نحن اليوم أكثر من مائة مليون، وأصحابنا موجودون في كل بلاد العالم، ونعلن براءتنا من هذه العقائد الفاسدة والمذاهب الباطلة التي تنسب إلى الشيعة.

خلاصة عقائدنا
والآن أذكر لكم أصول عقائد الشيعة الإمامية الاثنى عشرية باختصار ، وأرجو أن لا تنسبوا إلينا غير ما أبينه لكم.
نعتقد: بوجود الله سبحانه وتعالى، الواجب الوجود، الواحد الأحد، الفرد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ليس له شبيه ولا نظير ، ولا جسم ولا صورة، لا يحل في جسم، ولا يحدد بمكان ليس بعرض ولا جوهر، بل هو خالق العرض والجوهر وخالق كل شيء، منزه عن جميع الصفات التي تشبهه بالممكنات، ليس له شريك في الخلق وهو الغني المطلق، والكل محتاج إليه على الإطلاق.
أرسل رسله إلى الخلق واصطفاهم من الناس واختارهم فبعثهم إليهم بآياته وأحكامه ليعرفوه ويعبدوه، فجاء كل رسول من عند الله سبحانه ما يقتضيه الحال ويحتاجه الناس، وعدد الأنبياء كثير جدا إلا أن أصحاب الشرائع خمسة، وهم أولو العزم:
1ـ نوح، نجي الله 2ـ إبراهيم، خليل الله 3ـ موسى، كليم الله 4ـ عيسى، روح الله 5ـ محمد، حبيب الله، صلوات الله وسلامه عليهم جميعا.
وإن سيدهم وخاتمهم هو: نبينا محمد المصطفى (ص)، الذي جاء بالإسلام الحنيف وارتضاه الله تعالى لعباده دينا إلى يوم القيامة.
فحلال محمد (ص) حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة.
والناس مجزون بأعمالهم يوم الحساب، فالدنيا مزرعة الآخرة، فيحيي الله الخلائق بقدرته، ويرد الأرواح إلى الأجساد، ويحاسبهم على أقوالهم وأفعالهم (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) (4).
ونعتقد: بالقرآن الحكيم كتابا، أنزله الله تبارك وتعالى على رسوله الكريم محمد (ص)، وهو الذي بين أيدي المسلمين، لم يحرف ولم يغير منه حتى حرف واحد، فيجب علينا أن نلتزم به ونعمل بما فيه من الصلاة والصوم والزكاة والخمس والحج والجهاد في سبيل الله.
ونلتزم بكل ما أمر به الرب الجليل، وبكل الواجبات والنوافل التي بلغها النبي (ص) ووصلتنا عن طريقه.
ونمتنع عن ارتكاب المعاصي، صغيرة أو كبيرة، كشرب الخمر ولعب القمار والزنا واللواط والربا وقتل النفس المحترمة والظلم والسرقة، وغيرها مما نهى الله ورسوله عنها.
ونعتقد: أن الله عز وجل هو وحده يبعث الرسل وينزل عليهم الكتاب والشريعة، ولا يحق لقوم أن يتخذوا لأنفسهم دينا ونبيا غير مبعوث من عند الله تعالى ، وكذلك هو وحده الذي ينتخب ويختار خلفاء رسوله بالنص، والرسول يعرفهم للأمة.
وكما أن جميع الأنبياء عرفوا أوصياءهم وخلفاءهم لأممهم كذلك خاتم الأنبياء محمد (ص) لم يترك الأمة من غير هاد وبلا قائد مرشد من بعده، بل نصب عليا وليا مرشدا، وعلما هاديا، وإماما لأمته، وخليفة من بعده في نشر دينه وحفظ شريعته.
وقد نص النبي (ص) ـ كما في كتبكم أيضا ـ أن خلفاءه من بعده اثنا عشر، عرفهم بأسمائهم وألقابهم، أولهم سيد الأوصياء علي بن أبى طالب عليه السلام، وبعده ابنه الحسن المجتبى، ثم الحسين سيد الشهداء ثم علي بن الحسين زين العابدين، ثم ابنه محمد باقر العلوم، ثم ابنه جعفر الصادق، ثم ابنه موسى الكاظم، ثم ابنه علي الرضا، ثم ابنه محمد التقي، ثم ابنه علي النقي، ثم ابنه الحسن العسكري، ثم ابنه محمد المهدي، وهو الحجة القائم المنتظر، الذي غاب عن الأنظار، وسوف يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا، وقد تواترت الأخبار في كتبكم وعن طرقكم أيضا، أن النبي (ص) أخبر بظهور المهدي صاحب الزمان، وهو المصلح العالمي الذي ينتظره جميع أهل العالم، ليمحو الظلم والجور ويقيم العدل والقسط على وجه البسيطة.
وبكلمة واحدة أقول: نحن نعتقد بجميع الأحكام الخمسة ـ من الحلال والحرام والمستحب والمكروه والمباح ـ التي أشار إليها القرآن الكريم، أو جاءت في الروايات والأخبار الصحيحة المعتبرة التي وصلتنا عن النبي الأكرم (ص) وأهل بيته الطيبين الطاهرين.
وأنا أشكر الله ربي إذ وفقني لأعتقد بكل ذلك عن تحقيق ودراسة وعلم واستدلال، لا عن تقليد الآباء والأمهات، ولذا فإني أفتخر بهذا الدين والمذهب الذي أتمسك به، وأعلن أني مستعد لأناقش على كل صغيرة وكبيرة من عقائدي، وبحول الله وقوته أثبت حقانيتها.
(الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) (5).
ارتفع صوت المؤذن لصلاة العشاء، وبعد الفراغ من الصلاة شربوا الشاي وتناولوا شيئا من الحلوى، ثم افتتح الحافظ كلامه قائلا:
نشكركم على التوضيح عن فرق الشيعة، ولكن نرى في الأخبار والأدعية المروية في كتبكم وعبارات ظاهرها يدل على الكفر!
قلت: أرجو أن تذكروا عبارة واحدة من تلك العبارات حتى نعرف.
الحافظ: إني طالعت أخبارا كثيرة في كتبكم بهذا المعنى ولكن الذي أذكره الآن ويجول في خاطري، عبارة، في " تفسير الصافي " (6) للفيض الكاشاني الذي هو أحد كبار علمائكم فقد روى: أن الحسين شهيد الطف وقف يوما بين أصحابه فقال : أيها الناس! إن الله تعالى جل ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، وإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه.
قال رجل من أصحابه: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله (ص) فما معرفة الله؟
قال (ص): معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي تجب عليهم طاعته.
قلت: أولا: يجب أن ننظر إلى سند الرواية، هل كان صحيحا أو موثقا، قويا أو ضعيفا، معتبرا أو مردودا.
ثم على فرض صحة السند فهو خبر واحد، فلا يجوز الاستناد عليه والالتزام به، فمثل هذا الخبر يلغى عندنا لمناقضته للآيات القرآنية والروايات الصريحة المروية عن أهل البيت عليهم السلام في التوحيد(7).
ومن أراد أن يعرف نظر الشيعة في التوحيد فليراجع خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في)نهج البلاغة) حول التوحيد وليراجع مناظرات أئمتنا عليهم السلام ومناقشاتهم مع الماديين والدهريين المنكرين لوجود الله عز وجل، لتعرفوا كيف ردوا شبهاتهم، وأثبتوا وجود الخالق وتوحيده على أحسن وجه.
راجعوا كتاب توحيد المفضل، وتوحيد الصدوق، وكتاب التوحيد من موسوعة " بحار الأنوار " للعلامة المجلسي قدس الله أسرارهم.
وطالعوا بدقة كتاب النكت العقائدية، والمقالات في المذاهب والمختارات، وهما من تصانيف محمد بن محمد بن نعمان، المعروف بالشيخ المفيد طاب ثراه، وهو من أكبر علمائنا في القرن الرابع الهجري.
طالعوا بإمعان كتاب) الاحتجاج) للشيخ الجليل أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي رحمه الله.
راجعوا هذه الكتب القيمة حتى تعرفوا كلام أئمة الشيعة وعلمائهم في التوحيد.
ولكنكم لا تريدون معرفة الحقيقة والواقع! وإنما تبحثون في كتبنا لتجدوا أخبارا متشابهة فتتحاملون بها علينا، وتهرجون بها ضدنا.
أتبصر في العين مني القذىوفي عينك الجذع لا تـــبصرفكأنكم لم تطالعوا كتبكم وصحاحكم فتجدوا فيها الأخبار الخرافية والموهومات، بل الكفريات التي تضحك الثكلى ويأباها العقل السليم، فلو تقرأها بإمعان لما رفعت رأسك خجلا، ولم تنظر في وجوه الحاضرين حياء!!
الحافظ: إن المضحك المخجل هو كلامكم في تخطئة الكتب العظيمة التي لم يصنف ولم يؤلف مثلها في الإسلام، خصوصا صحيح البخاري وصحيح مسلم اللذان أجمع علماء الإسلام على صحتهما، وأن الأحاديث المروية فيها صادرة عن النبي (ص) قطعا، ولو أن أحدا أنكر الصحيحين أو خطّأ بعض الأحاديث المروية فيهما فإنه ينكر وينفي مذهب السنة والجماعة، لأن مدار عقائد أهل السنة وفقههم بعد القرآن يكون على هذين الكتابين.
كما كتب ابن حجر المكي، وهو من كبار علماء الإسلام وإمام الحرمين، في كتابه " الصواعق المحرقة ": فصل في بيان كيفيتها ـ أي: كيفية خلافة أبي بكر ـ روى الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب بعد القرآن ، بإجماع يعتد به: فلذلك من البديهي أن الأخبار المندرجة في الصحيحين كلها قطعية الصدور عن النبي (ص)، لأن الأمة أجمعت على قبولهما، وكل ما أجمعت الأمة على قبوله فهو مقطوع به، فكل ما في الصحيحين مقطوع بصحته!!
على هذا، كيف يتجرأ أحد أن يقول: توجد في الصحيحين خرافات وكفريات وموهومات؟!

رد الإجماع المزعوم
قلت: نحن نورد إشكالا علميا على الإجماع الذي تدعونه على صحة ما في الصحيحين وإسناد ما فيها إلى النبي (ص)! فقد ناقش كثير من علمائكم روايات الصحيحين ورفضوا كثيرا منها، أضف على أولئك جميع الشيعة، وهم أكثر من مائة مليون مسلم في العالم.
فإن إجماعكم هذا مثل الإجماع الذي زعمتم في الخلافة بعد النبي (ص)!!
فإن كثيرا من علمائكم الكبار، مثل: الدارقطني وابن حجر وشهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني في (إرشاد الساري) والعلامة أبي الفضل جعفر بن ثعلب الشافعي في كتاب (الامتناع في أحكام السماع) والشيخ عبد القادر بن محمد القرشي الحنفي في (الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية) وشيخ الإسلام أبو زكريا النووي في شرح صحيح مسلم، وشمس الدين العلقمي في (الكوكب المنير في شرح الجامع الصغير) وابن القيم في كتاب (زاد المعاد في هدي خير العباد) وأكثر علماء الحنفية انتقدوا كثيرا من الأحاديث المدرجة في الصحيحين وقالوا: إنها من الروايات الضعاف وهي غير صحيحة.
وبعض المحققين من علمائكم مثل كمال الدين جعفر بن ثعلب بالغ في بيان فضائح بعض الروايات من الصحيحين، وأقام الأدلة العقلية والنقلية على خلافها.
فلسنا وحدنا المنتقدين لصحيحي مسلم والبخاري والقائلين بوجود الخرافات فيهما حتى تهرج ضدنا!
الحافظ: بينوا لنا من خرافات الصحيحين كما تزعمون حتى نترك التحكيم في ذلك للحاضرين.
قلت: أنا لا أحب أن أخوض في هذا البحث، ولكن تلبية لطلبكم، ولكي تعرفوا أني لا أتكلم إلا عن علم وإنصاف، وعن وجدان وبرهان، اذكر بعض تلك الروايات باختصار:

رؤية الله سبحانه عند أهل السنة
إذا أردتم الاطلاع على الأخبار التي تتضمن الكفر في الحلول والاتحاد وتجسم الله سبحانه ورؤيته في الدنيا أو في الآخرة على اختلاف عقائدكم، فراجعوا: صحيح البخاري ج 1، باب فضل السجود من كتاب الصلاة، وج 4 باب الصراط من كتاب الرقاق، وصحيح مسلم ج1، باب إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة، ومسند أحمد ج2 ص 275، وأنقل لكم نموذجين من تلك الأخبار الكفرية:
1ـ عن أبي هريرة: إن النار تزفر و تتقيظ شديدا، فلا تسكن حتى يضع الرب قدمه فيها، فتقول: قطّ قطّ، حسبي حسبي.
وعنه: إن جماعة سألوا رسول الله (ص): هل نرى ربنا يوم القيامة ؟
قال (ص): نعم، هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب... إلى آخرها.
بالله عليكم أنصفوا! أما تكون هذه الكلمات كفرا بالله سبحانه وتعالى.
وقد فتح مسلم بابا في صحيحه كما مر ونقل أخبار عن أبي هريرة وزيد بن أسلم وسويد بن سعيد وغيرهم في رؤية الله تبارك وتعالى.
وقد رد هذه الأخبار كثير من كبار علمائكم وعدوها من الموضوعات والأكاذيب على النبي (ص)، منهم الذهبي في " ميزان الاعتدال " والسيوطي في " اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة " وسبط ابن الجوزي في " الموضوعات " فهؤلاء كلهم أثبتوا ـ بأدلة ذكروها ـ كذب تلك الأخبار وعدم صحتها.
وإذا لم تكن هناك أدلة على بطلانها سوى الآيات القرآنية الصريحة في دلالتها على عدم جواز رؤية الباري عز وجل لكفى، مثل: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)(8).
وفي قصة موسى بن عمران (ع) وقومه إذ طلبوا منه رؤية الله تعالى وهو يقول لهم: لا يجوز لكم هذا الطلب، ولكنهم أصروا فقال: (رب أرني أنظر إليك قال لن تراني)(9) و (لن) تأتي في النفي الأبدي.
قال السيد عبد الحي ـ وهو إمام جماعة المسجد ـ: ألم ترووا عن علي كرم الله وجهه أنه قال: لم أكن أعبد ربا لم أره؟!
قلت: حفظت شيئا وغابت عنك أشياء، إنك ذكرت شطرا من الخبر ولكني أذكر لك الخبر كله حتى تأخذ الجواب من نص الخبر:
روى ثقة الإسلام الشيخ محمد بن يعقوب الكليني قدس سره(10) في كتاب الكافي كتاب التوحيد باب إبطال الرؤية وروى أيضا الشيخ الكبير حجة الإسلام أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق طاب ثراه(11) في كتاب التوحيد باب إبطال العقيدة رؤية الله تعالى، رويا عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) أنه قال: جاء حَبْرٌ إلى أمير المؤمنين (ع) فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته؟
فقال (ع): ويلك! ما كنت أعبد ربا لم أره.
قال: وكيف رأيته.
قال (ع): ويلك! لا تدركه العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان.
فكلام أمير المؤمنين (ع) صريح في نفي رؤيته سبحانه بالبصر، بل يدرك بالبصيرة وبنور الإيمان.
وعندنا دلائل عقلية ونقلية أقامها علماؤنا في الموضوع، وتبعهم بعض علمائكم، مثل: القاضي البيضاوي، وجار الله الزمخشري في تفسيريهما، أثبتا أن رؤية الله سبحانه لا تمكن عقلا.
فمن يعتقد برؤية الله سواء في الدنيا أو في الآخرة، يلزم أن يعتقد بجسميته عز وجل، وبأنه محاط ومظروف، ويلزم أن يكون مادة حتى يرى بالعين المجردة، وهذا كفر كما صرح العلماء الكرام من الفرقين!!

الأخبار الخرافية في الصحيحين
ثم أني أعجب كثيرا من اعتقادكم بالصحاح الستة، وبالأخص صحيحي البخاري ومسلم على أنهما كالوحي المنزل، فلو نظرتم فيهما بعين التحقيق والنقد، لا بعين القبول والتسليم، لاعتقدتم بكلامي، ولقبلتم أن صحاحكم، وحتى صحيحي مسلم والبخاري لا تخلو من الخرافات والموهومات، وإليكم بعضها:
1ـ أخرج البخاري في كتاب الغسل، باب من اغتسل عريانا، وأخرج مسلم في ج2 باب فضائل موسى، وأخرج أحمد في مسنده ج2 ص 315 عن أبي هريرة قال: كانوا بنوا إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر ـ أي ذو أدرة، وهي: الفتق ـ.
قال فذهب مرة ليغتسل فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر، بثوبه، فجعل موسى يجري بأثره ويقول: ثوبي حجر! ثوبي حجر! حتى نظر بنو إسرائيل إلى سوأة موسى!!! فقالوا: والله ما بموسى من بأس، فقام الحجر بعد حتى نظر إليه، فأخذ موسى ثوبه فطفق بالحجر ضربا!! فوالله إن بالحجر ندبا ستة أو سبعة!!
بالله عليكم أنصفوا.. هل يرضى أحدكم أن تنسب إليه هذه النسبة الموهنة الشنيعة؟! التي لو نسبت إلى سوقيّ عاميّ لغضب واستشاط! فكيف بنبي صاحب كتاب وشريعة، وصاحب حكم ونظام، يخرج في أمته وشعبه عريانا وهم يمنعون النظر إلى سوأته هل العقل يقبل هذا؟!
وهل من المعقول أن الحجر يسرق ملابس موسى ويفر بها وموسى يركض خلفه، والحجر يمر من فوق يده وموسى ينادي الحجر، والحجر أصم لا يسمع ولا يبصر؟!!
وهل من المعقول أن موسى بن عمران يقوم بعمل جنوني فيضرب الحجر ضربا مبرحا حتى يئن الحجر؟!!
ليت شعري أبيده كان يضرب الحجر ؟! فهو المتألم لا الحجر!!
أم كان يضربه بالسيف، فالسيف ينبو وينكسر!
أم كان الضرب بالسوط، فالسوط يتقطع!
فما تأثير الضرب بأي شكل كان، على الحجر؟!
فكل ما في الحديث من المحال الممتنع عقلا، وهو من الأحاديث المضحكة التي من التزم بها فقد استهزأ بالله ورسله!!
قال السيد عبد الحي: هل حركة الحجر أهم أم انقلاب عصا موسى إلى ثعبان وحية تسعى؟!! أتنكرون معاجز موسى بن عمران فقد نطق بها القرآن؟!
قلت نحن لا ننكر معاجز موسى ومعاجز سائر الأنبياء (ع)، بل نؤمن بصدور المعاجز من الأنبياء ولكن في محلها، وهو مقام تحديهم الخصوم في إحقاق الحق ودحض الباطل. وموضوع الحجر في غير محل الإعجاز، فأي إحقاق حق ودحض باطل في التشهير بكليم، وإبداء سوأته على رؤوس الأشهاد من قومه؟! بل هو تنقيص من مقامه! ولا سيما وهم يشاهدونه يركض وراء حجر لا يسمع فيناديه: ثوبي حجر!!، أو يشتد ويغضب على حجر لا يشعر ولا يدرك فينهال عليه ضربا!!
السيد عبد الحي: أي حق أعلى من إبراء نبي الله؟! فالناس عرفوا بذلك أن ليس فيه فتق!
قلت: على فرض أن موسى كان ذا أدرة، فما تأثير هذا المرض على مقامه ونبوته؟!
صحيح أن الأنبياء يجب أن يكونوا براء من النواقص مثل: العمى والصمم والحول، وأن النبي لا يولد فلجا أو مشلولا أو به زيادة أو نقيصة في أحد أعضائه، أما الأمراض العارضة على البشر فلا تعد نواقص، فإن يعقوب بكى حزنا لفراق يوسف حتى ابيضت عيناه، وإن أيوب أصيب بقروح في بدنه، والنبي الأكرم وهو سيد الأولين والآخرين، كسرت ثناياه في جهاده مع الأعداء في أحد، فهذه الأشياء لا تنقص شيئا من شأن الأنبياء ولا تنزل من مقامهم وقدرهم.
والفتق مرض عارض على جسم الإنسان، فما هي أهميته حتى يبرئ الله عز وجل كليمه بهذا الشكل الفظيع المهين. عن طريق خرق العادة والمعجزة، ثم تنتهي بهتك حرمة النبي وكشف سوأته أمام بني إسرائيل؟! وهل بعده يبقى شأن وقدر لموسى عند قومه؟! وهل بعد ذلك سيطيعوه ويحترموه؟!!
وهل يقتنع السيد عبد الحي ويقر بوجود أخبار خرافية في الصحيحين ،أنقل رواية أخرى عن أبي هريرة مضحكة أيضا، ولا أظن أحدا من الحاضرين ـ بعد استماع هذه الرواية ـ سيدافع عن أبي هريرة، أو يعتقد بصحة روايات البخاري ومسلم!
نقل البخاري في ج1، باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة، وج2، باب وفاة موسى، ونقل مسلم في ج2 باب فضائل موسى عن أبي هريرة، قال: جاء ملك الموت إلى موسى (ع)، فقال له أجب ربك.
قال أبو هريرة: فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها!!
فرجع الملك إلى الله تعالى، فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت ففقأ عيني!
قال: فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إلى عبدي فقل: الحياة ترد؟! فان كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما توارت بيدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة.
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ج2 ص 315، عن أبي هريرة، ولفظه: إن ملك الموت كان يأتي الناس عيانا، فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه.
وأخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه ج1، في ذكر وفاة موسى ولفظه : إن ملك الموت كان يأتي الناس عيانا أتى موسى فلطمه ففقأ عينه ـ إلى أن قال: ـ إن ملك الموت إنما جاء إلى الناس خفيا بعد موت موسى!
وقد علقت فقلت لأنه يخاف من الجهال أن يفقئوا عينه الأخرى.
فضحك جمع من الحاضرين بصوت عال.
قلت بالله عليكم أنصفوا... ألم يكن هذا الخبر الذي أضحككم من الخرافات والخزعبلات؟! وإني أتعجب من رواة هذا الخبر وناقله!!
وأستغرب منكم إذ تصدقون هذا الخبر وأشباهه، ولا تسمحون لأحد أن يناقشها وينتقدها، حتى لعلمائكم!!
فإن في هذه الرواية ما لا يجوز على الله تعالى ولا على أنبيائه ولا على ملائكته!!
أيليق بالله العظيم أن يصطفي من عباده، جاهلا خشنا يبطش بملك من الملائكة المقربين وهو مبعوث من عند الله تعالى، فيلطمه لطمة يفقأ بها عينه؟!
أليس هذا العمل عمل المتمردين والطاغين الذين يذمهم الله العزيز إذ يقول: (وإذا بطشتم بطشتم جبارين)(12) ؟!
فكيف يجوز هذا على من اختاره الله الحكيم لرسالته، واصطفاه لوحيه، وآثره بمناجاته، وكلمه تكليما(13) وجعله من أولي العزم؟!
وكيف يكره الموت هذه الكراهة الحمقاء فيلطم ملك الموت وهو مأمور من قبل الله تعالى، تلك اللطمة النكراء فيفقأ بها عينه مع شرف مقامه ورغبته في القرب من الله تعالى والفوز بلقائه عز وجل؟!
وما ذنب ملك الموت؟! هل هو إلا رسول الله إلى موسى؟! فبم استحق الضرب بحيث تفقأ عينه؟! وهل جاء إلا عن الله وهل قال لموسى سوى: أجب ربك؟!
أيجوز على أولي العزم من الرسل إيذاء الكروبيين من الملائكة وضربهم حينما يبلغونهم رسالة ربهم وأوامره عز وجل؟!
تعالى الله، وجلت أنبياؤه وملائكته عن كل ذلك وعما يقول المخرفون.
إن هكذا ظلم فاحش لا يصدر من آدمي جاهل فكيف بكليم الله!
ثم إن الهدف والغرض من بعثة الأنبياء وإرسال الرسل: هداية البشر وإصلاحهم، ومنعهم من الفساد والتعدي والوحشية، فلذلك فإن الله سبحانه وكل أنبيائه ورسله منعوا الإنسان من الظلم حتى بالنسبة للحيوان، فكيف بالنسبة لملك مقرب؟!
فلذا نحن نعتقد ونجزم بأن هذا الخبر افتراء على الله وكليمه، وجاعل هذا الخبر كذاب مفتر يريد الحط من شأن النبي موسى ويريد هتك حرمة الأنبياء وتحقيرهم عند الناس.
أنا لا أتعجب من أبي هريرة وأمثاله، لأنه كما كتب بعض علمائكم أنه كان يجلس على مائدة معاوية ويتناول الأطعمة الدسمة اللذيذة، ويجعل الروايات ويضعها على ما يشاء معاوية وأشباهه.
وقد جلده عمر بن الخطاب لكذبه على النبي (ص) وجعل الأحاديث عنه (ص)، فضربه بالسوط حتى أدمى ظهره!!!
ولكن أستغرب وأتعجب من الذين له مرتبة علمية بحيث لو أمعنوا ودققوا النظر لميزوا بين الصحيح والسقيم، ولكنهم أغمضوا.. أعينهم ونقلوا هذه الأخبار الوراثية في كتبهم، وأخذ الآخرون عنهم ونشروها فيكم، حتى أن جناب الحافظ رشيد يعتقد كما يزعم: أن هذه الكتب أصح الكتب بعد كلام الله المجيد، وهو لم يطالعها بدقة علمية، وإلا لما كان يبقى على الاعتقاد الذي ورثه من أسلافه عن تقليد أعمى.
وما دامت هذه الأخبار الخرافية توجد في صحاحكم وكتبكم فلا يحق لكم أن تثيروا أي إشكال على كتب الشيعة لوجود الأخبار الغريبة فيها، وهي غالبا قابلة للتأويل والتوجيه!

نرجع إلى الخبر المروي عن إمامنا الحسين عليه السلام(14)
كل عالم منصف إذا كان يسلك طريق الإصلاح، إذا وجد هكذا خبر مبهم ـ وما أكثرها في كتبكم وكتبنا ـ إن كان يمكنه أن يؤوله بالأخبار الصريحة الأخرى فليفعل، وإذا لم يكن ذلك فليطرحه ويسكت عنه، لا أنه يتخذ وسيلة لتكفير طائفة كبيرة من المسلمين.
والآن لما لم يوجد تفسير الصافي عندنا في المجلس حتى تراجع سند الخبر وندقق فيه النظر، ولربما شرحه المؤلف بشكل مقبول.
إذ لو عرف المسلم إمام زمانه فقد توصل عن طريقه إلى معرفة ربه كالخبر المشهور: من عرف نفسه فقد عرف ربه عز وجل.
أو نقول في تقريب الخبر إلى أذهان الحاضرين: إننا لو تصورنا أستاذا تخرج على يده جمع من العلماء، في مراتب مختلفة ممن العلم، فإذا أراد أحد أن يعرف مدى عظمة ذلك الأستاذ، يجب عليه أن ينظر إلى أعظم تلامذته وأعلاهم مرتبة حتى يصل من خلاله إلى حقيقة الأستاذ وعظمته العلمية.
كذلك في ما نحن فيه: فإن آيات الله كثيرة، بل كل شيء هو آية الله تعالى، إلا أن النبي (ص) هو الآية العظمى والحجة الكبرى، ومن بعده عترته الأبرار الأئمة الأطهار (ع)، فإنهم محال معرفة الله.
وقد ورد عنهم: بنا عرف الله، وبنا عبد الله، أي: بسببنا وبواسطتنا عرف الله، وبعدما عرفوه عبدوه.
فهم الطريق إلى الله، والأدلاء على الله، ومن تمسك بغيرهم فقد ضل ومن يهتد، ولذا جاء في الحديث المتفق عليه بين الفرقين، والخبر المقبول الصحيح عند الجميع، أن رسول الله (ص) قال: " أيها الناس! إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وهم لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (15).
الحافظ: لا ينحصر الدليل على كفركم وشكركم في هذه الرواية حتى تؤولها وتخلص منها، بل في كل الأدعية الواردة في كتبكم نجد أثر الكفر والشرك، من قبيل: طلب حاجاتكم من أئمتكم من غير أن تتوجهوا إلى الله رب العالمين، وهذا أكبر دليل على الكفر والشرك!!
  #7  
قديم 04-26-08, 11:58 PM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي

قلت: ما كنت أظنك أن تتبع أسلافك إلى هذا الحد، فتغمض عينيك، وتتكلم من غير تحقيق بكل ما تكلموا، فإن هذا الكلام في غاية السخافة، وبعيد عن الإنصاف والحقيقة، فإما انك لا تدري ما تقول أو انك لا تعرف معنى الكفر والشرك!!
الحافظ: إن كلامي في غاية الوضوح، ولا أظنه يحتاج إلى توضيح، فأنه من البديهة أن من أقر بوجود الله عز وجل واعتقد انه هو الخالق والرازق، وأن لا مؤثر في الوجود إلا هو، لا يتوجه إلى غيره في طلب حاجة، وإذا توجه فقد أشرك بالله العظيم.
والشيعة كما نشاهدهم ونقرأ كتبهم لا يتوجهون إلى الله أبدا، بل دائما حوائجهم من أئمتهم بغير أن يذكروا الله، حتى نشاهد فقرائهم والسائلين الناس في الأسواق ذكرهم: يا علي ويا حسين، ولم أسمع من أحدهم حتى مرة يقول: يا الله!! وهكذا كله دليل على أن الشيعة مشركون، فانهم لا يذكرون الله تعالى عند حوائجهم ولا يطلبون منه قضاءها وإنما يذكرون غير الله ويطلبون حوائجهم من غيره سبحانه!!
قلت: لا أدري.. هل أنت جاهل بالحقيقة ولا تعرف مذهب الشيعة؟!
أم إنك تعرف وتحرف، وتسلك طريق اللجاج والعناد؟!
لكن أرجو أن لا تكون كذلك، فإن من شرائط العالم العامل: الإنصاف.
وفي الحديث الشريف: إن العالم بلا عمل كشجرة بلا ثمر.
ولما نسبت إلينا الشرك في حديثك كرارا والعياذ بالله! وأردت بهذه الدلائل العامية التافهة أن تثبت كلامك السخيف الواهي، وتكفر الشيعة الموحدين المخلصين في توحيد الله عز وجل غاية الخلوص، والمؤمنين بما جاء به خاتم الأنبياء (ص) فإذا كان هذا التكرار والإصرار في تكفيرنا بحضورنا فكيف هو في غيابنا؟!
واعلم أن أعداء الإسلام الذين يريدون تضعيف المسلمين وتفريقهم حتى يستولوا على ثرواتهم الطبيعية ويغصبوا أراضيهم، فهم فرحون بكلامهم هذا، ويتخذوه وسيلة لضرب المسلمين بعضهم ببعض، كما أنني أجد الآن في هذا المجلس بعض العوام الحاضرين من أتباعكم قد تأثروا بكلامكم، فبدأوا ينظرون إلينا شزرا، حاقدين علينا باعتقادهم أننا كفار فيجب قتلنا ونهب أموالنا!!!
وفي الجانب الآخر، أنظر إلى الشيعة الجالسين، وقد ظهرت على وجوههم علائم الغضب، وهم غير راضين من كلامك هذا، ونسبة الشرك والكفر إليهم، فيعتقدون أنك مفتر كذاب، وأنك رجل مغرض، وعن الحق معرض، لأنهم متيقنون ببراءة أنفسهم مما قلت فيهم ونسبت إليهم.
والآن لكي تتنور أفكار الحاضرين بنور الحقيقة واليقين، ولكي تتبدد عن أذهانهم ظلمات الجهل وشبهات المغرضين، أتكلم للحاضرين باختصار، موجزا عن الشرك ومعناه، وأقدم لكم حصيلة تحقيق علمائنا الأعلام، أمثال: العلامة الحلي، والمحقق الطوسي، والعلامة المجلسي (رضوان الله عليهم)، وهم استخرجوها واستنبطوها من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث المروية عن النبي (ص) وعترته الهادية (سلام الله عليهم).
نواب: إن انعقاد هذا المجلس كان لتفهيم العوام وإثبات الحق أمامهم، كما قلت سالفا، فأرجوكم إن تراعوا جانبهم في حديثكم، وأن تتكلموا بشكل نفهمه نحن العوام.
قلت: حضرة النواب! إنني دائما أراعي هذا الموضوع، لا في هذا المجلس فحسب، بل في جميع مجالسي ومحاضراتي ومحاوراتي العلمية والكلامية، فإني دائما أتحدث بشكل يفهمه الخاص والعام، لأن الغرض من إقامة هذه المجالس وانعقادها ـ كما قلتم ـ هو تعليم الجهلاء وتفهيم الغافلين، وهذا لا يتحقق إلا بالبيان الواضح والحديث السهل البسيط الذي يفهمه عامة الناس، والأنبياء كلهم كانوا كذلك.
فقد روي عن خاتم الأنبياء وسيدهم (ص) أنه قال: إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم(16).

أقسام الشرك
إن الحاصل من الآيات القرآنية، والأحاديث المروية، والتحقيقات العلمية، أن الشرك على قسمين، وغيرهما فروع لهذين، وهما:
الشرك الجلي، أي: الظاهر، والآخر الشرك الخفي، أي المستتر.

الشرك الجلي
أما الشرك الظاهري، فهو عبارة عن: اتخاذ الإنسان شريكا لله عز وجل، في الذات أو الصفات أو الأفعال أو العبادات.
أـ الشرك في الذات، وهو أن يشرك مع الله سبحانه وتعالى في ذاته أو توحيده، كالوثنية وهم المجوس، اعتقدوا بمبدأين: النور والظلمة.
وكذلك النصارى... فقد اعتقدوا بالأقانيم الثلاثة: الأب والابن وروح القدس، وقالوا: لكل واحد منهم قدرة وتأثيرا مستقلا عن القسمين الآخرين، ومع هذا فهم جميعا يشكلون المبدأ الأول والوجود الواجب، أي: الله، فتعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
والله عز وجل رد هذه العقيدة الباطلة في سوره المائدة، الآية 37، بقوله: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد) وبعبارة أخرى فالنصارى يعتقدون: أن الألوهية مشتركة بين الأقانيم الثلاثة، وهي: جمع اقنيم ـ بالسريانية ـ ومعناها بالعربية: الوجود وقد أثبت فلاسفة الإسلام بطلان هذه النظرية عقلا، وأن الاتحاد لا يمكن سواء في ذات الله تبارك وتعالى أو في غير ذاته عز وجل.
ب ـ الشرك في الصفات... وهو: أن يعتقد بأن صفات الباري عز وجل ، كعلمه وحكمته وقدرته وحياته هي أشياء زائدة على ذاته سبحانه، وهي أيضا قديمة كذاته جل وعلا، فحينئذ يلزم تعدد القديم وهو شرك، والقائلون بهذا هم الأشاعرة أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري البصري، وكثير من علمائكم التزموا بل اعتقدوا به وكتبوه في كتبهم، مثل: ابن حزم وابن رشد وغيرهما، وهذا هو شرك الصفات ... لأنهم جعلوا لذات الباري جل وعلا قرناء في القدم والأزلية وجعلوا الذات مركبا. والحال أن ذات الباري سبحانه بسيط لا ذات أجزاء، وصفاته عين ذاته.
ومثاله تقريبا للأذهان ـ ولا مناقشة في الأمثال ـ:
هل حلاوة السكر شيء غير السكر؟
وهل دهنية السمن شيء غير السمن؟
فالسكر ذاته حلو، أي: كله.
والسمن ذاته دهن، أي: كله.
وحيث لا يمكن التفريق بين السكر وحلاوته، وبين السمن ودهنه، كذلك صفات الله سبحانه، فإنها عين ذاته، بحيث لا يمكن التفريق بينها وبين ذاته عز وجل، فكلمة: " الله " التي تطلق على ذات الربوبية مستجمعة لجميع صفاته، فالله يعني: عالم، حي، قادر، حكيم... إلى آخر صفاته الجلالية والجمالية والكمالية.
ج ـ الشرك في الأفعال... وهو الاعتقاد بأن لبعض الأشخاص أثرا استقلاليا في الأفعال الربوبية والتدابير الإلهية كالخلق والرزق أو يعتقدون أن لبعض الأشياء أثرا استقلاليا في الكون، كالنجوم، أو يعتقدون بأن الله عز وجل بعدما خلق الخلائق بقدرته، وفوض تدبير الأمور وإدارة الكون إلى بعض الأشخاص، كاعتقاد المفوضة، وقد مرت روايات أئمة الشيعة في لعنهم وتكفيرهم، وكاليهود الذين قال الله تعالى في ذمهم: (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء)(17).
دـ الشرك في العبادات... وهو أن الإنسان أثناء عبوديته يتوجه إلى غير الله سبحانه، أو لم تكن نيته خالصة لله تعالى، كأن يرائي أو يريد جلب انتباه الآخرين إلى نفسه أو ينذر لغير الله عز وجل..!!
فكل عمل تلزم فيه نية القربة إلى الله سبحانه، ولكن العامل حين العمل إذا نواه لغير الله أو أشرك فيه مع الله غيره، فهو شرك... والله عز وجل يمنع من ذلك في القرآن الكريم إذ يقول: (فمن كان يرجو لقار ربه فليعمل صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)(18).
الحافظ: استنادا إلى هذا الكلام الذي صدر منكم الآن فأنتم مشركون، لأنكم قلتم: إن من نذر لغير الله فهو مشرك، والشيعة ينذرون لأئمتهم وأبناء أئمتهم.

" النذر عندنا "
قلت: العقل السليم والمنطق السليم يقضيان بأن أحدا لو أراد أن يعرف عقائد قوم، فيجب أن لا ينظر إلى أقوال وأفعال جهالهم، وإنما ينظر إلى مقال وأفعال علماء القوم.
وأنتم إذا أردتم التحقيق عن الشيعة ومعتقداتهم، فعليكم أن تنظروا إلى كتب علمائهم ومحققيهم، فتعرفوا الشيعة من خلال أقوال فقهائهم وأعمالهم.
فإذا شاهدتم بعض العوام منا قد نذر لأحد الأئمة (ع) أو لأحد أبناء الأئمة (ع) أو أحد الصالحين، عن جهل بالمسألة، فلا تحسبوه من معتقدات الشيعة، فإن كل مذهب وملة يوجد هناك عوام يجهلون مسائل دينهم، وهذا ليس عندنا فحسب.
وأنتم إذا لم تكونوا مغرضين، ولم تكونا بصدد خلق المعائب والأباطيل على الشيعة، فراجعوا كتب فقهائهم وانظروا إلى سيرة المؤمنين منهم العارفين للمسائل الدينية.
فان التوحيد الخاص والمصفى من كل شائبة لا يكون إلا عند الشيعة الإمامية.
وأرجو منكم أن تراجعوا كتابي: شرح اللمعة، وشرائع الإسلام، وأي كتاب آخر يضم المسائل الفقهية، وحتى الرسائل العلمية لفقهائنا المعاصرين، وهم مراجع الشيعة في مسائل دينهم.
راجعوا في هذه الكتب " باب النذر " فتجدون إجماع فقهائنا: أن النذر بهذا الشكل " لله علي أن: أفعل كذا وكذا، أو: أترك كذا وكذا " فيذكر بدل الجملة الأخيرة، نذره إيجابا كان أو سلبا فإذا تعذر عليه إجراء الصيغة باللغة العربية أو صعب عليه ذلك، فيترجم مفهومه إلى لغته ويجريه بلسانه.
وأما إذا نوى النذر لغير الله سبحانه أو أشرك معه آخر، سواء كان نبيا أو إماما أو غيره، فالنذر باطل.
وإذا نذر على الصورة الأخيرة عالما بالمسألة، فإن عمله حرام وشرك بالله عز وجل، فقد قال تعالى: ( ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)(19).
فيجب على العلماء أن يعلموا الجاهلين ويبينوا لهم كل مسائل الدين، ومنها مسائل النذر، فالنذر يكون لله وحده لا شريك له، ولكن الناذر يكون مخيرا في تعيين مصرف النذر، فمثلا:
له أن يقول: لله علي نذر أن أذبح شاة عند مرقد النبي (ص) أو عند مرقد الإمام علي (ع) أو غيرهما أو يقول: لله علي نذر أن أذبح شاة وأطعم لحمها السادة الشرفاء، أو الفقراء، أو العلماء... إلى آخره.
أو يقول: لله علي نذر أن أعطي ثوبا لفلان بالتعيين، أو لعالم ، على غير تعيين.
فكل هذه الصيغ في النذر صحيحة، ولكن إذا لم يذكر الله كأن يقول : نذرت للنبي أو الإمام أو الفقيه أو الفقير أو اليتيم... إلى آخره، كل هذه الصيغ باطلة غير صحيحة.
وكذلك إذا ذكر الله سبحانه مع آخر... كأن يقول: نذرت لله وللنبي، أو نذرت لله ولفلان... فهو باطل وغير صحيح وكان آثما إن كان عالما بالمسألة فنذره باطل وهو غير آثم.
فالواجب علينا وعلى كل فقيه وعالم أن يبلغ مسائل الدين ويكتب أحكامه الإلهية ويعرضها على العوام ليتعلموا ويعملوا بها.
ويجب على العوام أيضا استماع المسائل الدينية وتعلمها والعمل بها، فإذا ما تعلموا ولم يعملوا بتكاليفهم كما ينبغي، فالإشكال يرد عليهم لا على دينهم ومذهبهم.
وكم من أهل السنة والجماعة يشربون الخمر ويلعبون القمار ويرتكبون الفاحشة، فهل هذا دليل على أن مذهبهم يجيز لهم تلك المعاصي والذنوب؟! وهل الأشكال يرد على مذهبهم أم عليهم؟!

" الشرك الخفي "
أما القسم الثاني من الشرك، فهو الخفي، ويتحقق في نية الرياء والسمعة في العبادات.
فقد ورد في الخبر: إن من صلى أو صام أو حج، وهو يريد بذلك أن يمدحه الناس فقد أشرك في عمله(20).
وفي الخبر المروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) أنه قال: لو أن عبدا عمل عملا يطلب به رحمة(21) الله والدار الآخرة ثم أدخل فيه رضا أحد من الناس كان مشركا(22).
وروي عن النبي (ص) أنه قال: اتقوا الشرك الأصغر. فقالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟
قال: الرياء والسمعة(23).
وروى عن النبي (ص) أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي ، فإن الشرك أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء(24)، ثم قال (ص): من صلى أو صام أو تصدق أو حج للرياء فقد أشرك بالله.
فالواجب في الصلاة وغيرها من العبادات أن تكون النية فيها خاصة لوجه الله وقربة إلى الله وحده، بأن يتوجه الإنسان في حين عمله العبادي إلى ربه عز وجل، ويتكلم معه وحده، ويركز ذهنه، ويوجه قلبه إلى الذات الموصوفة بالصفات التي ذكرناها، وذلك هو الله لا إله إلا هو.
وأكتفي بهذا المقدار، وأظن بأن الحق قد انكشف للحاضرين المحترمين، بالخصوص المشايخ العلماء في المجلس، فأرجو أن لا ينسبوا الشرك إلى الشيعة بعد هذا، ولا يموهوا الحقيقة على العوام.
تبسم الشيخ عبدالسلام ضاحكا وقال: وهل بقي عندكم شيء في هذا المضمار، فاكتفيتم بهذا المقدار؟! فالرجاء إن بقي عندكم شيء في الموضوع فبينوه للحاضرين.
قلت: هناك قسم آخر جعلوه من أقسام الشرك، ولكنه مغفور، وهو:

الشرك في الأسباب
وهو الذي يتحقق في أكثر الناس من غير التفات، فانهم يتخذون الوسائط والأسباب للوصول إلى أغراضهم وتحقيق آمالهم، أو إنهم يخشون بعض الناس ويخافون من بعض الأسباب في الإحالة دون حوائجهم وآمالهم، فهذا نوع من الشرك، ولكنه معفو عنه.
والمقصود من الشرك بالأسباب: أن الإنسان يعتقد بأن الأسباب المؤثرة في الأشياء والأمور الجارية، مثلا: يعتقد أن الشمس مؤثرة في نمو النباتات ، فإذا كان اعتقاده أن هذا الأثر من الشمس بالذات من غير إرادة الله تعالى فهو شرك.
وإذا كان يعتقد أن الأثر يصدر من الله القادر القاهر فهو المؤثر والشمس سبب في ذلك، فهو ليس بشرك، بل هو حقيقة التوحيد، وهو من نوع التفكر في آيات الله وقدرته سبحانه.
وهكذا بالنسبة إلى كل الأسباب والمسببات، فالتاجر في تجارته، والزارع في زراعته، والصانع في صناعته، والطبيب في طبابته، وغيرهم، إذا كان ينظر إلى أدوات مهنته، أسباب صنعته وآثارها، نظرا استقلاليا، وأن الآثار الصادرة من تلك الأسباب والأدوات تصدر بالاستقلال من غير إرادة الله تعالى، فهو شرك، وإن كان ينظر إلى الأسباب والأدوات نظرا آليا فيعتقد أنها آلات، والله تعالى هو الذي جعل فيها تلك الآثار، فلا مؤثر في الوجود إلا الله، فهو ليس شركا بل التوحيد بعينه.

الشيعة نزيهون من أنواع الشرك
بعد أن بيّنّا أقسام الشرك وأنواعه، فأسألكم: أي أقسام الشرك تنسبوه إلى الشيعة؟!
ومن أي شيعي عالم أو عامي سمعتم أنه يشرك بالله سبحانه في ذاته أو صفاته وأفعاله؟!
وهل وجدتم في كتب الشيعة الإمامية والأخبار المروية عن أئمتهم عليهم السلام ما يدل على الشرك بالتفصيل الذي مر؟!
الحافظ: كل هذا البيان صحيح، ونحن نشكركم على ذلك، ولكنكم إذا دققتم النظر في معتقداتكم بالنسبة لأئمتكم، ستصدقونني لو قلت إنكم تطلبون الحوائج منهم، وتتوسلون بهم في نيل مقاصدكم وتحقيق مطالبكم، وهذا شرك! لأنا لا نحتاج إلى واسطة بيننا وبين ربنا، بل في أي وقت أحببنا أن نتوجه إلى الله تعالى ونطلب حاجاتنا منه فهو قريب وسميع مجيب.
قلت: أتعجب منك كثيرا! لأنك عالم متفكر، ولكنك متأثر بكلام أسلافك من غير تحقيق، وكأنك كنت نائما حينما كنت أبين أنواع الشرك! فبعد ذلك التفصيل كله، تتفوه بهذا الكلام السخيف وتقول: بأن طلب الحاجة من الأئمة شرك!!
فإذا كان طلب الحاجة من المخلوقين شرك، فكل الناس مشركون!
فإذا كانت الاستعانة بالآخرين في قضاء الحوائج شرك، فلماذا كان الأنبياء يستعينون بالناس في بعض حوائجهم.
اقرءوا القرآن الكريم بتدبر وتفكر حتى تنكشف لكم الحقيقة، راجعوا قصة سليمان عليه السلام في سورة النمل الآيات 38 ـ 40: (قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين * قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ولأني عليه لقوي أمين * قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي..).
من الواضح أن الإتيان بعرش بلقيس من ذلك المكان البعيد، بأقل من لمحة بصر، لم يكن هينا وليس من عمل الإنسان العاجز الذي لا حول له ولا وقوة، فهو عمل جبار خارق للعادة، وسليمان مع علمه بأن هذا العمل لا يمكن إلا بقدرة الله تعالى وبقوة إلهية، مع ذلك ما دعا الله سبحانه في تلك الحاجة ولم يطلبها من ربه عز وجل، بل أرادها من المخلوقين، واستعان عليها بجلسائه العاجزين.
فهذا دليل على أن الاستعانة بالآخرين في الوصول إلى مرادهم، وطلب الحوائج من الناس، لا ينافي التوحيد، وليس بشرك كما تزعمون، فإن الله سبحانه وتعالى جعل الدنيا دار أسباب ومسببات، وعالم العلل والمعلولات.
وحيث أن الشرك أمر قلبي، فإذا طلب الإنسان حاجته من آخر، أو استعان في تحقق مراده والوصول إلى مقصوده بمن لا يعتقد بألوهيته ولا يجعله شريكا للباري، وإنما يعتقد أنه مخلوق لله عز وجل، وهو إنسان مثله، إلا أن الله عز وجل خلقه قويا وقادرا بحيث يتمكن من إعانته في تحقق مراده وقضاء حاجته، فلا يكون شركا.
وهذا أمر دائر بين المسلمين جميعا، يعمل به المؤمنون عامة، وهناك كثير من الناس يقصدون زيدا وبكرا ويقضون ساعات على أبوابهم ليطلبوا منهم حوائجهم ويستعينوا بهم في أمورهم، من غير أن يذكروا الله تعالى.
فالمريض يذهب عند الطبيب ويتوسل به ويستغيث به ويريد منه معالجة مرضه، فهل هذا شرك؟!
والغريق وسط الأمواج يستغيث بالناس ويستعين بهم في إنقاذه من الغرق والموت، من غير أن يذكر الله عز وجل، فهل هذا شرك؟!
وإذا ظلم جبار إنسانا، فذهب المظلوم إلى الحاكم وقال: أيها الحاكم، أعنّي في إحقاق حقي، فليس لي سواك ولا أرجو أحدا غيرك في دفع الظلم عني! فهل هذا شرك؟! وهل هذا المظلوم مشرك؟!
وإذا تسلق لص الجدار وأراد أن يتعدّى على إنسان فيسرق أمواله ويهتك عرضه، فصعد صاحب الدار السطح واستغاث بالناس وطلب منهم أن يدفعوا عنه السوء ، وهو في تلك الحالة لم يذكر الله تعالى فهل هو مشرك؟!
لا أظن أن هناك عاقلا ينسب هؤلاء إلى الشرك، ومن ينسبهم إلى الشرك فهو: إما جاهل بمعنى الشرك أو مغرض!!
فأيها السادة الحاضرون أنصفوا، وأيها العلماء احكموا ولا تغالطوا في الموضوع!!

عقيدة الشيعة في التوسل
الشيعة كلهم متفقون على أن أحدا لو اعتقد بألوهية النبي أو الأئمة، أو جعلهم شركاء لله سبحانه في صفاته وأفعاله، فهو مشرك ونجس يجب الاجتناب والابتعاد عنه.
وأما قولهم: يا علي أدركني، أو يا حسين أعنّي، وما إلى ذلك، فليس معناه: يا علي أنت الله فأدركني! أو يا حسين أنت الله فأعني! بل لأن الله عز وجل جعل الدنيا دار وسائل وأسباب، وأبى الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها، فنعتقد أن النبي (ص) وآله هم وسيلة النجاة في الشدائد، فنتوسل بهم إلى الله سبحانه.
الحافظ: لماذا لا تطلبون حوائجكم من الله تعالى بغير واسطة؟!
فاطلبوا منه بالاستقلال لا بالوسائل.
قلت: إن توجهنا إلى عز وجل في طلب الحوائج ودفع الهموم والغموم هو بالاستقلال، ولكنا نتوسل بالنبي وآله الطيبين صلوات الله عليهم أجمعين ليشفعوا لنا عند الله سبحانه في قضاء حوائجنا، ونتوسل بهم إلى الله تعالى ليكشف عنا همومنا وغمومنا، ومستندنا في هذا الاعتقاد هو القرآن الحكيم إذ يقول (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة)(25).

آل محمد (ص) هم الوسيلة
نحن الشيعة نعتقد بأن الله عز وجل هو القاضي للحوائج، وأن آل محمد (ص) لا يحلون مشكلا ولا يقضون حاجة لأحد إلا بإذن الله وإرادته سبحانه، وهم (عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون)(26).
فهم واسطة الفيض، والفياض هو الله رب العالمين.
الحافظ: بأي دليل تقولون أن المراد من الوسيلة في الآية الكريمة آل محمد (ص)؟
قلت: لقد روي ذلك كبار علمائكم منهم: الحافظ أبو نعيم، في: " نزول القرآن في علي " والحافظ أبو بكر الشيرازي في " ما نزل من القرآن في علي " والامام الثعلبي في تفسيره للآية الكريمة، وغير أولئك رووا عن النبي (ص): أن المراد من الوسيلة في الآية الشريفة: عترة الرسول وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين.
ونقل ابن أبي الحديد المعتزلي ـ وهو من أشهر وأكبر علمائكم ـ في " شرح نهج البلاغة " تحت عنوان: ذكر ما ورد من السير والأخبار في أمر فدك، الفصل الأول، ذكر خطبة فاطمة (ع).
قالت: واحمدوا الله الذي لعظمته ونوره يبتغي من في السماوات والأرض إليه الوسيلة، ونحن وسيلته في خلقه... (27).

حديث الثقلين
ومن جملة الأحاديث المعتبرة، التي نستدل بها على التمسك والتوسل بآل محمد (ص) ومتابعتهم: حديث الثقلين، وهو حديث صحيح أجمع عليه الفريقان ، وقد بلغ حد التواتر.
قال النبي (ص): إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيت، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا، وهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض (28).
الحافظ: أظن أنكم قد أخطأتم حين قلتم: إن هذا الحديث صحيح ومتواتر! لأنه غير معتبر ومجهول عند كبار علمائنا! فهذا شيخنا الكبير محمد بن إسماعيل البخاري، وهو إمام علماء الحديث عند أهل السنة والجماعة، لم يذكر حديث الثقلين في صحيحه الذي يعد عندنا بعد القرآن الكريم أصح الكتب!
قلت إن عدم ذكر البخاري لحديث الثقلين لا يدل على ضعفه، فإن البخاري واحد، ولكن الذين ذكروا هذا الحديث وعدوه صحيحا موثقا، هم عشرات العلماء والمحدثين منكم، فهذا ابن حجر المكي مع شدة تعصبه فإنه يقول في كتابه الصواعق المحرقة، آخر الفصل، الباب الحادي عشر، الآية الرابعة: ص 89 و 90.
بعدما نقل أخبارا وأقوالا حول حديث الثقلين يقول:
اعلم أن لحديث التمسك بالثقلين طرقا كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابيا..إلى آخره(29).
وقد نقل الحديث عن الترمذي وأحمد بن حنبل الطبراني ومسلم... إلى آخره.

حول البخاري وصحيحه
وأما قولكم أن حديث الثقلين غير صحيح، لآن البخاري لم ينقله في صحيحه.
فإن الاسترداد مردود عند العلماء والعقلاء.
فالبخاري إن لم ينقل هذا الحديث الشريف، فقد نقله عدد كبير من مشاهير علمائكم، منهم: مسلم بن الحجاج الذي يساوي البخاري عند أهل السنة والجماعة ، وقد نقله في صحيحه، وكذلك نقله سائر أصحاب الصحاح الستة غير البخاري.
فإذا لم تعتمدوا إلا على صحيح البخاري، فأعلنوا بأن صحيح البخاري وحده صحيح، وسائر الصحاح غير مقبولة لدينا لعدم صحتها، وأن أهل السنة والجماعة مستندة إلى ما جاء في صحيح البخاري فحسب!
وإذا كنتم تعتقدون غير هذا، وتعتمدون على الصحاح الستة فيجب أن تقبلوا الأخبار والروايات المنقولة فيها حتى إذا لم ينقلها البخاري لسبب ما.
الحافظ: لم يكن أي سبب في عدم نقله لبعض الأخبار سوى أنه كان كثير الاحتياط في النقل، وكان دقيقا في الروايات، فالتي لم ينقلها البخاري إما لضعف في السند، أو لأن العقل يأبى من قبولها وصحتها.
قلت قديما قالوا: حب الشيء يعمي ويصم!
وأنتم لشدة حبكم للبخاري تغالون فيه وتقولون أنه كان دقيقا ومحتاطا، وإن الأخبار التي رواها في صحيحه كلها معتبرة وقوية، وهي كالوحي المنزل ! والحال أن في رواة صحيح البخاري أشخاصا وضاعين وكذابين وهم مردودون وغير معتبرين عند كثير من العلماء والمحققين في علم الرجال.
الحافظ: إن كلامكم هذا مردود عند جميع العلماء، وإنه إهانة لمقام العلم ومرتبة رجال الحديث وخاصة الإمام البخاري، وإنه تحامل بغيض على كل أهل السنة والجماعة!
قلت: إن كنتم تحسبون الانتقاد العلمي تحاملا بغيضا وإهانة، فكثير من كبار علمائكم، أهانوكم وأهانوا أهل مذهبهم، قبلنا!
لأن كثير من مشاهير علمائكم المحققين نقحوا الصحاح، وخاصة صحيحي مسلم والبخاري ومسلم، وميزوا بين السقيم والسليم، والغث والسمين، وأعلنوا أن رجال الصحاح وحتى صحيحي البخاري ومسلم، كثير منهم وضاعين وجعالين للحديث.
وأنا أنصحكم أن لا تعجلوا ولا تتسرعوا في إصدار الحكم علينا في ما نقوله عنكم، بل راجعوا كتب الجرح والتعديل التي كتبها علماؤكم المحققون وطالعوها بدقة وتدبر بعيدا عن التعصب والمغالاة في شأن أصحاب الصحاح، سواء البخاري وغيره، حتى تعرفوا الحقائق.
راجعوا كتاب " اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة " للعلامة السيوطي، و " ميزان الاعتدال " و " تلخيص المستدرك " للعلامة الذهبي، و " تذكرة الموضوعات " لابن الجوزي، و " تاريخ بغداد " لأبي بكر الخطيب البغدادي، وسائر الكتب التي كتبها علماؤكم في علم الرجال وتعريف الرواة.
راجعوا فيها أحوال: أبي هريرة الكذاب، وعكرمة الخارجي، ومحمد بن عبدة السمرقندي، ومحمد بن بيان، وإبراهيم بن مهدي الأبلي، وبنوس بن أحمد الواسطي، ومحمد بن خالد الحبلي، وأحمد بن محمد اليماني، وعبد الله بن واقد الحراني، وأبي داود سليمان بن عمرو، وعمران بن حطان، غيرهم ممن روي عنهم البخاري وأصحاب الصحاح، حتى تعرفوا آراء علمائكم ومحققيكم في أولئك، وهم نسبوهم إلى الوضع والكذب وجعل الأحاديث، فتنكشف لكم الحقائق، ولا تغالوا بعد ذلك في صحة ما نقله البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الصحاح!
وأنت أيها الحافظ! إن كنت تقرأ وتطالع هذه الكتب التي ذكرتها ـ وهي لعلمائكم ـ لما قلت: إن البخاري ما نقل حديث الثقلين في صحيحه إلا لاحتياطه في النقل.
هل العقل السليم يقبل أن عالما محتاطا، إمام محققا، ينقل روايات وأحاديث موضوعة من رواة كذابين يأبى كل ذي عقل قبولها، بل يستهزئ بها كل عاقل ذي شعور وإيمان، كالروايات التي مرت أن موسى ضرب عزرائيل على وجهه حتى فقأ عينه فشكاه إلى ربه... إلى آخره، أو أن الحجر أخذ ملابس موسى وهرب فلحقه موسى عريانا وبنو إسرائيل ينظرون إلى نبيهم وهو مكشوف العورة... إلى آخره!!
ألم تكن هذه الخزعبلات والخرافات من الأخبار الموضوعة؟!
وهل في نظركم أن نقل هذه الموهمات في صحيحه كان من باب الاحتياط في النقل والتدقيق في الرواية؟!!

هتك حرمة النبي الأكرم (ص) في الصحيحين
نجد في صحيحي البخاري ومسلم أخبار تخالف الاحتياط والحمية الإسلامية ويأباها كل مؤمن غيور!
منها: ما نقله البخاري في صحيحه ج2 ص 120، باب اللهو بالحراب ، ونقله مسلم في صحيحه: ج1 باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد، عن أبي هريرة عن عائشة، قالت: وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب في المسجد، فإما سألت رسول الله، وإما قال تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: دونكم يا بني أرفده، حتى إذا مللت، قال: حسبك ؟! قلت: نعم، قال: فاذهبي.
بالله عليكم أيها الحاضرون! أنصفوا، هل يرضى أحدكم أن ينسب إليه هذه النسبة الفظيعة والعمل المخزي؟!
إذا قال قائل لجناب الحافظ: بأنا سمعنا أنك حملت زوجتك على ظهرك، وكان خدها على خدك وجئت في الملأ العام لتنظر إلى جماعة كانوا يلعبون، ثم كنت تقول لزوجتك: حسبك؟ وهي تقول لك: نعم، ثم إن زوجتك كانت تحدث الرجال الأجانب بهذا الموضوع.
بالله عليكم أيها الحاضرون! هل الحافظ يرضى بذلك؟! وهل غيرته تسمح لأحد أن يتكلم بهذه الأراجيف؟!
وإذا سمعت هذا الخبر من إنسان ظاهر الصلاح،ن هل ينبغي لك أن تنقله للآخرين؟!
وإذا نقلته، ألا يعترض عليك الحافظ ويقول: بأن جاهلا إذا حدثك بخبر كهذا، ولكن ـ أنت العاقل ـ لماذا تنقله بين الناس؟!
أليس العقلاء يؤيدونه على اعتراضه عليك؟! فقايسوا هذا الموضوع مع الرواية التي مر ذكرها من صحيحي مسلم والبخاري، فإن كان الأخير كما تزعمون دقيقا ومحتاطا في النقل، وكان عارفا وعالما بأصول الحديث ـ على فرض أنه سمع هكذا خبر ـ فهل ينبغي ويحق له أن ينقله في صحيحه، ويجعله خبرا صادق ومعتبرا؟!
والأعجب... أن العامة، ومنهم جناب الحافظ، يعتقدون أن صحيح البخاري هو أصح الكتب بعد القرآن الحكيم!!

" احتياطات البخاري "
إن احتياطات البخاري لم تكن في محلها، بل كانت خلافا لأصول الاحتياط، كما ذكرنا سابقا بعض الروايات التي نقلها في صحيحه.
إن العقل والإيمان يحتمان ويؤكدان على عدم نقلها، فكان من الاحتياط بل الواجب أن لا يذكرها.
ولكنه كان يحتاط فلا ينقل الأخبار التي تتضمن ولاية علي بن أبي طالب (ع) أو تبين فضائله ومناقبه ومناقب أبناءه الميامين، عترة النبي الصادق الأمين (ص)!!
نعم، كان يحتاط! بل يمتنع في نقل تلك الروايات حتى لا يستدل بها العلماء المنصفون على إمامة علي (ع) وأحقيته بالخلافة، فلو قايسنا صحيح البخاري مع غيره من الصحاح الستة لعرفنا هذا الموضوع بوضوح، فإنه لم ينقل خبرا ربما يستفاد منه في خلافة علي بن أبي طالب وإمامته، ولو كان الخبر مؤيدا بالقرآن ومتواترا ومنقولا في سائر الصحاح و مجاميع أهل الحديث، وحتى لو كان مجمعا على صحته كخبر الغدير، ونزول الآية الشريفة(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك...)(30).
وكخبر التصدق بالخاتم، ونزول الآية الكريمة: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو راكعون)(31).
وخبر الإنذار، ونزول الآية الكريمة: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (32).
وخبر المؤاخاة، وحديث السفينة، وحديث باب حطة، وغيرها من الأحاديث التي تثبت بها ولاية أبي الحسن علي بن أبي طالب (ع)، وإطاعة أهل البيت (ع)، فإن البخاري احتاط في نقل هذه الأخبار المجمع عليها ولم يذكرها في صحيحه!!!

بعض مصادر حديث الثقلين
والآن لابد لي أن أذكر لكم بعض كتبكم المعتبرة عنكم، التي ذكرت وروت حديث الثقلين عن النبي (ص)، حتى تعرفوا أن البخاري لم ينقل هذا الحديث الشريف من باب الاحتياط، لأن كبار علمائكم ومشاهيرهم نقلوا هذا الحديث، منهم: مسلم بن الحجاج، الذي لا يقل صحيحه عن صحيح البخاري في الاعتبار والوثوق عند أهل السنة والجماعة:
1ـ صحيح مسلم: 7/122.
2ـ الترمذي: 2/307.
3ـ النسائي / خصائص: 30.
4ـ أحمد بن حنبل في مسنده: 3/14 و 17 وج4/26 و 59 وج5/182 و 189، وغيرهم(33)رووا بطرقهم وبإسنادهم عن النبي (ص) أنه قال: إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، من تمسك بهما فقد نجا، وممن تخلف عنهما فقد هلك. وفي بعضها: ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا.
فبهذا المستند الحكيم والدليل القويم لابد لنا أن نتمسك بالقرآن الكريم وبأهل البيت (ع).
الشيخ عبد السلام: إن صالح بن موسى بن عبدالله بن اسحاق بن طلحة بن عبدالله القرشي التيمي الطلحي روى بسنده عن أبي هريرة أن النبي قال: إني قد خلفت فيكم ثنتين: كتاب الله وسنتي... إلى آخره.
قلت: أيؤخذ بخبر فرد طالح ضعيف مردود عند أصحاب الجرح والتعديل والذين كتبوا في أحوال الرجال والرواة، مثل الذهبي ويحيى والإمام النسائي والبخاري وابن عدي، وغيرهم، الذين ردوه ولم يعتمدوا رواياته، أيؤخذ بقول هذا ويترك قول هذا الجمع الغفير والجمهور الكثير من علمائكم المشاهير؟! وهم رووا بإسنادهم كما مر أن النبي (ص) قال: كتاب الله وعترتي، ولم يقل " وسنتي ".
هذا من باب النقل.
وأما العقل: فلأن السنة النبوية والمروية عنه (ص) أيضا بحاجة إلى من يبينها ويفسرها كالكتاب الحكيم، فلذا قال (ص): وعترتي... لأن العترة هم الذين يبينون للأمة ما تشابه من الكتاب، ويوضحون الحديث والسنة الشريفة، لأنهم أهل بيت الوحي، أهل بيت النبوة، وأهل البيت أدرى بما في البيت.

حديث السفينة
وإن من دلائلنا المحكمة في التوسل بأهل البيت (ع) الحديث النبوي الشريف: " مثل أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك " وهو حديث معتبر صحيح متفق ومجمع عليه، وكما يخطر الآن ببالي، أن أكثر من مائة من كبار علمائكم ومحدثيكم، أثبتوا هذا الحديث في كتبهم منهم:
مسلم بن الحجاج في صحيحه(34).
أحمد بن حنبل في مسنده: 3/14 و17 و26.
  #8  
قديم 04-26-08, 11:59 PM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي

الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء: 4/306.
ابن عبد البر في الاستيعاب.
الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: 12/91.
محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول: 20.
ابن الأثير الجزري في: النهاية: مادة (زخ).
سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة: 323.
ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة: 8.
السمهودي في تاريخ المدينة.
السيد مؤمن الشبلنجي في نور الأبصار: 105.
الامام الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب، في آية المودة.
السيوطي في الدر المنثور، في تفسير: (وإذا قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم)(35).
الثعلبي في تفسيره كشف البيان.
الطبراني في الأوسط.
الحاكم في المستدرك: 3/150 وج2/343.
سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودة / الباب الرابع والسادس والخمسون.
الهمداني في مودة القربى / المودة الثانية والثانية عشرة.
ابن حجر في الصواعق المحرقة: 234.
الطبري في تفسيره وتاريخه.
الكنجي الشافعي في كفاية الطالب، باب 100 (36).
وذكر غير هؤلاء من أعاظم علمائكم بأسانيدهم وطرقهم أن النبي (ص) قال: مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك، أو: غرق ، أو: هوى، والعبارات شتى، ولعل النبي (ص) قاله كرارا وبعبارات شتى.
وقد أشار الإمام محمد بن إدريس الشافعي إلى صحة هذا الحديث الشريف في أبيات له نقلها العلامة العجيلي في (ذخيرة المآل):
ولمّا رأيت الناس قد ذهبت بهممذاهبهم في أبحر الغي والجهلركبت على اسم الله في سفن النجاوهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسلوأمسكت حبل الله وهو ولاؤهمكما قد أمرنا بالتمسك بالحبلإذا افترقت في الدين سبعون فرقةونيفا على ما جاء في واضح النقلولم يك ناج منهم غير فرقةفقل لي بها يا ذا الرجاحة والعقلأفي الفرقة الهلاك آل محمـــدأم الفرقة اللاتي نجت منهم قل ليفإن قلت في الناجين فالقول واحدوإن قلت في الهلاك حفت عن العدلإذا كان مولى القوم منهم فإننيرضيت بهم لا زال في ظلهم ظليرضيت عليا لي إماما ونسلهوأنت من الباقين في أوسع الحلفلا يخفى على من أمعن ونظر في هذه الأبيات لعرف تصريح الشافعي وهو إمام أهل السنة والجماعة، بأن آل محمد (ص) ومن تمسك بهم هم الفرقة الناجية وغيرهم هالكون، وفي وادي الضلالة تائهون!!
فحسب أمر النبي الكريم (ص) وهو كما قال الله الحكيم: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى)(37).
الشيعة يتمسكون بآل محمد الأطهار وعترته الأبرار، ويتوسلون بهم إلى الله سبحانه، هذا من جانب.
ومن جانب آخر فقد خطر الآن ببالي، بأن الناس إذا كانوا لا يحتاجون إلى وسيلة للتقرب إلى ربهم عز وجل والاستعانة به، وإنه من توسل بأحد إلى الله تعالى فقد أشرك.
فلماذا كان عمر بن الخطاب ـ وهو الفاروق عندكم ـ يتوسل ببعض الناس إلى الله سبحانه في حالات الشدة والاضطرار؟!
الحافظ: حاشا الفاروق عمر رضي الله عنه من هذا العمل، إنه غير ممكن!! وإني لأول مرة أسمع هذه الفرية على الخليفة! فلا بد أن تبينوا لنا مصدر هذا القول حتى نعرف صحته وسقمه.
قلت: كما ورد في كتبكم المعتبرة: أن الفاروق كان في الشدائد يتوسل إلى الله سبحانه بأهل بيت النبي وعترته الطاهرة، وقد تكرر منه هذا العمل في أيام خلافته عدة مرات، ولكني أشير إلى اثنين منها حسب اقتضاء المجلس:
1ـ نقل ابن حجر في كتابه الصواعق بعد الآية: 14، في المقصد الخامس، أواسط الصفحة: 106، قال:
وأخرج البخاري أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا محمد (ص) إذا قحطنا فتسقينا، وإنا كنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون.
قال ابن حجر: وفي تاريخ دمشق: إن الناس كرروا الاستسقاء عام الرمادة سنة سبع عشرة من الهجرة فلم يسقوا. فقال عمر: لأستسقينّ غدا بمن يسقيني الله به، فلما أصبح غدا للعباس فدق عليه الباب، فقال: من؟ قال: عمر قال: ما حاجتك؟ قال: أخرج حتى نستسقي الله بك. قال: اجلس.
فأرسل إلى بني هاشم أن تطهروا وألبسوا من صالح ثيابكم، فأتوه، فأخرج طيبا فطيبهم، ثم خرج وعلي عليه السلام أمامه بين يديه والحسن عن يمينه والحسين عن يساره وبنو هاشم خلف ظهره.
فقال: يا عمر! لا تخلط بنا غيرنا. ثم أتى المصلى فوقف، فحمد الله وأثنى عليه. وقال: اللهم إنك خلقتنا ولم تؤامرنا، وعملت ما نحن عاملون قبل أن تخلقنا، فلم يمنعك علمك فينا عن رزقنا، اللهم فكما تفضلت في أوله، تفضل علينا في آخره.
قال جابر: فما برحنا حتى سحت السماء علينا سحا، فما وصلنا إلى منازلنا إلا خوضا.
فقال العباس: أنا المسقى ابن المسقى ابن المسقى ابن المسقى ابن المسقى ابن المسقى. خمس مرات، أشار إلى أن أباه عبد المطلب استسقى خمس مرات فسُقي(38).
2ـ في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد(39) قال:
وروى عبد الله بن مسعود: إن عمر بن الخطاب خرج يستسقي بالعباس، فقال: اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك وبقية آبائه وكبر رجاله، فإنك قلت وقولك الحق: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة.....)(40) فحفظتهما لصلاح أبيهما، فاحفظ اللهم نبيك في عمه، فقد دنونا به إليك مستشفعين ومستغفرين.
ثم أقبل على الناس فقال: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا)(41) إلى آخره.
انتهى نقل ابن أبي الحديد.
فهذا عمل الخليفة، يتوسل ويتقرب بعم النبي (ص) إلى الله سبحانه ، وما اعترض عليه أحد من الصحابة، ولا يعترض اليوم أحد منكم على عمله، بل تحسبون أعماله حجة فتقتدون به، ولكنكم تعارضون الشيعة لتوسلهم بآل محمد (ص) وعترته، وتنسبون عملهم إلى الكفر والشرك والعياذ بالله!!
فإذا كان التوسل بآل محمد (ص) والاستشفاع بعترته الهادية عند الله عز وجل شرك، فحسب رواياتكم فإن الخليفة الفاروق يكون مشركا كافرا، وإذا تدفعون عنه الشرك والكفر، ولا تقبلون نسبته إليه، بل تصححون عمله وتدعون المسلمين إلى الاقتداء به، فعمل الشيعة وتوسلهم بآل محمد (ص) أيضا ليس بشرك، بل حسن صحيح.
وعلى هذا يجب أن تستغفروا ربكم من هذه الافتراءات والاتهامات التي تنسبونها لشيعة آل محمد (ص) وتكفرونهم وتقولون إنهم مشركون.
ويجب عليكم أن تنبهوا جميع أتباعكم وعوامكم الجاهلين على أنكم مخطئين في اعتقادكم بالنسبة للشيعة، فهم ليسوا بمشركين، بل هم مؤمنون وموحدون حقا.
أيها الحاضرون الكرام والعلماء الأعلام! إذا كان عمر الفاروق مع شأنه ومقامه الذي تعتقدون به له عند الله سبحانه، وأهل المدينة، مع وجود الصحابة الكرام فيهم، دعاؤهم لا يستجاب إلا أن يتوسلوا بآل محمد (ص) ويجعلوهم الواسطة والوسيلة بينهم وبين الله عز وجل حتى يجيب دعوتهم ويسقيهم من رحمته، فكيف بنا؟! وهل يجيب الله سبحانه دعوتنا من غير واسطة وبلا وسيلة؟!
فآل محمد (ص) وعترته في كل زمان هم وسائل التقرب إلى الله تعالى ، وبهم ـ أي بسببهم وبشفاعتهم ودعائهم ـ يرحم الله عباده.
فهم ليسوا مستقلين في قضاء الحوائج وكفاية المهام، وإنما الله سبحانه هو القاضي للحاجات والكافي للمهمات، وآل محمد (ص) عباد صالحون وأئمة مقربون ، لهم جاه عظيم عند ربهم، وهم شفعاء وجهاء عند الله عز وجل، منحهم مقام الشفاعة بفضله وكرمه، فقد قال سبحانه: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه)(42).
هذا هو اعتقادنا في النبي وعترته الهادية وآله المنتجبين الطيبين الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولن تجدوا في كتبنا الاعتقادية والكتب الجامعة للزيارات والأدعية المأثورة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أكثر مما ذكرت لكم.
الحافظ: إن ما بينتموه عن اعتقادكم بأهل البيت، رضي الله عنهم ، مخالف لما سمعناه من الآخرين وقرأناه بخصوصكم في كتب علمائنا المحققين.
قلت: دعوا أو اتركوا ما سمعتموه أو قرأتموه عنا، واعتمدوا على ما تشاهدوه منا وتقرأوه في كتبنا. فهل طالعتم وتدبرتم في كتب علمائنا الأعلام الجامعة للزيارات والأدعية المروية عن أئمتنا، أئمة أهل البيت والعترة الهادية عليهم السلام؟!
الحافظ: ما وصلت يدي حتى الآن إلى كتبكم.
قلت: إن العقل يقضي أن تقرأ كتبنا أولا، فإذا وجدت فيها إشكالا مما كنت تسمعه عنا، فحينئذ أشكل علينا، وأنا الآن معي كتابين، أحدهما: كتاب (زاد المعاد) تأليف العلامة المجلسي (قدس سره)، والآخر:(هدية الزائرين) تأليف الفاضل المعاصر، والمحدث المتبحر، الحاج الشيخ عباس القمي دامت بركاته، فأقدم لكم هذين الكتابين الجليلين لتقرأوها وتتدبروا في عباراتها، لتعرفوا حقيقة الأمر.
فأخذوا يتصفحون الكتابين وينظرون في الكلمات والجمل بدقة، وإذا بالسيد عبد الحي قد وصل إلى دعاء التوسل، فكأنه وصل إلى بغيته ومقصده، فأشار إلى الحاضرين بالسكوت فسكتوا، ثم بدأ بقراءة دعاء التوسل كلمة كلمة، والحاضرين منصتون يستمعون، وكان بعضهم يعرف العربية ويدرك معاني الكلمات والجمل، فكانوا يهزون رؤوسهم ويبدون أسفهم لابتعادهم عن مذهب أهل البيت عليهم السلام، فيقول بعضهم لبعض : كيف قلبوا الأمور ونحن غافلون، والتبس علينا الحق ونحن جاهلون؟!
فلما انتهى السيد عبد الحي من قراءة الدعاء، قلت: أيها الأخوة ! بالله عليكم انصفوا!!!
في أي كلمة أو عبارة من هذا الدعاء شممتم رائحة الشرك أو الغلو ، أيها العلماء أجيبوني؟!
فإن لم يكن فيه شيء من الشرك والغلو، فلماذا تقذفون الشيعة المؤمنين بالشرك؟!
لماذا تزرعون بذر العداء والبغضاء بين المسلمين الذين جعل الله سبحانه بينهم المودة والإخاء؟!
لماذا (تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون)(43)؟!
لماذا تضلون أتباعكم الغافلين الجاهلين فتشحنون قلوبهم ضد الشيعة المؤمنين، فينظرون إليهم شزرا على أنهم مشركون؟!
وكم من جهالكم المتعصبين تأثروا بكلام علمائهم ـ أنتم وأمثالكم ـ فأباحوا دماء الشيعة وأموالهم، فقتلوهم ونهبوهم (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا)(44)، ويظنون أن الجنة وجبت لهم بذلك العمل الشنيع!!
ولا شك أن وزر هذه الجنايات والفجائع هي في ذمتكم أيضا، وأنتم العلماء مسؤولون عنها وتحاسبون عليها أكثر من الجاهلين!
هل سمعتم إلى الآن، أن شيعيا التقى بأحد أهل السنة فقتله قربة إلى الله؟!
لا، ولن يقدم شيعي حتى العامي منهم على مثلها أبدا، لأن علماءنا ومبلغينا دائما يعلنون في أتباعهم، إن أهل السنة والجماعة هم إخواننا في الدين فلا يجوز أذاهم. فكيف بقتلهم ونهب أموالهم؟!
نعم نبين لأتباعنا، الاختلافات المذهبية بيننا وبينكم، ولكن نقول لهم أيضا: بأنها رغم خلافنا مع العامة في بعض المسائل، فهم إخواننا في الدين ، فلا يجوز لنا أن نعاديهم ونبغضهم.
أما علماء السنة مع كل الاختلافات النظرية والاجتهادية الموجودة بين أئمة المذاهب الأربعة في الأصول والفروع، يحسبون أتباع الأئمة الأربعة أصحاب دين واحد، وهم أحرار في اختيار أي مذهب شاؤا من المذاهب الأربعة.
ولكن كثيرا من أولئك العلماء ـ ومع الأسف ـ يحسبون شيعة المرتضى وأتباع العترة الهادية عليهم السلام مشركين وكفارا.. بحيث يحل سفك دمائهم ونهب أموالهم، فليس لهم حرية العقيدة واختيار المذهب في البلاد السنية، حتى انهم يضطرون لأن يعيشوا بينكم في خوف وتقية مخافة أن يقتلوا بيد جهالكم الغافلين أو عتاتكم المعاندين!!
فكم من عالم ورع وفقيه متقي قتل شهيدا بفتوى بعض علمائكم، كما أن كثيرا من علمائكم يصرحون بلعن الشيعة في كتبهم.
ولكن لا يوجد شيعي واحد، حتى من العوام الجاهلين، يحل سفك دم سني أو يجوز لعنه لأنه سني.
الحافظ: انك تريد إثارة العواطف والاحساسات بهذا الكلام، فأي عالم من الشيعة قتل بفتوى علمائنا؟!
وأي عالم منّا يلعن الشيعة؟!
قلت: لا أريد أن أبين هذا الموضوع بالتفصيل لأنه يحتاج إلى وقت طويل فيستغرق منا ساعات عديدة ومجالس مديدة، ولكن أنقل لكم قليلا من كثير مما سجله التاريخ، ليتضح لكم الأمر وتعرفوا ما جهلتموه!
فلو تصفحتم كتب بعض علمائكم الكبار الذين اشتهروا بالتعصب ضد الشيعة الأخيار لوجدتم تصريحاتهم بلعن الشيعة المؤمنين بالإصرار والتكرار!
منهم: الإمام الفخر الرازي في تفسيره المشهور، فكأنه كان مترصدا ليجد مجالا حتى يصب جام غضبه ولعنه على شيعة آل محمد (ص)، فنجده عند آية الولاية(45) وآية إكمال الدين(46) وغيرهما يكرر هذه الكلمات.. وأما الروافض لعنهم الله.. هؤلاء الروافض لعنهم الله.. أما قول الروافض لعنهم الله.. إلى آخره.
وأما إفتاء بعض علمائكم بقتل علمائنا الأعلام فكثير، منها:

قتل الشهيد الأول
من جملة الفجائع التي حدثت على مفاخر العلم وأهل التقوى وشيعة آل محمد (ص) بفتوى غريبة من قاضيين كبيرين من قضاة الشام، وهما: برهان الدين المالكي وعباد بن جماعة الشافعي.
وقد أصدرا حكم قتل أفقه علماء الإسلام في عصره وهو: العالم العامل، والتقي الفاضل، والزاهد الورع، أبو عبدالله محمد بن جمال الدين المكي العاملي (رضوان الله تعالى عليه)، ومن سعة اطلاعه في المسائل الفقهية أنه صنف وألف كتاب اللمعة الدمشقية في السجن في أسبوع واحد، وليس عنده أي كتاب فقهي سوى كتاب: (المختصر النافع).
وكتاب (اللمعة) يدرس في الحوزات العلمية حتى اليوم لاحتوائه على أكثر الفروع والمباني الفقهية. وكان الشيخ الشهيد (قدس سره) مرجعا لعلماء المذاهب الأربعة في حل المعضلات العلمية وكشف الأحكام الدينية، وكان يعيش في تقية ، أي يخفي مذهبه من الحكومة ومن عامة الناس، ومع ذلك عرفوا منه التشيع فشهد عليه نفر عند الحاكم، فحوله الحاكم إلى القاضي فزجه القاضي في السجن حقدا.
فبقي سنة كاملا سجينا في قلعة الشام يعاني من التجويع والتعذيب ، وبعدها حكم برهان الدين المالكي وابن جماعة الشافعي بإعدامه، فقتلوه أولا بالسيف ثم صلبوه، و لم يكتفوا بهذا المقدار من إظهار الحقد الدفين، فحركوا الهمج الرعاع العوام كالأنعام، فرجموا جسد ذلك العالم الفقيه بالحجارة، وأعلنوا أنهم فعلوا كل ما فعلوه بذلك الفقيه الفاضل والعالم العامل، لأنه رافضي مشرك!!
وعلى هذا الجرم الذي ليس مثله جرم في الإسلام!!
أمروا بحرق جسده الشريف، وذروا رماده في الفضاء.
وكان ذلك في التاسع أو التاسع عشر من جمادى الأولى عام 786 من الهجرة النبوية الشريفة، في عهد الملك برقوق وحاكمه يومذاك على الشام: بيد مرو.

قتل الشهيد الثاني
ومن جملة الفجائع الشنيعة ضد مذهب الشيعة، والتي حدثت بسبب فتوى بعض علمائكم، قتل العالم الفقيه، والتقي النبيه، العالم الرباني، المعروف بالشهيد الثاني، الشيخ زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد العاملي (قدس الله نفسه الزكية).
وكان هو أشهر العلماء وأعظمهم في بلاد الشام، وكان يعيش في عزلة من الناس، دائبا على التأليف والتصنيف، يقضي أوقاته في تحقيق المسائل واستنباط الأحكام وتدوينها، وقد صنف أكثر من مائتي مؤلف في مختلف العلوم.
فحسده علماء عصره لتوجه الناس إليه وتعظيمهم له، فبعث قاضي صيدا واسمه معروف، كتاب إلى السلطان سليم العثماني جاء فيه قد وجد في بلاد الشام رجل مبدع خارج عن المذاهب الأربعة.
فأمر السلطان بإرسال الشيخ زين الدين إلى اسلامبول ليحاكموه، وكان الشيخ آنذاك في الحج فلم ينتظروا رجوعه، بل أرسلوا له جماعة فقبضوا عليه في المسجد الحرام، وقد قال تعالى: (ومن دخله كان آمنا)(47) فسجنوه أربعين يوما في مكة ثم بعثوه عن طريق البحر إلى إسلامبول عاصمة الخلافة.
ولما وصل إليها ونزل الساحل، ضربوا عنقه وقطعوا رأسه قبل أن يحاكموه، ورموا بجثته في البحر وبعثوا برأسه إلى السلطان!!
فيا أيها الحاضرون! بالله عليكم أنصفوا!!
هل قرأتم أو سمعتم أن أحد علماء الشيعة عامل واحدا من علماء السنة أو عوامها بهذا الشكل، وقد كانوا متمكنين ومقتدرين في ظل ملوك الشيعة وحكوماتها التي حكمت على كثير من بلاد السنة؟!
بالله عليكم! هل إن عدم الانتماء إلى المذاهب الأربعة ذنب يستوجب القتل؟! ليت شعري ما هو دليلهم؟!
هل إن المذاهب الأربعة التي وجدت بعد رسول الله (ص) بعشرات السنين هي التي يجب الانتماء إليها والتمسك بها والعمل على طبقها؟! ولكن المذهب الذي كان على عهد النبي الكريم (ص) وكان مرضيّا عنده، لا يجوز التمسك به؟! وإن المتمسك به يجب قتله!!
وإذا كان كذلك، فبرأي من كان المسلمون يأخذون ويعملون في الفترة الواقعة بعد النبي (ص) وقبل ميلاد الأئمة الأربعة وانتشار آرائهم؟!
أم تقولون إن الأئمة الأربعة كانوا على عهد رسول الله (ص) وأخذوا منه بلا واسطة؟!
الحافظ: لم يدّع أحد بأن الأئمة الأربعة أو أحدهم أدرك النبي (ص) وتشرف بصحبته أو سمع حديثه.
قلت: وهل ينكر أحد صحبة الإمام علي عليه السلام لرسول الله (ص) واستماع حديثه الشريف، حتى أصبح باب علم الرسول (ص)؟!
الحافظ: لا ينكر أحد ذلك، بل كان علي (رضي الله عنه)، من كبار الصحابة، وفي بعض الجهات كان أفضلهم.
قلت: على هذه القاعدة لو اعتقدنا بأن متابعة الإمام علي عليه السلام والأخذ منه في المسائل الفقهية واجب لما قاله النبي (ص) في حقه: إن من أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني، وهو باب علمي، ومن أراد أن يأخذ من علمي فليأت الباب.
فهل هذا الاعتقاد كفر؟! أم الذي خالف النبي (ص) فقد كفر؟! لقوله سبحانه وتعالى: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(48)!
وإذا قلنا: إن من لم يعتقد بما قاله النبي (ص) في علي بن أبي طالب والأئمة من ولده الذين جعلهم عدل القرآن الحكيم في حديث الثقلين وألزم متابعتهم والتوسل بهم في حديث السفينة وهما حديثان مقبولان عندكم أيضا كما ذكرنا مصادركم فيهما.
فلو قلنا: بأن من خالف عترة النبي (ص) وأهل بيته الطاهرين فقد تمرد على الله ورسوله وخرج من الدين، ما قلنا شططا، وما ذهبنا غلطا، بدليل الحديثين الشريفين، السفينة والثقلين، وأدلة عقلية ونقلية أخرى.
ولكن مع كل ذلك ما صدرت منا هكذا فتاوى خطيرة تشجع عوام الشيعة وملوكهم على ارتكاب جنايات فجيعة في حق أهل السنة والجماعة، بالنسبة إلى علمائهم أو جهالهم.
وإنما علماؤنا دائما يعلنون: أن أهل السنة والجماعة إخواننا في الدين، ويجب أن نتحد كلنا ضد غير المسلمين المعادين، غاية ما هنالك إننا نقول: إن الأمر اشتبه والحق التبس عليكم، ولكنكم تبعا لبعض علمائكم تقولون فينا خلاف ما نقوله فيكم، إنكم تقولون في حق الشيعة المؤمنين أتباع أهل بيت النبوة عليهم السلام : إنهم أهل البدع وغلاة ورفضة ويهود وكفرة ومشركون و و و.!!!
وتبيحون بل توجبون قتل من لم ينتمِ إلى أحد المذاهب الأربعة، وليس عندكم أي دليل شرعي وعقلي وعرفي في ذلك!
الحافظ: ما كنت أظن أنكم هكذا تفترون علينا، وتكذبون على علمائنا أمورا بعيدة عن الحقيقة، وإنما هي من أباطيل الشيعة وأكاذيبهم الشنيعة، وهم يقصدون بها إثارة وأحاسيس الناس واكتساب عطفهم وحنانهم.
قلت: كل ما نقلته لكم هو حق وصدق بشهادة التاريخ، وكيف تظن بأني أفتري عليكم وعلى مذهبكم أو علمائكم، في وجودك وحضور كثير من العلماء معك، وكذلك بحضور هذا الجمع الغفير من أتباعكم، أيعقل ذلك؟!
واعلم أني نقلت قضيتين من التاريخ كنموذج من معاملة علمائكم وقضاتكم مع فقهائنا وعلمائنا.
وإذا تصفحتم تاريخ خوارزم وحملاتهم على إيران، وقوم أزبك وحملاتهم على بلاد خراسان، وحملات الأفغان على إيران، وقتلهم عامة الناس بلا رحمة ، ونهب أموالهم وسبي نسائهم وأطفالهم وبيعهم في الأسواق كما يعامل الكفار، لصدقتم كلامي وما كذبتم حديثي!
وفي زمن السلطان حسين الصفوي وصل الأفغان ـ وهم قومك وأبناء وطنك ـ إلى أصفهان، فلم يرحموا حتى المراضع والرضع، فقتلوا ونهبوا وسبوا، وهتكوا حرمات المسلمين في كل أرض وطؤوها من بلاد إيران، كل ذلك بفتاوى علمائهم من أهل السنة والجماعة، حتى أنهم أفتوا ببيع أسارى الشيعة كالعبيد، فباعوا ـ كما يحدثنا التاريخ ـ أكثر من مائة ألف رجل شيعي على أبناء السنة وغيرهم في أسواق تركستان!!
الحافظ: إن تلك المعارك كانت سياسية لا ترتبط بفتاوى علمائنا.

كلام خان خيوه
قلت: يذكر التاريخ أن في أوائل حكومة ناصر الدين شاه قاجار، وفي وزارة أمير كبير ميرزا تقي خان، حينما كانت الدولة منشغلة بإخماد الفتن التي آثارها رجل اسمه: " سالار " في خراسان، وكانت سلطة الدولة الضعيفة في تلك المقاطعة.
اغتنم الفرصة أمير خوارزم وهو: محمد أمين خان أزبك المعروف بخان خيوه، وهجم بجيش جرار على خراسان، وقتل ونهب ودمر وأسر جمعا كثيرا من الناس ، فساقه إلى بلاده سبايا.
وبعدما أخمدت فتنة سالار، بعثت الدولة القاجارية سفيرا إلى خان خيوه ليفاوضه في شأن السبايا واستخلاصهم، وكان السفير هو رضا قلي خان، الملقب بهدايت، وهو من كبار الدولة ورجال البلاط الملكي.
فلما وصل إلى خوارزم والتقى بخان خيوه، دار بينهم كلام طويل سجله التاريخ جملة جملة، وكلمة كلمة، والشاهد هنا هو هذه العبارة: إن المغفور له هدايت قال لخان خيوه:
إن الدول الكافرة تعامل الإيرانيين معاملة حسنة، وهم في أمن وأمان من جيوش روسية والإفرنج، ولكنكم مع الأسف تعاملون الإيرانيين معاملة الكفار والمشركين، وهم معكم على دين واحد، لا فرق في قبلتنا وقرآننا ونبينا، نحن وأنتم نعتقد ونشهد: أن لا إله إلا الله، محمد رسول الله (ص)، فلماذا تهجم بجيوشك على بلادنا، وتدمر ديارنا، وتقتل وتنهب، وتأسر المسلمين وتبيعهم في الأسواق كأسرى الكفار والمشركين؟!
فأجاب خان خيوه: إن علماءنا وقضاتنا في بخارى وخوارزم: يفتون بأن الشيعة كفار وأهل بدع وضلال، وجزاؤهم القتل ونهب الأموال، وهم يوجبون علينا هذه المعاملة مع الإيرانيين، فيبيحون لنا دماءهم ونساءهم وأموالهم!!
وللاطلاع التام فليراجع: تاريخ روضة الصفا الناصري، وكذلك مذكرات سفر خوارزم، تأليف رضا قلي خان هدايت.

هجوم الأزبك
كما إن أحد أمراء الأزبك المسمى عبدالله خان حاصر بجيوشه منطقة خراسان، فكتب علماء خراسان إليه كتابا جاء فيه: نحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله (ص)، فلماذا تغير علينا بجيشك وتقاتلنا وتهتك حريمنا ونحن أتباع القرآن الكريم والعترة الهادية، وإن الوحشية والمعاملة السيئة التي نجدها منكم غير مقبولة في الإسلام، وإن الله سبحانه لا يجيزها لكم بالنسبة للكفار، فكيف مع المسلمين؟!
فلما وصل الكتاب إلى يد عبد الله خان أعطاه لعلماء السنة وقضاتهم الذين كانوا يرافقونه في حملاته على المسلمين الشيعة، وطلب منهم أن يجيبوا ويردوا على الكتاب.
فأجاب علماء السنة ـ ردا على كتاب علماء خراسان ـ بجواب مشحون بالتهم والأكاذيب على الشيعة و قذفوهم بالكفر!! لكن علماء خراسان ردوا عليهم، ونسفوا تهمهم وأكاذيبهم، وأثبتوا أن الشيعة مؤمنون بالله ورسوله وبكل ما جاء به النبي الكريم (ص).
ومن أراد الوقوف على تلك الردود والإجابات فليراجع كتاب " ناسخ التواريخ ".
فشاهد الكلام إن علماء السنة الأزبكيين كتبوا: إن الشيعة رفضة وكفار، فدماؤهم وأموالهم ونساؤهم مباحة للمسلمين!!
وأما في بلادكم أفغانستان، فإن الشيعة يعانون أشد الضغوط والهجمات الوحشية منكم ومن أمثالكم أهل السنة والجماعة.
والتاريخ مليء بالفجائع والجنايات التي ارتكبوها جماعة السنة في حق الشيعة في أفغانستان، ومن جملتها:
في سنة 1267 هجرية في يوم عاشوراء وكان يوافق يوم الجمعة، وكانت الشيعة مجتمعة في الحسينيات في مدينة قندهار، وكانوا يقيمون شعائر العزاء على مصائب سبط الرسول وسيد الشهداء، الحسين بن علي (ع) وأنصاره الذين استشهدوا معه في سبيل الله تعالى.
وإذا بأهل السنة والجماعة يهجمون عليهم بالأسلحة الفتاكة، ولم يكن الشيعة مسلحين ولا مستعدين لقتال، حتى أنهم لم يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم، فقتل قومكم جمعا كثيرا حتى الأطفال بأفجع أنواع القتل، ونهبوا أموالهم وأموال الحسينيات!!
والأعجب من ذلك، أن أحدا من علماء السنة لم يندد بهذا العمل الوحشي الشيطاني، ولم يبد أسفه على تلك الجناية البشعة، فكان سكوت العلماء تأييدا لعمل الجهال المهاجمين، والجناة المتعصبين، وربما كان كل ذلك بتحريك بعض علمائهم ، والله أعلم.
والتاريخ يحدثنا عن هجمات كثيرة من هذا النوع ضد الشيعة في أفغانستان وبلاد الهند والباكستان أيضا، فكم من نفوس مؤمنة أزهقت، ودماء بريئة سفكت، وأموال محترمة نهبت، وحرمات دينية هتكت، بأيدي أهل السنة والجماعة، وقد قتلوا حتى بعض فقهائنا الكبار وعلمائنا الأبرار.

قتل الشهيد الثالث
ولقد زرت في سفري هذا مقابر بعض شهداء هذه الحوادث الأليمة في مدينة " أكبر آباد آكره " وبالأخص قبر الشهيد الثالث، العالم الورع، والفقيه التقي، الذي ينتهي نسبه الشريف إلى النبي (ص) وهو:
القاضي السيد نور الله التستري (قدس الله سره)، وهو أحد ضحايا هذه التعسفات والتعصبات التي توجد في أهل السنة العامة.
فقد استشهد هذا العالم الجليل، والحبر النبيل، سنة 1019 هجرية ، على أثر سعاية علماء العامة في " أكبر آباد آكره " عند الملك المغولي الجاهل المتعصب جهانكير، في الهند.
وكان عمر السيد الشهيد حينما قطعوا رأسه يتجاوز السبعين عاما، وقبره إلى يومنا هذا مزار المؤمنين الشيعة، ورأيت مكتوبا على صخرة قبره هذين البيتين:
ظـالمي إطفاء نور الله كــردقرة العين نبي را سر بريدسال قتلش حضرت ضامن علىكفت: نور الله سيد شد شهيدأي: ظالم أطفأ نور الله، وحز رأس قرة عين رسول الله (ص) فقال ضامن علي في تاريخ شهادته: إن السيد نور الله أصبح شهيدا.
الحافظ: إنكم تبالغون في هذه القضايا وتضخمونها، ونحن لا نرضى بأعمال جهالنا وعوامنا، ولكن الشيعة بأعمالهم الخاطئة يسببون تلك الفجائع.
قلت: ما هي أعمال الشيعة التي توجب قتلهم ونهب أموالهم وهتك أعراضهم؟!
الحافظ: في كل يوم يقف آلاف الشيعة أمام قبور الأموات ويطلبون منهم الحاجات، ألم يكن هذا العمل عبادة الأموات؟!
لماذا أنتم العلماء لا تمنعونهم؟! حتى أننا نجد كثيرا منهم يخرون إلى الأرض ويسجدون لتلك القبور باسم الزيارة، فهم بهذه الأعمال الخاطئة يسببون تلك الفجائع، لأن عوامنا لا يتحملون هذه البدع باسم الإسلام فيفرطون بالانتقام!!
وبينما كان الحافظ يتكلم وكلنا يصغي إليه، كان الشيخ عبد السلام، الفقيه الحنفي، يتصفح كتاب " هدية الزائرين " ويطالع فيه ليجد إشكالا فيلقيه، ولما وصل الحافظ إلى هذه الجملة، صاح الشيخ عبد السلام مؤيدا للحافظ ومخاطبا إياي:
تفضل واقرأ هذه الصفحة حتى تعرف ما يقول الحافظ.
قلت: اقرأ أنت ونحن نستمع.
فقرأ هذه العبارة: وإذا فرغت من الزيارة فصل ركعتين صلاة الزيارة، ثم قال: أليست نية القربة شرط في صحة الصلاة؟! فالصلاة لغير الله سبحانه لا تجوز حتى للنبي والإمام، فالوقوف أمام القبور والصلاة بجانبها شرك بين، وهو أكبر دليل على الكفر، وهذا كتابكم سند معتبر وحجة عليكم!
قلت: حيث طال بنا الجلوس والوقت لا يتسع للجواب عن شبهاتكم، فلنترك الجواب إلى الليلة المقبلة إنشاء الله تعالى.
لكن أهل المجلس ـ شيعة وسنة ـ كلهم قالوا نحن مستعدون أن نبقى حتى الصباح لنسمع جوابكم.
قلت: أسألك يا شيخ عبد السلام: هل ذهبت لزيارة أحد أئمة أهل البيت (ع) وهل رأيت بعينك أعمال الشيعة الزائرين لقبور أئمتهم (ع) أم لا؟
الشيخ: لا... إني لم أذهب إلى مزارات الأئمة، ولم أشاهد أعمال الشيعة هناك.
قلت إذا كيف تقول: بأن الشيعة يصلون متوجهين لقبور الأئمة؟! وتستدل به على كفر الشيعة! ثبت العرش ثم انقش.
الشيخ: إنما قلت هذا نقلا عن هذا الكتاب الذي بين يدي، فإنه يقول: صل للإمام صلاة زيارة!
قلت: ناولني الكتاب حتى أعرف صحة ما تقول.
فناولني الكتاب مفتوحا، فرأيت تلك الصفحة تنقل كيفية زيارة علي بن أبي طالب (ع). فقلت أيها الجمع الحاضر! إني أقرأ عليكم مقتطفات وجمل من هذه الزيارة حتى نصل إلى تلك العبارة التي يذكرها الشيخ، ثم أنتم أنصفوا واقضوا بيننا وبين الشيخ عبدالسلام والحافظ محمد رشيد.

في آداب زيارة أمير المؤمنين (ع)
إذا وصل الزائر إلى خندق الكوفة يقف ويقول:
الله أكبر، الله أكبر أهل الكبرياء والمجد والعظمة، الله أكبر أهل التكبير والتقديس والتسبيح والآلاء، الله أكبر مما أخاف وأحذر، الله أكبر عمادي وعليه أتوكل، الله أكبر رجائي وإليه أنيب.. إلى آخره.
وإذا وصل إلى الباب الأول من الروضة المقدسة فليقل بعد حمد الله تعالى:
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له... إلى آخره.
وإذا وصل إلى الباب الثاني فليقل: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له... إلى آخره.
وإذا أراد أن يدخل الروضة المقدسة يستأذن الله تعالى ورسوله (ص) والأئمة والملائكة.
وبعد ذلك يستلم القبر الشريف فيسلم على النبي وعلى أمير المؤمنين وعلى آدم ونوح... إلى آخره.
والعبارة التي هي محل الشاهد للشيخ عبد السلام ولنا هي: ثم صل ثلاث صلوات ثنائية، ركعتان هدية لأمير المؤمنين (ع)، وركعتان هدية لآدم أبي البشر ، وركعتان هدية لنوح شيخ الأنبياء، لأنهما مدفونان عند قبر أبي الحسن أمير المؤمنين (ع).

" صلاة الزيارة والدعاء بعدهما "
هل صلاة الهدية شرك؟!
  #9  
قديم 04-26-08, 11:59 PM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي

ألم ترد روايات في صلاة الهدية للوالدين وغيرهما من المؤمنين (ع) قربة إلى الله تعالى هل هذا شرك؟!
فقد جرت العادة عند الناس وكذلك المؤمنين، أن كل من يذهب لزيارة أحبابه يأخذ معه هدية، ونجد في أكثر كتب الأخبار والأحاديث فضلا في استحباب وثواب هدية المؤمن لأخيه المؤمن وقبولها منه.
والزائر لما يصل إلى قبر من يحبه ويعلم أن الصلاة أحب شيء إلى مزوره، فيصلي ركعتين قربة إلى الله تعالى ويهدي ثوابها إلى المزور.
والمعترضون لو كانوا يواصلون مطالعتهم و يقرءوا الدعاء بعد صلاة الزيارة لعرفوا خطأهم وتيقنوا أن عمل الشيعة عند الزيارة ليس بشرك، بل هو التوحيد وكمال العبادة لله عز وجل.
واعلموا أن الشيعة إنما يزورون الإمام علي والأئمة من ولده (ع) ، لأنهم عباد الله الصالحون وأوصياء رسوله الصادقون.
وأما عبارة الرواية فهي كما يلي، على خلاف ما قاله الشيخ عبد السلام: " بأن يقف بجانب القبر يصلي " بل العبارة:
" أن يقف مستقبل القبلة مما يلي رأس الإمام (ع) " فيصبح القبر على يسار المصلي، فيقول: اللهم إني صليت هاتين الركعتين هدية مني إلى سيدي ومولاي ، وليك وأخي رسولك، أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وعلى آله، اللهم فصل على محمد وآل محمد وتقبلها مني واجزني على ذلك جزاء المحسنين، اللهم لك صليت ولك ركعت ولك سجدت، وحدك لا شريك لك، لأنه لا تجوز الصلاة والركوع والسجود إلا لك، لأنك أنت الله لا إله إلا أنت.
بالله عليكم أيها الحاضرون! أنصفوا، أي عمل من هذه الأعمال يستوجب الشرك بالله تعالى؟!
الشيخ عبدالسلام: عجبا ألا تجد هذه العبارة تقول: ثم قبل العتبة وادخل الحرم.
ألم يكن هذا العمل سجودا لصاحب القبر؟!
والسجود لغير الله شرك.

" تقبيل قبور الأئمة (ع) وعتبة روضاتهم المقدسة "
قلت: إن جنابك تغالط في البحث، إذ تفسر تقبيل العتبة بالسجود ، ثم تحمل ذلك الشرك بالله سبحانه!! وإذا كنتم في حضورنا تفسرون كلامنا هكذا، فلابد في غيابنا وخاصة أمام أتباعكم من العوام والجاهلين، تثبتون كفرنا!!
وأما الجواب: فإن الوارد في هذا الكتاب وغيره من كتب الزيارات يقول: إن الزائر تأدبا يقبل العتبة... ليت شعري بأي دليل تفسرون القبلة بالسجود ؟!
وأين ورد نهي عن تقبيل قبور الأنبياء وأوصيائهم وغيرهم من أولياء الله الصالحين، وتقبيل أعتابهم المقدسة؟! في القرآن الكريم؟! أم في الحديث الشريف؟!
ثم بأي دليل تعدون هذا العمل شركا بالله العظيم؟!
والعجيب أن عوامكم يصنعون بقبر أبي حنيفة والشيخ عبد القادر أكثر مما تصنعه الشيعة بقبور أئمة أهل البيت (ع).
وإني أشهد الله العلي العظيم فقد ذهبت يوما إلى قبر أبي حنيفة في بغداد، في محلة الأعظمية، فرأيت جماعة من أهل السنة الهنود، سقطوا على الأرض كالساجدين وقبلوا التراب!!
وحيث إني لم أنظر إليهم بعين الحقد والعداء، ولم يكن عندي دليل على أن عملهم كفر وشرك، لم أنقل هذا الموضوع في أي مجلس، ولم أنتقد عملهم، بل تلقيته أمرا عاديا.
لأني أعلم أنهم ما وقعوا على الأرض بنية السجود لصاحب القبر، وهذا أمر بديهي.
فاعلم يا شيخ! وليعلم الحاضرون! إن أي زائر شيعي عالم أو جاهل حاشا أن يسجد لغير الله تعالى، وإن كلامكم على الشيعة: بأنهم يسجدون لأئمتهم، كذب وافتراء علينا!!
وعلى فرض أن الزائر يجعل جبهته على التراب أمام القبر، ولكن لما لم يقصد السجود لصاحب القبر وإنما يريد بذلك احترامه وإظهار محبته له، لم يكن فيه بأس وإشكال.
الشيخ عبدالسلام: كيف يعقل أن يهوي إنسان إلى الأرض ويجعل جبهته على التراب ومع ذلك لا يكون عمله سجودا؟!
قلت: لأن الأعمال بالنيات، فإذا فعل أحد ذلك ولم ينوي السجود فلا نحسب عمله سجودا(49) كما فعل إخوان يوسف الصديق له، ولم يمنعهم يوسف ولا أبوهم يعقوب من ذلك، والله سبحانه يخبر بعملهم ويحكيه ولا يقبحه، فيقول: (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقّا)(50).
وكم من موضع من الذكر الحكيم يخبر الله عز وجل فيه عن سجود الملائكة لآدم بأمر منه سبحانه.
فحسب كلامكم، فإن إخوة يوسف الصديق والملائكة كلهم مشركون، إلا إبليس لأنه لم يسجد!! والحال لم يكن كذلك، وإنما جعل الله سبحانه اللعن على إبليس وأخرجه من الجنة.
وأما جوابي لجناب الحافظ، وإن كان الوقت لا يتسع له، ولكن أبينه باختصار:

بقاء الروح بعد الموت
إن شبهتكم حول الشيعة بأنهم لماذا يطلبون حوائجهم عند قبور الأموات؟!
إنما هو كلام الماديين والطبيعيين، فإنهم لا يعتقدون بالحياة بعد الموت، والله سبحانه يحكي قولهم في القرآن إذ قالوا: (إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين)(51).
وأما الاعتقاد بالحياة بعد الموت، وأن الجسم يبلي بالموت ولكن الروح باقية، فهو من ضروريات دين الإسلام، وبالأخص حياة الشهداء، فقد صرح بها القرآن الكريم بقوله: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله..)(52) إلى آخره...
فهل يمكن للميت الفرح والسرور والارتزاق؟! لا!
ولذلك فإن الآية الكريمة تصرح بأنهم: (أحياء عند ربهم يرزقون) فكما أنهم يفرحون ويرزقون، فهم يسمعون الكلام ويجيبون، ولكن حجاب المادة على مسامعنا مانع من إحساسنا بكلامهم واستماع جوابهم.
وقد ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في زيارة جده سيد الشهداء الحسين عليه السلام قوله: يا أبا عبدالله أشهد أنك تشهد مقامي وتسمع كلامي وأنك حي عند ربك ترزق، فأسأل ربك وربي في قضاء حوائجي.
وجاء في الخطبة 86 من نهج البلاغة عن الإمام علي عليه السلام إذ يعرّف فيها أهل البيت عليهم السلام ويصفهم، فيقول:
أيها الناس! خذوها من خاتم النبيين: إنه يموت من مات منا وليس بميت، ويبلى من بلى منا وليس ببال.
قال ابن أبي الحديد والميثمي والشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية، قالوا في شرح هذه الكلمات ما ملخصه:
" إن أهل بيت النبي (ص) لم يكونوا في الحقيقة أمواتا كسائر الناس " (53) فنقف عند قبور أهل البيت عليهم السلام والعترة الهادية، ولا نحسبهم أمواتا بل هم أحياء عند ربهم، ونحن نتكلم معهم كما تتكلمون أنتم مع من حولكم من الأحياء، فنحن لا نعبد الأموات كما تزعمون وتفترون علينا، بل نعبد الله سبحانه الذي يحفظ أجساد الصالحين من البلى، ويبقي أرواح العالمين بعد ارتحالهم من الدنيا (54).
وأنتم ألا تحسبون عليا عليه السلام، وابنه الحسين والذين استشهدوا بين يديه، وكذلك أصحاب النبي (ص) الذين قتلوا في بدر وحنين وغيرهما من غزواته، شهداء؟!
وهل إنكم لا تعتقدون أن هؤلاء الصفوة ضحوا بأنفسهم في سبيل الله وثاروا على ظلم بني أمية وكفر يزيد، وأنهم أنقذوا الدين الحنيف من براثن آل أبي سفيان، ورووا بدمائهم شجرة التوحيد والنبوة؟؟
فكما إن أصحاب رسول الله (ص) خاضوا المعارك وجاهدوا في سبيل الله وقاتلوا أعداء الدين وكافحوا معارضي النبوة ومخالفي الرسالة لنشر الإسلام وإعلاء كلمة الحق، كذلك الإمام علي عليه السلام وابنه الحسين وأصحابهما فقد جاهدوا في سبيل الله تعالى لإبقاء دينه وإنقاذ الإسلام حتى قتلوا واستشهدوا في سبيل الله.
وكل من عنده أدنى اطلاع عن تاريخ الإسلام بعد النبي (ص) يعلم بأن آل أبي سفيان وخاصة يزيد بن معاوية وأعوانه كادوا يقضون على الإسلام ويحرفوه عن مواضعه الإلهية بأعمالهم الإلحادية، وإن خطر هؤلاء المنافقين كان أشد على الإسلام والمسلمين من الكفار والمشركين.
والتاريخ يشهد أن لولا نهضة الإمام الحسين سبط رسول الله (ص) وجهاد أصحابه الكرام مستميتين، لتمكن يزيد بن معاوية أن يحقق هدف سلفه المنافقين الفجرة، وهو تشويه الإسلام وتغييره على الكفر والجاهلية الأولى.
فالحسين السبط وأنصاره وأصحابه الكرام عليهم السلام وإن سالت دماؤهم واستشهدوا، إلا أنهم فضحوا يزيد وحزبه وسلفه الفاسقين، وكشفوا عنهم الستار وعرفوهم للمسلمين.

دفاع الشيخ عبد السلام عن معاوية ويزيد
الشيخ: إني أتعجب منك إذ تصرح بكفر يزيد وهو خليفة المسلمين المنصوب من قبل معاوية، وهو خال المؤمنين وخليفتهم، وقد جعله عمر الفاروق والخليفة المظلوم عثمان واليا على بلاد الشام في طيلة أيام خلافتهما.
ولما رأى المسلمون أهليته وكفاءته للحكم بايعوه للخلافة، وهو جعل ابنه يزيد ولي العهد ليكون خليفته من بعده، ورضي به المسلمون فبايعوه بالخلافة!
فأنت حينما تعلن كفر يزيد وسلفه، فقد أهنت جميع المسلمين الذين بايعوه بالخلافة، وأهنت خال المؤمنين، بل أهنت الخليفتين الراشدين اللذين عينا معاوية واليا وممثلا عنهما في بلاد الشام!!
ولا نجد في التاريخ عملا ارتكبه يزيد فيكون سبب كفره وارتداده، فهو كان مؤمنا مصليا وعاملا بالإسلام، إلا أن عامله على العراق، قتل سبط النبي وريحانته وسبي حريمه وعياله وأرسلهم إلى يزيد في الشام!! فلما وصلوا إلى مجلس يزيد حزن واعتذر من أهل البيت واستغفر الله من أعمال الظالمين.
وإن الإمام الغزالي والدميري أثبتا براءة الخليفة يزيد من دم الحسين بن علي وأصحابه، فما تقولون؟!
ولو فرضنا أن وقائع عاشوراء الأليمة وفجائع كربلاء كانت بأمر من يزيد بن معاوية، فإنه تاب بعد ذلك واستغفر الله سبحانه، والله غفور رحيم!!

ردنا على كلام الشيخ
قلت: ما كنت أظن أن التعصب يبلغ بك إلى حد الدفاع عن يزيد العنيد!
وأما قولك: إن الخليفتين نصبا معاوية واليا وهو عين ولده يزيد خليفة على المسلمين فتجب طاعته عليهم! فهو كلام مردود عند العقلاء ولا سيما في هذا العصر عصر الديمقراطية.
ثم إن هذا الكلام لا يبرر موقف معاوية وعمل يزيد، بل هو يؤيد كلامنا ويدل على صحة معتقدنا بأنه يلزم أن يكون الخليفة معصوما ومنصوبا من عند الله سبحانه، حتى لا تبتلى الأمة برجل كيزيد ونظرائه.
وأما قولك: إن الإمام الغزالي أو الدميري وأمثالهما دافعوا عن يزيد وبرأوا ساحته عن فضائح الأعمال الشنيعة والجرائم القبيحة، لا سيما قتل سبط رسول الله (ص) وسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين عليه السلام!
فأقول: أولئك أيضا أعمتهم العصبية مثلكم، وقد قيل: إن حب الشيء يعمي ويصم، وإلا فأي إنسان منصف، وأي عاقل عادل يبرئ ذمة يزيد العنيد من دم السبط الشهيد وأصحابه الأماجد؟!
وأي عالم متدين ملتزم بالحق تسوغ نفسه ويسمح له دينه وعلمه أن يدافع عن مثل يزيد العنيد؟!
وأما قولك: إن قتل الحسين ريحانة رسول الله (ص) ما كان بأمره، وأنه اعتذر من أهل البيت وتاب واستغفر عن فعل عامله، فلو كان كذلك فلماذا لم يحاكم ابن زياد ولم يعاقب قتلة الحسين عليه السلام؟!
ولماذا لم يعزل أولئك المجرمين عن مناصبهم وهم شرطته وجلاوزته وأعوان حكومته؟!
ثم من أين تقولون إنه تاب واستغفر؟! وكيف تجزمون وتحتمون بأن الله سبحانه وتعالى قبل توبته وغفر له؟!
صحيح، إن الله عز وجل غفور رحيم، ولكن للتوبة شروط:
أولها: رد حقوق الناس، فهل رد يزيد حقوق أهل البيت والعترة الطاهرة.
ثم إن فضائح يزيد وقبائحه لم تنحصر في قتل السبط الشهيد وسبي نسائه ونهب أمواله وحرق خيامه.. إلى آخره، بل إنكاره ضروريات الدين، ومخالفته القرآن الكريم، وتظاهره بالفسق والمعاصي، كل واحد منها دليل على كفره وإلحاده.
النواب: أرجوك أن تبين لنا دلائلكم على كفر يزيد حتى نعرف الحقيقة ونتبع الحق.

دلائل كفر يزيد العنيد
قلت: من الدلائل الواضحة على كفر يزيد بن معاوية مخالفته لحكم الله سبحانه في حرمة شرب الخمر، فإنه كان يشرب ويتفاخر بذلك في أشعاره فقد قال وثبت في ديوانه المطبوع:
شميسة كرم برجها قعر دنّهــافمشرقها الساقي ومغربهـا فمـيفإن حرمت يوما على دين أحمدفخذها على دين المسيح بن مريموقال أيضا كما في ديوانه:
أقول لصحب صمّت الكاس شملهموداعي صبابات الهوى يترنّمخــذوا بنصـيـب مـن نعيم ولذةفكل وإن طال الـمدى يتصرمفهو في هذين البيتين يدعو إلى لذة الدنيا ونعيمها وينكر الآخرة ، ومن شعره في إنكار الآخرة والمعاد، ما نقله أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه: ( الرد على المتعصب العنيد، المانع عن لعن يزيد لعنه الله) وهو:
عليـة هـاتي ناولي وترنميحديثك إني لا أحب التناجيافإن الذي حدثت عن يوم بعثناأحاديث زور تترك القلب ساهياومن كفريّاته:
يا معشر الندمان قومواواسمعوا صوت الأغانيواشربوا كـأس مـدامواتركوا ذكر الـمـعانيشغلتني نغمة العيـدانعــن صـوت الأذانوتعوضت عن الحـورعـجوزا في الـدنـانومن الدلائل الواضحة على كفر يزيد وارتداده، أشعاره الإلحادية وكفرياته التي أنشدها بعد مقتل السبط الشهيد سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي عليه السلام.
فقد ذكر سبط ابن الجوزي في كتابه ـ التذكرة: ص148 ـ قال: لما جاءوا بأهل البيت إلى الشام سبايا، كان يزيد جالسا في قصره، مشرفا على محلة جيرون ، فأنشد قائلا:
لما بدت تلك الرؤوس وأشرقـتتلك الشموس على ربى جيروننعب الغراب قلت: نح أو لا تنحفلقد قضيت مـن النـبي ديونـيومن الدلائل على كفر يزيد العنيد لعنه الله:
فقد ذكر المؤرخون كلهم أن يزيد احتفل بقتل الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام ودعا إلى ذلك المجلس كبار اليهود والنصارى، وجعل رأس السبط الشهيد سيد شباب أهل الجنة أمامه، وانشد أشعار ابن الزبعرى:
ليت أشياخي ببدر شهدواجزع الخزرج من وقع الأسللأهلوا واستهلوا فرحاثم قالوا يا يزيد لا تشلقد قتلنا القرم من ساداتهموعدلناه ببدر فاعتدللعبت هــاشم بالملك فلاخبر جاء ولا وحي نزللست من خندف إن لم أنتقممن بني أحمد ما كان فعلقد أخذنا من علي ثارناوقتلنا الفارس الليث البطلوالظاهر أن البيت الثاني والأخير ليزيد نفسه.
وقد كتب بعض علمائكم مثل: أبي الفرج ابن الجوزي، والشيخ عبد الله بن محمد بن عامر الشبراوي في كتاب الاتحاف بحب الأشراف: ص 18، والخطيب الخوارزمي في الجزء الثاني من كتابه " مقتل الحسين ".
صرحوا: إن يزيد لعنه الله كان يضرب ثنايا أبي عبدالله الحسين بمقصرته ويترنم بهذه الأبيات التي نقلناها.

جواز لعن يزيد
إن أكثر علمائكم قالوا بكفر يزيد، منهم: الإمام أحمد بن حنبل ، وكثير من علمائكم جوزوا لعنه، منهم: ابن الجوزي الذي صنف كتابا في الموضوع وسماه: " الرد المتعصب العنيد المانع عن لعن يزيد لعنه الله " ولنعم ما قال أبو العلاء المعري:
أرى الأيام تفعل كل نكـرفما أنا في العجائب مستزيدأليس قريشكم قتلت حسيناوكان على خلافتكم يزيـد!!وهناك عدد من علمائكم الذين أعمتهم العصبية الأموية، وضربت على عقولهم حجب الجاهلية، أمثال: الغزالي، فأخذوا جانب يزيد وذكروا أعذارا مضحكة لأعماله الإجرامية!!
ولكن أكثر علمائكم كتبوا عن جنايات يزيد وعدوه كفرا، وساعيا في محو الإسلام وإطفاء نور الله عز وجل، وذكروا له أعمالا منافية للتعاليم الإسلامية والأحكام الإلهية.
فقد نقل الدميري في كتابه " حياة الحيوان " والمسعودي في " مروج الذهب " وغيرهما، ذكروا: إن يزيد كان يملك قرودا كثيرة وكان يحبها فيلبسها الحرير والذهب ويركبه الخيل، وكذلك كانت له كلاب كثيرة يقلدها بقلائد من ذهب، وكان يغسلها بيده ويسقيها الماء بأواني من ذهب ثم يشرب سؤرها، وكان مدمنا على الخمر!!
وقال المسعودي في مروج الذهب ج2: إن سيرة يزيد كانت مثل سيرة فرعون، بل كان فرعون أقل ظلما من يزيد في الرعية، وإن حكومة يزيد صارت عارا كبيرا على الإسلام، لأنه ارتكب أعمالا شنيعة كشرب الخمر في العلن، وقتل السبط رسول الله (ص) وسيد شباب أهل الجنة، ولعن وصي خاتم النبيين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقذف الكعبة بالحجارة وهدمها وحرقها، وإباحته مدينة رسول الله (ص) في وقعة الحَرَّة، وارتكب من الجنيات والمنكرات والفسق والفجور ما لا يعد ويحصى وكل ذلك ينبئ عن أنه غير مغفور له.
النواب: ما هي وقعة الحَرَّة، وما معنى إباحة المدينة المنورة بأمر يزيد؟؟!
قلت: ذكر المؤرخون كلهم من غير استثناء، منهم: سبط ابن الجوزي في التذكرة: 63، قال: إن جماعة من أهل المدينة في سنة 62 هجرية دخلوا الشام وشاهدوا جرائم يزيد وأعماله القبيحة وعرفوا كفره وإلحاده، فرجعوا إلى المدينة المنورة وأخبروها أهلها بكل ما رأوا، وشهدوا على كفر يزيد وارتداده، فتكلم عبد الله بن حنظلة ـ غسيل الملائكة ـ وكان معهم فقال:
أيها الناس! قد قدمنا من الشام من عند يزيد، وهو رجل لا دين له، ينكح الأمهات والبنات والأخوات!! ويشرب الخمر، ويدع الصلاة، ويقتل أولاد النبيين!!
فنقض الناس بيعتهم ولعنوا يزيد وأخرجوا عامله من المدينة وهو: عثمان بن محمد بن أبي سفيان.
فلما وصل الخبر إلى يزيد في الشام بعث مسلم بن عقبة على رأس جيش كبير إلى الشام، وأمرهم أن يدخلوا المدينة المنورة ويقتلوا فيها من شاؤا ويفعلوا كل ما أرادوا ثلاثة أيام.
ذكر ابن الجوزي والمسعودي وغيرهما: إنهم لما هجموا على مدينة الرسول (ص) قتلوا كل من وجدوه فيها حتى سالت الدماء في الأزقة والطرق، وخاض الناس في الدماء حتى وصلت الدماء قبر النبي الأكرم (ص)، وامتلأت الروضة المقدسة والمسجد بالدم، وسميت تلك الوقعة بالحَرَّة، وكان ضحيتها عشرة آلاف من عامة المسلمين وسبعمائة قتيل من وجوه أهل المدينة وأشراف المهاجرين والأنصار!!
وأما الأعراض التي هتكت والنواميس التي سلبت، فإني أخجل أن أذكرها، فقد ارتكبوا فضائح وقبائح يندي منها جبين الإنسانية، ولكي تعرفوا شيئا قليلا، من تلك الفجائع والشنائع، أنقل لكم جملة واحدة من تذكرة سبط ابن الجوزي: ص 163، فإنه روى عن أبي الحسن المدائني أنه قال: ولدت ألف امرأة بعد وقعت الحَرَّة من غير زوج!!
نعم، هذه نبذة من جرائم يزيد العنيد، وعلى هذه فقس ما سواها.
الشيخ عبد السلام: كل ما ذكرته من أعمال يزيد إنما يدل على فسقه ولا يدل على كفره، والفسق عمل خلاف، يغفره الله سبحانه ويعفو عن عامله إذا تاب واستغفر، وإن يزيد تاب عن هذه الأعمال حتما، واستغفر به قطعا، والله تعالى غفار تواب، وقد غفر له كما يغفر لكل فاسق وعاص إذا تاب واستغفر، فلماذا أنتم تلعنون يزيد؟!
قلت: إن بعض المحامين من أجل المال يدافعون عن موكليهم إلى آخر فرصة حتى عندما يظهر بطلان كلامهم وإجرام موكلهم! ولا أدري ما الذي تناله يا شيخ بهذا الدفاع المرير عن يزيد اللعين الشرير؟! فتكرر كلامك الواهي من غير دليل وتقول : إن يزيد تاب واستغفر، وإن الله سبحانه غفر له!
هل جئت من عند الباري عز وجل فتخبر بأنه غفر ليزيد المجرم العنيد؟!
من أين تقول إنه تاب؟! ليس لك دليل إلا ظنك، و(إن الظن لا يغني من الحق شيئا)(55).
وإن جرائم يزيد المفجعة وأعماله الشنيعة مسطورة في التاريخ ولا يجحدها إلا المعاند المتعصب.
هل في نظركم أن إنكار المبدأ والمعاد والوحي والرسالة لا يوجب الكفر؟!
وهل في نظركم انه لا يجوز لعن الظالمين والكافرين؟!
أم هل في نظركم أن يزيد ما كان كافرا ولا ظالما؟!
ولكي تعرف ويعرف الحاضرون حقيقة الأمر، أسمعكم خبرين من صحاحكم:
1ـ ذكر البخاري ومسلم في الصحيح، والعلامة السمهودي في وفاء الوفا وابن الجوزي في " الرد المتعصب العنيد " وسبط ابن الجوزي في " تذكرة الخواص " والإمام أحمد بن حنبل في مسنده وغيرهم، رووا عن النبي (ص) أنه قال: من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا.
2ـ وقال (ص) لعن الله من أخاف مدينتي، أي: أهل مدينتي فهل فاجعة الحرة، وسفك تلك الدماء، وقتل المسلمين الأبرياء والتعدي على أعراضهم، وهتك حرماتهم، واغتصاب بناتهم ونسائهم، ونهب أموالهم، ما أخافت أهل المدينة؟!
فعلى هذا فإن أكثر علمائكم يلعنون يزيد، وقد كتبوا رسائل وكتبا في جواز لعنه، منهم: العلامة عبدالله بن محمد بن عامر الشبراوي، فقد ذكر في كتابه الإتحاف بحب الاشراف ص20، قال: لما ذكر يزيد عند الملا سعد الدين التفتازاني قال: لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه.
وذكروا أن العلامة السمهودي قال في كتابه (جواهر العقدين): انه اتفق على جواز لعن من قتل الحسين (رضي الله عنه) أو أمر بقتله، أو أجازه، أو رضي به من غير تعيين.
وأثبت ابن الجوزي، وكذلك أبو يعلى والصالح بن أحمد بن حنبل، كلهم أثبتوا لعن يزيد بدليل آيات من القرآن الكريم وأحاديث نبوية شريفة.
ولا يسمح لي الوقت لأن أذكر أكثر مما ذكرت، وفيه كفاية لمن أراد الهداية والابتعاد عن الغواية.
فالإمام الحسين بن علي عليه السلام حقه كثير وفضله كبير على الإسلام والإنسانية، فقد جاهد وكافح مثل هذا الظالم الفاجر، وفضحه في العالم، وأنقذ الدين من براثن كفر يزيد وحزبه الظالمين الفاسقين المنافقين.
وإني أتأسف لما يصدر منكم، فبدلا من أن تقدروا هذا الجهاد العظيم للحسين السبط، وتقدروا تضحياته القيمة وتفانيه في سبيل الله سبحانه، فتؤبنوه في كل عام وتحيوا يوم عاشوراء بتشكيل المجالس والمحافل، وتقرءوا على المسلمين تاريخه المبارك، وتلقوا على الناس خطبه وكلماته التي يبين فيها أسباب نهضته المقدسة وأهدافه السامية، ويفضح فيها يزيد وبني أمية وحزبهم.
وبدل أن تذهبوا لزيارة مرقده الشريف وتقفوا أمامه وقفة إجلال وإكرام واحترام، فتستلهموا منه الإيمان واليقين، وتتعلموا منه التضحية والتفاني في سبيل الدين.
بدل كل ذلك، تعارضون الملايين من شيعته ومحبيه الذين يؤدون له الاحترام ويقدرون نهضته المباركة وجهاده العظيم، وينظرون إليه نظرة إكبار وإجلال، ويبكون ويحزنون لما أصابه من أعدائه الظالمين، ويزورون مرقده المقدس بلهفة وخشوع.
وإنكم ترمونهم بالكفر والشرك، وتعبرون عن زيارة تلك المراقد المشرفة بعبادة الأموات!!

رمز قبر الجندي المجهول
جرت العادة في أكثر بلاد العالم وخاصة البلاد المتقدمة الأوربية والدول الحضارية، أنهم يشيدون مبنى على شكل قبر رمزي باسم: الجندي المجهول، ويصرفون أموالا باهظة في إنشائه، ويعينون مديرا مسؤولا وبإمرته موظفين لإدارته والمحافظة عليه.
فيأخذون ضيوف الدولة وهم شخصيات البلدان الأخرى كرؤساء الجمهوريات ورؤساء الدول والوزراء والممثلين عنهم، إلى ذلك القبر الوهمي، فيقفون وقفة خشوع واحترام، ويؤدون المراسيم التي تنبئ عن تجليل وتعظيم ذلك المكان الذي ليس هو إلا قبر رمزي قام ببنائه وشيدت أركانه لإحياء اسم الجندي الذي دافع عن وطنه وضحى نفسه في سبيل حرية شعبه وبلاده.
ولم يكن في العالم، ولا يوجد هناك عاقل يعارض هذا العمل وينهى عنه. بل كاد أن يكون من المراسيم الواجبة عند الحكومات والدول المتقدمة.
ولكن نجدكم تعارضون الشيعة وتنكرون عملهم حينما يقفون أمام قبور شهداء الإسلام وخاصة شهداء العترة الهادية وهم جنود لله سبحانه، المعلومون المعروفون في السماوات والأرضين.
وتنتقدون الشيعة لوقوفهم أمام تلك القبور التي لم تكن وهمية وخالية أو خيالية، بل هي مراقد أطهار ومراكز أنوار، تتضمن أشخاص كان لهم الأثر العظيم في بناء حضارة البشر وإنسانية الإنسان، تتضمن أجسادا تشع منها أنوار العلم والفضيلة، وأنوار الإيمان والإحسان، وتذكر زائريها بالمثل العليا وتلهمها الصبر والجهاد وصفات الأمجاد، وكل خصال الخير والأخلاق الحميدة.
فالشيعي يقف أمام تلك القبور المقدسة والمراقد الطاهرة ويخاطب أصحابها الذين تحسبونهم أمواتا، والله يقول: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون)(56).
لذلك يخاطبهم الشيعي فيقول:
" أنا سلم لمن سالمكم، وحرب لمن حاربكم، وولي لمن والاكم، وعدو لمن عاداكم " وهو يعلن بهذه العبارات الرائعة أنه سائر على خط الجهاد في سبيل الله تعالى ونيل الشهادة من أجل الدين والعقيدة.. وأنتم تنتقدون الشيعة وتنكرون عليهم زيارة تلك القبور المقدسة!!
وطائفة أخرى ـ وهم الوهابيون ـ يهدمون تلك المراقد المباركة، ويخربون تلك القباب الطاهرة، ويهتكون حرمتها، ويقتلون زوارها، كما حدث في سنة 1216 هجرية في الثامن عشر من شهر ذي الحجة في يوم الغدير، وكان أهالي كربلاء أكثرهم قد ذهبوا إلى زيارة مرقد الإمام علي بن أبي طالب (ع) في النجف الأشرف، وبقيت النساء والأطفال والعجزة والمرضى في المدينة، فاغتنم الوهابيون هذه الفرصة وهجموا من الحجاز على كربلاء المقدسة، وهدموا قبر أبي عبد الله الحسين (ع) وقبور الشهداء من صحبه الكرام، ونهبوا خزانة الحرم الشريف التي كانت تحتوي على ثروة عظيمة لا تثمن من هدايا الملوك وغيرهم.
وقد أبدوا وحشية وضراوة لا نظير لها، فما رحموا حتى النساء والأطفال والشيوخ والمرضى، فقتلوا خلقا كثيرا حتى بلغ عددهم أكثر من خمسة آلاف، وأسروا جمعا آخر وساقوهم معهم فباعوهم في الأسواق!!
وهكذا صنعوا ما صنعوا وارتكبوا ما ارتكبوا باسم الدين المبين وشريعة سيد المرسلين وهو منهم برئ، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

هدم قبور أهل البيت (ع) في البقيع
إن الأمم المتمدنة في العالم تبني قبور شخصياتها من العلماء والقادة والملوك والزعماء وتحافظ عليها وتحترمها، وحتى القبور الوهمية والمراقد الرمزية باسم قبر الجندي المجهول.
ولكن مع الأسف الشديد، إن فرقة من الذين يدعون أنهم مسلمون، ويزعمون أن مخالفيهم في عقائدهم الشاذة التي ما أنزل الله بها من سلطان، مشركون، وهي الفرقة الوهابية، هجموا بكل وحشية، بالأسلحة الفتاكة، الجارحة والنارية، على مراقد أئمة أهل البيت النبوي (ع) ومنتسبيهم في البقيع بالمدينة المنورة وهدموا قبابهم المقدسة، وساووا قبورهم ومراقدهم الطاهرة بالأرض، وسحقوها سحقا، وذلك في اليوم الثامن من شوال سنة 1324 هجرية.
فكأنهم أسفوا على عدم وجودهم مع أسلافهم الذين رشقوا جنازة الحسن المجتبى السبط الأكبر للنبي المصطفى بالسهام والنبال،أو مع أسلافهم الذين سحقوا جسد الحسين الشهيد سبط الرسول وقرة عين الزهراء البتول وأجساد أهله وأنصاره المستشهدين معه بخيولهم.
ولكن إذا لم يدركوا ذلك الزمان ولم ينالوا من أجساد آل النبي الكرام، فقد نالوا من قبورهم وسحقوا مراقدهم المقدسة!
فتلك قبور أبناء رسول الله وعترته الطاهرة في البقيع، وقبور شهداء أحد وسيدهم حمزة سيد الشهداء (ع) في أحد، وقبور غيرهم من الصحابة الكرام، مهدومة مهجورة، ليس هناك سقف يستظل به الزائرون، ولا مصباح وسراج يستضيء بنوره الوافدون، بمرأى من المسلمين، وهم أحق من غيرهم بحفظ تلك المعالم الفاخرة والمراقد الطاهرة، فقد قال النبي (ص): حرمة المسلم ميتا كحرمته حيا. وكم عندنا وعندكم من الأخبار الصحيحة المروية في فضل زيارة قبور المؤمنين، وأن رسول الله (ص) يذهب إلى البقيع ويستغفر للأموات ولنعم ما قيل:
لمن القبور الدارسات بطيبةعفت لها أهل الشقا آثاراقل للذي أفتى بهدم قبورهمأن سوف تصلى في القيامة ناراأعلمت أي مراقد هدمتها؟!هي للملائك لا تزال مزارافلم هذه المعاملة السيئة مع آل النبي (ص) ومع أئمة أهل البيت (ع)؟! وهم الذين جعلهم الله عز وجل في المرتبة العليا والدرجة العظمى، وجعلهم سادة المسلمين وقادة المؤمنين.
الحافظ: إنكم تغالون في حق أئمتكم، ما الفرق بينهم وبين سائر أئمة المسلمين؟! إلا أنهم يمتازون بانتسابهم إلى النبي الأكرم (ص)، وليس لهم أي فضل آخر على غيرهم!
قلت: هذا مقال من يجهل قدرهم ولا يعرف شأنهم ومقامهم! ولو تركتم التعصب والعناد، ودرستم حياتهم وسيرتهم دراسة تحقيق وإمعان، لعرفتم كيف هم أفضل من أئمتكم، ولأقررتم أن أئمتنا هم وحدهم يمثلون جدهم رسول الله (ص) في علمه وحلمه وصفاته وأخلاقه وسيرته وسلوكه.
وبما أن الوقت لا يتسع لخوض هذا البحث أختم حديثي وأدع هذا المبحث الهام إلى مجلس آخر إنشاء الله تعالى.
فوافق الحاضرون كلهم وتركوا المجلس مودعين، فخرجت إلى الباب لتوديعهم أيضا.
  #10  
قديم 04-27-08, 11:47 PM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي المجلس الرابع

المجلس الرابع
ليلة الاثنين26/ رجب / 1345 هجرية


في أول المغرب دخل ثلاثة من أهل السنة من غير العلماء، وكانوا من الحاضرين في المجالس السابقة، وقالوا: جئنا قبل الآخرين لنقول لسماحتكم: إن حديث الناس في كل مكان، في الدوائر الحكومية والمتاجر، وحتى في الحوانيت، يدور حول مناظرتكم وحواركم مع علمائنا، وإن الصحف التي تنشر هذا الحوار مهما كثرت نسخها فهي مع ذلك تنفذ في أول ساعة من نشرها.
ويشاهد في كل نقطة وزاوية من البلد شخص بيده صحيفة يقرأ حديثكم بصوت عال وحوله جمع غفير من الناس يستمعون إليه وهم يتابعون حواركم وحديثكم بكل لهفة واشتياق.
اعلم يا سيد! إن مجتمعنا متعطش لفهم هذه الحقائق التي طالما أخفاها علماؤنا! فنرجوك يا مولانا أن تكشف أستار الظلام وتزيل الأوهام أكثر فأكثر ، لتنور أفكار الناس لا سيما العوام، فيعرفوا حقائق الإسلام.
ونرجوك أن تبسط لنا المواضيع المطروحة وتبينها من غير تكلف، ببيان وكلام سهل نفهمه نحن العوام والسوقة.
فإن الناس إذا عرفوا عقائدكم وفهموا مذهبكم سيتقبلوه ويعتنقوه، وسيتمسكون بعقائدكم لأنها مبينة على أساس القرآن والأحاديث الصحيحة المروية في كتبنا وهي أقرب إلى الفطرة والعقل.
والله يا سيد إن كلامك بعث الوعي في مجتمعنا، فكأنهم كانوا نياما فانتبهوا وكانوا عميا فأبصروا.
نحن وأهل بلدنا كنا نسمع منذ الطفولة من علمائنا ومشايخنا بأن الشيعة مشركون وكفار وأنهم من أهل النار!
ولكن بفضل حديثكم في الليالي الماضية عرفنا أن شيعة أهل البيت هم المسلمون حقا، فهم أتباع النبي وأهل بيته، وعرفنا أن ما كان يقوله مشايخنا و علماؤنا عن الشيعة كله كذب وافتراء، فالشيعة إخواننا في الدين.
قلت: إني أشكركم على حسن فهمكم واتباعكم للحق بعدما عرفتموه، وأشكركم على هذا الكلام النابع من قلوبكم الصافية ونفوسكم الزاكية.
ثم استأذنت منهم لأصلي العشاء، وبينما أنا في الصلاة إذ دخل سائر الأخوة من العلماء وغيرهم، فأنهيت الصلاة والدعاء، وأقبلت نحوهم وسلمت عليهم ورحبت بهم.
فقال النوّاب: لقد قرّرت في الليلة الماضية أن تحدّثنا عن مقام أئمّتكم واعتقادكم في حقّهم، لاَنّا نحبّ أن نعرف ما هو الاختلاف بيننا وبينكم حول الأئمة عليهم السلام.
قلت: لا مانع لدي من ذلك إذا سمح العلماء الاَعلام والحاضرون الكرام.
الحافظ ـ وهو منخطف اللون ـ: لا مانع لدينا أيضاً.

معنى الإمام في اللغة
قلت: إنّ العلماء في المجلس يعرفون إنّ لكلمة الإمام معانٍ عديدة في اللغة، منها: المقتدى.
فإمام الجماعة هو الذي تقتدي به جماعة المصلّين وتتابعه في أفعال الصلاة كالقيام والقعود والركوع والسجود.
وأئمّة المذاهب الأربعة هم فقهاء بيّنوا لاَتباعهم أحكام الإسلام ومسائل الدين، وهم اجتهدوا فيها واستنبطوها من القرآن والسنّة الشريفة بالقياس والاستحسانات العقلية، فلذلك لمّا نطالع كتبهم نرى في آرائهم وأقوالهم، في الأصول والفروع، اختلافاً كثيراً.
ويوجد مثل الأئمة الأربعة في كلّ دين ومذهب، وحتى في مذهب الشيعة، وهم العلماء الفقهاء الذين يرجع إليهم الناس في أمور دينهم، ويعملون بأقوالهم ويقلّدونهم في الأحكام الشرعية والمسائل الدينية، ومقام هؤلاء المراجع عندنا كمقام الأئمة الأربعة عندكم، وهم في هذا العصر الذي غاب فيها عن الأنظار الإمام المعصوم المنصوص عليه من النبي صلى الله عليه وآله. يستنبطون الأحكام الشرعية ويستخرجون المسائل الدينية على أساس القرآن والسنّة والإجماع والعقل، فيفتون بها، وللعوّام أن يتّبعوهم ويقلّدونهم، وفي اصطلاح مذهبنا نسمّيهم: مراجع الدين، والواحد منهم: المرجع الديني.

سدّ باب الاِجتهاد عند العامّة
كان الأئمة الأربعة حسب زعمكم فقهاء أصحاب رأي وفتوى في المسائل الدينية ومستندهم: الكتاب والسنّة والقياس. فهنا سؤال يطرح نفسه وهو:
إنّ الفقهاء وأصحاب الرأي والفتوى عددهم أكثر من أربعة، وأكثر من أربعين، وأكثر من أربعمائة، وأكثر... وكانوا قبل الأئمة الأربعة وبعدهم، وكثير منهم كانوا معاصرين للاَئمّة الأربعة، فلماذا انحصرت المذاهب في أربعة؟!
ولماذا اعترفتم بأربعة من الفقهاء وفضّلتموهم على غيرهم وجعلتموهم أئمّة؟! من أين جاء هذا الحصر؟! ولماذا هذا الجمود؟!
نحن وأنتم نعتقد أنّ الإسلام قد نسخ الأديان التي جاءت قبله، ولا يأتي دين بعده، فهو دين الناس إلى يوم القيامة، قال تعالى: (وَمن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه ...)(1).
فكيف يمكن لهذا الدين الحنيف أن يساير الزمن والعلم في الاختراعات والاكتشافات والصناعات المتطوِّرة، ولكلّ منها مسائل مستحدثة تتطلّب إجابات علمية؟!
فإذا أغفلنا باب الاجتهاد ولم نسمح للفقهاء أن يبدوا رأيهم ويظهروا نظرهم ـ كما فعلتم أنتم بعد الأئمة الأربعة ـ فمن يجيب على المسائل المستحدثة؟!
وكم ظهر بينكم بعد الأئمة الأربعة فقهاء أفقه منهم، ولكنّكم ما أخذتم بأقوالهم وما عملتم بآرائهم! فلماذا ترجّحون أولئك الأربعة على غيرهم من الفقهاء والعلماء، لا سيّما على الأَفقه والأعلم منهم؟! أليس هذا ترجيح بلا مرجّح، وهو قبيح عند العقلاء؟!

انفتاح باب الاِجتهاد عند الشيعة
ولكن في مذهبنا نعتقد: أنّ في مثل هذا الزمان وبما أنّ الإمام المعصوم غائب عن الأبصار، فباب الاِجتهاد مفتوح غير مغلق، والرأي غير محتكر، بل كلّ صاحب رأي حرّ في إظهار رأيه، شريطة أن يكون مستنداً إلى الكتاب أو السنّة أو الإجماع أو العقل، وعلى العوام أن يرجعوا إليهم في أخذ الأحكام ومسائل الإسلام.
والإمام الثاني عشر، وهو المهدي المنتظر، آخر أئمّتنا المعصومين عليهم السلام، أمر بذلك قبل أن يغيب عن الأبصار... فقال: من كان من الفقهاء حافظاً لدينه، صائناً لنفسه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه ـ أي ربّه ـ فللعوامّ أن يقلّدوه.
لذلك يجب عند الشيعة، على كلّ من بلغ سنّ الرشد والبلوغ الشرعي ، ولم يكن مجتهداً فقيهاً، يجب عليه أن يقلّد أحد الفقهاء الأحياء الحاوين لتلك الشرائط التي اشترطها الإمام المعصوم عليه السلام، ولا يجوز عندنا تقليد الفقيه الميّت ابتداءً، والعجيب أنّكم تتّهمون الشيعة بأنّهم يعبدون الأموات لزيارتهم القبور!!
ليت شعري هل زيارة القبور عبادة الأموات، أم عبادة الأموات هي اعتقادكم بأنّ كلّ من لم يتّبع الأئمة الأربعة في الأحكام، ولم يلتزم برأي الأشعري أو المعتزلي في أصول الدين، فهو غير مسلم، يجوز قتله ونهب ماله وسبي حريمه حتى إذا كان يتبع أهل بيت النبي (ص) وعترته الهادية (ع)؟!!
مع العلم أنّ أئمّة المذاهب الأربعة، وأبا الحسن الاَشعري والمعتزلي، ما كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يدركوا صحبته، فبأيّ دليل تحصرون الإسلام في رأي هؤلاء الستّة؟ أليس هذا العمل منكم بدعة في الدين؟!
الحافظ: لقد ثبت عندنا أنّ الأئمة الأربعة حازوا درجة الاِجتهاد، وتوصّلوا إلى الفقه وإبداء الرأي في الأحكام، وهم كانوا على زهد وعدالة وتقوى، فلزم علينا وعلى جميع المسلمين متابعتهم والأخذ بقولهم؟
قلت: إن الأمور التي ذكرتها لا تصير سبباً لانحصار الدين في أقوالهم وآرائهم وإلزام المسلمين بالأخذ منهم فقط إلى يوم القيامة، لاَنّ هذه الصفات متوفّرة في علماء وفقهاء آخرين منكم أيضاً.
ولو قلتم بانحصار هذه الصفات في الأئمة الأربعة فقد أسأتم الظنّ في سائر علمائكم الأعلام، بل أهنتموهم وهتكتم حرمتهم ولا سيّما أصحاب الصحاح منهم!!
ثمّ إنّ إلزام المسلمين وإجبارهم على أيّ شيء يجب أن يكون مستنداً إلى نصّ من القرآن الحكيم أو حديث النبي الكريم صلى الله عليه وآله، وأنتم تجبرون المسلمين وتلزمونهم على أخذ أحكام دينهم من أحد الأئمة الأربعة من غير استناد إلى الله ورسوله، فعملكم هذا لا يكون إلاّ تحكّماً وزورا.

السياسة تحصر المذاهب في أربعة
لقد سبق زعمكم أنّ التشيّع مذهب سياسي، ولا أساس له في الدين، ونحن أثبتنا وهن هذا الكلام وبطلانه، بنقل الكثير من الأحاديث النبويّة الشريفة التي يذكر النبي صلى الله عليه وآله فيها شيعة عليّ عليه السلام بالفوز والفلاح ويعدهم الجنّة.
وأثبتنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله هو مؤسّس مذهب الشيعة ، وهو واضع أساسه، وهو الذي سمّى موالي الإمام عليّ عليه السلام وأتباعه بالشيعة، حتى صار هذا الاسم علماً لهم في حياته صلى الله عليه وآله، واستندنا في كلّ ذلك على الروايات المعتبرة المرويّة في كتبكم، المقبولة لديكم، والتي تعتمدون عليها كلّكم.
والآن أقول لكم بصراحة: إن مذاهبكم الأربعة هي مذاهب سياسية ليس لها أساس في الدين، وهذا ثابت لأهل التقوى واليقين.
فإن كنتم لا تعلمون أساس التزامكم بالمذاهب الأربعة وانحصار الإسلام الحنيف فيها كما تزعمون فراجعوا التاريخ وطالعوه بدقّة وتحقيق حتى تعرفوا إنّما وجدت المذاهب الأربعة بدواعٍ سياسية، وكان الهدف منها ابتعاد المسلمين عن أهل البيت عليهم السلام وغلق مدرستهم العلمية!
هذا ما كان يبتغيه السلطان الظالم الغاصب الذي تسمّوه: " الخليفة " لاَنّ الخلفاء كانوا يرون أهل البيت عليهم السلام منافسين لهم في الحكم والسلطة، فهم يحكمون الناس بالقوّة والقهر والسوط والسيف، ولكنّ الناس يميلون إلى أهل البيت عليهم السلام بالرغبة والمحبّة قربة إلى الله تعالى فيطيعونهم ويأخذون بأقوالهم ويتّبعونهم في مسائل الحلال والحرام، وكلّ أحكام الإسلام.
فأهل البيت عليهم السلام هم أصحاب السلطة الشرعية والحكومة الروحية المهيمنة على النفوس والقلوب عند الناس، فلأجل القضاء على هذه الحالة ـ التي جعلت الخلفاء في حذر وخوف دائم، وسلبت منهم النوم والراحة ـ بادروا إلى تأسيس المذاهب الأربعة، واعترفت السلطات الحكومية والجهات السياسية بها دون غيرها، وأعطتها الطابع الرسمي، وحاربت سواها بكلّ قوّة وقسوة.
وأصدرت قرارات رسمية تأمر الناس بالأخذ بقول أحد الأئمة الأربعة ، وأمرت القضاة أن يحكموا على رأي أحدهم ويتركوا أقوال الفقهاء الآخرين، هكذا انحصر الإسلام بالمذاهب الأربعة، وإلى هذا اليوم أنتم أيضاً تسيرون على تلك القرارات الظالمة التي ما أنزل الله بها من سلطان؟!
والعجيب أنّكم ترفضون كلّ مسلم مؤمن يعمل بالأحكام الدينية على غير رأي الأئمة الأربعة، حتى إذا كان يعمل برأي الإمام عليّ بن أبي طالب والعترة الهادية عليهم السلام كمذهب الشيعة الأمامية.
فإنّ الشيعة سائرون على منهج أهل البيت والخطّ الذي رسمه النبي صلى الله عليه وآله، فيأخذون دينهم من الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي تربّى في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو باب علمه، وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله المسلمين بمتابعته والأخذ منه، والأئمّة الأربعة بعد لم يُخلقوا، فقد جاؤا بعد رسول الله بعهد طويل، مائة عام أو أكثر، مع ذلك تزعمون أنّكم على حقّ والشيعة على باطل!!
أمَا قال النبي صلى الله عليه وآله: إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً(2)؟!
فانظروا وفكّروا.. من المتمسّك بالثقلين، نحن أم أنتم؟!
أما قال النبي صلى الله عليه وآله: إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى ـ وفي رواية: هلك(3) فمن المتخلّف عنهم، نحن أم أنتم.
هل الأئمة الأربعة من أهل البيت عليهم السلام؟! أم الإمام علي عليه السلام، والحسن والحسين عليهما السلام ريحانتا النبي صلى الله عليه وآله وسبطاه وسيّدا شباب أهل الجنة؟!
أما قال النبي صلى الله عليه وآله فيهما: فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم(4)؟!
ثم يقول ابن حجر في " تنبيه " له على الحديث: سمّى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم القرآن وعترته.. ثقلين، لاَنّ الثقل: كلّ نفيس خطير مصون وهذان كذلك، إذ كلّ منهما معدن للعلوم اللدنية والأسرار والحكم العليّة والأحكام الشرعيّة، ولذا حثّ صلى الله عليه [وآله] وسلم على الاقتداء والتمسّك بهم والتعلّم منهم.
وقيل سُمِّيا ثقلين: لثقل وجوب رعاية حقوقهما، ثمّ الذين وقع الحث عليهم منهم، إنّما هم العارفون بكتاب الله وسنّة رسوله، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب إلى ورود الحوض، ويؤيّده الخبر السابق: ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم.
وتَميّزوا بذلك عن بقيّة العلماء، لاَنّ الله أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وشرفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة، وقد مرّ بعضها.. إلى آخر ما قاله ابن حجر.
وما لي لا أتعجّب منه ومن أمثاله وما أكثرهم في علمائكم! فإنّه مع إذعانه وإقراره بأنّ أهل البيت عليهم السلام يجب أن يقدَّموا على مَن سواهم، ويجب أن تأخذ الأمة منهم أحكام دينها ومسائلها الشرعية، لكنّه قدّم أبا الحسن الاَشعري عليهم وأخذ منه أصول دينه، وقدّم الأئمة الأربعة، وأخذ أحكام الشريعة المقدّسة منهم لا من أهل البيت عليهم السلام!!
وهذا نابع من العناد والتعصّب واللجاج، أعاذنا الله تعالى منها.

مطاعن الأئمة الأربعة
ثمّ أسألك أيّها الحافظ، إذا كان الواقع كما زعمت أنّ الأئمة الأربعة كانوا على زهد وعدالة وتقوى، فكيف كفّر بعضهم بعضاً، ورمى بعضهم الآخر بالفسق؟!!
الحافظ ـ وقد تغيّر لونه ولاح الغضب في وجهه وصاح ـ: لا نسمح لكم أن تتهجّموا على أئمّتنا وعلمائنا إلى هذا الحدّ، أنا أعلن أنّ كلامك هذا كذب وافتراء على أئمّة المسلمين، وهو من أباطيل علمائكم، أمّا علماؤنا فكلّهم أجمعوا على وجوب احترام الأئمة الأربعة وتعظيمهم، ولم يكتبوا فيهم سوى ما يحكي جلالة شأنهم وعظيم مقامهم.
قلت: يظهر أنّ جنابك لا تطالع حتى كتبكم المعتبرة، أو تتجاهل عن مثل هذه المواضيع فيها، وإلاّ فإنّ كبار علمائكم كتبوا في ردّ الأئمة الأربعة، وفَسَّقَ بعضهم الآخر بل كفّر بعضهم بعضهم الآخر!!
الحافظ: نحن لا نقبل كلامك، بل هو مجرّد ادّعاء، ولو كنت صادقاً في ما تزعم فاذكر لنا أسماء العلماء وكتبهم وما كتبوا حتى نعرف ذلك!
قلت: أصحاب أبي حنيفة وابن حزم وغيرهم يطعنون في الإمامين مالك والشافعي.
وأصحاب الشافعي، مثل: إمام الحرمين، والإمام الغزالي وغيرهما يطعنون في أبي حنيفة ومالك.
فما تقول أنت أيّها الحافظ، عن الإمام الشافعي وأبي حامد الغزالي وجا الله الزمخشري؟!
الحافظ: إنّهم من كبار علمائنا وفقهائنا، وكلّهم ثقات عدول يُعتمد عليهم ويُصلّى خلفهم.
قلت: جاء في كتبكم عن الإمام الشافعي أنّه قال: ما وُلد في الإسلام أشأم من أبي حنيفة.
وقال أيضاً: نظرت في كتب أصحاب أبي حنيفة فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة، فعددت منها ثمانين ورقة خلاف الكتاب والسنّة!
وقال الإمام الغزالي في كتابه " المنخول في علم الأصول ": فأمّا أبو حنيفة فقد قلّب الشريعة ظهراً لبطن، وشوّش مسلكها، وغيّر نظامها. و أردف جميع قواعد الشريعة بأصلٍ هَدَم به شرع محمد المصطفى صلى الله عليه وآله،... ومن فعل شيئاً من هذا مستحلاً كفر، ومن فعله غير مستحلّ فسق.
ويستمر بالطعن في أبي حنيفة بالتفصيل إلى أن قال: إنّ أبا حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، يلحن في الكلام ولا يعرف اللغة والنحو ولا يعرف الاَحاديث، ولذا كان يعمل بالقياس في الفقه، وأوّل من قاس إبليس.
انتهى كلام الغزالي.
وأمّا جار الله الزمخشري صاحب تفسير " الكشّاف " وهو يُعدُّ من ثقات علمائكم وأشهر المفسّرين عندكم، قال في كتابه " ربيع الاَبرار ": قال يوسف بن أسباط: ردّ أبو حنيفة على رسول الله صلى الله عليه وآله أربعمائة حديث أو أكثر!
وحكي عن يوسف أيضاً: أنّ أبا حنيفة كان يقول: لو أدركني رسول الله صلى الله عليه وآله لأخذ بكثير من قولي!!
وقال ابن الجوزي في " المنتظم " اتّفق الكلّ على الطعن فيه ـ أي : في أبي حنيفة ـ والطعن من ثلاث جهات:
1 ـ قال بعض: إنّه ضعيف العقيدة، متزلزل فيها.
2 ـ وقال بعض: إنّه ضعيف في ضبط الرواية وحفظها.
3ـ وقال آخرون: إنّه صاحب رأي وقياس، وإنّ رأيه غالباً مخالف للأحاديث الصحاح. انتهى كلام ابن الجوزي.
والكلام من هذا النوع كثير في كتبكم حول الاَئمّة الاَربعة، وأنا لا اُحب أن أخوض هذا البحث، وما أردت أن أتكلّم بما تكلّمت، ولكنّك أحرجتني بكلامك حيث قلت: إنّ علماء الشيعة يكذبون على علمائنا وأئمتنا فأردت أن أثبت لك وللحاضرين أن كلام علماء الشيعة مستدلّ وصحيح ولا يصدر إلاّ عن الواقع والحقيقة، ولكن كلامك أيّها الحافظ عار من الصحة والواقع، وإذا أردت أن تعرف المطاعن كلّها حول الأئمة الأربعة، فراجع كتاب " المنخول في علم الأصول " للغزالي، وكتاب " النكت الشريفة " للشافعي، وكتاب " ربيع الأبرار " للزمخشري، وكتاب " المنتظم " لابن الجوزي.. حتى تشاهد كيف يطعن بعضهم البعض إلى حدّ التكفير والتفسيق!!
ولكن لو تراجع كتب الشيعة الإمامية حول الأئمة الاثني عشر عليهم السلام لرأيت إجماع العلماء والفقهاء والمحدّثين والمؤرخين على تقديسهم وعظم شأنهم وجلال مقامهم وعصمتهم (سلام الله عليهم).
لأننا نعتقد أنّ الأئمة الاثنا عشر عليهم السلام كلّهم خريجوا جامعة واحدة، وهم أخذوا علمهم من منبع ومنهل واحد، وهو منبع الوحي ومنهل الرسالة ، فلم يفتوا إلاّ على أساس كتاب الله تعالى والسنّة الصحيحة التي ورثوها من جدّهم خاتم النبيّين وسيّد المرسلين صلى الله عليه وآله عن طريق الإمام عليّ أمير المؤمنين عليه السلام وفاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين عليهم السلام، وحاشا أئمّتنا عليهم السلام أن يفتوا على أساس الرأي والقياس، ولذا لا تجد أي اختلاف في ما بيّنوه، لأنّهم كلّهم ينقلون عن ذلك المنبع الصافي الزلال:
" روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري ".

مقام الإمام عند الشيعة الإمامية
الإمام في اصطلاح الشيعة يختلف عن الإمام في اصطلاحكم، فإن الإمام عندكم بمعناه اللغوي وهو: المقتدى، كإمام الجمعة والجماعة.
ولكن الإمام عندنا ـ كما هو ثابت في علم الكلام ـ هو صاحب الرئاسة العامة الإلهية خلافة عن رسول الله (ص) في أمور الدين والدنيا، إذ يجب على الأمة كافة اتباعه، ولذا نعتقد بأن الإمامة من أصول الدين.
الشيخ عبد السلام: الإمامة عند علمائنا لا تعد من أصول الدين، بل أثبتوا أنها من فروع الدين، وهم فندوا قول الشيعة بالأدلة القطعية، فقولكم: إن الإمامة من أصول الدين كلام بلا دليل.
قلت: كثير من علمائكم وافقونا في هذه العقيدة وأثبتوا صحتها، وردوا كلام القائلين بأن الإمامة من فروع الدين.
منهم: القاضي البيضاوي، وهو من أشهر مفسريكم، قال في كتابه " منهاج الأصول ": إن الإمامة من أعظم مسائل أصول الدين التي مخالفتها توجب الكفر والبدعة.
ومنهم: العلامة القوشجي، وهو من أشهر الكلاميين عندكم، قال في كتابه " شرح التجريد " في مبحث الإمامة: وهي رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا خلافة عن النبي (ص).
ومنهم: القاضي روزبهان، وهو من علمائكم الذي اشتهر بالتعصب ضد الشيعة قال: الإمامة عند الأشاعرة هي: خلافة الرسول في إقامة الدين وحفظ حوزة الملة بحيث يجب اتباعه على كافة الأمة.
ثم إذا كانت الإمامة من فروع الدين لما كان رسول الله (ص) يؤكد على أهميتها بقوله المروي في كتبكم المعتبرة، مثل: " الجمع بين الصحيحين " للحميدي و " شرح العقائد النسفية " لسعد التفتازاني.
قال (ص): من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
من الواضح أن عدم المعرفة بفرع من فروع الدين لا يوجب التزلزل في أصل الدين حتى يخرج صاحبه من الدنيا بالجاهلية قبل الإسلام. ولذا صرح البيضاوي : بأن مخالفة الإمامة توجب الكفر والبدعة.
فالإمامة في معتقدنا، مرتبة عظيمة هامة، نازلة منزلة النبوة، والإمام قائم مقام النبي (ص)، وبهذا يظهر الفرق بين أئمتنا الاثنى عشر من أهل البيت عليهم السلام وبين الأئمة عندكم، فأنتم تطلقون كلمة الإمام على علمائكم، كالإمام الأعظم، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد، والإمام الفخر الرازي، والإمام الغزالي وغيرهم، وهو عندكم كإمام الجمعة والجماعة، والإمام بهذا المعنى يخرج عن الحد والحصر.
ولكن الإمام بالمعنى الذي نقوله نحن فهو في كل زمان واحد لا أكثر، وهو أفضل أهل زمانه في جميع الصفات الحميدة، فهو الأعلم والأتقى والأشجع والأورع والمعصوم بفضل الله ولطفه من الخطأ والسهو، فيكون حجة الله في الأرض، ولا تخلو الأرض من حجة لله عز وجل، يعين بالنص، كما وردت نصوص من النبي الأكرم (ص) في إمامة الاثنى عشر من أهل البيت عليهم السلام، وأمر أمته بطاعتهم والأخذ منهم.
والأئمة الاثنا عشر عليهم السلام بعد جدهم خاتم النبيين وسيد الخلق أجمعين يكونون أعلى رتبة وأرفع درجة من جميع الخلق حتى الأنبياء العظام عليهم تحيات وصلوات الملك العلام.
الحافظ: الله أكبر! قبل هذا كنت تذم الغلاة وتطردهم من مذهب الشيعة، والآن ثبت أنكم أيضا مغالون في حق أئمتكم إذ تجعلونهم أعلى وأرفع من الأنبياء العظام، والقرآن يصرح بأن مقام النبوة أعلى المراتب التي يمنحها الله سبحانه لأحد من عباده المكرمين، فكلامكم مخالف للقرآن الكريم والعقل السليم.
قلت: مهلا... لا تتسرع في ردنا، ولا تعجل في تخطئة كلامنا، ولا تقل بأن كلامنا يخالف القرآن الحكيم، بل لنا دليل على صحة كلامنا واعتقادنا من القرآن الكريم، واعلم بأننا أبناء الدليل، حيثما مال نميل.
الحافظ: بينوا دليلكم حتى نعرفه! فإن كلامكم غريب جدا!
قلت: إن الله سبحانه بعد أن يذكر امتحان أبي الأنبياء إبراهيم الخليل (ع) وابتلاءه في نفسه وأمواله وولده، وبعد نجاحه وفوزه في كل تلك الامتحانات، أراد الله تعالى أن يمنحه مقاما أعلى من النبوة والرسالة والخلة والعزم، لأنه كان آنذاك نبيا رسولا من أولي العزم، وصاحب الخلة، فرفعه إلى مقام الإمامة وجعله إمام للناس، فقال سبحانه: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين)(5). فظهر أن الإمامة أعلى مرتبة من النبوة والرسالة والعزم والخلة.
الحافظ: فعلى هذا، إن الإمام علي (كرم الله وجهه) يكون مقامه عندكم أعلى من مقام سيدنا محمد (ص) وأي غلو أعظم من هذا؟!
قلت: ليس كذلك! وإنما بين النبوة العامة والنبوة الخاصة فرق كبير، والإمامة أعلى مرتبة من النبوة العامة ودون النبوة الخاصة، والأخيرة هي درجة خاتم الأنبياء وسيد الخلق أجمعين، محمد المصطفى، حبيبنا وحبيب إله العالمين (ص).
النواب: أرجو المعذرة من التدخل في البحث، فإني حريص على اكتساب المعلومات وفهم هذه المسائل، ولذا حينما تخطر مسألة في بالي أطرحها فورا لأني أخاف أن أنساها، فسؤالي عن الآية الكريمة التي تقول: (لا نفرق بين أحد منهم)(6) ـ أي: الرسل ـ فالأنبياء كلهم في رتبة واحدة ومقام الجميع عند الله على حد سواء، فكيف قسمتم النبوة إلى قسمين عامة وخاصة؟! أرجو التوضيح.
قلت: هذه الآية صحيحة في محلها، أي لا نفرق بين أحد من الرسل بأنهم مبعوثون من عند الله عز وجل إلى الناس، وكلهم يدعون إلى الله سبحانه وحده لا شريك له، وإلى المعاد والقيامة، ويدعون إلى المعروف والحسنات، وينهون عن المنكرات والسيئات.

مراتب الأنبياء
هل إن النبي المبعوث إلى ألف نفر يساوي مقامه مقام النبي الذي أرسل إلى مائة ألف؟! وهل هذا يساوي مقامه مقام النبي الذي بعثه الله و أرسله إلى الناس كافة؟!
وكذلك.. هل إن معلم الدورة الابتدائية يساوي مقامه العلمي مقام أستاذ الكلية أو
الجامعة؟! لا..
والحال إنه يصح أن نقول لأستاذ الجامعة معلم أيضا، وكلاهما يعملان في وزارة واحدة وهي: وزارة التربية والتعليم ومسؤوليتها أن يأخذا بيد الطلاب ويصعدا بهم سلم العلم والثقافة، ولكن أين هذا من ذاك!
وكذلك الأنبياء والرسل متساوون من جهة أنهم مبعوثون ومرسلون من عند الله عز وجل إلى خلقه، لا نفرق بين أحد منهم.. ولكن من حيث العلم والفضل غير متساوين، فقد قال تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات)(7).
قال الزمخشري في الكشاف في تفسيرها: إن المراد من: (ورفع بعضهم درجات) هو نبينا محمد الذي فضله الله على جميع الأنبياء بخصائص كثيرة، أهمها أنه خاتم النبيين.
النواب: أشكركم على هذا التوضيح التام، ورفع الشبهة والوهم، وقد بقي عندي سؤال آخر، أستأذنكم واسـتأذن الحاضرين لأطرحه: وهو: أرجوكم أن توضحوا معنى: النبوة الخاصة وميزتها ولو باختصار، والرجاء أن يكون بيانكم على حد فهمنا ومستوانا.
قلت: إن ميزات النبوة الخاصة كثيرة والمجلس لم ينعقد لبيان هذا الموضوع، فإذا أدخل هذا البحث ضمن بحوثنا اشغلنا عن مبحث الإمامة الذي هو محور النقاش والحوار. ولكن من باب: " ما لا يدرك كله لا يترك كله " أبين لكم باختصار:

النبوة الخاصة
الإنسان الكامل هو صاحب النفس المتكاملة بالتزكية، لقوله تعالى :(قد أفلح من زكاها)(8) وتزكية النفس إنما تحصل عن طريق التعقل، والعقل يدعو إلى العلم والعمل، فهما الجناحان اللذان يحلق بهما الإنسان ويسمو بهما إلى قمة الكمال الممكن.
كما روي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال: " خلق الإنسان ذا نفس ناطقة، إن زكاها بالعلم والعمل فقد شابهت جواهر أوائل عللها، وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد وصار موجودا بما هو إنسان دون أن يكون موجودا بما هو حيوان ".
فكما أن الطائر يرتفع في الفضاء ويحلق في الجو على قدر قوة جناحيه بالنسبة إلى جثته، كذلك الإنسان يرتفع في سماء المعنوية والكمالات الروحية بمقدار علمه وعمله الصالح المبتني على أساس العقل السليم.
فكل إنسان إذا بلغ مرتبة الكمال فقد بلغ مرتبة النبوة، وإذا اختاره الله سبحانه وبعثه إلى الناس، صار نبيا رسولا.
وللنبوة والكمال مراتب، كما هو ثابت في أبحاث النبوة في كتب الكلامية، و أعلى تلك المراتب هي المرتبة التي حين وصل إليها حبيب الله محمد (ص) ختمت به النبوة، وليس فوق الخاتمية مرتبة ممكنة للإنسان، وأعلى منها مرتبة الرب جل جلاله وعم نواله.
فمقام خاتم النبيين (ص) فوق جميع المراتب المتصورة والمقررة لممكن الوجود، ودون مرتبة واجب الوجود.
ومرتبة الإمام فوق مراتب النبوة ودون مرتبة الخاتمية بدرجة، ولما كان الإمام علي عليه السلام واصلا إلى مرتبة النبوة واتحدت نفسه مع نفس خاتم النبيين (ص) حتى صار كنفس واحدة، منحه الله تعالى مرتبة الإمامة وجعله أفضل من الأنبياء الماضين.
وصلنا إلى هنا فارتفع صوت المؤذن يدعو إلى صلاة العشاء وبعد إقامة الصلاة، عاد الجميع إلى المجلس وتناولوا الشاي والحلوى.
فقال الحافظ: إنك تصعّب الموضوع أكثر فأكثر، وقبل أن تجيب على الإشكال الأول، نجد في كلامك إشكالا آخر!
قلت: الموضوع واضح وسهل، فلا أدري ما هو الصعب في نظركم؟! وما هو الإشكال في كلامي؟! اطرحوه حتى أجيب عنه!!
الحافظ: في كلامكم الأخير أجد بعض الكلمات التي لا تخلو من إشكال:
1ـ قولكم: إن عليا كرم الله وجهه وصل مرتبة النبوة.
2ـ قولكم: إن عليا اتحدت نفسه مع نفس النبي حتى صارا كنفس واحدة.
3ـ قولكم: إن عليا أفضل من جميع الأنبياء غير خاتم النبيين (ص).
فهذه الجمل غريبة جدا، ولا أدري ما هو دليلكم عليها؟!
قلت: ربما يكون كلامي غريبا ومشكلا وصعبا بالنسبة لكم!
لأنكم لا تريدون أن تتعمقوا في الحقائق ولا تريدون أن تدرسوا القضايا هذه دراسة تحقيق وتفهم.
وأما بالنسبة للعلماء المحققين والمنصفين، فإن كلامي ليس بغريب ولا مشكل، بل هو واضح ومقبول.
وإليك الجواب عن الإشكالات التي طرحتها.

إثبات مرتبة النبوة لعلي عليه السلام:
إن الدليل على أن الإمام علي عليه السلام وصل مرتبة النبوة وكان أهلا لهذا المقام العظيم، هو حديث المنزلة المروي عن النبي (ص) في كتبكم المعتبرة أنه قال:
" يا علي! أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ".
وتارة كان (ص) يخاطب الناس فيقول: " علي مني بمنزلة هارون من موسى " إلى آخره.
الحافظ: لا نعلم صحة هذا الحديث، وعلى فرض صحته فهو خبر واحد ولا يعتد به ولا يعتمد عليه.
قلت: يظهر أنك قليل الاطلاع حتى على كتبكم والأخبار والأحاديث المروية فيها، أو إنك تتجاهل الحقائق وتتناسى الأحاديث المروية عن طرقكم حتى وصل بعضها حد التواتر، مثل هذا الحديث وأتعجب من قولك: إنه خبر واحد.. فكلامك هذا إما عن سهو أو عناد!

إسناد حديث المنزلة
ولكي تعرف ويعرف الحاضرون صحة حديث المنزلة عندنا وعندكم، فإني أذكر بعض أسانيده الحاضرة في ذهني وحافظتي بمقدار ما يسمح لي المقام، حتى يعترف الكل أن هذا الحديث الشريف لم ينقل عن طرق واحد، بل من طرق متعددة، رواه كبار علمائكم ومحدثيكم، وهو من الأحاديث المتواترة:
1ـ البخاري في الصحيح / 3 من كتاب المغازي في باب غزوة تبوك، ومن كتاب بدء الخلق في باب مناقب علي عليه السلام.
2ـ مسلم بن الحجاج في صحيحه 2/236/237/ ط. مصر 1290، وفي كتاب فضل الصحابة / باب فضائل علي عليه السلام.
3ـ الإمام أحمد بن حنبل في المسند 1/98 و 118 و 119 في وجه تسمية الحسنين عليهما السلام.
فبعد ذكر هذه الأسانيد والمدارك المعتبرة من أعلام علمائكم، وهي قليل من كثير، هل أذعنت بصحة حديث المنزلة؟ وهل تعترف بأنك كنت مشتبها في قولك: إنه خبر واحد لا يعتد!
الحافظ: لم يثبت التواتر بثلاثة مصادر، بل يحتاج إلى ذكر مصادر أكثر حتى نقول وصل حد التواتر.
قلت:
أولا: كل مصدر من هذه المصادر التي ذكرتها يعادل عندكم بألف.
ثانيا: صرح بعض المحققين من علمائكم بتواتر حديث المنزلة، مثل العلامة جلال الدين السيوطي في كتبه: " الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة " و " إزالة الخفاء " و " قرة العينين " ففي هذه الكتب عد حديث المنزلة من الأحاديث المتواترة.
وإذا لم يزل في قلبك وتريد أن تطمئن فراجع كتاب: " كفاية الطالب " تأليف محمد بن يوسف الكنجي الشافعي، وهو من أعلام علمائكم، في الباب السبعين منه، فإنه بعدما يروي الحديث عن عدة طرق يقول: هذا حديث متفق على صحته، رواه الأئمة الأعلام.. إلى آخره.
فاكتفى بهذا المقدار، وأظن أن الإبهام ارتفع والحافظ اقتنع.
الحافظ: أنا لست بلجوج ولا معاند، ولكن أدعوك إلى مطالعة كلام العالم الفقيه أبي الحسن الآمدي، الذي هو من المتكلمين المتبحرين، فإنه يرد حديث المنزلة ويضعفه.
  #11  
قديم 04-27-08, 11:54 PM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي

قلت أتعجب منك! إذ أنك عالم وتدعي التحقيق والإنصاف، ثم تعدل عن كبار علمائكم الموثقين بما فيهم أئمة أهل الحديث المجمع على صحة ما رووا كالبخاري ومسلم، ثم تأخذ بقول الآمدي سيئ العقيدة والتارك للصلاة!!
الشيخ عبد السلام: الإنسان حر في بيان عقيدته، فلا يجوز لأحد أن يتهم أحدا أظهر عقيدته في شيء يخالف المشهور، ثم يُقَبح من مثلكم أن تتهجموا بسوء الكلام على فقيه، بل يجب أن تردوه بالمنطق والدليل، وخاصة جنابك، حيث تجسد أخلاق أهل البيت رضي الله عنهم.
قلت:
أولا: إن كنتم تلتزمون بحرية العقيدة، فلماذا ترمون الشيعة بالكفر والشرك وتجوزون قتلهم ونهب أموالهم؟!
لذا فهم يخفون عقائدهم الحقة إذا عاشوا في بلادكم وبين أظهركم خشية القتل!
أم إنكم تقصدون حرية الآمدي فحسب، وذلك في نصبه العداء ومخالفته لأهل البيت عليهم السلام؟!!
ثانيا.. أنا لم أتهجم على الآمدي بسوء الكلام، بل نقلت قول علمائكم الأعلام فيه.
الشيخ عبد السلام: أين ذكر علماؤنا الآمدي بسوء العقيدة وترك الصلاة؟!

شرح أحوال الآمدي
ذكر ابن حجر في كتاب " لسان الميزان ": السيف الآمدي، المتكلم علي بن أبي علي، صاحب التصانيف، وقد نفي من دمشق لسوء اعتقاده، وصح أنه كان يترك الصلاة!!
وذكر الذهبي ـ وهو من أعلامكم ـ في كتاب " ميزان الاعتدال " نفس الترجمة للآمدي وزاد: " أنه كان من المبتدعة ".
وإذا نظرتم في حال الآمدي بنظر التحقيق لعرفتم أنه لو لم يكن عديم الأيمان ومبتدعا لما خالف جميع الصحابة حتى عمر بن الخطاب ـ الذي هو أحد رواة حديث المنزلة ـ ولما خالف كل المحدثين الثقات وأعلام الرواة.
وأتعجب من أنكم تطعنون في الشيعة، لنهم لا يقبلون بعض الأحاديث المروية في الصحيحين عندكم، وهي عندنا غير صحيحة السند!
ولكن الآمدي حينما يرد حديثا أجمع عليه علماء الفريقين، وصححه ورواه جميع أصحاب الصحاح الستة! كيف تقبلون كلامه وتأخذون برأيه؟! وهو واحد خارج عن الإجماع، وعلى الأصل الذي عندكم!
ولو لم يكن للآمدي أي عيب ونقص سوى إنه رد حديثا جاء في الصحيحين، وبرده كذب الفاروق وكذب البخاري ومسلم وسائر أصحاب الصحاح، لكفى في طعنه وفسقه عندكم.
الحافظ: قلتم إن أحد رواة حديث المنزلة، الخليفة عمر بن الخطاب (رض) فهل يمكن أن تبينوا سندكم على هذا النقل؟
قلت: روى جماعة من علمائكم ومحدثيكم حديث المنزلة عن عمر بن الخطاب، منهم:
1ـ نصر بن محمد السمرقندي الحنفي، في كتاب " المجالس ".
2ـ محمد بن عبدالرحمن الذهبي في " الرياض النضرة ".
3ـ المولى علي المتقي الهندي، في " كنز العمال ".
4ـ العلامة ابن الصباغ المالكي، في " الفصول المهمة ".
5ـ محب الدين الطبري، في " ذخائر العقبى ".
6ـ الشيخ سليمان الحنفي، في " ينابيع المودة ".
7ـ موفق بن أحمد الخوارزمي، في " المناقب ".
هؤلاء كلهم رووا عن ابن عباس حبر الأمة ـ واللفظ للأخير ـ بسنده المتصل ـ بحذف سلسلة السند للاختصار ـ قال:
حدثني أمير المؤمنين الرشيد، عن أبيه، عن جده، عن عبدالله بن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب وعنده جماعة فتذاكروا السابقين إلى الإسلام..
فقال عمر: أما علي فسمعت رسول الله (ص) يقول فيه ثلاث خصال وددت لو أن لي واحدة منهم، كان أحب إلي مما طلعت عليه الشمس.
كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من الصحابة إذ ضرب النبي (ص) بيده على منكب علي فقال: يا علي! أنت أول المؤمنين إيمانا، وأول المسلمين إسلاما، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى.
أخرجه ابن عساكر في تاريخه عن عمر مع تغيير يسير في اللفظ.
وأخرجه المتقي الهندي الحنفي في كنز العمال: 6/ 395 وفيه زيادة لم تكن في غيره، وهذا نصه:
مسند عمر، عن ابن عباس [ قال] قال عمر بن الخطاب: كفوا عن ذكر علي بن أبي طالب! فإني سمعت رسول الله (ص) يقول في علي ثلاث خصال، لئن يكون لي واحدة منهن أحب إلي مما طلعت عليه الشمس:
كنت أنا وأبو بكر وأبوعبيدة بن الجراح ونفر من أصحاب رسول الله (ص) والنبي متكئ على علي بن أبي طالب، حتى ضرب بيده على منكبه ثم قال: أنت يا علي أول المؤمنين إيمانا، وأولهم إسلاما، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، وكذب من زعم أنه يحبني ويبغضك.
وأخرجه الإسكافي في كتابه " نقض الرسالة العثمانية " للجاحظ: ص 21/ط مصر وفيه زيادات نافعة، فليراجع.
وبعد هذا هل يجوز في مذهبكم الرد على الخليفة عمر وهو الفاروق عندكم؟! وإذا لا يجوز ذلك فكيف تأخذون بقول الآمدي المعلوم الحال؟!

حكم الخبر الواحد عند العامة
وبقيت جملة أخرى من كلامكم، لابد لي من جوابها، زعمتم: أن حديث المنزلة خبر واحد، ثم قلتم: إن الخبر الواحد لا اعتبار به ولا اعتماد عليه.
أقول إذا يصدر هذا الكلام من أحد الشيعة فإنه يقبل منه، لأنه على الأصل والمبنى المقبول عندنا.
ولكن صدور هذا الكلام من مثلكم يثير التعجب والتساؤل، لأن في مذهبكم خبر الواحد مقبول وحجيته ثابتة، حتى أن بعض علمائكم حكم بتكفير وفسق المنكر له، فقد قال ملك العلماء شهاب الدين في كتابه " هداية السعداء " في فصل المضمرات من كتب الشهادات.
ومن أنكر الخبر الواحد والقياس، وقال: إنه ليس بحجة، فإنه يصير كافرا! ولو قال: هذا الخبر الواحد غير صحيح، وهذا القياس غير ثابت، لا يصير كافرا ولكن يصير فاسقا!
الحافظ: لقد سررت جدا من حسن بيانكم وسعة اطلاعكم عن كتبنا، وقد وجدتكم على خلاف ما كنت أسمع من قبل بأن علماء الشيعة لا يلمسون كتبنا ويعتقدون بنجاستها، فكيف بمطالعتها؟!
قلت: هذه أقاويل وأباطيل أعداء الإسلام، فانهم يريدون أن يفرقوا بين المسلمين، وفي المثل: " يعكروا الماء ليصطادوا سمكا "، وهو من باب " فرق تسد ".
يريدون فرض سيادتهم وهيمنتهم علينا، ولكنا يجب أن نكون واعين في هذه الأمور ويجب أن نعرف خطط أعدائنا المستعمرين فنبينها لعامة الناس حتى لا يقعوا في شباكهم، ويتبصروا في تشخيص مصالحهم ومضارهم، فيخبوا آمال الأعداء بمخالفتهم.
يجب أن نوجه أتباعنا المسلمين إلى مفاهيم القرآن الكريم حيث يقول: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)(9).
على أثر غفلتنا عن القرآن، وابتعادنا عن تعاليمه الحقة، يتمكن عدو المسلمين أن يتصرف في أفكارنا، فنصدق أكاذيبه ونعتقد بأباطيله! منها ما كنت تسمعه، كما قلت: بأن علماء الشيعة لا يلمسون كتبكم... إلى آخره.
نحن نأخذ كتب المرتدين والكفار والمشركين بكلتي يديدنا ونطالعها حتى نعرف ما يقولون، فنأخذ صحيحها ونطرح سقيمها، ونرد شبهاتها الموجهة إلينا، فكيف بكتبكم وأنتم إخواننا في الدين؟!
فاعلموا.. أننا على خلاف ما قيل لكم، بل نحترم كتبكم ونطالعها بدقة وإمعان، ونستفيد من أقوال علمائكم وأقوال محققيكم، ونستفيد من الأحاديث والروايات الصحيحة المروية في مسانيدكم وصحاحكم، وإن كثيرا من الكتب التي تدرس في حوزاتنا العلمية تكون من تأليف وتصنيف علمائكم.
منتهى الأمر بعض رواتكم المقبولين عندكم، غير موثقين ولا معتبرين عندنا، مثل: أنس وأبي هريرة وسمرة وغيرهم، وهذا لا يخصنا الآن، فإن بعض علمائكم أيضا لا يقبلونهم، منهم: أبو حنيفة، فإنه لا يقبل هؤلاء الثلاثة ونظراءهم!
وكتبكم عندنا معتبرة ونستفيد منها، وأنا شخصا أكثر مطالعاتي حول النبي (ص) وسيرته المباركة وتاريخ الأئمة من آله صلوات الله عليهم تكون من كتبكم، وأستند إليها في خطبي ومحاضراتي، وأنقل منها أكثر مما أنقل من كتبنا.
وإن مكتبتي الخاصة تحتوي على أكثر من مائتي مجلد مطبوع ومخطوط من كتبكم المشهورة في التفسير والتاريخ والفقه والحديث والكلام والرجال و....
ولكنا نطالع كتبكم مطالعة تحقيق وتمحيص فكما أن النقاد والصرافين يميزون بين الدراهم والدنانير، والصحيحة من المغشوشة، فكذلك نحن حينما نطالع أي كتاب لا نحسب محتوياته ومضامينه من المسلمات، بل نتفكر فيها ونميز بين الأحاديث والروايات والمواضيع، فنأخذ الصحيحة ونترك السقيمة، ولا تؤثر فينا شبهات وتشكيكات الفخر الرازي، ولا مغالطات ابن حجر، أو إشكالات روزبهان، او تكذيبات الآمدي وأمثالهم.
واعلم أن مطالعتي لكتبكم، والنظر في الأحاديث المروية والمقبولة عندكم، كانت السبب في معرفتي لأئمة أهل البيت (ع) أكثر، ويقيني بعلو مقامهم وعظم شأنهم.
الحافظ: لقد ابتعدنا عن موضوع البحث، فالرجاء بينوا وجه الاستدلال بحديث المنزلة، على أن عليا كرم الله وجهه كان في رتبة النبوة؟!
قلت: يثبت بهذا الحديث الشريف ثلاث خصائص للإمام علي (ع):
1ـ مقام النبوة بأنه لو كان نبي بعده لكان عليا ولكنه (ص) خاتم النبيين.
2ـ مقام وزارة النبي (ص) وخلافته.
3ـ أفضلية الإمام علي (ع) على جميع الصحابة.
ودليل ذلك... أن النبي (ص) جعل الإمام عليا (ع) منه بمنزلة هارون من موسى، وكان هارون نبيا، وكان وزير موسى وخليفته في قومه، وكان أفضل بني إسرائيل بعد أخيه موسى.
النواب: هل كان هارون نبيا؟!
قلت: نعم.
النواب: عجبا! إني ما سمعت بهذا من قبل! فهل ذكر الله نبوته في القرآن الحكيم؟!
قلت: نعم، في سورة النساء، الآية 163، قوله تعالى: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا).
وفي سورة مريم، الآية 53 قوله تعالى: (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا).
الحافظ: إذا على هذا فمحمد وعلي كلاهما نبيان مبعوثان من عند الله إلى الخلق!
قلت: أنا لا أقول هكذا، وأنت تعلم أن عدد الأنبياء كثير جدا، وهو محل اختلاف بين العلماء، حتى قال بعضهم: إن عددهم مائة وعشرون ألفا أو اكثر، لكن كان أكثرهم يتبعون الأنبياء أولي العزم من الرسل وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتمهم سيدنا ونبينا محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهارون كان نبيا غير مستقل وإنما كان تابعا لأخيه موسى ويعمل على شريعة أخيه.
كذلك الإمام علي عليه السلام، كان تاليا لرتبة أخيه وابن عمه رسول الله (ص) واصلا مقام النبوة ولكن غير مستقل بالأمر، بل كان تابعا لشريعة سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد (ص).
وكان غرض النبي (ص) من هذا الحديث الشريف أن يعرّف عليا عليه السلام لأمته في هذا المقام، ويثبت له تلك الرتبة الرفيعة والدرجة العلية، وهذه خصيصة عالية من خصائص الإمام علي عليه السلام.
وذكر ابن الحديد في " شرح نهج البلاغة " حديث المنزلة وعلّق عليه قائلا:
ويدل على أنه وزير رسول الله (ص) من نص الكتاب والسنة، قول الله تعالى: (اجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * أشدد به أزري * و أشركه في أمري)(10).
وقال النبي (ص) في الخبر المجمع على روايته بين سائر فرق الإسلام: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ".
فأثبت له جميع مراتب هارون من موسى.
فإذا هو وزير رسول الله (ص) وشاد أزره، ولولا أنه خاتم النبيين لكان شريكا في أمره(11).
وذكر العلامة محمد بن طلحة الشافعي حديث المنزلة عن النبي (ص) في كتابه مطالب السؤول: 1/ 54 ط دار الكتاب، وعلق عليه فقال: فتلخيص منزلة هارون من موسى أنه كان أخاه ووزيره، وعضده، وشريكه في النبوة، وخليفته على قومه عند سفره، وقد جعل رسول الله (ص) عليا منه بهذه المنزلة، وأثبتها له، إلا النبوة، فإنه (ص) استثناها في آخر الحديث بقوله: " لا نبي بعدي " فبقي ما عدا النبوة المستثناة ثابتا لعلي عليه السلام من كونه أخاه ووزيره وعضده وخليفته على أهله عند سفره إلى تبوك.
وهذه من المعارج الشراف ومدارج الإزلاف، فقد دل الحديث بمنطوقه ومفهومه على ثبوت هذه المزية العلية لعلي عليه السلام، وهو حديث متفق على صحته.
انتهى كلامه.
وذكر مثل هذا الكلام العلامة ابن الصباغ المالكي في كتابه " الفصول المهمة " وكذلك كثير من علمائكم الكبار وقد ذكروا الحديث وعلقوا عليه تعليقات مفيدة، ولكن الوقت لا يسمح أن أذكر لكم كل مقالات علمائكم وتعليقاتهم المؤيدة لكلامنا حول حديث المنزلة.
الحافظ: ولكني أظن أن الاستثناء في الحديث ينفي مرتبة نبوة علي كرم الله وجهه، وإن قولكم: إن سيدنا محمدا (ص) لو لم يكن خاتم النبيين وكان الله يبعث بعده نبيا لكان ذلك علي بن أبى طالب! من غلوكم ولم يقل به قائل.
قلت: إن الحق واضح، ولكنك يا للأسف تتبع أسلافك في إنكار الحق بعد ظهوره، نعوذ بالله من التعصب والعناد!
ثم اعلم أن هذا القول لا يكون من الشيعة فحسب حتى ترمينا بالغلو ، وإنما كثير من علمائكم ذهب هذا المذهب أيضا.
الحافظ: لا أعرف أحد من علمائنا ذهب هذا المذهب، وان كنتم تعرفون أحدا فاذكروا اسمه!
قلت: أحد علمائكم الذي أخذ بهذا القول هو: ملا علي بن سلطان محمد الهروي القاري، صاحب التصانيف والتآليف الكثيرة.
قال في كتابه " المرقاة في شرح المشكاة " عند ذكره حديث المنزلة قال: وفيه إيماء إلى انه لو كان بعده (ص) نبيا لكان عليا.
ومنهم: العلامة الشهير والعالم النحرير جلال الدين السيوطي، في آخر كتابه " بغية الوعاظ في طبقات الحفاظ " ذكر مسندا عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أن رسول الله (ص) قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ولو كان لكنتَه.
ومنهم: المير سيد علي الهمداني، الفقيه الشافعي، ذكر في الحديث الثاني من المودة السادسة في كتابه " مودة القربى " عن أنس بن مالك، أنه روى أن رسول الله (ص) قال: إن الله اصطفاني على الأنبياء فاختارني واختار لي وصيا ، واخترت ابن عمي وصيي، يشد عضدي كما يشد عضد موسى بأخيه هارون، وهو خليفتي، ووزيري، ولو كان بعدي نبيا لكان علي نبيا، ولكن لا نبوة بعدي.
فثبت أن الشيعة لا تنفرد بهذا المقال، بل هناك كثير من علمائكم قالوا به أيضا.
بل قال به النبي (ص) أيضا كما يظهر من الأخبار المروية في كتبكم ، وقد مرت.
فحديث المنزلة يضمن جميع مراتب هارون بالنسبة لموسى لعلي بن أبي طالب بالنسبة لمحمد المصطفى (ص) إلا النبوة بعده (ص) التي استثناها فقال (ص): " إلا أنه لا نبوة بعدي ".
وأجلى المراتب الثابتة لهارون هي خلافته لقوله تعالى: (وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي واصلح ولا تتبع سبيل المفسدين)(12) ومنها تثبت خلافة علي عليه السلام بعد خاتم النبيين (ص).
الحافظ: لقد ذكرت الآيات القرآنية أن هارون شريك موسى في أمر النبوة، فكيف جعلوه خليفة له؟! والحال أن مرتبة الشريك أعلى من مرتبة الخليفة، فإذا جعلوا الشريك خليفة فقد أنزلوا من مقامه، لأن مقام النبوة أعلى من مقام الخلافة.
قلت: لو تدبرت في حديثنا السابق وفهمته، ما طرحت هذا الأشكال ! فقد بينا أن نبوة موسى هي الأصل ونبوة هارون تابعة لنبوة أخيه، كما يقال: إن فلانا عضو على البدل، فكأنه خليفته.
ثم إن هارون كان شريك أخيه في تبليغ الرسالة السماوية، هذا ما يظهر من الآيات التي تحكي كلام موسى ودعاءه في قوله تعالى: (قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * أشدد به أزري * واشركه في أمري * كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا)(13).
ولكن علي بن أبي طالب هو الرجل الوحيد الذي كان شريكا لرسول الله (ص) في جميع صفاته الخاصة ومراحل الكمال إلا النبوة الخاصة.
الحافظ: ما زلنا نزداد تعجبا وحيرة منكم، لأنكم تغالون في علي كرم الله وجهه غلوا يأباه العقل السليم! أليس قولكم هذا إن عليا كان يشارك النبي (ص) في جميع صفاته الخاصة مغالاة صريحة في حق علي كرم الله وجهه؟!
قلت: إن كلامي هذا ليس غلوا ولا يأباه العقل، بل هو الحق الصريح ويحكم به العقل السليم الصحيح، فإن خليفة النبي (ص) يجب أن يكون ـ على القاعدة العقلية ـ مثله في جميع صفاته الكمالية حتى يصح أن يكون بديله وقائما مقامه وممثله.
لذلك، فإن كثير من علمائكم الكبار ذهبوا مذهبنا وقالوا مقالنا.
منهم: الإمام الثعلبي في تفسيره، والعالم الفاضل السيد أحمد شهاب الدين في كتاب " توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل " قال: ولا يخفى أن مولانا أمير المؤمنين قد شابه النبي في كثير، بل أكثر الخصال الرضية والفعال الزكية وعاداته وعباداته وأحواله العلية، وقد صح ذلك له بالأخبار الصحيحة والآثار الصريحة ، ولا يحتاج إلى إقامة الدليل والبرهان، ولا يفتقر إلى إيضاح حجة وبيان، وقد عد بعض العلماء بعض الخصال لأمير المؤمنين علي التي هو فيها نظير سيدنا النبي الأمي، فهو نظيره في النسب، ونظيره في الطهارة بدليل قوله تعالى (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)(14).
ونظيره في آية ولي الأمة، بدليل قوله: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)(15).
ونظيره في الأداء والتبليغ، بدليل الوحي الوارد عليه يوم إعطاء سورة براءة لغيره، فنزل جبرئيل قال: لا يؤديها إلا أنت أو من هو منك، فاستعادها منه فأداها علي رضي الله تعالى عنه في الموسم.
ونظيره في كونه مولى الأمة بدليل قوله (ص): " من كنت مولاه فهذا علي مولاه ".
ونظيره في مماثلة نفسيهما، وأن نفسه قامت مقام نفسه (ص)، والله تعالى أجرى نفس علي مجرى نفس النبي (ص) فقال: (فمن حاجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم)(16).
ونظيره في فتح بابه في المسجد كفتح باب رسول الله (ص) وجواز دخوله المسجد جنبا كحال رسول الله (ص) على السواء.
لما وصل الحديث إلى هذا الموضوع، وإذا بهمهمة قامت بين الحاضرين من أهل السنة والجماعة. فسألت عن سبب ذلك، فأجاب النواب قائلا:
في خطبة يوم الجمعة في المسجد، نسب الحافظ هذه الفضيلة لسيدنا أبي بكر (رض)، والآن جنابكم تنسبوه للإمام علي رضي الله عنه، لذلك تحير الحاضرون من هذا التناقض!
قلت ـ مخاطبا للحافظ ـ: أ صحيح أنك نسبت هذه الفضيلة للخليفة أبي بكر؟!
الحافظ: نعم.. لقد ورد عن الصحابي الجليل والثقة العدل أبي هريرة (رض): أن رسول الله (ص) أمر بسد أبواب بيوت الأصحاب التي تنفتح في المسجد إلا باب بيت أبي بكر (رض) وقال (ص): أبو بكر مني وأنا منه.
قلت: لا يخفي على كل من طالع التاريخ بدقة وتحقيق، أن بني أمية سعوا في خلق الفضائل والمناقب للصحابة الذين كانوا مناوئين لعلي بن أبي طالب (ع)، ولا سيما المناقب التي تعد من خصائص أمير المؤمنين علي (ع) فنسبوها للآخرين.
فكان معاوية يدعو أبا هريرة والمغيرة وعمرو بن العاص ونظراءهم، فيشبع بطونهم بألوان الطعام، ويغريهم بالأموال والحطام، ويأمرهم بنقل الروايات المجعولة والأخبار المعلولة لأهل الشام، وكان المناوئون البكريون والعمريون والعثمانيون ينشرون تلك الأكاذيب بين الأنام.
ولكن ظهر أمام هؤلاء المفترين الوضاعين، جماعة من علمائكم المحققين، وفضحوا بعض تلك الأخبار المجعولة وكشفوا الستار عنها.
منهم: العلامة الكبير والعالم النحرير، ابن أبي الحديد، قال : فلما رأت البكرية ما صنعت الشيعة، وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث، نحو: " لو كنت متخذا خليلا " فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء، ونحو " سد الأبواب " فإنه كان لعلي (ع) فقلبته البكرية إلى أبي بكر...(17).
والعجب منك أيها الحافظ إذ تنقل هذا الخبر المجعول لأصحابك وتترك الخبر الصحيح المتواتر والمجمع عليه، وقد أثبته كبار علمائكم وأصحاب الصحاح كلهم رووا: أن رسول الله (ص) أمر بسد جميع الأبواب التي كانت تنفتح على مسجده إلا باب بيته وباب بيت الإمام علي (ع).
النواب: لقد صار هذا الخبر موضع اختلاف، فالحافظ يقول: إنه من مناقب أبي بكر (رض)، وأنتم تقولون: إنه من فضائل سيدنا علي كرم الله وجهه ومن خصائصه دون الصحابة، فهل عندكم مدارك وأسناد معتبرة عندنا أي: تكون المشهورة؟!
قلت: نعم.
روى الإمام أحمد في مسنده 1/175 و 2/26 و 4/369.
والنسائي في سننه، وأيضا في خصائصه: 13 و14.
والحاكم في المستدرك 3/117 و 125.
وسبط ابن الجوزي في التذكرة 24 و 25.
وابن الأثير الجزري في أسنى المطالب 12.
وابن حجر في الصواعق المحرقة 76.
وابن حجر العسقلاني في فتح الباري 7/205.
وابن كثير في تاريخه 7/342.
والمتقي الهندي في كنز العمال 6/408.
والهيثمي في مجمع الزائد 9/115.
ومحب الدين الطبري في الرياض 2/192.
والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء 4/153.
والسيوطي في تاريخ الخلفاء 116، وفي بعض كتبه الأخرى.
مثل: جمع الجوامع والخصائص الكبرى واللآلي المصنوعة ج 1.
ورواه الخطيب الخوارزمي في المناقب.
والحمويني في فرائد السمطين.
وابن المغازلي في المناقب.
والمناوي في كنوز الدقايق.
وشهاب الدين القسطلاني في إرشاد الساري 6/81.
والقندوزي في ينابيع، أفراد الباب 17 لهذا الحديث.
والحلبي في السيرة الحلبية 3/374.
ومحمد بن طلحة في مطالب السؤول 17.
هؤلاء وغيرهم من كبار علمائكم ومحدثيكم رووا عن كبار الصحابة المعتبرين عندكم، كالخليفة الثاني، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وزيد بن أرقم، وبراء بن عازب، وأبي سعيد الخدري، وأبي حازم، والأشجعي، وسعد بن أبي وقاص، وجابر بن عبدالله الأنصاري، وغيرهم، قالوا: إن النبي (ص) أمر بسد جميع الأبواب التي كانت تفتح من بيوت الصحابة في المسجد إلا باب بيت علي بن أبي طالب (ع).
وبين بعض علمائكم المحققين توضيحات كاملة وكافية لتوجيه وهداية المغتربين والمغررين بالدعايات الأموية فضلوا عن الحق وعن الصراط المستقيم.
لقد خصص العلامة محمد بن يوسف الشافعي في كتابه " كفاية الطالب " بابا، وهو الخمسون خصصه في هذا الموضوع، وبعد أن يروي الأخبار وينقل الروايات المعتبرة والمقبولة بسنده يقول: هذا حديث حسن عال.
ثم يقول: وإنما أمر النبي (ص)، بسد الأبواب وذلك لأن أبواب مساكنهم كانت شارعة إلى المسجد فنهى الله تعالى عن دخول المساجد مع وجود الحيض والجنابة، فعم النبي (ص) بالنهي عن الدخول في المسجد والمكث فيه للجنب والحائض وخص عليا بالإباحة في هذا الموضع.
وما ذاك دليل على إباحته المكروه له، وإنما خص بذلك لعلم المصطفى (ص) بأنه يتحرى من النجاسة هو وزوجته فاطمة وأولاده صلوات الله عليهم، وقد نطق القرآن بتطهيرهم في قوله عز وجل:
(إنما يريد ليذهب أهل ويطهركم تطهيرا) (18) إلى آخره ما رواه وعلقه العلامة الكنجي.
فمع هذا التوضيح من العلامة الكنجي الشافعي فليقايس جناب الحافظ مع الخبر الذي نقله إلى المصلين في يوم الجمعة عن أبي هريرة، ثم لينظر هل يكون عنده دليل على طهارة أبو بكر؟! مع غض النظر عن كل الاسناد والمدارك التي ذكرتها في تأييد الخبر وصحته في الإمام علي بن أبي طالب (ع) لا غيره.
فلينظر الحافظ هل يكون عنده دليل طهارة أبي بكر حتى يسمح له فتح بابه في المسجد وتردده فيه؟!
فلما لم يدع أحد من المسلمين طهارة أبي بكر، لم يكن خبر فتح بابه على المسجد صحيحا، بل هو كذب افتراه الجعالون، وقد تذكرت الآن حديثا بالمناسبة، رواه كبار علمائكم عن الخليفة عمر بن الخطاب.
ورواه الحاكم في المستدرك 3/125، والحافظ سليمان القندوزي في " ينابيع المودة " باب 56 ص 210، نقلا عن " ذخائر العقبي " ومسند الإمام أحمد، ورواه الخطيب الخوارزمي في المناقب: 261، وابن حجر في الصواعق المحرقة: 76، وجلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء، وغير هؤلاء، كلهم رووا ـ باختلاف يسير في الألفاظ ـ أن عمر بن الخطاب قال:
" لقد أوتي علي بن أبي طالب ثلاث خصال، لأن تكون لي واحدة منها أحب إلي من خمر النعم:
زوجه النبي (ص) بنته.
وسد الأبواب إلا بابه، وسكناه المسجد مع رسول الله، يحل له فيه ما يحل له.
وأعطاه الراية يوم خيبر ".
فاكتفي بهذا المقدار في هذا الإطار، وأظن أن الحق قد انكشف والسحاب قد انقشع، وظهر الواقع لحضرة النواب وجناب الحافظ وجميع الحاضرين.
والآن نرجع إلى محور حديثنا من قبل، وهو كلام السيد شهاب الدين ، حول الإمام علي (ع):
فبعد مقايسته لبعض خصال الإمام علي (ع) المشابهة لخصال النبي (ص)، يقول في آخر حديثه: ومن تتبع أحواله في الفضائل المخصوصة، وتفحص أحواله الشمائل المنصوصة، يعلم أنه كرم الله تعالى وجهه بلغ الغاية في اقتفاء آثار سيدنا المصطفى، وأتى النهاية في اقتباس أنواره حيث لم يجد فيه غيره مقتضى.
هذا نموذج من مقالات واعترافات كبار علمائكم في حق الإمام علي (ع) ومقاماته العالية وفضائله السامية، نقلتها لكم حتى تعرفوا، أني لم أغال في حق الإمام علي (ع)، ولم أدع شيئا بغير مستند في حقه.
بل كل ما أقوله إنما هو عن دليل وبرهان، وتدقيق وإتقان.
وعلماء الشيعة كلهم كذلك، كل ما نقلوه من فضائل الإمام علي عليه السلام ومناقبه إنما هي مستندة إلى كتب كبار علمائكم ومحققيكم.
ولكن من دواعي الأسف أن بعض علمائكم، وخاصة في زماننا، إذا واجهوا عوام الناس والجهلاء من أتباعهم، ينكرون تلك الفضائل والمناقب المروية في الكتب المعتبرة عندهم في حق الإمام علي عليه السلام، بل يكذب بعضهم بكل صلافة الشيعة وغيرهم إذا نقلوا تلك الأخبار والروايات المعتبرة.
وحاصل الكلام، فقد ثبت أن علي بن أبي طالب هو نظير رسول الله (ص) وشريكه، كما كان هارون بالنسبة لموسى بن عمران (ع) ولما وجد موسى أخاه هارون أولى وأفضل من جميع بني إسرائيل، وهو اللائق بهذا المقام، سأل ربه عز وجل فيه وقال: (واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * أشدد به أزري * واشركه في أمري....)(19).
وكذلك محمد المصطفى، خاتم الأنبياء (ص) لما وجد أخاه علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل أمته، وأرجحهم علما وعقلا، فهو أليقهم بأمر الخلافة، وأولاهم بمقام الإمامة، سأل ربه سبحانه وتعالى فيه ما سأله النبي موسى (ع) في حق أخيه.
النواب: هل وردت روايات في هذا الباب؟
قلت: أما الشيعة فقد أجمعوا على هذا الموضوع من غير إنكار، وأما علماؤكم فقد نقلوا أيضا في كتبهم المعتبرة روايات صحيحة وأحاديث صريحة في ذلك ، منهم:
ابن المغازلي الفقيه الشافعي، في " مناقبه ".
وجلال الدين السيوطي، في تفسيره " الدر المنثور ".
والإمام الثعلبي، في تفسيره " كشف البيان ".
وسبط ابن الجوزي، في كتابه " تذكرة الخواص " في ذيل آية الولاية، وروى في صفحة 14، عن أبي ذر الغفاري وأسماء بنت عميس ـ إحدى زوجات أبي بكر، قالا:
صلينا يوما الظهر في المسجد مع رسول الله (ص) وإذا برجل قام يسأل الناس شيئا فما أعطاه أحد، وكان علي عليه السلام في الركوع فأشار إليه بإصبعه ، فأخرج السائل خاتمه من إصبعه، فرأى النبي (ص) ذلك، فنظر نحو السماء وقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: (قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * أشدد به أزري * واشركه في أمري) فأنزلت عليه قرآنا ناطقا: (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما).
اللهم وأنا محمد صفيك ونبيك، فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيرا من أهلي، عليا اشدد به أزري.
فوالله ما انتهى النبي (ص) من الدعاء، إلا ونزل جبرئيل بالآية الكريمة: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)(20).
والعلامة محمد بن طلحة نقل هذا الخبر مع اختلاف يسير في الألفاظ ، في كتابه " مطالب السؤول 19 ".
وهناك خبر آخر، نقله الحافظ أبو نعيم في " منقبة المطهرين " والشيخ علي الجعفري في " كنز البراهين " والإمام أحمد بن حنبل في " المسند " والسيد شهاب الدين في " توضيح الدلائل " والسيوطي في " الدر المنثور " وآخرون من كبار علمائكم، لا يسع الوقت لذكر أسمائهم لكثرتهم، فقد ذكروا في كتبهم بطرق مختلفة عن : أسماء بنت عميس وغيرها من الصحابة، ورووا عن ابن عباس ـ حبر الأمة ـ أنه قال:
أخذ رسول الله (ص) بيدي وبيد علي بن أبي طالب، فصلى أربع ركعات ، ثم رفع يده نحو السماء وقال: اللهم سألك موسى بن عمران، وأنا محمد أسألك: أن تشرح لي صدري، وتيسر لي أمري، وتحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي، واجعل لي وزيرا من أهلي عليا، أشدد به أزري، وأشركه في أمري.
فقال ابن عباس: سمعت صوتا يقول: يا أحمد! قد أوتيت ما سألت.
وقال ابن عباس: فأخذ النبي (ص) بيد علي ورفعها نحو السماء، وقال: يا علي! ارفع يدك واسأل ربك ليعطيك شيئا.
فرفع علي يده وقال: اللهم اجعل لي عندك عهدا، واجعل لي عندك ودا.
فنزل جبرئيل بالآية الكريمة: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا)(21).
فتعجب الأصحاب من هذا الموضوع، فقال النبي (ص): مما تعجبون؟! إن القرآن أربعة أرباع، فربع فينا أهل البيت خاصة، وربع حلال، وربع حرام، وربع فرائض وأحكام، والله أنزل في علي عليه السلام كرائم القرآن.
الشيخ عبد السلام: على فرض صحة كلامكم، فإن حديث المنزلة لا يخص علي بن أبي طالب، بل ورد في حق الشيخين أبي بكر وعمر (رض).
فقد روى قزعة بن سويد، عن أبي مليكة، عن ابن عباس، قال رسول الله (ص): أبو بكر وعمر مني بمنزلة هارون من موسى.
قلت: لو كنتم تعرفون رأي علمائكم في رواة هذا الحديث لما تمسكتم به!
فإن قزعة كالآمدي، كذاب جعال، وإن كبار علمائكم الرجاليين، ردوا عليه وقالوا، إن رواياته غير مقبولة.
منهم: العلامة الذهبي في كتابه " ميزان الاعتدال " قال في ترجمة قزعة بن سويد: نقل هذا الحديث ـ منزلة الشيخين ـ عمار بن هارون وأنكره فقال : هذا كذب.
لذا فنحن نتعجب منكم إذ تتركون الحديث المجمع عليه، والمروي في كتب الفريقين، وهو مؤيد بأحاديث صحيحة أخرى، وتتمسكون بحديث ضعيف، مردود عند الفرقين، وغير مقبول عند كبار علمائكم الأعلام!!
ولما وصلنا إلى هنا نظر بعض الحضور إلى الساعة وقالوا: لقد طال بنا الحديث، ومضى من الليل نصفه، فلنترك الحوار حول الموضوع إلى الليلة القابلة.
فوافق جميع الحاضرين، وتوادعوا، وذهبوا إلى بيوتهم.
  #12  
قديم 05-05-08, 12:18 AM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي المجلس الخامس/ليلة الثلاثاء 27/ رجب / 1345 هجرية

أقبل الحافظ وسائر العلماء من أول الليل مع جماعة كبيرة من أتباعهم، وبعد تناول الشاي والحلوى، بدأ الحافظ قائلا:
لقد فكرت كثيرا في حديثكم وكلامكم حول حديث المنزلة، وراجعت كتبنا فرأيته كما ذكرتم أنه من الأحاديث الصحيحة المتواترة بإجماع علمائنا وأهل الحديث الموثقين عندنا..
ولكنه لا يدل على خلافة سيدنا علي كرم الله وجهه بعد وفاة النبي (ص) مباشرة من غير فاصل كما تقولون، بل صدر حديث المنزلة عند خروج النبي (ص) من المدينة إلى غزوة تبوك وخلّف عليا في المدينة.
فهو يدل على خلافة سيدنا علي رضي الله عنه لرسول الله (ص) في ذلك المورد فحسب، وذلك في حياة النبي (ص)، فلا يتعدى إلى موارد أخرى، وخاصة بعد وفاة رسول الله (ص)!
قلت: لو كان أحد الحاضرين من غير العلماء يطرح هذا الإشكال ما كنت أتعجب، ولكن هذا البيان من رجل فاضل يعلم قواعد اللغة العربية.. مثلكم غريب!
لأن الاستثناء الذي جاء في آخر حديث المنزلة يفيد العموم، وهو: " إلا أنه لا نبي بعدي ".
ثم هناك أصل مقبول عند أشهر علماء اللغة العربية وهو: إن اسم الجنس إذ ذكر في الكلام وكان مضافا إلى اسم علم فهو يفيد العموم وكلمة " المنزلة " التي أضيفت إلى اسم " هارون " يفهم منها معناها العام.
وجملة " لا نبي بعدي " يؤول على المصدر، أي: " لا نبوة بعدي " وهو أيضا على القاعدة المشهورة بين اللغويين العرب.
الحافظ: إذا ننظر إلى جملة: " لا نبي بعدي " بنظر الدقة، لوجدناها جملة إخبارية، فلا يمكن استثناؤها من منازل هارون ومراتبه، ثم ما الداعي لنصرف ظاهر الكلمة على المصدر؟!
قلت: إنك تعرف الحق وتحرفه جدلا! لأن كلامي غير شاذ، بل هو على القواعد المسلمة عند علماء اللغويين والأصوليين، وهناك كثير من علمائكم قالوا به وصرحوا بما فهمناه من حديث المنزلة.
وعندنا دليل أقوى من كل ذلك، وهو أن النبي (ص) صرح أيضا بهذا المعنى كما في بعض الروايات الصحيحة المعتبرة عند علمائكم، منهم:
1ـ محمد بن يوسف الكنجي الشافعي، في كتابه " كفاية الطالب في مناقب مولانا علي بن أبي طالب " الباب السبعين.
2ـ الشيخ سليمان الحنفي القندوزي، في كتابه " ينابيع المودة " بسنده عن عامر بن سعد، عن أبيه.
ومن طريق آخر بسنده عن مصعب بن سعد، عن أبيه، عن النبي (ص) قال لعلي عليه السلام: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي؟!
قال القندوزي في الباب السادس من كتابه: هذا حديث متفق على صحته، ورواه الأئمة الحفاظ كأبي عبدالله البخاري ومسلم بن الحجاج في صحيحيهما.
3ـ ابن كثير، في تاريخه، عن عائشة بنت سعد عن أبيها عن النبي (ص).
4ـ سبط ابن الجوزي، في " تذكرة الخواص ": 12، نقلا عن مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم.
5ـ الإمام أحمد، في المناقب.
6ـ أحمد بن شعيب النسائي، في كتابه " خصائص علي بن أبي طالب " بسنده عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله (ص).
7ـ الخطيب الخوارزمي، في المناقب، عن جابر بن عبدالله الأنصاري.
هؤلاء وغيرهم رووا عن رسول الله (ص) قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة؟!
8ـ المير سيد علي الهمداني، في كتابه " مودة القربى " ـ المودة السادسة، عن أنس بن مالك ـ وقد نقلت لكم الحديث في الليلة الماضية ـ يقول في آخره : ولو كان بعدي نبيا لكان علي نبيا ولكن لا نبوة بعدي.
فثبت بحديث المنزلة، أن موسى بن عمران (ع) كما خلف أخاه هارون (ع) مكانه حينما ذهب لميقات ربه سبحانه، وفوض أمر النبوة إليه، لأنه كان أفضل أمته وأحفظهم للدين، فجعله يقوم مقامه، كي لا يضيع شرعه وتذهب أتعابه سدى كذلك خاتم النبيين (ص)، وشريعته المقدسة أفضل الشرائع السماوية، ودينه المبين أكمل الأديان الإلهية.
فمن الأولى أن لا يترك أمته من غير خليفة، ولا بد له أن يعين من يقوم مقامه في أمر النبوة، كي لا تختلف أمته في أحكام الدين، ولا يضيع شرعه المقدس بين الجاهلين والمغرضين، فيتحكمون فيه ويفتون بالرأي والقياس، وما استحسنته عقولهم المتحجرة، فيذهبون إلى الدروشة والتصوف.. وما إلى ذلك.
حتى انقسمت الأمة الإسلامية الواحدة التي قال تعالى في وصفها: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)(1). فتفرقت إلى ثلاث وسبعين فرقة، واحدة ناجية والباقون في النار، لأنهم ضالون ومضلون.
فأعلن النبي (ص) أن عليا منه بمنزلة هارون من موسى، وبقي على المسلمين أن يفهموا من الحديث الشريف، بأن جميع منازل هارون تكون لعلي عليه السلام ، ومنها تفضيله على الآخرين، وخلافته للنبي (ص) في حياته وبعدها.
الحافظ: كل ما بينتموه حول حديث المنزلة نقبله، إلا هذا الموضوع الأخير. فإن كل منازل ومراتب هارون تكون لعلي كرم الله وجهه في حياة النبي (ص)، وأما بعد حياته فلا!
لأنه (ص) عين عليا خليفته في المدينة حينما أراد الخروج لغزوة تبوك ـ وهي قضية في واقعة ـ فلما رجع (ص) من الغزو تسلم الأمر من علي كرم الله وجهه ، وانتهى التعيين لأنه كان خاصا بذلك الزمان.
فلا نفهم من حديث المنزلة خلافة سيدنا علي رضي الله لسيدنا محمد المصطفى (ص) ما بعد وفاته (ص)، وهذا الأمر يحتاج إلى دليل آخر.
قلت: لم ينحصر صدور حديث المنزلة في غزوة تبوك فقط، بل نجد في الأخبار المعتبرة والروايات الصحيحة أن النبي (ص) أعلن حديث المنزلة في مناسبات أخر.
منها: حينما آخى بين أصحابه في مكة وأخرى في المدينة واتخذ عليا عليه السلام أخا لنفسه، فقال (ص) له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي.
الحافظ: هذا خبر غريب! لأني كل ما سمعت وقرأت عن حديث المنزلة ، أنه صدر من النبي (ص) حين ذهابه إلى تبوك، وذلك لما خلّف عليا رضي الله عنه في المدينة، فحزن علي لعدم مشاركته في الحرب والجهاد، فقال له رسول الله (ص): أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى...؟ إلى آخره.
لذلك فإني أظن أن سماحة السيد قد وهم في كلامه، واشتبه الأمر عليه.
قلت: إني لست متوهما، بل على يقين من كلامي، وهو قول جميع علماء الشيعة وكثير من علمائكم أيضا، منهم:
1ـ المسعودي، في مروج الذهب 2/ 49.
2ـ السيرة الحلبية 2/ 26 و120.
3ـ الإمام النسائي، في خصائص علي بن أبي طالب:19.
4ـ سبط ابن الجوزي، في التذكرة: 13 و14.
5ـ الشيخ سليمان الحنفي القندوزي، في " ينابيع المودة " الباب التاسع والسابع عشر، نقلا عن مسند أحمد، وعن زوائد المسند لعبدالله بن أحمد، وعن مناقب الخوارزمي.
كل هؤلاء ذكروا حديث المنزلة ضمن خبر المؤاخاة، والمستفاد من الأخبار والروايات، أن النبي (ص) كرر حديث المنزلة في حضور أصحابه وفي مناسبات كثيرة منها: عند المؤاخاة، وعند استخلافه (ص) عليا على المدينة حين خروجه (ص) منها إلى تبوك وغيرها.
فكان النبي (ص) كان يريد إعلان خلافة أخيه وابن عمه الإمام علي عليه السلام في كل وقت ومكان، لا في زمان ومكان معين.
الحافظ: كيف تفهمون من حديث المنزلة هذا الموضوع المهم، ولم يفهمه الصحابة الكرام ما فهمتموه؟!
أم تقولون إنهم فهموا من حديث المنزلة ما فهمتموه ومع ذلك خالفوا نبيهم وبايعوا غير سيدنا علي رضي الله عنه؟!
قلت: في جواب سؤالك الثاني، الذي هو قولنا، عندي قضايا مشابهة كثيرة، ولكن أكتفي بنقل قضية واحدة وهي قضية هارون الذي نحن في ذكره والكلام يدور حوله.
وعلي عليه السلام في الإسلام يشبه هارون في بني إسرائيل، والقضية كما ذكرها المفسرون عند تفسير قوله تعالى: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين)(2).
قال المفسرون: إن موسى بن عمران لما أراد أن يذهب إلى ميقات ربه تعالى، جمع بني إسرائيل ـ والحاضرون على بعض الروايات سبعون ألف نفر، فأكد عليهم أن يطيعوا أمر هارون ولا يخالفوه في شيء، فإنه خليفته فيهم.
ثم لما ذهب إلى الميقات وطال مكثه، انقلب بنو إسرائيل على هارون فخالفوه وأطاعوا السامري، وسجدوا للعجل الذي صنعه السامري من حليهم وذهبهم!
ولما منعهم هارون ونهاهم من ذلك ودعاهم لعبادة الله سبحانه تألبوا عليه وكادوا يقتلونه، كما حكى الله تعالى عن قول هارون: (إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني)(3).
بالله عليكم، أيها الحاضرون، أنصفوا!! هل إن اجتماع أمة موسى حول السامري و عجلهم، وتركهم هارون خليفة موسى بن عمران، المؤيد من عند الله، والمنصوص عليه بالخلافة، دليل على أحقية السامري وبطلان خلافة هارون؟!
هل إن عمل بني إسرائيل صحيح عند الله سبحانه وتعالى؟!
هل لعاقل أن يقول: إن بني إسرائيل إذا كانوا يسمعون من لسان نبيهم نصا في خلافة هارون ما كانوا يتركوه، ويجتمعون حول السامري وعجله؟!
وهل إن اجتماعهم حول السامري وعجله، دليل على أنهم ما سمعوا نصا من موسى بن عمران في خلافة أخيه هارون؟!
كلنا يعلم أن هذا كلام تافه وواه.، لأن القرآن الكريم يصرح بأن موسى (ع) نصب هارون في مقامه، وعينه خليفته في قومه، ثم ذهب إلى ميقات ربه، ولكن بني إسرائيل مع ذلك ضلوا عن الحق، بإغواء السامري وتدليس إبليس لعنه الله.
فهم مع علمهم بخلافة هارون ووجوب إطاعتهم أمره، خالفوه وكادوا يقتلونه، بل أطاعوا السامري وسجدوا لعجله وعبدوه!!
كذلك بعد وفاة النبي (ص)، إن أولئك الذين سمعوا من فم رسول الله (ص) كرارا ومرارا، بالصراحة والكناية، يقول: إن علي بن أبي طالب خليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا، فكما أن أمة موسى تركوا هارون، كذلك أمة محمد (ص) تركوا عليا، وتبعوا أهواءهم.
بعضهم للرئاسة والدنيا كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها (4).
وبعضهم للحقد الذي كان مكنونا في صدورهم، لأن عليا عليه السلام قتل أبطالهم وجندل ذؤبانهم، وضربهم بسيفه حتى استسلموا وقالوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، بألسنتهم ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، فكانوا يتحينون الفرصة لإظهار بغضهم الدفين، فلما أتيحت لهم الفرصة بوفاة رسول الله (ص) انقلبوا على أعقابهم، وفعلوا ما فعلوا ظلما وعناد.
وبعضهم للحسد والكبرياء، لأنهم كانوا أسن من الإمام علي (ع)، وهو يوم ذاك لم يبلغ الأربعين من العمر، فثقل عليهم أن يخضعوا له ويطيعوا أمره!
لهذه الأسباب ونحوها تركوا خليفة نبيهم وخذلوه وكادوا يقتلوه، كما كاد بنو إسرائيل أن يقتلوا هارون!!
لذلك روى ابن قتيبة وهو من كبار علمائكم، في كتابه الإمامة والسياسة صفحة 13 ـ 14 / ط مطبعة الأمة بمصر تحت عنوان: " كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ".
قال: وإن أبا بكر (رض) تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه، فبعث إليهم عمر، فجاء وناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقها على من فيها!
فقيل له: يا أبا حفص، إن فيها فاطمة!
فقال: وإن!!
فخرجوا وبايعوا إلا عليا... فأخرجوا عليا، فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع.
فقال: إن أنا لم أفعل فمه؟!
قالوا: إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك!!
قال: إذا تقتلون عبدالله وأخا رسوله.
قال: عمر أما عبدالله فنعم، وأما أخو رسوله فلا!
وأبو بكر ساكت لا يتكلم، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟!!
فقال: لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه.
فلحق علي بقبر رسول الله (ص) يصيح ويبكي وينادي: (يابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني)(5).
ونقل أكثر المؤرخين الموثقين عندكم أن الإمام عليا (ع) تلا هذه الآية عند قبر رسول الله (ص) في تلك الحالة العصيبة، وهي حكاية قول هارون عند أخيه موسى بن عمران حينما رجع من ميقات ربه، فشكى إليه قومه بني إسرائيل، وكيف استضعفوه وصاروا ضده.
وإني أعتقد أن رسول الله (ص) كان يعلم بأنه سيجري من قومه على وصيه وخليفته من بعده، ما جرى على هارون من أمة موسى في غيبته، ولذلك شبه عليا (ع) بهارون.
والإمام علي (ع) لإثبات هذا المعنى خاطب النبي (ص) عند قبره فقال له ما قال هارون لأخيه موسى، قوله تعالى: (إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني)(6).
فلما وصل حديثنا إلى هذه النقطة، سكت الحافظ وبهت الحاضرون، وبدا ينظر بعضهم إلى بعض، في حالة من التفكر والتعجب.
فرفع النواب رأسه وقال: إذا كانت الخلافة حق الإمام علي (ع) بعد النبي (ص) مباشرة من غير تأخر وذلك بأمر الله تعالى كما تقولون، فلماذا لم يصرح به رسول الله (ص) أمام أصحابه والذين آمنوا به؟!
فلو كان النبي (ص) يقول بالصراحة: يا قوم! إن علي بن أبي طالب خليفتي فيكم وهو بعدي أميركم والحاكم عليكم، فلم يكن حينئذ عذر للأمة في تركه ومبايعة غيره ومتابعة الآخرين!
قلت:
أولا: المشهورين بين أهل اللغة والأدب بأن: " الكناية أبلغ من التصريح " فتوجد في الكناية نكات دقيقة ولطائف رقيقة لا توجد في التصريح أبدا.
مثلا... المعاني الجمة التي تستخرج من كلمة " المنزلة " فيما نحن فيه من البحث حول حديث المنزلة، تكون أعم وأشمل من كلمة " الخليفة " لأن الخلافة تكون جزءا وفرعا لمنزلة هارون من موسى.
ثانيا: توجد تصريحات من النبي (ص) في خلافة الإمام علي (ع).
النواب: هل يمكن أن تبينوا لنا تلك التصريحات وأعتذر أنا من هذا السؤال، لأن علماؤنا يقولون لنا: لا يوجد حديث صريح من رسول الله (ص) في خلافة علي كرم الله وجهه، وإنما الشيعة يؤولون بعض الأحاديث النبوية الشريفة في خلافة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه!
قلت: إن الذين قالوا لكم هذا الكلام، إما هم جهال في زي أهل العلم، أو علماء
يتجاهلون ! لأن الأحاديث الصريحة في خلافة الإمام علي (ع) وتعيينه دون غيره كثيرة، وقد ذكرها علماؤكم الأعلام في الكتب المعتبرة، وأنا الآن أبين لكم بعض ما يحضرني، حسب ما يسمح به الوقت

يوم الإنذار
أول مناسبة صرح فيها رسول الله (ص) بخلافة الإمام علي في أوان رسالته والإسلام بعد لم ينتشر، بل كان لا يزال في مهده ولم يخرج من مكة المكرمة، لما نزلت الآية الكريمة: (وأنذر عشيرتك الأقربين...)(7).
روى الإمام أحمد، في مسنده 1/111 و 159 و333.
والثعلبي في تفسيره عند آية الإنذار.
والعلامة الكنجي الشافعي، في " كفاية الطالب " أفرد لها الباب الحادي و الخمسين.
والخطيب موفق بن أحمد الخوارزمي، في المناقب.
ومحمد بن جرير الطبري، في تفسيره عند آية الإنذار، وفي تاريخه 2/217 بطرق كثيرة.
وابن أبي الحديد، في شرح " نهج البلاغة ".
وابن الأثير، في تاريخه، الكامل 2/22.
والحافظ أبو نعيم، في " حلية الأولياء ".
والحميدي، في " الجمع بين الصحيحين ".
والبيهقي، في " السنن والدلائل ".
وأبو الفداء، في تاريخه 1/116.
والحلبي، في السيرة 1/381.
والإمام النسائي، في الخصائص، حديث رقم 65.
والحاكم في المستدرك 3/132.
والشيخ سليمان الحنفي، في الينابيع، أفرد لها الباب الحادي والثلاثين.
وغيرهم من كبار علمائكم ومحدثيكم ومفسريكم، رووا ـ مع اختلاف يسير في العبارات ـ:
إنه لما نزلت الآية الشريفة: (وأنذر عشيرتك الأقربين) جمع رسول الله (ص) بني عبد المطلب، وكانوا أربعين رجلا، منهم من يأكل الجذعة(8) ويشرب العس(9).، فصنع لهم مدا من طعام، فأكلوا حتى شبعوا، وبقي كما هو!
ثم دعا بعس، فشربوا حتى رووا، وبقي كأنه لم يُشرب!
ثم خاطبهم رسول الله (ص) قائلا:
يا بني عبد المطلب! إن الله بعثني للخلق كافة وإليكم خاصة، وقد رأيتم ما رأيتم، وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان وثقيلتين في الميزان، تملكون بها العرب والعجم، وتنقاد لكم الأمم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون بهما من النار، وهما شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله.
فمن منكم يجبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي؟
وفي بعض الأخبار: يكون أخي وصاحبي في الجنة. وفي بعض الأخبار : يكون خليفتي في أهلي.
فلم يجبه أحد إلا علي بن أبي طالب، وهو أصغر القوم.
فقال له النبي (ص): اجلس، وكرر النبي (ص) مقالته ثلاث مرات ولم يجبه أحد، إلا علي بن أبي طالب (ع).
وفي المرة الثالثة، أخذ بيده وقال للقوم: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا.
هذا الخبر الهام الذي اتفق على صحته علماء الفريقين من الشيعة والسنة.

تصريحات أخرى في خلافة علي (ع)
وهناك تصريحات أخرى من رسول الله (ص) في شأن خلافة الإمام علي (ع)، ذكرها علماؤكم ومحدثوكم الموثقون لديكم في كتبهم المعتبرة، منهم:
1ـ الإمام أحمد في " المسند " والمير السيد علي الهمداني الشافعي في كتابه " مودة القربى " في آخر المودة الرابعة، عن النبي (ص) قال: يا علي! أنت تبرئ ذمتي، وأنت خليفتي على أمتي.
2ـ الإمام أحمد في " المسند " بطرق شتى، وابن المغازلي الشافعي في المناقب، والثعلبي في تفسيره، عن النبي (ص) أنه قال لعلي (ع): أنت أخي، ووصيي، وخليفتي، وقاضي ديني.
3ـ العلامة الراغب الأصبهاني، في كتابه محاضرات الأدباء 2/213 ط. المطبعة الشرفية سنة 1326 هجرية، عن أنس بن مالك، عن النبي (ص) أنه قال: إن خليلي ووزيري وخليفتي وخير من أترك بعدي، يقضي ديني، وينجز موعدي، علي بن أبي طالب.
4ـ المير السيد علي الهمداني الشافعي في كتابه " مودة القربى " في أوائل المودة السادسة، روى عن عمر بن الخطاب، قال: إن رسول الله (ص) لما آخى بين أصحابه قال (ص): هذا علي أخي في الدنيا والآخرة، وخليفتي في أهلي، ووصيي في أمتي، ووارث علمي، وقاضي ديني، ماله مني مالي منه، نفعه نفعي، وضره ضري، من أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني.
وفي رواية أخرى ـ في المودة السادسة ـ قال (ص) مشيرا لعلي (ع): وهو خليفتي ووزيري.
5ـ العلامة محمد بن يوسف الكنجي الشافعي، في كتابه " كفاية الطالب " في الباب الرابع والأربعين، روى بسنده عن ابن عباس، قال:
ستكون فتنة، فمن أدركها منكم فعليه بخصلة من كتاب الله تعالى وعلي بن أبي طالب (ع).
فإني سمعت رسول الله (ص) وهو يقول: هذا أول من آمن بي، وأول من يصافحني، وهو فاروق هذه الأمة، يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة، وهو الصديق الأكبر، وهو بابي الذي أوتي منه، وهو خليفتي من بعدي.
قال العلامة الكنجي: هكذا أخرجه محدث الشام في فضائل علي (ع)، في الجزء التاسع والأربعين بعد الثلاثمائة من كتابه بطرق شتى.
6ـ أخرج البيهقي والخطيب الخوارزمي وابن المغازلي الشافعي في " المناقب ":
عن النبي (ص) أنه قال (ص) لعلي (ع): إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي، وأنت أولى بالمؤمنين من بعدي.
7ـ الإمام النسائي، وهو أحد أئمة الحديث وصاحب أحد الصحاح الستة عندكم، أخرج في كتابه (الخصائص) في ضمن الحديث 23:
عن ابن عباس، أن النبي (ص) قال لعلي: أنت خليفتي في كل مؤمن من بعدي.
فالنبي (ص) يؤكد في هذا الحديث أن عليا (ع) خليفته من بعده، أي مباشرة وبلا فصل، فلا اعتبار لإدعاء أي مدع خلافة النبي (ص) من الذين نازعوا عليا (ع) وغصبوا منصبه ومقامه(10) لوجود حرف: " من " في الحديث، فهي إما أن تكون بيانية أو ابتدائية، وعلى التقديرين يتعين علي (ع) بعد النبي (ص) بأنه خليفته بلا فصل.
8ـ المير السيد علي الهمداني: أخرج في كتابه " مودة القربى " في الحديث الثاني من المودة السادسة، بسنده عن أنس، رفعه عن النبي (ص) قال: إن الله اصطفاني على الأنبياء فاختارني واختار لي وصيا، واخترت ابن عمي وصيي، يشد عضدي كما يشد عضد موسى بأخيه هارون، وهو خليفتي، ووزيري، ولو كان بعدي نبيا لكان علي نبيا، ولكن لا نبوة بعدي.
9ـ أخرج الطبري في كتابه " الولاية " خطبة الغدير، عن النبي (ص) يقول فيها: قد أمرني جبرئيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد، واعلم كل أبيض وأسود: أن علي بن أبي طالب أخي، ووصيي، و خليفتي، والإمام بعدي.
ثم قال: معاشر الناس! فإن الله قد نصبه لكم وليا وإماما وفرض طاعته على كل أحد، ماض حكمه، جائز قوله، ملعون من خالفه، مرحوم من صدقه.
10ـ أخرج أبو المؤيد بن أحمد الخوارزمي في كتابه " فضائل أمير المؤمنين (ع) " الفضل 19، بإسناده عن النبي (ص) أنه قال: لما وصلت في المعراج إلى سدرة المنتهى، خاطبني الجليل قائلا: يا محمد! أي خلقي وجدته أطوع لك؟
فقلت: يا رب، علي أطوع خلقك إلي.
قال عز وجل: صدقت يا محمد.
ثم قال: فهل اتخذت لنفسك خليفة يؤدي عنك، ويعلم عبادي من كتابي ما لا يعلمون.
قال (ص): قلت: يا رب اختر لي، فإن خيرتك خيرتي.
قال: اخترت لك عليا (ع)، فاتخذه لنفسك خليفة ووصية، ونحلته علمي وحلمي، وهو أمير المؤمنين حقا، لم ينلها أحد قبله، وليست لأحد بعده (11).
اعلموا أن الأخبار في هذا المضمار، كثيرة في كتبكم المعتبرة، وقد نقلت لكم بعض ما أحفظ منها، كي يعلم الحافظ بأننا لا نرو إلا ما رواه علماؤكم الأعلام، ولا نقول إلا الحق، ولا نعتقد إلا بالحقيقة والواقع.
والجدير بالذكر أن بعض علمائكم المنصفين اعترفوا بخلافة علي بن أبي طالب عليه السلام كما نعتقد نحن، منهم: إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري، المعروف بالنظّام(12)، فإنه يقول: نص النبي (ص) على أن الإمام هو علي وعيّّنه، وعَرَفت الصحابة ذلك، ولكن كتمه عمر لأجل أبي بكر رضي الله عنهما.
ونحن لما لم ندرك عصر النبي (ص) ولم نحظ بصحبته، يجب أن نراجع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة عند الفريقين في تعرف الأفضل والأعلم والأرجح عند الله ورسوله والأحب إليهما فهو أولى من غيره في خلافة النبي (ص).
ولا يخفى على أي عالم منصف غير معاند: أن الأخبار الصريحة في خلافة علي عليه السلام وإمامته، وفي وصايته وولايته، وكذلك في أفضليته وأعلميته وأرجحيته من سائر الصحابة، والمسلمين، كثيرة جدا.
وهي مروية عن طرقكم وبأسانيدكم المعتبرة، ومنقولة في كتبكم وتصانيف علمائكم الأعلام، وهي كثيرة وكثيرة بحيث لم يرد معشارها في حق أي واحد من الصحابة الكرام.
وإن أكثر تلك الفضائل العلوية والمناقب الحيدرية تعد من خصائص الإمام علي عليه السلام، ولم يشاركه فيها أحد، ولم يشابهه فيها أحد من الصحابة الأوفياء، ولكنه شاركهم في جميع فضائلهم ومناقبهم.
وقد ذكرنا لكم بعض الأخبار المروية عن طرقكم والمسجلة في مسانيدكم ومصادركم في حق الإمام علي عليه السلام، ضمن حديثنا وحوارنا في الليالي السالفة والمجالس السابقة.
وإليكم نموذجا من حديث النبي (ص) نقله علماؤكم الأعلام، يصرح نبي الإسلام فيها أن فضائل ومناقب الإمام علي عليه السلام كثيرة جدا بحيث لا تعد ولا تحصى.
أخرج الموفق ابن أحمد الخوارزمي في المناقب:18، والعلامة محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كتابه " كفاية الطالب " الباب الثاني والستين، في تخصيص علي عليه السلام بمائة منقبة دون سائر الصحابة، جاء في الباب، ص 123، بسنده عن ابن عباس، قال:
قال رسول الله (ص): لو أن الغياض أقلام، والبحر مداد، والجن حساب، والإنس كتاب، ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب.
وأخرج السيد علي الهمداني بسنده عن عمر بن الخطاب، رفعه، قال : قال رسول الله (ص): لو أن البحر مداد، والرياض أقلام، والإنس كتاب، والجن حساب، ما أحصوا فضائلك يا أبا الحسن.
وأخرجه ابن الصباغ المالكي في " الفصول المهمة " بسنده عن ابن عباس، وأخرجه سبط ابن الجوزي في " التذكرة " (13) لذلك نحن نعتقد أن عليا عليه السلام أحق من غيره بالخلافة.
الشيخ عبد السلام: نحن لا ننكر فضائل ومناقب مولانا علي كرم الله وجهه، ولكن انحصار الفضائل فيه غير معقول، لأن الخلفاء الراشدين ـ رضي الله عنهم ـ أكرم أصحاب رسول الله (ص) وهم في الرتبة والفضل متساوون.
ولكنكم تنحازون إلى جانب سيدنا علي رضي الله عنه، وتنقلون كل الفضائل باسمه دون غيره، ولا تذكرون فضائل الصحابة الآخرين!
وهذا العمل يحرف أفكار الحاضرين عن الواقع فيلتبس الأمر عليهم، وهذا هو التعصب!
فلكي ينكشف الحق للحاضرين، ولا يلتبس الأمر عليهم، أريد أن أذكر شيئا من فضائل ومناقب الخلفاء الراشدين.
قلت: نحن نتبع العقل والعلم، ونقبل الدليل والبرهان، نحن لا نحصر الفضائل في الإمام علي عليه السلام، وإنما نمحّضه في الفضائل، ونجله عن الرذائل، وذلك لنزول آية التطهير في شأنه.
وأما الانحياز إلى جانبه فليس منا فحسب، بل الله ورسوله انحازا إليه، كما نجد الآيات القرآنية في حقه والأحاديث النبوية الصريحة في فضله.
وأما نسبة التعصب إلينا فهو بهتان وافتراء، فإن التعصب معناه الالتزام بشيء مع الإصرار من غير دليل.
وأنا أشهد الله سبحانه بأني ما التزمت بشيء من أمور ديني، وما تمسكت بولاية الإمام علي عليه السلام والأئمة الهادين من ولده، إلا بدليل القرآن والسنة والعقل السليم.
لذا أرجو من الحاضرين أن ينبهوني إذا تكلمت بشيء بغير دليل، أو تحدثت على خلاف
المنطق والعقل، فأكون لهم شاكرا.
وأما حديثكم في مناقب الراشدين فيكون مقبولا بشرط أن تروون الأخبار الصحيحة عند الفريقين، فنتبرك بها، لأننا لا ننكر مناقب وفضائل الصحابة الطيبين، ولا شك أن لكل واحد من الأصحاب المؤمنين له فضائل ومناقب، ولكن الغرض من هذا المجلس والحوار، البحث عن أفضلهم وأحسنهم وأكثرهم منقبة عند الفرقين: الشيعة والسنة.
فإن كلامنا يدور حول الأفضل لا الفاضل، لأن الفضلاء كثيرون، والأفضل واحد منهم بحكم العقل والنقل، وهو أحق أن يتبع ويطاع.
الشيخ عبد السلام: إنكم تغالطون في الموضوع، لأن كتبكم لا تحتوي على أي خبر أو حديث في فضل الخلفاء الراشدين غير سيدنا علي كرم الله وجهه، فكيف أنقل لهذا الجمع أخبارا مقبولة لديكم؟!
قلت: هذا الإشكال يرد عليكم، لأنه في أول ليلة حينما أردنا أن نبدأ بالبحث، قال الحافظ محمد رشيد سلمه الله: إن الاحتجاج والاستدلال يجب أن يكون بالآيات القرآنية والأخبار المروية المقبولة عند الفريقين، وأنا قبلت الشرط، لأنه مقتضى العقل، وعلمت به في أثناء الحوار والحديث في المجالس السابقة.
والحاضرون يشهدون، وأنتم تعلمون بأني كل ما احتججت به عليكم واستدللت به على صحة كلامي، إنما كان من القرآن الحكيم وأحاديث النبي الكريم (ص) المعتبرة والمقبولة عندكم.
وأنا إلى آخر حواري معكم، وحتى الوصول إلى النتيجة القطعية لا أنقض الشرط، بل أعمل على وفقه إن شاء الله تعالى.
ومع ذلك كله فإني أتساهل معكم، وأتنازل لكم، وأقبل منكم الروايات المنقولة في كتبكم دون كتبنا، شريطة أن لا تكون موضوعة أو مجعولة، وأن لا يأباها العقل السليم، فنستمع إليها مع الحاضرين، ثم نقضي فيها بالعدل والإنصاف ، لنرى هل الأخبار التي تقرأها وترويها لنا، هل تفضل وترجح أحدا على سيدنا ومولانا علي بن أبي طالب في العلم والجهاد والرتبة والمنزلة عند الله سبحانه وعند رسوله (ص) ؟!
الشيخ عبد السلام: إنكم نقلتم أحاديث وأخبارا صحيحة وصريحة في خلافة سيدنا علي كرم الله وجهه، ولكنكم غافلون أن عندنا أخبارا كثيرة في خلافة سيدنا أبي بكر (رض).
قلت: مع أن كبار علمائكم أمثال: الذهبي والسيوطي وابن أبي الحديد وغيرهم أعلنوا بأن الأمويين والبكريين وضعوا أحاديث كثيرة مجعولة في فضائل أبي بكر، مع ذلك نحن نستمع إليك رجاء أن لا تكون رواياتك وأخبارك من تلك الموضوعات والمجعولات.

نقل حديث في فضل أبي بكر وردّه
الشيخ عبد السلام: لقد ورد في حديث معتبر عن عمر بن إبراهيم بن خالد، عن عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده العباس، أن رسول الله (ص) قال: يا عم! إن الله جعل أبي بكر خليفتي على دين الله، فاسمعوا له وأطيعوا تفلحوا.
قلت: هذا حديث مردود، ليس قابلا للبحث والنقاش.
الشيخ عبد السلام: كيف يكون مردودا وهو مروي عن العباس عم النبي؟!
قلت: إنه حديث مردود عند علمائكم أيضا، فإن كبار علمائكم نسبوا بعض رواة هذا الحديث مثل: عمر بن إبراهيم إلى الكذب وجعل الأحاديث، فلذا فإن رواياته ساقطة عن الاعتبار.
قال الذهبي في كتابه " ميزان الاعتدال " في ترجمة إبراهيم بن خالد، وقال الخطيب البغدادي في " تاريخه " في ترجمة عمر بن إبراهيم: إنه كذاب، ساقطة عن الاعتبار.
الشيخ عبد السلام: ما تقول في هذا الحديث الذي رواه الصحابي الثقة أبو هريرة: إن جبرئيل نزل على النبي (ص) وقال: إن الله تعالى يبلغك السلام ويقول: إني راض عن أبي بكر، فاسأله هل هو راض عني؟!!
قلت: يجب أن ندقق في نقل الأخبار والأحاديث، حتى لا نواجه مخالفة العقلاء. وليكن الحديث الذي نقله ابن حجر في " الإصابة " وابن عبد البر في " الاستيعاب " نصب أعينكم، وهو:
عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: كثرت علي الكذابة، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، وكلما حدثتم بحديث مني فاعرضوه على كتاب الله.
وليكن نصب أعينكم الحديث الذي رواه الفخر الرازي في تفسيره ج3، آخر الصفحة 371، عن النبي (ص) قال: إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فإن وافقه فاقبلوه، وإلا فردوه.
فإذا كان في حيلة النبي (ص) أناس يكذبون عليه ويجعلون الأحاديث عن لسانه الشريف، فكيف بعد موته؟!
ومن جملة المزورين الجاعلين للحديث عن لسان النبي (ص): أبو هريرة، الذي رويت عنه خلافة أبي بكر!
الشيخ عبد السلام: لا نتوقع منك أن ترد صحابيا جليلا مثل أبي هريرة وتطعن فيه! وأنت عالم فاهم.
قلت: لا ترعبني بكلمة " الصحابي " لأن الصحابي أيا كان إذا راعى حق صحبته للنبي بأن كان سامعا لقوله، مطيعا لأمره فهو محترم مكرم، وصحبته تكون له شرفا وفخرا.
ولكن إذا كان يخالف أوامر رسول الله (ص)، ويعمل حسب رأيه وهواه ، ويكذب على النبي (ص) فهو ملعون ملعون، وليست حصيلة صحبته إلا الخزي والعار في الدنيا، وهو في الآخرة من أصحاب النار.
أما كان المنافقون حول رسول الله (ص) كما يصرح القرآن الكريم؟ وكانوا يعدون في الظاهر من أصحابه، لأن الصحابي هو الذي أدرك النبي (ص) وسمع حديثه ، والمنافقون كذلك، ولكنهم ملعونون ومعذبون في النار.
إذا لا ترعبني يا شيخ بكلمة " الصحابي " لأن أبا هريرة هو من جملة أولئك المنافقين الملعونين، ولذا فإن رواياته مردودة غير معتبرة عند أهل الحديث المحققين.
الشيخ عبد السلام:
أولا: إن كان أبو هريرة مردودا عند جماعة من العلماء، فهو مقبول عند آخرين.
ثانيا: لا دليل على أن المردود عند بعض العلماء يكون ملعونا، ويكون من أهل النار، لأن الملعون هو الذي لعن في القرآن الحكيم أو على لسان النبي الكريم (ص).

دليل لعن أبي هريرة
قلت: أدلة العلماء الذين ردوا روايات أبي هريرة ورفضوها كثيرة وغير قابلة للتأويل.
منها: إنه كان موافقا لمعاوية، وهو رأس المنافقين وزعيمهم، الملعون على لسان النبي المأمون (ص).
وقد كان أبو هريرة، كما نقل العلامة الزمخشري في " ربيع الأبرار " وابن أبي الحديد في " شرح نهج البلاغة " وغيرهما، أنه كان في أيام صفين يصلي خلف الإمام علي عليه السلام ويجلس على مائدة معاوية فيأكل معه، ولما سئل عن ذلك؟ أجاب: مضيرة معاوية أدسم، والصلاة خلف علي أفضل (أتمّ) ولذا اشتهر بشيخ المضيرة.
ومنها: إنه روي، كما في كتب كبار علمائكم مثل: شيخ الإسلام الحمويني في " فرائد السمطين " باب 37، والخوارزمي في " المناقب " والطبراني في " الأوسط " والكنجي الشافعي في " كفاية الطالب " والإمام أحمد في " المسند " والشيخ سليمان القندوزي في " ينابيع المودة " وأبو يعلى في " المسند " والمتقي الهندي في " كنز العمال " وسعيد ابن منصور في " السنن " والخطيب البغدادي في " تاريخه " والحافظ ابن مردويه في " المناقب " والسمعاني في " فضائل الصحابة " والفخر الرازي في " تفسيره " والراغب الأصفهاني في " محاضرات الأدباء " وغيرهم، رووا عن النبي (ص) أنه قال: علي مع الحق، والحق مع علي، يدور الحق حيثما دار علي عليه السلام.
وقال (ص): علي مع القرآن، والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.
وأبو هريرة يترك الحق والقرآن بتركه عليا عليه السلام، ويحارب الحق والقرآن بانضمامه إلى معاوية بن أبي سفيان، ومع ذلك تقولون: هو صحابي جليل وغير مردود وغير ملعون!
ومنها: أنه روي في كتب علمائكم، مثل الحاكم النيسابوري في المستدرك 3/124، والإمام أحمد في " المسند " والطبراني في " الأوسط "، وابن المغازلي في " المناقب " والكنجي الشافعي في " كفاية الطالب " الباب العاشر، وشيخ الإسلام الحمويني في " الفرائد "، والمتقي الهندي في " كنز العمال " 6/153، وابن حجر في الصواعق: 74 و75.
عن النبي (ص) قال: علي مني، وأنا من علي، من سبه فقد سبني، ومن سبني فقد سبّ الله.
مع ذلك كله يذهب أبو هريرة إلى معاوية ويجالسه، حتى يصبح من ندماء معاوية الذي كان في السر والعلن، وعلى المنابر، وعلى رؤوس الأشهاد، وفي قنوت الصلوات، وخطب الجمعات، يسبّ ويلعن الإمام عليا والحسن والحسين عليهم السلام.
وكان يأمر ولاته الفسقة الفجرة أن يقتدوا به ويفعلوا مثل فعله!
وأبو هريرة يركن إليه ويجامله ويجالسه ويؤاكله، ولا ينهاه عن كفره ومنكراته، بل يجعل الأحاديث عن لسان النبي (ص) في تأييده وتصحيح أفعاله المنكرة، ويغوي الناس العوام، ويبعدهم من الإمام، ويحرفهم عن الإسلام، ومع هذا كله لا يسقط عندكم عن درجة الاعتبار؟!!
الشيخ عبد السلام: هل من المعقول أن نقبل هذه التهم والمفتريات على صحابي طاهر القلب؟! إنما هي من موضوعات الشيعة!!
قلت: نعم، ليس بمعقول أن صحابيا طاهر القلب يقوم بهذه المنكرات، لأن العامل بها كائنا من كان، فإنه آثم قلبه.
وكل من يكذب على النبي الأكرم (ص) ويسب الله ورسوله فإنه كافر ومخلد في جهنم وإن كان من صحابة الرسول (ص)!
  #13  
قديم 05-05-08, 12:19 AM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي

وبنص الأخبار الكثيرة الواردة في كتبنا وفي كتب كبار علمائكم الأعلام أن النبي (ص) قال: من سبّ عليا فقد سبّني وسب ّالله سبحانه.
وأما قولكم: إن هذا الكلام من موضوعات الشيعة، فهو اشتباه محض ، لأنكم تقيسون القضايا على أنفسكم، وأن كثيرا منكم لا يتورعون من الكذب وكيل الاتهامات على شيعة آل محمد (ص) من أجل الوصول إلى غاياتهم الدنيوية، فيغوون بكلامهم الباطل العوام الجاهلين، ولا يخشون يوم الدين ومحاسبة رب العالمين.
عبد السلام: إنما أنتم الشيعة كذلك! فأنت أحد علمائهم، وفي مجلسنا هذا لا تتورع عن سبّ الصحابة الكرام، والافتراءات عليهم، فكيف تتورع من الافتراء على علمائنا الأعلام؟!
قلت: ولكن التاريخ يشهد على خلاف ما تدعيه، فإن أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم منذ قبض رسول الله (ص) مضطهدون ومشردون ومحاربون!
إذ أن حكومة بني أمية حين أسست قررت محاربة آل محمد (ص) وعترته الطاهرة، وأعلنوا على المنابر سبّ علي بن أبي طالب ولعنه، وهو أبو العترة وسيدهم ، بل أمعنوا في السب واللعن حتى سبّوا الحسن والحسين وهما سبطا رسول الله و ريحانتاه وسيدا شباب أهل الجنة.
وقاموا بمطاردة الشيعة حتى إذا ظفروا بهم سجنوهم وعذبوهم، وكم قتلوا منهم صبرا تحت التعذيب!!
والمؤسف أن بعض علمائكم كانوا يساندون أولئك الظلمة ويفتون بمشروعية تلك الأعمال الجنائية والإجرامية!!
وبعضهم يحوكون الأكاذيب والأباطيل بأقلامهم المأجورة فينسبونها على الشيعة على أنها من معتقداتهم! وبناء عليها يحكمون على الشيعة المؤمنين بالكفر والشرك والرفض والغلو، وما إلى ذلك من التهم والأباطيل، فيزرعون في قلوب أتباعهم ، العوام الغافلين، بذور عداوة الشيعة المؤمنين.
عبد السلام: إن علماءنا الأعلام كتبوا عن واقعكم ولم ينسبوا إليكم ما ليس فيكم، وإنما كشفوا عن أعمالكم الفاسدة وعقائدكم الباطلة، فاتركوها حتى تسلموا من أقلام علمائنا الكرام.

مفتريات ابن عبد ربه
قلت: ما كنت أحب أن أخوض هذا البحث وأسوق الحديث في هذا الميدان، ولكنك اضطررتني إلى ذلك، فأبين الآن لمحة للحاضرين حتى يعرفوا كيف ينسب علماؤكم إلينا ما ليس فينا!!
فأقول: أحد كبار علمائكم، المشهور بالأدب واللغة، هو شهاب الدين أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبي المالكي، المتوفي سنة328 هجرية، ففي كتابه العقد الفريد 269/1: يعبر عن الشيعة الموحدين المؤمنين، بأنهم يهود هذه الأمة، ثم إنه كما يتهجم على اليهود والنصارى ويبدي عداءه لهم، يتهجّم على شيعة آل محمد (ص) ويظهر لهم البغض والعداء.
ومن جملة مفترياته وأباطيله على الشيعة، يقول:
الشيعة لا يعتقدون بالطلاق الثلاث، كاليهود...
الشيعة لا يلتزمون بعدة الطلاق!
والحال أن أكثر الحاضرين من أهل السنة في المجلس يعاشرون الشيعة ويتزاورون معهم يشهدون بخلاف هذا العالم المعاند الضالّ المضلّ.
وأنتم إن كان عندكم أدنى اطلاع على فقه الشيعة فستعرفون بطلان كلام ابن عبد ربه، وإن لم يكن عندكم اطلاع فخذوا أي كتاب شئتم من فقه الشيعة واقرءوها حتى تعرفوا أحكامنا حول مسألة الطلاق الثلاث وعدة الطلاق.
ثم إن عمل الشيعة في كل مكان بمسائل الطلاق والتزامهم بالعدة، أكبر دليل على بطلان كلام ابن عبد ربه.
ويقول هذا المفتري أيضا: إن الشيعة كاليهود، يعادون جبرئيل، لأن في اعتقادهم أنه أنزل الوحي على محمد بدل أن ينزله على علي بن أبي طالب!
" الشيعة الحاضرون كلهم ضحكوا من هذا الكلام "
فتوجهت إلى العامة الحاضرين وقلت لهم: انظروا هؤلاء الشيعة كلهم ضحكوا من هذا الكلام السخيف وسخروا منه، فكيف يعتقدون به؟!
فلو كان ابن عبد ربه يطالع كتب الشيعة ويحقق في معتقداتهم ما كان يتكلم بهذا الكلام المهين، وما كان اليوم يظهر جهله للحاضرين، أو يحكم عليه بأنه من المغرضين، وفي قلبه داء دفين، يريد أن يفرق بين المسلمين!!
أما نحن الشيعة فنعتقد أن محمدا المصطفى هو خاتم الأنبياء، بل نصدق الحديث النبوي الشريف: " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " فهو نبي مبعوث من عند رب العالمين، اختاره، واصطفاه، واجتباه، وأرسله للناس أجمعين، ونعتقد بأن جبرئيل هو أمين وحي الله، وهو معصوم ومصون عن الخطأ والسهو والاشتباه.
ونعتقد أن الإمام علي (ع) منصوب بأمر الله تعالى في مقام الولاية والإمامة، فهو خليفة النبي (ص) بلا فصل، نصبه رسول الله (ص) بأمر الله عز وجل يوم الغدير.
ويقول ابن عبد ربه الضال المضل: ومن وجوه الشبه بين الشيعة واليهود، أنهم لا يعملون بسنة النبي (ص)، فهم عندما يتلاقون لا يسلّمون، بل يقولون: السام عليكم!
" ضحك الشيعة الحاضرون، ضحكا عاليا "
فوجهت كلامي إلى العامة، وقلت: وإن معاشرتكم مع الشيعة في هذا البلد وتحيتهم معكم وفيما بينهم، بتحية الإسلام: " السلام عليكم " ينفي مزاعم هذا الإنسان وأباطيله.
ويستمر ابن عبد ربه في أكاذيبه ومفترياته على شيعة آل محمد (ص) فيقول: إن الشيعة كاليهود، يحلون قتل المسلمين ونهب أموالهم!!
أقول: إنكم تعيشون مع الشيعة في بلد واحد وتشاهدون معاملتهم الحسنة معكم ومع غيركم.
فنحن الشيعة لا نحل دماء وأموال أهل الكتاب (غير المحاربين) فكيف نحل دماء وأموال إخواننا المسلمين من أهل السنة والجماعة؟!
وإن حق الناس عندنا من أهم الحقوق، وقتل النفس من أعظم الذنوب وأكبر حوب!
هذه بعض مزاعم وأباطيل أحد علمائكم ضد الشيعة.
والوقت لا يسمح لأكشف لكم أكثر مما ذكرت من كلماته الواهية السخيفة.

مفتريات ابن حزم
وأبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، المتوفى سنة 456 هجرية، هو أشهر علمائكم المعروف بحقده وعدائه للشيعة، فلقد تحامل على شيعة أهل البيت (ص) وافترى عليهم في كتابه " الفصل في الملل والنحل " الجزء الأول، فيقول: إن الشيعة ليسوا بمسلمين، وإنما اتخذوا مذهبهم من اليهود والنصارى!
وقال في الجزء الرابع من الكتاب نفسه، صفحة 182: الشيعة يجوزون نكاح تسعة نساء!
ويظهر كذب الرجل وافتراءه علينا إذا راجعتم كتبنا الفقهية، فقد أجمع فقهاؤنا الكرام في كتبهم: أن نكاح تسعة نساء في زمان واحد هو من خصائص رسول الله (ص)، ولا يجوز لأحد من رجال أمته، بل يجوز لهم نكاح أربعة نساء في زمن واحد بالنكاح الدائم، بدليل الآية الكريمة: ( فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع)(14).
فإذا طالعتم مجلدات كتاب " الفصل في الملل والنحل " وتقرءون سبابه وشتمه وكلامه البذيء للشيعة المؤمنين لعرق جبينكم خجلا، لانتسابه إليكم، وأنه يعد من علمائكم!!

مفتريات ابن تيميّة
وأحد علمائكم الذي اشتهر بشدة عدائه للشيعة الأبرار الأخيار، هو أحمد بن عبد الحليم الحنبلي، المعروف بابن تيمية، المتوفى سنة 728 هجرية وهو حاقد لا على الشيعة فحسب، بل يكمن في صدره بغض الإمام علي (ع) والعترة الطاهرة.
ولو يطالع أحدكم مجلدات كتابه المسمى بـ: " منهاج السنة " لوجدتم كيف يحاول الرجل أن يخدش في كل فضيلة ومنقبة ثابتة للإمام علي بن أبي طالب وأبنائه الطيبين والعترة الطاهرين!
فكأنه آلى على نفسه أن لا يدع فضيلة واحدة من تلك الفضائل والمناقب ـ التي لا تعد ولا تحصى لأهل البيت (ع) ـ إلا يردها ويرفضها أو يشكك فيها ! حتى التي أجمعت الأمة على صحتها ورواها أصحاب الصحاح.
ولو أردت أن أذكر لكم كل أكاذيبه وأباطيله لضاع الوقت، ولكن أذكركم لكم نبذة من كلامه السخيف وبيانه العنيف! لكي يعرف جناب الشيخ عبد السلام، أن الافتراء والكذب من خصائص وخصال بعض علمائهم لا علماء الشيعة!!
والعجب أن ابن تيمية بعد ذكر أباطيله وأكاذيبه وافترائه على الشيعة المؤمنين، يقول في الجزء الأول من " المنهاج " صفحة 15: لم تكن أية طائفة من طوائف أهل القبلة مثل الشيعة في الكذب، فلذا أصحاب الصحاح لم يقبلوا رواياتهم ولم ينقلوها!
وفي الجزء العاشر، صفحة 23 يقول: أصول الدين عند الشيعة أربعة : " التوحيد والعدل والنبوة والإمامة " ولم يذكر المعاد، مع العلم أن كتبنا الكلامية التي تبين عقائد الشيعة منشرة في كل مكان وفي متناول كل إنسان.
وكما أشرنا في بعض مجالسنا السالفة: فإن الشيعة تعتقد أن أصول الدين ثلاثة: التوحيد والنبوة والمعاد، وبحث عن عدل الباري سبحانه ضمن التوحيد، وتجعل الإمامة جزء النبوة.
وفي الجزء الأول، صفحة 131، من " منهاج السنة " يقول: إن الشيعة لا تعتني بالمساجد، فمساجدهم خالية من المصلين، غير عامرة بصلاة الجمعة والجماعة، وبعض الأحيان يحضر بعضهم في المسجد فيصلي فرادى!!
وجهت خطابي حينئذ إلى الشيخ عبد السلام وقلت: أيها الشيخ! أسألك وأسأل الحاضرين، أما تنظرون بأعينكم إلى مساجد الشيعة في بلادكم وهي عامرة أوقات الصلوات بكثرة المصلين وإقامة الجماعة بالمؤمنين؟!
وهذه إيران، وهي عاصمة الشيعة، نجد في كل مدينة منها، بل في كل قرية منها مساجد عديدة، مبنية بأحسن شكل وأجمل بناء وهندسة، وفي أكثرها، أو كلها، تقام الصلوات في أوقاتها جماعة.
(عرضت لهم تصاوير عن صلوات الجماعة لعلماء الشيعة).
وأنتم العلماء! راجعوا كتبنا الفقهية سواء المفصلة أو المجملة ، كالرسائل العملية لمراجع ديننا المعاصرين، تجدون فيها فصولا ومسائل كثيرة في ثواب الصلاة في المسجد وصلاة الجماعة، فإن ثوابها أضعاف الصلاة في البيت أو الصلاة فرادى.
ويستمر ابن تيمية في افترائه على شيعة أهل البيت (ع) في نفس الصفحة فيقول: الشيعة لا يحجون بيت الله الحرام كسائر المسلمين، وإنما حجهم يكون زيارة القبور، وثواب زيارة القبور عندهم أعظم من ثواب حج بيت الله الحرام، بل هم يلعنون كل من لا يذهب إلى زيارة القبور!!
" ضحك الشيعة من هذا الكلام ضحكا عاليا "
والحال أنكم إذا راجعتم موسوعاتنا الفقهية، وكتبنا العبادية، لرأيتم مجلدات عديدة باسم: كتاب الحج، وهي تحتوي على آلاف المسائل عن كيفية أداء الحج وأحكامه ومسائله الفرعية.
وكل فقيه يقلده الناس في الأحكام الشرعية لابد أن ينشر كتابا باسم " مناسك الحج " حتى يعمل مقلدوه وتابعوه وفق ذلك.
ورأى جميع فقهائنا الكرام وعلمائنا الأعلام: أن تارك الحج ـ المستطيع الذي يترك الحج عنادا ـ كافر، يجب الاجتناب منه والابتعاد عنه، عملا بالآية الكريمة: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين)(15).
والتزاما بالحديث الشريف: " يقال لتارك الحج: مت إن شئت يهوديا أو نصرانيا ".
فهل بعد هذا كله، يترك الشيعة حج بيت الله؟!
ثم بإمكانكم أن تذهبوا عند قبور أئمة أهل البيت (ع) وهي أفضل المزارات عند الشيعة، واسألوا الزائرين وحتى السوقيين منهم والقرويين: أن أداء الحج، أين يكون وكيف يكون؟؟ تسمعون الجواب منهم: إنه يكون في مكة المكرمة... إلى آخره.
ثم نجد هذا الرجل المفتري الكذاب، وهو: ابن تيمية، يتهم أحد مفاخر العلم والدين، وأحد كبار علماء المسلمين، وهو الشيخ الجليل، والحبر النبيل ، العلامة محمد بن محمد النعمان، المعروف بالشيخ المفيد (قدس سره)، فيقول: إن له كتابا باسم: " مناسك حج المشاهد " بينما لم يكن لفضيلة الشيخ المفيد هكذا كتاب وإنما له كتاب باسم: " منسك الزيارات " وهو في متناول الأيدي، ويحتوي على التحيات والعبارات الواردة قراءتها عند مشاهد ومراقد أئمة أهل البيت (ع).
ولو راجعتم كتب الشيعة التي ألفت في الزيارات والمزارات تجدون فيها تأكيد المؤلفين على أن زيارة المشرفة والمراقد المتبركة، مندوبة وليست واجبة.
وإن أكبر دليل قاطع، وبرهان ساطع، على كذب ابن تيمية وافترائه علينا، أنكم تشاهدون في كل عام عشرات الآلاف من الشيعة يحجون ويقصدون بيت الله الحرام في الموسم، ويحضرون في الموقف بعرفات والمشعر الحرام مع إخوانهم المسلمين من سائر المذاهب.
وقد ورد في كتب الأدعية عندنا أهل البيت (ع)، في أدعية شهر رمضان المبارك، أن يقرأ في الليل والنهار وفي الأسحار: اللهم ارزقني حج بيتك الحرام في عامي هذا وفي كل عام، ولا تخلني من تلك المواقف الكريمة، والمشاهد الشريفة، و زيارة قبر نبيك والأئمة (ع).
ويقول الحاقد المعاند، في الجزء الثاني من كتابه " منهاج السنة ": الشيعة ينتظرون إمامهم الغائب، ولذلك في كثير من البلاد كمدينة سامراء، يذهبون إلى سرداب هناك ويهيئون فرسا أو بغلا أو غيره، ويصيحون وينادون باسم إمامهم ويقولون: نحن مسلحون ومهيئون لنكون معك ونقاتل بين يديك، فاظهر واخرج!!
ثم يقول: وفي أواخر شهر رمضان المبارك يتوجهون نحو المشرق وينادون باسم إمامهم حتى يخرج ويظهر.
ويستمر في خزعبلاته قائلا: ومن بينهم من يترك الصلاة، حتى لا تشغلهم الصلاة عن إدراك خدمة الإمام (ع) لو ظهر.
(ضحك الحاضرون كلهم)
فهذه الأراجيف والكلام السخيف من ابن تيمية الجلف العنيف، ليس بعجيب، لكني أتعجب من بعض علماء مصر وسوريا، الذين كنا نعتقد أنهم أهل علم وتحقيق لا أهل وهم وتحميق!! كيف قلدوا ابن تيمية وكرروا خزعبلاته الهزلية وكلماته الهستيرية.
مثل: عبد الله القصيمي في كتابه " الصراع بين الإسلام والوثنية ".
ومحمد بن ثابت المصري في كتابه " جولة في ربوع الشرق الأدنى ".
وموسى جار الله في كتابه " الوشيعة في نقد علماء الشيعة "
وأحمد أمين المصري في كتابيه: " فجر الإسلام " و " ضحى الإسلام ".
وغير هؤلاء من دعاة التفرقة والطائفية وأصحاب الجاهلية العصبية.
وهناك بعض الجاهلين منكم اشتهروا بالعلم والتحقيق، وانتشرت كتبهم، وأصبحت عندكم من المصادر المعتمدة حتى أخذتم كل ما جاء فيها حول الشيعة وجعلتموها من المسلمات الحتمية.
منهم محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، وهو من علمائكم وكتابه " الملل والنحل " مشهور عندكم، وقد أصبح من مصادركم المعتمدة، بينما أهل العلم والتحقيق يرفضون هذا الكتاب ولا يعتمدون عليه أبدا، لأنه مشحون بالأخبار الضعيفة، بل الأخبار الباطلة المخالفة للواقع!
فمثلا: ضمن وصفه للشيعة الاثني عشرية يقول: بعد الإمام محمد التقي، الإمام علي بن محمد النقي ومشهده في مدينة قم بإيران!!
بينما كل من عنده اطلاع عن تاريخ الإسلام وعلم الرجال، يعلم أن الإمام علي بن محمد النقي (ع) مرقده في مدينة سامراء بالعراق، وتعلوه قبة ذهبية عظيمة لامعة، أمر بتذهيبها المرحوم ناصر الدين شاه، الملك القاجاري الإيراني.
ومن هنا نعرف مدى علم الشهرستاني وتحقيقاته العلمية والتاريخية حول الشيعة!! فيسمح لنفسه أن ينسب إليهم أنهم يعبدون علي بن أبي طالب، وأنهم يعتقدون بتناسخ الأرواح والتشبيه، وما إلى ذلك، مما يدل على جهله وعدم اطلاعه على الملل والنحل!!
يكفينا هذا المقدار في هذا الإطار، وقد ذكرته ليعرف الشيخ من الكاذب والمفتري، فلا يقول بعد هذا: إن علماء الشيعة يكذبون ويفترون على علماء العامة، فقد ثبت أن الأمر على عكس ما قاله الشيخ عبد السلام.

الكلام في ذم أبي هريرة
ولكي يعرف الشيخ أن الشيعة لم ينفردوا في ذم أبي هريرة، بل كثير من علماء العامة ردوا عليه أيضا ورفضوا رواياته، أنقل بعض ما جاء منهم في هذا المجال:
1ـ ابن أبي الحديد، في شرح نهج البلاغة: 4/63 ـ ط دار إحياء التراث العربي، قال: وذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي رحمه الله تعالى... أن معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي (ع)، تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلا وعطايا مغرية، فاختلفوا ما أرضاه ، منهم: أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين: عروة بن الزبير...
وفي الصفحة 67 من الجزء نفسه ذكر ابن أبي الحديد، أن أبو جعفر قال: وروى الأعمش، قال لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة، جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبته ثم ضرب صلعته مرارا وقال:
يا أهل العراق! أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله، وأحرق نفسي بالنار؟!
والله لقد سمعت رسول الله (ص) يقول: إن لكل نبي حرما، وإن حرمي بالمدينة، ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وأشهد بالله أن عليا أحدث فيها!!
فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة.
أسألكم أيها المستمعون بالله عليكم! ألا يكفي هذا الخبر وحده لرد أبي هريرة وإسقاط رواياته عن الاعتبار؟! أم أن الشيخ عبد السلام يعتقد أن أبا هريرة لما كان من الصحابة، فيحق له أن يقول ما يحب ويفتري ويكذب، وله أن يتهم أفضل الخلفاء الراشدين وأكملهم حسب رواياتكم وهو الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وليس لأحد أن يرد عليه ويضعفه أو يطعن فيه؟!
الشيخ عبدالسلام: لو فرضنا صدق كلامكم وصحة بيانكم فكل ذلك لا يوجب لعن أبي هريرة؟! وأنا إنما استشكل عليكم وأقول: بأي دليل تلعنون أبا هريرة ؟!
قلت: بديل العقل والنقل أنه: لا يسب النبي (ص) إلا ملعون، وحسب الأخبار والأحاديث المعتبرة المروية عن طرقكم والمسجلة في كتب كبار علمائكم، أن رسول الله (ص) قال:
من سب عليا فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله سبحانه وتعالى.
وأبو هريرة كان من الذين يسبون عليا (ع)، وكان يجعل الأحاديث في ذمه (ع) ليشجع المسلمين الغافلين والجاهلين على سب أمير المؤمنين (ع).

أبو هريرة مع بسر بن أرطأة
2ـ ذكر الطبري في " تاريخه " وابن الأثير في " الكامل " وابن أبي الحديد في " شرح النهج " والعلامة السمهودي وابن خلدون وابن خلكان، وغيرهم: أن معاوية حينما بعث بسر بن أرطأة، الظالم الغاشم، إلى اليمن لينتقم من شيعة الإمام علي (ع) كان معه أربعة آلاف مقاتل، فخرج من الشام ومر بالمدينة المنورة ومكة المكرمة والطائف وتبالة ونجران وقبيلة أرحب ـ من همدان ـ وصنعاء وحضر موت ونواحيها، وقتلوا كل من ظفروا به من الشيعة في هذه البلاد، وأرعبوا عامة الناس، فسفكوا دماء الأبرياء، ونهبوا أموالهم، وهتكوا حريمهم، وقضوا على كل من ظفروا به من بني هاشم حتى لم يرحموا طفلي عبيد الله بن العباس ـ ابن عم رسول الله (ص) ـ وكان واليا على اليمن من قبل الإمام علي (ع).
وذكر بعض المؤرخين: أن عدد الذين قتلوا بسيوف بسر وجنده في تلك السرية بلغ ثلاثين ألفا!!
وهذا غير عجيب من معاوية وحزبه الظالمين، فإن التاريخ يذكر ما هو أدهى وأمر من هذا الأمر.
والجدير بالذكر أن أبا هريرة الذي تعظموه غاية التعظيم، ولا ترضون بذكر مثالبه ولعنه كان قد رافق بسرا في رحلته الدموية وحملته الإرهابية الدموية، وخاصة جناياته على أهل المدينة المنورة، وما صنع بكبار شخصيات الأنصار، مثل: جابر بن عبدالله الأنصاري، وأبي أيوب الأنصاري إذ حرقوا داره! وأبو هريرة حاضر وناظر ولا ينهاهم عن تلك الجرائم والجنايات!!
بالله عليكم أنصفوا!!
أبو هريرة الذي صحب النبي (ص) مدة ثلاث سنوات ويروي خمسة آلاف حديث عنه (ص)، هل من المعقول أنه لم يسمع الحديث النبوي المشهور الذي يرويه كبار العلماء والمحدثين، مثل السمهودي في " تاريخ المدينة " والإمام أحمد بن حنبل في " المسند " وسبط ابن الجوزي في " التذكرة " وغيرهم عن النبي (ص) أنه قال:
" من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا ".
وقال (ص): " لعن الله من أخاف مدينتي ـ أي أهل مدينتي ـ ".
وقال (ص): " لا يرد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص ".
فهل من المعقول أن أبا هريرة ما سمع واحدا من هذه الأحاديث الشريفة؟!
إنه سمع! ومع ذلك رافق الجيش الذي هاجم المدينة المنورة وأخاف أهلها، ثم وقف بجانب معاوية المارق على إمام زمانه علي بن أبي طالب عليه السلام، وهو يومئذ خليفة رسول الله بحكم بيعة أهل الحل والعقد في المدينة المنورة.
فانضم أبو هريرة إلى معاوية مخالفا لأمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب، بل محاربا له عليه السلام، وما اكتفى بكل هذه الأمور المنكرة حتى بدأ يجعل الأحاديث المزورة والأخبار المنكرة في ذم ولي الله وحجته علي بن أبي طالب عليه السلام، برواية يرويها عن رسول الله (ص)، وحاشا رسول الله (ص) ثم حاشاه من ذلك كله.
والعجيب، أن مع كل هذه الأمور المفجعة والقضايا الفظيعة، قول القائل: إنه لا يجوز لعن أبي هريرة وطعنه، لأنه من صحابة النبي (ص)!
وفي منطق أبي هريرة يجوز سب الإمام علي عليه السام ولعنه والعياذ بالله وهو أكرم الصحابة وأفضلهم، وأحب الناس إلى الله ورسوله (ص).
الشيخ عبد السلام: الله الله! كيف تقول هكذا في شأن أبي هريرة وهو أعظم راو وأوثق صحابي؟!
فالطعن واللعن رأي الشيعة، وأما رأي عامة المسلمين في أبي هريرة، فإنهم يعظموه ويحترموه ويجلوه عن كل ما تقولون.
قلت: إن ما قلناه فيه لم يكن رأي الشيعة فحسب، بل هو رأي كثير من علمائكم ورجالكم، حتى الخليفة الثاني عمر الفاروق، فقد ذكر المؤرخون، كابن الأثير في الكامل في حوادث عام 23، وابن أبي الحديد في شرح النهج 2/104ط مصر وغيرهما، ذكروا: أن عمر بن الخطاب في سنة 21 أرسل أبا هريرة واليا على البحرين، وأخبر الخليفة بعد ذلك بأن أبا هريرة جمع مالا كثيرا، واشترى خيلا كثيرة على حسابه الخاص، فعزله الخليفة سنة23 واستدعاه، فلما حضر عنده، قال له عمر: يا عدو الله وعدو كتابه، أسرقت مال الله؟!
فقال: لم أسرق، وإنما هي عطايا الناس لي.
ونقل ابن سعد في طبقاته 4/90، وابن حجر العسقلاني في " الإصابة " وابن عبد ربه " العقد الفريد " الجزء الأول، كتبوا: أن عمر حينما حاكمه قال له: يا عدو الله! لما وليتك البحرين كنت حافيا لا تملك نعالا، والآن أخبرت بأنك شريت خيلا بألف وستمائة دينار!!
فقال أبو هريرة: عطايا الناس لي وقد أنتجت.
فغضب الخليفة وقام وضربه بالسوط على ظهره حتى أدماه! ثم أمر بمصادرة أمواله، وكانت عشرة آلاف دينار، فأوردها بيت المال.
وقد ضرب عمر أبا هريرة قبل هذا، كما ذكر مسلم في صحيحه 1/34 قال: في زمن رسول الله (ص) ضرب عمر أبا هريرة حتى سقط على الأرض على قفاه!
ونقل ابن أبي الحديد في شرح النهج 1/360 ط مصر أنه قال أبو جعفر الإسكافي: وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا، غير مرضي الرواية، ضربه عمر بالدرة وقال : قد أكثرت من الرواية، أحرى بك أن تكون كاذبا على رسول الله (ص).
وذكر ابن عساكر في تاريخه، والمتقي في " كنز العمال ": أن الخليفة عمر بن الخطاب زجر أبا هريرة، وضربه بالسوط، ومنعه من رواية الحديث ونقله عن رسول الله (ص) وقال له: لقد أكثرت نقل الحديث عن النبي (ص) وأحرى بك أن تكون كاذبا على رسول الله (ص)!! وإذا لم تنته عن الرواية عن النبي (ص) لأنفينك إلى قبيلتك دوس، أو أبعد إلى أرض القردة.
ونقل ابن أبي الحديد في شرحه 1/ 360 ط مصر، عن أستاذه جعفر الإسكافي، أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: ألا إن أكذب الناس ـ أو قال: أكذب الأحياء ـ على رسول الله (ص) أبو هريرة الدوسي.
وذكر ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " والحاكم في الجزء الثالث من " المستدرك " والذهبي في " تلخيص المستدرك " ومسلم في صحيحه، ج2 في فضائل أبي هريرة: أن عائشة كانت تقول مرات وكرات: أبو هريرة كذاب، وقد وضع وجعل أحاديث كثيرة عن لسان النبي (ص)!!
فأبو هريرة لم يكن مرفوضا وكذابا عندنا فحسب، بل هو مردود وكذاب عند سيدنا الإمام علي عليه السلام، وعند مولاكم عمر الفاروق، وعند أم المؤمنين عائشة، وعند كثير من الصحابة والتابعين، والعلماء المحققين!!
كما إن شيوخ المعتزلة وعلماء المذهب الحنفي كلهم رفضوا مروياته وردوها، وأعلنوا: أن كل حكم وفتوى صدرت على أساس رواية عن طريق أبي هريرة، باطل وغير مقبول.
كما أن النووي في " شرح صحيح مسلم " في المجلد الرابع يتعرض لهذا الأمر بالتفصيل.
وكان إمامكم الأعظم أبو حنيفة يقول: أصحاب النبي (ص) كلهم عندي ثقات وعدول، والحديث الواصل عن طريقهم عندي صحيح ومقبول، إلا الأحاديث الواصلة عن طريق أبي هريرة وأنس بن مالك وسمرة بن جندب، فلا أقبلها، وهي مردودة ومرفوضة.
(وصل الحديث إلى هنا فصار وقت صلاة العشاء).
وبعد أداء الصلاة وتناول الشاي.
قلت: نظرا إلى ما سبق من أقوال العلماء والأئمة حول أبي هريرة ونظرائه، لا بد لنا أن نحتاط في قبول مطلق الأحاديث، والاحتياط الذي هو سبيل النجاة يقتضي التحقيق والتدقيق في ما يروى عن النبي (ص).
وكما ورد عنه (ص): كلما حدثتم بحديث عني فاعرضوه على كتاب الله سبحانه، فإذا كان موافقا فخذوه، وإن كان مخالفا لكلام الله تعالى فاتركوه.

الحديث في فضل أبي بكر
وأما الكلام حول الحديث الذي نقله الشيخ عبد السلام عن أبي هريرة: أن جبرائيل نزل على النبي (ص) فقال: إن الله تعالى يقول: إني راض عن أبي بكر فاسأله هل هو راض عني؟!
فأقول:
أولا: نجد في سند هذا الحديث أبا هريرة، وهو عندنا وعند كثير من علمائكم مردود وساقط، ورواياته غير مقبولة، كما مر.
ثانيا: حينما نعرض الحديث على كتاب الله تعالى كما أمرنا النبي (ص) نجده مخالفا للقرآن المجيد، فإنه سبحانه يقول: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)(16).
وقال: (.... فإنه يعلم السرّ وأخفى)(17).
وقوله تعالى: (إنه يعلم الجهر وما يخفى)(18).
وقوله سبحانه: (ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن)(19).
فبحكم هذه الآيات الكريمة، وبحكم العقل السليم، فإن الله عز وجل يعلم كل ما هو في قرارة نفس الإنسان ومكنون سره، وكل ما يختلج في صدره.
فالحديث الذي يقول: " سل أبا بكر هل هو راضٍ؟! ".مفهومه: إن الأمر لا يخفى على الله سبحانه، فيسأل ليعلم!! وهذا ينافي القرآن الحكيم والعقل السليم.
ثم مما لا شك فيه أن رضا الباري عز وجل يحصل بالنسبة للعبد الذي هو راض عن ربه، فالعبد إذا لم يصل إلى درجة الرضا، أي: لا يرضى بقضاء الله وقدره ، فإن الله لا يرضى عنه، ولا يكون مقربا إليه تعالى.
فعلى هذا، كيف يبدي الله عز وجل رضاه عن أبي بكر وهو لا يدري هل إن أبا بكر وصل إلى درجة الرضا أم لا؟!
الشيخ عبد السلام: لا بأس، نترك هذا الحديث الذي تشككون فيه ولكن عندنا أحاديث لا شك فيها أنها صدرت عن النبي (ص) في شأن الخليفة أبي بكر، منها أنه:
وقال (ص): إن الله يتجلّى للناس عامة، ويتجلّى لأبي بكر خاصة.
وقال (ص): ما صب الله في صدري شيئا إلا صبه في صدر أبي بكر.
وقال (ص): إن في السماء الدنيا ثمانون ألف ملك يستغفرون لمن أحب أبا بكر وعمر، وفي السماء الثانية ثمانون ألف ملك يلعنون من أبغض أبا بكر وعمر.
وقال (ص): أبو بكر وعمر خير الأولين.
وقال (ص): خلقني الله من نوره وخلق أبا بكر من نوري وخلق عمر من نور أبي بكر وخلق أمتي من نور، وعمر سراج أهل الجنة.
هذه الأحاديث وأمثالها كثيرة، وهي مروية في كتبنا المعتبرة وقد ذكرت بعضها لتعرف ويعرف الحاضرون فضل الشيخين ومقامهما الرفيع عند الله وعند رسوله (ص).

أحاديث مدسوسة
قلت: هذه الأحاديث تدل ظواهرها على بطلانها وفسادها. وحاشا رسول الله (ص) أن تصدر منه هكذا كلمات!!
فإن الحديث الأول: يدل بظاهره على تجسم الباري عز وجل وسبحانه عن ذلك وعلا علوا كبيرا.
والحديث الثاني: يصرّح بأن أبا بكر شريك رسول الله (ص) في ما نزل عليه من الوحي.
والحديث الثالث: يدل على أن النبي (ص) ما كان أرفع درجة وأعلى رتبة من أبي بكر، بل يساويه في المقام والمنزلة.
والخبران الأخيران، مخالفان لأحاديث كثيرة متواترة ومقبولة عند الفريقين، فالأحاديث الصحيحة تصرّح بأن خير أهل العالم محمد المصطفى وآله النجباء ، سلام الله عيهم أجمعين.
وأما الجملة الأخيرة: " وعمر سراج أهل الجنة ".
فأقول: إن أهل الجنة مستغنون عن السراج فيها، لأن وجوههم منيرة يومئذ، كما قال تعالى: (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم...)(20).
وقوله تعالى: (.. يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم...)(21).
وقد ورد في الأخبار المروية في كتب الفريقين: أن الجنة تكون مضيئة في حد ذاتها كالدرة البيضاء والياقوتة الحمراء، فلا قيمة فيها للسراج، لأن السراج إنما يفيد في الظلام، ولا ظلام في الجنة.
وإضافة على ما ذكرنا، فإن كبار علمائكم في علم الدراية والرجال ، وكبار محدثيكم الذين يميزون الأحاديث الصحيحة عن السقيمة مثل: العالم الجليل المقدسي في: " تذكرة الموضوعات ".
والفيروز آبادي الشافعي ـ صاحب " القاموس " ـ في: " سفر السعادة ".
والذهبي في " ميزان الاعتدال ".
والخطيب البغدادي في: " تاريخ بغداد ".
وأبي الفرج ابن الجوزي في: " الموضوعات ".
وجلال الدين السيوطي في: " اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة " هؤلاء صرحوا: أن هذه الأخبار موضوعة ولا اعتبار بها، لسببين:
1ـ أسانيدها ضعيفة، لأن في طريقها رجال متهمون بالكذب وجعل الأحاديث.
2ـ عدم موافقتها للقواعد العقلية والآيات القرآنية.
الشيخ عبد السلام: لو فرضنا صحة كلامكم في الأحاديث المذكورة، فما تقول في هذا الحديث الشريف المشهور بين علماء المسلمين، والمذكور في الكتب المعتبرة الموثوقة، أن النبي (ص) قال: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة؟!
قلت: أما قولك: " الحديث.....المشهور "... فربّ مشهور لا أصل له!
وأما قولك: " والمذكور في الكتب " فليتك تذكر لنا هذه الكتب المعتبرة، الموثوقة!!
وأما الحديث، إضافة على أنه مردود وغير مقبول عند علمائكم ومحدثيكم المتخصصين في علم الدراية والرجال والحديث والرواية، وقد حسبوه من الموضوعات، فإن ظاهره يخالف الحق الذي يتجلى في الأخبار الصحيحة المقبولة عند الفرقين.

أهل الجنة كلهم شباب
من معتقدات المسلمين أن الجنة ليس فيها غير شباب ولا يدخلها شيوخ وكهول.
والخبر المشهور في كتب الفريقين صريح في الموضوع، وهو أن رسول الله (ص) قال لامرأة عجوز وهو يمازحها، حين طلبت منه (ص) أن يدعو لها بالجنة.
فقال (ص): " إن الجنة لا تدخلها العجائز " فحزنت المرأة وقالت : واخيبتاه إذا لم أدخل الجنة!
فتبسم رسول الله (ص) وقال: تدخلين الجنة ولست يومئذ بعجوز، بل تنقلبين إلى فتاة باكرة، كما قال الله سبحانه: (إنا انشأناهن إنشاء * فجعلناهن أبكارا * عربا أترابا) (22).
وكما ورد في الحديث النبوي الشريف: المؤمنون يدخلون الجنة جردا ، مردا، بيضا، جعادا، مكحلين، أبناء ثلاث وثلاثين.
على هذا ذكر الفيروز آبادي في " سفر السعادة:142 ".
والسيوطي في: " اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة " وابن الجوزي في " الموضوعات ".
والمقدسي في: " تذكرة الموضوعات " والشيخ محمد البيروتي في " سنى المطالب: 123 ".
قالوا: في سند حديث: " أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة " يحيى بن عنبسة.
وقال الذهبي: هو ضعيف.
وقال ابن جان: إن يحيى جعال وضاع للحديث.
لذلك هذا الحديث ساقط عن الاعتبار!
ونحتمل احتمالا معقولا، أن هذا الحديث من جعل بني أمية البكريين، لأنهم كانوا يضعون الأحاديث قبال كل حديث نبوي صدر في فضل أهل البيت عليهم السلام، وقد وضعوا هذا الحديث مقابل حديث شريف متفق عليه بين الشيعة والسنة.
النواب: أي حديث تقصدوه، بينوه للحاضرين؟!
قلت الحديث النبوي الشريف: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ، وأبوهما خير منهما. وفي بعض أفضل منهما وقد جاء هذا النص في كثير من كتبكم المعتبرة، وصرح به كبار علمائكم الأعلام، منهم:
الخطيب الخوارزمي في " المناقب ".
والمير السيد علي الهمداني في المودة الثامنة من كتابه: " مودة القربى ".
والإمام النسائي في " الخصائص العلوية ".
وابن الصباغ المالكي في " الفصول المهمة " ص 159.
وسليمان الحنفي القندوزي، في الباب 54 من: " ينابيع المودة " نقلا عن الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد.
وسبط ابن الجوزي في ص 133 من: " التذكرة ".
والإمام أحمد بن حنبل في " المسند ".
والترمذي في " السنن ".
ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي في الباب 97 من " كفاية الطالب " بعد نقله للحديث الشريف بإسناده يقول: هذا حديث حسن ثابت، لا أعلم أحدا رواه عن ابن عمر غير نافع، تفرد به: المعلى عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذيب، رزقناه عاليا بحمد الله ومنه.
قال: وجمع إمام أهل الحديث، أبو القاسم الطبراني في " معجمه الكبير " في ترجمة الحسن (ع) طرقه عن غير واحد من الصحابة، منهم: عمر بن الخطاب، ومنهم: علي بن أبي طالب (ع)، وطرقه عن علي بطرق شتى... إلى آخره.
وبعد كلام طويل، وذكره الحديث بشكليه: " وأبوهما خير منهما " ... " وأبوهما أفضل منهما " بأسانيد عديدة. قال: وانضمام هذه الأسانيد بعضها إلى بعض دليل صحته.
انتهى كلام الكنجي.
ونقله أبو نعيم في " الحلية " وابن عساكر في تاريخه الكبير 4/206، والحاكم في
" المستدرك " وابن حجر في الصواعق: 82.
فعلماؤكم قد اتفقوا وأجمعوا على أن هذا الحديث الشريف صدر عن النبي (ص): " الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما ".
الشيخ عبد السلام: سأذكر حديثا معتبرا مقبولا عند جميع علمائنا إذ لم ينكره أحد منهم، وهو الحديث النبوي الشريف: " ما ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يتقد عليه غيره " وهذا أفضل دليل على أن أبا بكر بعد النبي (ص) هو إمام المسلمين والمقدم عليهم.
قلت: أسفي عليكم، أنتم علماء الأمة! إذ تتقبلون الأخبار والأحاديث من غير تفكر وتدبر!
هلا فكرتم أن هذا الخبر إن كان صحيحا، فلماذا النبي (ص) بنفسه لم يعمل به، ولم يقدم أبا بكر في قضايا كثيرة مهمة في تاريخ النبي (ص) وتاريخ الإسلام، مثل يوم المباهلة، إذ أخذ معه فاطمة وعليا ابنيهما، وقدمهم على من سواهم.
وفي غزوة تبوك إذ خلّف الإمام عليا (ع) في المدينة مكانه وقال له: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى... " إلى آخره.
وفي تبليغ الآيات الأوائل من سورة براءة، للمشركين، إذ عزل أبا بكر وأرسل عليا (ع) وقال (ص): " لا يبلغ إلا أنا أو رجل مني ـ أو قال من أهل بيتي ـ(23).
وفي فتح خيبر حين أعطاه النبي (ص) الراية وكان الفتح على يديه.
ويوم فتح مكة، رفع النبي (ص) علي بن أبي طالب (ع) على كتفه فكسر الأصنام التي على سطح الكعبة.
وأرسله النبي (ص) لأهل اليمن يبلغهم الدين ويقضي فيهم.
وأهم من كل ذلك: أن النبي (ص) جعل عليا (ع) وصيه، وأوصى إليه بكل ما أراد ليقوم به بعد موته. ولم يوص لأبي بكر!
وكان أبو بكر في كل هذه القضايا والأمور حاضرا، لا غائبا ولا مسافرا، والنبي (ص) اختار عليا وقدمه في تلك الأمور وغيرها من القضايا الكثيرة وترك أبا بكر!!
  #14  
قديم 05-05-08, 12:21 AM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي

الشيخ عبد السلام: ما لكم كلما نذكر حديثا في فضل أبي بكر صاحب رسول الله (ص) رفضتموه ولم تقبلوه؟!
قلت: ما ذنبنا، إذا كانت الأحاديث التي تنقلها في هذا المجال ، يأباها العقل والنقل؟!
الشيخ عبد السلام: لقد وصلنا حديث ثابت صحيح غير قابل للإنكار ، وهو عن طريق عمرو بن العاص، قال: سألت النبي (ص) يوما عن أحب نساء العالم إليه ؟ فقال (ص): عائشة!
قال: فسألته عن أحب الرجال إليه؟ فقال (ص): أبو بكر!
على هذا فهما مقدمان، لأن حب النبي (ص) لهما دليل على أن الله تعالى يحبهما، وهذا دليل قاطع على أحقية أبي بكر (رض) بخلافة رسول الله (ص).
قلت: بالإضافة إلى أن هذا الخبر من الموضوعات، فهو يعارض الأخبار المعتبرة والأحاديث الصحيحة عند الفرقين من جهتين:
أولا: من جهة عائشة أم المؤمنين، بأنها أحب النساء إلى النبي (ص)، فإن هناك أحاديث جمة تصرح بأن أحب النساء إلى النبي (ص) وخيرهن هي: فاطمة سيدة النساء.
فقد أثبت ذلك علماء المسلمين عامة ـ شيعة وسنة ـ في أحاديث متواترة في كتبهم المعتبرة، منهم:
1ـ أبو بكر البيهقي، في تاريخه.
2ـ الحافظ ابن عبد البر، في " الاستيعاب ".
3ـ المير السيد علي الهمداني، في " مودة القربى ".
وغيرهم من علمائكم وعلماء الشيعة، كلهم متفقون على صحة الحديث المروي عن النبي (ص) أنه قال كرارا:
" فاطمة خير نساء أمتي " أو: " خير نساء أمتي فاطمة ".
وروى الإمام أحمد في " المسند " والحافظ أبو بكر في " نزول القرآن في علي " عن محمد بن الحنفية عن أمير المؤمنين عليه السلام.
وروى ابن عبد البر في " الاستيعاب " في قسم: التحدث عن فاطمة الزهراء عليها السلام وخديجة أم المؤمنين، عن عبد الوارث بن سفيان وأبي هريرة، وفي قسم التحدث عن خديجة أم المؤمنين، روى عن أبي داود نقلا عن أبي هريرة وانس بن مالك.
وروى الشيخ سليمان الحنفي، في الباب 55 من " ينابيع المودة ".
والمير السيد علي الهمداني في المودة الثالثة عشرة من " مودة القربى " عن أنس بن مالك.
وروى غيرهم عن طرق عديدة: أن رسول الله (ص) قال: خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد عليهما السلام.
وروى الخطيب البغدادي في تاريخه، أن رسول الله (ص) عدّ هؤلاء النساء الأربع خير نساء العالمين وفضّل فاطمة في الدنيا والآخرة عليهنّ.
وروى البخاري في صحيحه، والإمام أحمد في المسند، عن عائشة بنت أبي بكر، قالت: قال النبي (ص) لفاطمة: يا فاطمة أبشري، فإن الله اصطفاك وطهرك على نساء العالمين، وعلى نساء الإسلام، وهو خير دين.
وروى البخاري في صحيحه 4/64، ومسلم في صحيحه، في باب فضائل فاطمة ج2، والحميدي في " الجمع بين الصحيحين " والعبدي في الجمع بين الصحاح الستة " وابن عبد البر في " الاستيعاب " في قسم: الحديث عن فاطمة عليها السلام، والإمام أحمد في المسند 6/282، ومحمد بن سعد في الطبقات ج2 في قسم أحاديث النبي (ص) في مرضه، وفي الجزء الثامن في قسم الحديث حول فاطمة عليها السلام، نقلا عن أم المؤمنين عائشة عن النبي (ص) في حديث طويل جاء فيه أنه (ص) قال: " يا فاطمة! ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين؟! ".
وفسره ابن حجر العسقلاني في الإصابة، في ترجمة فاطمة عليها السلام، أي: أنت سيدة نساء العالمين.
وروى محمد بن طلحة الشافعي في كتابه " مطالب السؤول " ص7، أحاديث وأخبارا كثيرة في هذا الباب، وقال بعدها: فثبت بهذه الأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة، كون فاطمة كانت أحب إلى رسول الله (ص) من غيرها، وأنها سيدة نساء هذه الأمة وسيدة نساء أهل المدينة.
وروى البخاري و مسلم في الصحيح، والثعلبي في تفسير الإمام أحمد في " المسند " والطبراني في " المعجم الكبير " وسليمان الحنفي في " الينابيع " الباب 32، عن تفسير أبي حاتم، والحاكم في " المناقب " والواحدي في " الوسيط " وأبي نعيم في " حلية الأولياء " وعن الحمويني في " فرائد السمطين ".
وروى ابن حجر الهيتمي في " الصواعق " في ذكر الآية الرابعة عشر.
وروى محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول، ص8.
والطبري في تفسيره، والواحدي في أسباب النزول، وابن المغازلي في المناقب، ومحب الدين الطبري في الرياض، والشبلنجي في نور الأبصار، والزمخشري في تفسيره، والسيوطي في الدر المنثور، وابن عساكر في تاريخه، والسمهودي في وفاء الوفاء والنيسابوري في تفسيره، والبيضاوي في تفسيره، والفخر الرازي في التفسير الكبير، وأبو بكر شهاب الدين العلوي في رشفة الصادي: الباب الأول /22ـ 23، نقلا عن تفسير البغوي والثعلبي، والملا في سيرته، ومناقب أحمد، والطبراني في المعجم الكبير والأوسط، والسدي، والشيخ عبد الله بن محمد الشبراوي في كتابه " الإتحاف " صفحة 5 عن الحاكم والطبراني وأحمد.
وروى السيوطي في " إحياء الميت " عن تفاسير ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه " والمعجم الكبير " للطبراني.
كلهم رووا عن ابن عباس حبر الأمة: أنه لما نزلت الآية الكريمة : (.... قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا...)(24).
قال جمع من الأصحاب: يا رسول الله! من قرابتك الذين فرض الله علينا مودتهم؟
قال (ص): علي وفاطمة والحسن والحسين.
وهذا الأمر ثابت ولا يشك فيه إلا الذي في قلبه مرض النفاق والعناد.
وإن هذا الأمر ثابت عند كبار علمائكم الأعلام، حتى روى ابن حجر في " الصواعق " صفحة 88، والحافظ جمال الدين الزرندي في " معراج الوصول " والشيخ عبد الله الشبراوي في " الإتحاف " صفحة 529 ومحمد بن علي الصبان في " إسعاف الراغبين " صفحة 119، وغير هؤلاء ذكروا: أن الإمام محمد بن إدريس الشافعي أنشد شعرا في هذا الأمر، فقال:
يا أهل بيت رسول الله حبكمفرض من الله في القرآن أنزلهكفاكم من عظيم الشأن أنكممن لم يصل عليكم لا صلاة لهوالآن، أوجه سؤالي لكل منصف في المجلس وأقول:
بالله عليكم هل يقابل الحديث الذي ذكره الشيخ عن عمرو بن العاص الفاسق، الذي خرج لقتال إمام زمانه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وسفك دماء المؤمنين عمار بن ياسر ونظرائه الأخيار الأبرار، هل يقابل حديثه بهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة المجمع على صحتها بين المسلمين، شيعة وسنة؟!
وهل يقبل العقل أن يفضل رسول الله (ص) أحدا ويحب أحدا أكثر من الذين فرض الله حبهم ومودتهم على المسلمين؟!
وهل يتصور أن النبي (ص) يتبع هواه فيغرم في حب زوجته عائشة من غير دليل معنوي ورجحان شرعي، فيرجحها على سائر زوجاته ويحبها أكثر من نسائه؟!
مع العلم أن الله عز وجل يطالب عباده بالعدل بين زوجاتهم فيقول : (...فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة...)(25).
أم هل من المعقول أن النبي (ص) يفضل زوجته عائشة على ابنته فاطمة التي فضلها الله تعالى ومدحها في آية التطهير والمباهلة، وفرض مودتها في آية القربى؟!
كلنا نعلم ونؤمن بأن الأنبياء والأصفياء لا يتبعون الهوى، وإنما تكون أفعالهم وأقوالهم وحبهم وبغضهم لله وفي الله سبحانه، فمعيار الحب والبغض عندهم هو: الله، وليس الهوى!
والله عز وجل يرجح فاطمة ويفضلها على من سواها ويفرض حبها والذي يقول غير ما نقول، فيلزم أن يرد كل الأحاديث والأخبار المعتضدة والمؤيدة بالقرآن الحكيم والعقل السليم التي استدللنا بها على ما نقول!
أو أنه ينسب النبي (ص) ويتهمه ـ والعياذ بالله ـ بمتابعة الهوى ومخالفة الحق! وهذا كفر صريح.

أحب الرجال إلى النبي علي عليه السلام
ثانيا: أما من جهة أبي بكر، كما يقول حديث عمرو بن العاص: " إن أحب الرجال إلى النبي (ص) هو أبو بكر " فهو ينافي الأخبار الكثيرة والأحاديث الصحيحة المعتبرة المروية في كتب كبار علمائكم ومحدثيكم بأن أحب الرجال إلى النبي (ص) هو علي بن أبي طالب عليه السلام، منهم:
1ـ روى الحافظ سليمان الحنفي في " ينابيع المودة " الباب55، عن الترمذي بسنده عن بريدة، أنه قال: كان أحب النساء إلى رسول الله (ص) فاطمة ومن الرجال علي عليه السلام.
2ـ العلامة محمد بن يوسف الكنجي روى مسندا في كتابه " كفاية الطالب " الباب 91، بسنده عن أم المؤمنين عائشة، أنها قالت: ما خلق الله خلقا كان أحب إلى رسول الله (ص) من علي بن أبي طالب.
ثم يقول الكنجي: هذا حديث حسن، رواه ابن جرير في مناقبه، وأخرجه ابن عساكر في ترجمته، أي ترجمة الإمام علي عليه السلام(26).
3ـ روى الحافظ الخجندي بسنده عن معاذة الغفارية، أنها قالت: دخلت على رسول الله (ص) في بيت عائشة، وكان علي عليه السلام خارج الدار، فسمعت رسول الله (ص) يقول لعائشة: إن هذا ـ أي علي عليه السلام ـ أحب الرجال إلي، وأكرمهم عليّ، فاعرفي حقه، واكرمي مثواه.
4ـ روى ابن حجر في آخر الفصل الثاني من " الصواعق " بعد نقله أربعين حديثا في فضائل الإمام علي عليه السلام، قال الترمذي: عن عائشة، قالت: كانت فاطمة أحب النساء إلى رسول الله (ص) وزوجها أحب الرجال إليه.

خبر الطائر المشوي
من أهم الأخبار في الموضوع، خبر الطير المشوي المروي في كتبنا وكتبكم المعتبرة كالصحاح والمسانيد، منها:
صحيح البخاري، وصحيح مسلم، والترمذي، والنسائي، والسجستاني ، في صحاحهم، والإمام أحمد في " المسند " وابن أبي الحديد في " شرح نهج البلاغة " وابن الصباغ المالكي في " الفصول المهمة " صفحة 21، رواه بهذه العبارة: وأنه صح النقل في كتب الأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة عن أنس بن مالك... إلى آخره.
ورواه الشيخ سليمان الحنفي في " ينابيع المودة " الباب الثامن، وقد خصه لهذا الخبر من طرق شتى فيرويه عن الإمام أحمد و الترمذي والموفق بن أحمد الخوارزمي وابن المغازلي وسنن أبي داود، عن سفينة مولى النبي (ص).
وعن أنس بن مالك وابن عباس.
ثم يقول: وقد روى أربعة وعشرون رجلا حديث الطير عن أنس، منهم : سعيد بن المسيب والسدي وإسماعيل.
قال: ولابن المغازلي " حديث الطير " من عشرين طريقا.
ورواه سبط ابن الجوزي في التذكرة: 23، عن فضائل أحمد وسنن الترمذي.
وأشار إليه المسعودي في مروج الذهب 2/49.
ورواه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في الحديث التاسع من " الخصائص ".
وكتب كل من: الحافظ ابن عقدة ومحمد بن جرير الطبري والحافظ أبو نعيم، كتابا خاصا بخبر الطير المشوي وأسانيده وطرقه وتواتره.
كما أن العلامة المحقق الورع، الزاهد التقي، السيد حامد حسين الدهلوي ـ وأنتم الحاضرون لقرب جواركم منه تعرفون العلمية وتعرفون وروعه وزهده أحسن وأكثر من غيركم ـ خصص مجلدا ضخما من موسوعته العلمية الكريمة: " عبقات الأنوار " لخبر الطير المشوي وقد جمع فيه أسناد ومصادر الخبر من طرقكم وكتب علمائكم فقط.
وأنا لا أذكر الآن كم بلغ عدد أسناد ومصادر هذا الخبر في ذلك الكتاب العظيم، ولكني أذكر بأني عجبت حين مطالعته من سعة اطلاع العلامة الدهلوي!
والخبر كما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، عن سفينة مولى النبي (ص) قال: أهدت امرأة من الأنصار طيرين مشويين بين رغيفين، فقال النبي (ص) :اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك فجاء علي (ع) فأكل معه من الطيرين حتى كفيا.
وجاء في بعض كتبكم مثل: " الفصول المهمة " لابن الصباغ المالكي وتاريخ الحافظ النيسابوري، و " كفاية الطالب " للعلامة الكنجي الشافعي، و مسند أحمد، عن أنس بن مالك، قال:
أتى النبي (ص) بطائر فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي.
فجاء علي (ع) فحجبته مرتين، فجاء في الثالثة فأذنت له.
فقال النبي (ص): يا علي! ما حبسك؟!
قال: هذه ثلاث مرات قد جئتها فحبسني أنس.
قال (ص): لم يا أنس؟! قال: قلت: سمعت دعوتك يا رسول الله، فأحببت أن يكون رجلا من قومي.
فقال النبي (ص): الرجل يحب قومه.
فاسأل الشيخ عبد السلام وأقول: هل استجاب الله تعالى دعوة حبيبه ونبيه محمد (ص) أم لا؟!
الشيخ عبد السلام: نعم، وكيف لا يستجيب وقد وعده الإجابة؟!
وهو سبحانه يعلم أن النبي لا يدعوه ولا يطلب منه حاجة إلا في محلها. فلذلك كانت دعوة رسول الله (ص) مستجابة في كل وقت.
قلت: على هذا فعلي (ع) هو أحب الخلق إلى الله عز وجل.
كما إن كبار علمائكم صرحوا بذلك، مثل العلامة محمد بن طلحة الشافعي، في أوائل الفصل الخامس من الباب الأول من كتابه " مطالب السؤول " بمناسبة حديث الراية وحديث الطير، فقد أثبت أن عليا (ع) كان أحب الخلق إلى الله ورسوله (ص).
ثم يقول: أراد النبي أن يحقق للناس ثبوت هذه المنقبة السَنيّة والصفة العليّة، التي هي أعلى درجات المتقين، لعلي (ع)... إلى آخره.
والعلامة الكنجي الشافعي، فقيه الحرمين ومحدث الشام وصدر الحفاظ، في كتابه " كفاية الطالب " الباب 33، بعد نقله الحديث والخبر بسنده عن أربع طرق، عن أنس وسفينة خادمي رسول الله (ص) قال: وفيه دلالة واضحة على أن عليا (ع) أحب الخلق إلى الله، وأدل الدلالة على ذلك إجابة دعاء النبي (ص) في ما دعا به، وقد وعد الله تعالى من دعاه بالإجابة، حيث قال عزوجل: ( ادعوني استجب لكم...) (27).
فأمر بالدعاء ووعد بالإجابة، وهو عز وجل لا يخلف الميعاد. وما كان الله عز وجل ليخلف وعده رسله، ولا يرد دعاء رسوله لأحب الخلق إليه، وهو من أقرب الوسائل إلى الله تعالى محبته ومحبة من يحبه لحبه.
وبعد هذا يقول: وحديث أنس الذي صدرته في أول الباب، أخرجه الحاكم أبو عبد الله الحافظ النيسابوري عن ستة وثمانين رجلا، كلهم رووه عن أنس، ثم يذكر أسماءهم(28).
فأنصفوا أيها المستمعون! هل من الصحيح أن نتمسك بخبر واحد رواه عمر بن العاص، وهو أحد أعداء الإمام علي (ع)، والمعلن عليه الحرب، والخارج لقتاله، ونعرض عن هذه الأخبار الكثيرة المتواترة في كتب كبار علمائكم ومحدثيكم؟!
الشيخ عبد السلام: أظن أنكم مصرون على رد كل خبر ننقله في فضيلة الشيخين!!

نحن نتبع الحق!
قلت: إني أعجب من الشيخ إذ يتهمني أمام الحاضرين بهذه التهمة! ولا أدري أي خبر موافق للكتاب الحكيم والعقل السليم والمنطق القويم قاله الشيخ وأنا رفضته وما قبلته؟!
حتى يجابهني بهذا العتاب، ويواجهني بهذا الكلام الذي يقصد منه أننا نتبع طريق اللجاج والعناد!!
وإني أعوذ بالله أن أكون معاندا أو متعصبا جاهلا، وأعوذ به سبحانه أن يكون في قلبي شيء من الحقد عليكم خصوصا، وعلى إخواني من أهل السنة عموما.
وإني أشهد الله ربي وربكم أني ما كنت معاندا وما تبعت طريق اللجاج في محاوراتي ومناظراتي مع اليهود والنصارى، والهنود والمجوس، ومع الماديين والوجوديين، وسائر المذاهب و الفرق والأحزاب المنحرفة، بل كنت دائما أطلب وجه الله عز وجل وأبحث عن الحق والحقيقة على أساس المنطق والعقل وأصول العلم والبرهان، فكيف أكون معاندا في محاورتي معكم وأنتم إخواني في الدين، ونحن وإياكم على دين واحد، وكتاب واحد، ونبي واحد وقبلة واحدة؟!
غاية ما هنالك لقد وقعت بعض الاشتباهات والمغالطات في الأمر، والتبس بذلك الحق عليكم، ونحن بتشكيل مجالس البحث والمناظرة، نريد أن نتفاهم في القضايا حتى يرتفع الاختلاف إن شاء الله تعالى، ويخيم علينا الاتحاد والائتلاف، ويتحقق أمر عز وجل إذ يقول: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)(29).
وأنتم والحمد لله عالمون وفاهمون، ولكن تأثرتم بكلمات وأكاذيب الأمويين المعادين للنبي (ص) وأهل بيته الطيبين فقلدتم الناكثين والمارقين المتعصبين ضد الإمام علي أمير المؤمنين وشيعته أهل الحق واليقين.
فإن تخليتم عن أقاويل أولئك، وتحررتم عن التعصب والتقليد الأعمى، وأنصفتم الحكم في القضايا المطروحة، فإنا نصل إنشاء الله تعالى إلى الهدف المنشود والحق المعهود.
الشيخ عبد السلام: نحن قرأنا في الصحف والمجلات، مناظراتكم مع الهنود والبراهمة في مدينة لاهور، وعلمنا إفحامكم إياهم فأجبناكم لانتصاركم للدين الحنيف وإثباتكم الحق، وكنا نحب زيارتكم ونتشوق لمجالستكم، والآن نسأل الله تعالى أن يجمعنا وإياكم على الحق.
ونحن نوافقكم على مراجعة القرآن الحكيم في الأمور الخلافية، وعرض الأخبار والأحاديث المروية على كتاب الله سبحانه، فهو الفرقان الأعظم، ولذا قبلنا من منكم الردود على ما نقلناه من الأخبار والأحاديث حينما أثبتم نقاط تعرضها مع الكتاب والعقل والعلم والمنطق.
فلذلك أذكر الآن دليلا من القرآن الكريم في شأن الخلفاء الراشدين وفضلهم، وأنا على يقين بأنكم ستوافقون عليه ولا تردونه، لأنه مأخوذ ومقتبس من كتاب الله تعالى.
قلت: أعوذ بالله العظيم من أن أرد الدلائل القرآنية أو الأحاديث الصحيحة النبوية. ولكن اعلموا أني حينما كنت أحاور الفرق الملحدة مثل الغلاة والخوارج، وغيرهم من الذين ينسبون أنفسهم للإسلام وما هم منه، كانوا يحتجون عليّ في إثبات ادعائهم الباطل ببعض الآيات القرآنية!
لأن بعض آيات الذكر الحكيم ذو معان متعددة ووجوه متشابهة، ولذا لم يسمح النبي الكريم (ص) لأحد أن يفسر القرآن برأيه، فقال:
" من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ".
وقد وكل هذا الأمر الهام إلى أهل بيته الكرام (ع)، فقال:
" إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ".
وقد أجمعت هذه الأمة على صحة هذا الحديث الشريف، فيجب أن نأخذ ذلك من العترة الهادية، وهم أهل بيته الذين جعلهم النبي (ص) مع القرآن ككفتي ميزان.
والله سبحانه أيضا أمر الأمة أن يرجعوا إليهم في ما لا يعلمون، فقال: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(30).
والمقصود من أهل الذكر: علي بن أبي طالب والأئمة من بنيه (ع) كما روى الشيخ سليمان الحنفي في " ينابيع المودة " الباب 39 نقلا عن تفسير " كشف البيان " للعلامة الثعلبي بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن علي (ع)، قال: نحن أهل الذكر، والذكر: هو القرآن الحكيم لقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)(31).
وبتعبير آخر من القرآن الكريم، الذكر: هو رسول الله (ص) لقوله تعالى: (... قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات...)(32).
فأهل الذكر هم آل النبي (ص)، وأهل القرآن الذين نزل الوحي في بيتهم، فهم أهل بيت النبوة وأهل بيت الوحي.
ولذلك كان علي (ع) يقول للناس: سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم نهار، وفي سهل أم في جبل، والله ما أنزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت وعلى من أنزلت، وإن ربي وهب لي لسانا طلقا، وقلبا عقولا... إلى آخره.
ملخص القول في نظرنا... إن الاستدلال بالآيات القرآنية يجب أن يطابق بيان أهل البيت والعترة النبوية، وإلا إذا كان كل إنسان يفسر القرآن حسب رأيه وفكره لوقع اختلاف في الكلمة والتشتت في الآراء، وهذا لا يرضى به الله سبحانه.
والآن وبعد هذه المقدمة فإنا نستمع لبيانكم.
الشيخ عبد السلام: لقد أول بعض علمائنا الأعلام قوله تعالى:
(محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود...)(33).
قالوا: (والذين معه) إشارة إلى أبي بكر الصديق، فهو كان مع رسول الله (ص) في كل مكان حتى في الغار، ورافقه في الهجرة إلى المدينة المنورة.
والمقصود من (أشداء على الكفار): هو عمر بن الخطاب (رض) الذي كان شديدا على الكفار.
والمراد من (رحماء بينهم): هو عثمان ذو النورين، فإنه كان كما نعلم رقيق القلب كثير الرحمة.
والمعني من (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) هو علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فإنه ما سجد لصنم قط.
وأنا أرجو أن تقبل هذا التأويل الجميل، والقول الجامع لفضيلة الخلفاء الراشدين!
قلت: يا شيخ! إني أعجب من كلامك وفي حيرة منه! ولا أدري من أين جئت به؟! فإني لم أجد في تفاسيركم المعتبرة المشهورة، هذا التفسير، ولو كان هذا الأمر كما تقول، لكان الخلفاء المتقدمون على الإمام علي (ع) احتجوا بها حينما واجهوا معارضة بني هاشم وامتناع السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي (ع) من البيعة لهم.
ولكن لم نجد ذلك في التاريخ ولا التفاسير التي كتبها كبار علمائكم، أمثال: الطبري و الثعلبي والنيسابوري والسيوطي والبيضاوي والزمخشري والفخر الرازي، وغيرهم.
وهذا التأويل والتفسير ما هو إلا رأي شخصي غير مستند إلى حديث أو رواية، وإن القائل والملتزم به ومن يقبله يشملهم حديث النبي (من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)
وإذا قلت: إن ما قلته هو تأويل لا تفسير.
فأقول: إن مذاهبكم الأربعة لا يقبلون تأويل القرآن مطلقا، ولا يجوز عند أئمتكم تأويل القرآن، وأضف على هذا، إن في الآية الشريفة نكات علمية وأدبية تمنع من هذا التأويل، وتحول دون الوصول إلى مقصودكم، وهي:
أولا: الضمائر الموجودة في الآية الكريمة.
وثانيا: صياغة الجمل فـ (محمد) (ص): مبتدأ، و( رسول الله): عطف بيان أو صفة، (والذين معه): عطف على (محمد) (ص) و (أشداء) وما بعدها : خبر، ولو قلنا غير هذا فهذا غير معقول وخارج عن قواعد العربية والأصول.
ولذا فإن جميع المفسرين من الفريقين قالوا: إن الآية الكريمة تشير إلى صفات المؤمنين بالنبي (ص) جميعا.
ولكني أقول: إن هذه الصفات ما اجتمعت في كل فرد فرد من المؤمنين، بل مجموعها كانت في مجموع المؤمنين، أي إن بعضهم كانوا (أشداء على الكفار) وبعضهم كانوا (رحماء بينهم) وبعضهم (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) ولم يكن من المؤمنين إلا رجل واحد جمع كل هذه الصفات والميزات الدينية، وهو: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، فهو الذي كان مع النبي (ص) من أول رسالته وبعثته حتى آخر ساعات حياته المباركة، إذ كان رأس النبي (ص) في حجر وصيه وابن عمه علي بن أبي طالب حين فارقت روحه الدنيا.
الشيخ عبد السلام: إنك قلت: بأني لا أجادل ولست متعصبا! بينما الآن تظهر التعصب، وتجادلنا على ما لا ينكره أي فرد من أهل العلم!
أما قرأت قوله تعالى: ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم)(34).
هذه الآية الكريمة إضافة على أنها تؤيد رأينا في تأويل الآية السابقة: (والذين معه) فهي تسجل فضيلة كبرى، ومنقبة عظمى لسيدنا أبي بكر الصديق (رض)، لأن مصاحبته للنبي (ص) تدل على منزلته عنده، ودليل على أن رسول الله (ص) كان يعلم بعلم الله أن أبا بكر يكون خليفته، فكان يلزم عليه حفظه كما يلزم حفظ نفسه الشريفة، لذلك أخذه معه حتى لا يقع في أيدي المشركين، ولم يأخذ النبي أحدا سواه، وهذا أكبر دليل على خلافته.
قلت: إذا أبعدتم عنكم التعصب، وتركتم تقليد أسلافكم، ونظرتم إلى الآية الكريمة بنظر التحقيق والتدقيق، لو وجدتم أنها لا تعدّ فضيلة ومنقبة لأبي بكر، وليس فيها أي دليل على خلافته!
الشيخ عبد السلام: إني أتعجب من قولك هذا، والآية صريحة في ما نقول، ولا ينكره إلا معاند متعصب!
قلت: قبل أن أخوض هذا البحث أرجو أن تعرضوا عن كلامكم، لأني أخشى أن يمس ويخدش البحث عواطفكم، فإن الكلام يجر الكلام، ونصل بالبحث إلى ما لا يرام، ولا يتحمله العوام، لسوء ما تركز عندهم في الأفهام.
الشيخ عبد السلام: أرجو أن لا تتكلّم بالإبهام، بل بين لنا كل ما عندك من الجواب والرد على ما قلناه بالتمام، ونحن إنما اجتمعنا وحاورناكم لنعرف حقيقة الإسلام، ونحن مستعدون لاعتناق مذهبكم إذا ظهر لنا وثبت أنه الحق الذي أمر به محمد سيد الأنام (ص).
قلت: إن إنكاري لقولكم لا يكون عن تعصب وعناد، وإعراضي عن الجواب ليس عن عيّ وجهل، بل رعاية للأدب والوداد، ولكن إصراركم على رأيكم، وإحساسي بالمسؤولية في كشف الحق وإظهار الحقيقة والإرشاد، يفرض علي الرد والجواب، حتى يعرف الحاضرون كلمة الحق والسداد، فأقول:
أولا: قولك: إن النبي (ص) حمل معه أبا بكر، لأنه (ص) كان يعلم انه يكون خليفته، فأراد أن يحفظه من شر المشركين، كلام غريب..
لأن النبي (ص) إذا حمله لهذا السبب، فلماذا لم يأخذ معه خلفاءه الآخرين، الراشدين على حد زعمكم؟! عمر وعثمان وعلي، لأنهم كانوا في مكة مهددين أيضا!
فلماذا هذا التبعيض؟! يأخذ أبا بكر ويأمر عليا ليبيت على فراش الخطر، ويفدي النبي (ص) بنفسه!
هل هذا من العدل والإنصاف؟!
ثانيا: بناء على ما ذكره الطبري في تاريخه، ج3: إن أبا بكر ما كان يعلم بهجرة النبي (ص) فجاء عند علي بن أبي طالب وسأله عن رسول الله (ص)، فأخبره بأنه هاجر نحو المدينة فأسرع أبو بكر ليلتقي بالنبي (ص)، فرآه في الطريق فأخذه النبي (ص) معه.
فالنبي (ص) إنما أخذ معه أبا بكر على غير ميعاد، لا كما تقول.
وقال بعض المحققين: إن أبا بكر بعدما التقى بالنبي (ص) في الطريق، اقتضت الحكمة النبوية أن يأخذه معه ولا يفارقه، لأنه كان من الممكن أن يفشي أمر الهجرة وكان المفروض أن يكون سرّا، كما نوّه به الشيخ أبو القاسم بن الصباغ، وهو من كبار علمائكم، قال في كتابه
" النور والبرهان ":
إن رسول الله (ص) أمر عليا فنام على فراشه، وخشي من أبي بكر أن يدلّهم عليه فأخذه معه ومضى إلى الغار!
ثالثا: أسألك أن تبين لنا محل الشاهد من الآية الكريمة، وتوضّح الفضيلة التي سجلتها الآية الكريمة لأبي بكر؟!
الشيخ عبد السلام: محل الشاهد ظاهر، والفضيلة أظهر، وهي:
أولا: صحبة النبي (ص)، فإن الله تعالى يعبر عن الصديق (رض) بصاحب رسول الله (ص).
ثانيا: جملة: (إن الله معنا).
ثالثا: نزول السكينة من عند الله سبحانه على سيدنا أبي بكر.
ومجموعها تثبت أفضلية سيدنا الصديق وأحقيته بالخلافة.
قلت: لا ينكر أحد أن أبا بكر كان من كبار الصحابة، ومن شيوخ المسلمين، وأنه زوج ابنته من النبي (ص).
ولكن هذه الأمور لا تدل على أحقيته بالخلافة.
وكذلك كل ما ذكرتم من شواهد ودلائل في الآية الكريمة، لا تكون فضائل خاصة بأبي بكر، بل لقائل أن يقول: إن صحبة الأخيار والأبرار لا تكون دليلا على البر والخير، فكم من كفار كانوا في صحبة بعض المؤمنين والأنبياء، وخاصة في الأسفار.

الصحبة ليست فضيلة
1ـ فإنا نقرأ في سورة يوسف الصديق (ع) أنه قال: (يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) (35).
لقد اتفق المفسرون أن صاحبي يوسف الصديق (ع) هما ساقي الملك وطباخه، وكانا كافرين ودخلا معه السجن ولبثا خمس سنين في صحبة النبي يوسف الصديق (ع) ولم يؤمنا بالله، حتى أنهما خرجا من السجن كافرين، فهل صحبة هذين الكافرين لنبي الله يوسف (ع) تعد منقبة وفضيلة لهما؟!
2ـ ونقرأ في سورة الكهف: (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا)(36).
ذكر المفسرون: أن المؤمن ـ وكان اسمه: يهودا ـ قال لصاحبه ـ واسمه: براطوس ـ وكان كافرا، وقد نقل المفسرون ـ منهم: الفخر الرازي ـ محاورات هذين الصحابين، ولا مجال لنقلها، فهل صحبة براطوس ليهودا، تعد له فضيلة أو شرفا يقدمه على أقرانه؟!
أم هل تكون دليلا على إيمان براطوس، مع تصريح الآية: (أكفرت بالذي خلقك من تراب)(37) ؟!
فالمصاحبة وحدها لا تدل على فضيلة وشرف يميز صاحبها ويقدمه على الآخرين.
وأما استدلالك على أفضلية أبي بكر، بالجملة المحكية عن النبي (ص) (إن الله معنا) فلا أجد فيها فضيلة وميزة لأحد، لأن الله تعالى لا يكون مع المؤمنين فحسب، بل يكون مع غير المؤمنين أيضا، لقوله تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا...)(38).
فبحكم هذه الآية الكريمة، فإن الله عز وجل يكون المؤمن والكافر والمنافق.
الشيخ عبد السلام: لا شك أن المراد من الآية الكريمة: (إن الله معنا...) يعني: بما أننا مع الله ونعمل لله، فإن ألطاف الله تعالى تكون معنا، والعناية الإلهية تشملنا.

حقائق لا بد من كشفها
قلت: حتى لو تنزلنا لكم وسلمنا لقولكم، فلقائل أن يقول: إن الجملة مع هذا التفسير أيضا لا تدل على فضيلة ثابتة أو منقبة تقدم صاحبها على الآخرين، لأن هناك أشخاص شملتهم الألطاف الإلهية والعناية الربانية، وما داموا مع الله كان الله معهم، وحينما تركوا الله سبحانه تركهم وانقطعت العناية والألطاف الإلهية عنهم، مثل:
1ـ إبليس ـ ولا مناقشة في الأمثال ـ فإنه عبد الله تعالى عبادة قل نظيرها من الملائكة، وقد شملته الألطاف والعنايات الربانية، ولكن لما تمرد عن أمر ربه تكبر واتبع هواه واغتر، خاطبه الله الأعظم الأكبر قائلا: (قال فأخرج منها فإنك رجيم * وإنّ عليك اللعنة إلى يوم الدين)(39).
2ـ ومثله في البشر: بلعم بن باعورا، فإنه كما ذكر المفسرون في تفسير قوله تعالى:
(واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين)(40) قالوا:إنه تقرب إلى الله تعالى بعبادته له إلى أن أعطاه الاسم الأعظم وأصبح ببركة اسم الله سبحانه مستجاب الدعوة، وعلى أثر دعائه تاه موسى وبنو إسرائيل أعواما كثيرة في الوادي.
ولكن على أثر طلبه للرئاسة والدنيا سقط في الامتحان، واتّبع الشيطان، وخالف الرحمن، وسلك سبيل البغي والطغيان، وصار من المخلدين في النيران.
وإذا أحببتم تفصيل قصته، فراجعوا التاريخ والتفاسير، منها: تفسير الرازي 4/ 463، فإنه يروي عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد بالتفصيل.
3ـ وبرصيصا.. في بني إسرائيل، كان مجدا في عبادة الله سبحانه حتى أصبح من المقربين، وكانت دعوته مستجابة، ولكن عند الامتحان أصيب بسوء العاقبة فترك عبادة رب العالمين، وسجد لإبليس اللعين، وأمسى من الخاسرين، فقال الله تعالى فيه: (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين)(41).
فإذا صدر عمل حسن من إنسان، فلا يدل على أن ذلك الإنسان يكون حسنا إلى آخر عمره وأن عاقبة أمره تكون خيرا، ولذا ورد في أدعية أهل البيت عليهم السلام: اللهم اجعل عواقب أمورنا خيرا.
إضافة إلى ما قلنا: فإنكم تعلمون أنه قد ثبت عند علماء المعاني والبيان، أن التأكيد في الكلام يدل على شك المخاطب وعدم بقيته للموضوع، أو توهمه خلاف ذلك.
والآية مؤكدة " بأنّ " فيظهر بأن ّ مخاطب النبي (ص) وهو صاحبه في الغار كان شاكا في الحق، على غير يقين بأن الله سبحانه يكون معهما!
الشيخ عبد السلام: ـ شاط غاضبا ـ وقال: ليس من الإنصاف أن تمثل صاحب رسول الله وخليفته بإبليس وبلعم وبرصيصا!
قلت: أنا في البداية بينت أن: " لا مناقشة في الأمثال " ومن المعلوم أن في المحاورات إنما يذكرون الأمثال لتقريب موضوع الحوار إلى الأذهان، وليس المقصود من المثل تشابه المتماثلين من الجهات، بل يكفي تشابههما من جهة واحدة ، وهي التي تركز عليها موضوع الحوار.
وإني أشهد الله! بأني ما قصدت بالأمثال التي ذكرتها إهانة أحد أبدا، بل البحث والحوار يقتضي أحيانا أن أذكر شاهدا لكلامي، وأبين مثلا لتفهيم مقصدي ومرامي.
الشيخ عبد السلام: دليلي على أن الآية الكريمة تتضمن مناقب وفضائل لسيدنا أبي بكر (رض)، جملة: ( فأنزل الله سكينته عليه) فإن الضمير في (عليه) يرجع لأبي بكر الصديق، وهذا مقام عظيم.
قلت: الضمير يرجع إلى النبي (ص) وليس لأبي بكر، بقرينة الجملة التالية في الآية (وأيده بجنود لم تروها).
وقد صرح جميع المفسرين: أن المؤيد بجنود الله سبحانه هو النبي (ص).
الشيخ عبد السلام: ونحن نقول أيضا: إن المؤيد بالجنود هو النبي (ص) ولكن أبا بكر كذلك كان مؤيدا مع النبي (ص).

السكينة والتأييد من خصوصيات النبي (ص)
قلت: إذا كان الأمر كما تقول، لجأت الضمائر في الآية الكريمة بالتثنية، بينما الضمائر كلها جاءت منفردة، فحينئذ لا يجوز لأحد أن يقول: إن الألطاف والعنايات الإلهية كالنصرة والسكينة شملت رسول الله دون صاحبه!!
الشيخ عبد السلام: إن رسول الله (ص) كان في غنى عن نزول السكينة عليه، لأن السكينة الإلهية كانت دائما معه ولا تفارقه أبدا، ولكن سيدنا أبا بكر (رض) كان بحاجة ماسة إلى السكينة فأنزلها الله سبحانه عليه.
قلت: لماذا تضيع الوقت بتكرار الكلام، بأي دليل تقول: إن النبي (ص) لا يحتاج إلا السكينة الإلهية؟! بينما الله سبحانه يقول: (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها...)(42) وذلك في غزوة حنين.
ويقول سبحانه وتعالى أيضا: (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى...)(43) وذلك في فتح مكة المكرمة.
فكما في الآيتين الكريمتين يذكر الله النبي (ص) ويذكر بعده المؤمنين، فلو كان أبو بكر في آية الغار من المؤمنين الذين تشملهم السكينة الإلهية ، لكان الله عز وجل ذكره بعد ذكر النبي (ص) أو يقول: فأنزل الله سكينته عليهما.
هذا وقد صرح كثير من علمائكم: بأن ضمير (عليه) في الآية الكريمة يرجع إلى النبي (ص) لا إلى أبي بكر، راجعوا كتاب " نقض العثمانية " للعلامة الشيخ أبي جعفر الإسكافي وهو أستاذ ابن أبي الحديد، وقد كتب ذلك الكتاب القيم في رد وجواب أباطيل أبي عثمان الجاحظ.
إضافة على ما ذكرنا، نجد في الآية الكريمة جملة تناقض قولكم! وهي: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن) فالنبي ينهى أبا بكر عن الحزن، فهل حزن أبي بكر كان عملا حسنا أم سيئا؟
فإن كان حسنا، فالرسول لا ينهى عن الحسن، وإن كان سيئا فنهي النبي (ص) له من باب النهي عن المنكر بقوله: (لا تحزن) فالآية الكريمة لم تكن في فضل أبي بكر ومدحه، بل تكون في ذمه وقدحه! وصاحب السوء والمنكر، لا تشمله العناية والسكينة الإلهية، لأنهما تختصان بالنبي (ص) والمؤمنين، وهم أولياء الله الذين لا يخشون أحدا إلا الله سبحانه.
ومن أهم علامات الأولياء كما في قوله تعالى: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)(44).
ولما وصل البحث إلى هذه النقطة، نظر العلماء إلى الساعة وهي تشير إلى أن الوقت قد جاوز منتصف الليل.
فأرادوا الانصراف من المجلس، ولكن النواب قال: ما وصلنا إلى نتيجة حول الآية الكريمة: (محمد رسول الله والذين معه..) إلى آخره والسيد بعد لم يتم كلامه في الموضوع.
فقال الحاضرون: لقد تعب السيد فنترك البحث إلى الليلة المقبلة إن شاء الله تعالى.. فتوادعنا وانصرفوا.
  #15  
قديم 05-06-08, 08:58 PM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي المجلس السادس/ليلة الأربعاء28 رجب 1345 هجرية

المجلس السادس
ليلة الأربعاء28 رجب 1345 هجرية


قبل غروب الشمس جاءني إلى البيت حضرة الفاضل غلام إمامين، وكان تاجراً محترماً من أهل السنة، وهو رجل كيس ورزين، كان يحضر مجلس الحوار في كل ليلة.
جاءني وقال: أيها السيد الجليل إنما جئت في هذا الوقت وقبل مجيء رفاقي، لأخبرك بأنك كسبت قلوبنا ونورتها بكلامك الحلو وبيانك العذب، فانجذب أكثر الحاضرين نحوك، فقد كشفت لنا ما كان مستورا وبينت لنا الحق الذي كان مجهولا.
واعلم أننا حين انصرفنا في الليلة الماضية من المجلس، وقع اختلاف شديد بيننا وبين علمائنا وعاتبناهم عتابا شديدا على إخفائهم هذه الحقائق عنا وإغوائنا بالأكاذيب والأباطيل، وكاد الأمر يؤول من التشاجر إلى التناحر، ولكن بعض العقلاء والكبار توسطوا في البين وأنهوا القضية بسلام.
ولما صار وقت المغرب تهيأت وقمت للصلاة، واقتدى بي كل من كان في البيت، وصلى غلام إمامين أيضا معنا جماعة.
وبعد إتمامنا الصلاة، جاء العلماء ومعهم الأصحاب والرفاق، فأكرمهم صاحب البيت ورحب بهم ورحبت بهم بدوري، وبعدما شربوا الشاي وتناولوا الحلوى ، وجه الأستاذ نواب عبد القيوم خان نظره إلي واستأذن للسؤال، فأذنت له.
فقال: نسألكم أن تتموا موضوع الليلة الماضية حول الآية الكريمة : (محمد رسول الله والذين معه...)
قلت: إذا أذن لي المشايخ الحاضرون، فلا مانع لدي.
الحافظ ـوكان في حالة غضب ـ: لا مانع... تكلموا ونحن نستمع.
قلت: لقد بينت لكم في الليلة الماضية بعض الإشكالات الأدبية على تأويل الآية وتطبيقها على الخلفاء الراشدين.
وأما في هذه الليلة فنبحث فيها من جهات أخرى حتى ينكشف الحق للحاضرين.
إن جناب الشيخ عبد السلام سلمه الله تعالى أول كل صفه من الصفات الأربعة في الآية الكريمة على أحد الراشدين بالترتيب فأقول:
أولا: لم يذكر أحد من المفسرين في شأن نزول الآية، هذا التأويل.
ثانيا: كلنا يعرف أن الصفات الأربعة المذكورة إذا اجتمعت كلها في شخص واحد، فهو المراد من الآية الكريمة.
وأما إذا تحقق بعضها في شخص، فلا يكون ذلك هو مقصود الآية ومرادها.
ونحن إذا نظرنا في تاريخ الإسلام نظر تحقيق وتعمق، ودرسنا حياة الصحابة دراسة تحليلية، ونظرنا في سيرتهم نظرة استقلالية، بعيدا عن الأغراض النفسية والعوارض القلبية، لوجدنا أن كل الصفات المذكورة في الآية الكريمة ما اجتمعت في واحد من الصحابة سوى مولانا علي بن أبي طالب عليه السلام.
الحافظ: إنكم معشر الشيعة تغالون في حق سيدنا علي كرم لله وجهه ، فكلما وجدتم آية في وصف المؤمنين والمتقين والمحسنين والصالحين، تقولون: نزلت في شأن الإمام علي!!
قلت: هذا اتهام وافتراء آخر منكم، نحن الشيعة لا نغالي في حق مولانا لإمام علي عليه السلام، وإنما نواليه ولا نبغضه، كما أراد الله سبحانه، فلذلك نقول فيه ما هو حقه، وإنه لظاهر كالشمس في الضحى.
من ينكر فضلك يا حيدر؟هل ضوء الشمس ضحى ينكر؟وكل ما نقوله نحن في أمير المؤمنين عليه السلام إنما هو من كتبكم ومصادركم!

الآيات النازلة في شأن علي عليه السلام
وأما الآيات المباركة الكثيرة التي نقول بأنها نزلت في شأن الإمام علي عليه السلام وفضله، إنما نذكر رواياتها وتفاسيرها من كتبكم المعتبرة ومن تفاسير علمائكم الأعلام.
فإن الحافظ أبو نعيم، صاحب كتاب " ما نزل من القرآن في علي " والحافظ أبو بكر الشيرازي، صاحب كتاب " نزول القرآن في علي " والحاكم الحسكاني، صاحب كتاب " شواهد التنزيل " فهؤلاء من علماء الشيعة أم من علمائكم؟؟
والمفسرون الكبار، أمثال: الإمام الثعلبي والسيوطي والطبري والفخر الرازي والزمخشري، والعلماء الأعلام، أمثال: ابن كثير ومسلم والحاكم والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبي داود وأحمد بن حنبل وابن حجر والطبراني والكنجي والقندوزي، وغيرهم، الذين ذكروا في كتبهم ومسانيدهم وصحاحهم، الآيات القرآنية التي نزلت في شأن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام...
هل هم من علماء الشيعة أم من أهل السنة والجماعة؟؟
ولقد روى الحسكاني، والطبراني، والخطيب البغدادي في تاريخه، وابن عساكر في تاريخه، في ترجمة الإمام علي عليه السلام، وابن حجر في الصواعق: 76، ونور الأبصار: 73، ومحمد بن يوسف الكنجي في " كفاية الطالب " في أوائل الباب الثاني والستين، في تخصيص علي عليه السلام بمائة منقبة دون سائر الصحابة، بإسنادهم عن ابن عباس، قال: نزلت في علي بن أبي طالب ثلاثمائة آية.
وروى العلامة الكنجي في الباب الحادي والثلاثين بإسناده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (ص) ما أنزل الله تعالى آية فيها: (يا أيها الذين آمنوا) إلا وعلي رأسها وأميرها.
ورواه عن طريق آخر: إلا وعلي رأسها وأميرها وشريفها.
وروى في الباب عن ابن عباس أيضا أنه قال: ولقد عاتب الله عز وجل أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم في غير آي من القرآن وما ذكر عليا إلا بخير.
فمع هذه الأخبار المتظافرة والروايات المعتبرة الجمة التي رواها كبار علمائنا ومحدثيهم، نحن لا نحتاج لوضع الأحاديث وجعل الأخبار في شأن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وإثبات فضله وجلالته وخلافته.
فإن رفعة مقامه وسمو شأنه وعلو قدره يلوح للمنصفين في سماء العلم والمعرفة، كشمس الضحى في وسط السماء، لا ينكرها إلا فاقدي البصر أو السفهاء.
وكما ينسب إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي ـ أو غيره من الأعلام ـ أنه حين سئل عن فضل الإمام علي عليه السلام قال: ما أقول في رجل، أخفى أعداؤه فضائله بغضا وحسدا، وأخفى محبوه فضائله خوفا ورهبا، وهو بين ذين وذين قد ملأت فضائله الخافقين(1).
وأما حول الآية الكريمة، فإني كل ما أقوله فهو من كتبكم وأقوال علمائكم، كما إني إلى الآن ما تمسكت بأقوال الشيعة في محاوراتي معكم، ولا أحتاج أن أتمسك بها في محاوراتي الآتية أيضا إن شاء الله تعالى.
وأما تطبيق الآية الكريمة: (محمد رسول الله والذين معه...) على مولانا وسيدنا الإمام علي عليه السلام، فهو ليس قولي فحسب، بل أذكر جيدا أن العلامة محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي، في كتابه " كفاية الطالب " في الباب الثالث والعشرين، وبعد روايته للحديث النبوي الشريف الذي يشبه فيه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بالأنبياء والمرسلين عليهم السلام.. فيقول العلامة الكنجي في شرحه للحديث:... وشبهه بنوح في حكمته، وفي رواية في حكمه، وكأنه أصح لأن عليا عليه السلام كان شديدا على الكافرين رؤوفا بالمؤمنين كما وصفه الله تعالى في القرآن بقوله: (والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) وأخبر الله عز وجل عن شدة نوح عليه السلام على الكافرين بقوله: (.. رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا)(2)... إلى آخر كلام العلامة الكنجي.
وأما قول الشيخ عبد السلام: بأن (والذين معه) إشارة إلى أبي بكر لأنه كان صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار.
فإني أجبت بأن صحبته كانت من باب الصدفة، ولو سلمنا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذه معه لاعن صدفة، فهل مرافقة أيام قلائل وصحبة سفر واحد، تساوي مرافقة أكثر العمر وصحبة سنين عديدة هي التي قضاها مولانا الإمام علي عليه السلام تحت رعاية النبي (ص) وتعلم عنده وتأدب بآدابه وتربى على يده وتحت إشرافه؟!
فلو أنصفتم لقلتم: إن عليا أخص من أبي بكر في هذه الصفة أيضا، لأن رسول الله (ص) أخذه من أبي طالب ورباه في حجره وعلمه وأدبه، فكان أول من آمن به وعمره حينذاك عشر سنين، آمن علي عليه السلام حين كان أبو بكر وعمر وعثمان وأبو سفيان ومعاوية وغيرهم من المسلمين، كفارا مشركين، يعبدون الأوثان ويسجدون للأصنام ، وعلي ما سجد لصنم قط، كما صرح كثير من علمائكم.

النبي (ص) مربي علي عليه السلام ومعلمه
لقد ذكر بعض علمائكم موضوع تربية النبي عليا من الصغر.
منهم ابن الصباغ المالكي في كتابه " الفصول المهمة " فإنه خصص فصلا في الموضوع.
ومنهم محمد بن طلحة الشافعي في كتابه " مطالب السؤول " في الفصل الأول.
والحافظ سليمان الحنفي في " ينابيع المودة " الباب السادس والخمسين، ص 238 المكتبة الحيدرية، نقلا عن " ذخائر العقبى " للطبري.
والثعلبي في تفسيره عن مجاهد.
وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 13/198 ط دار إحياء الكتب العربية، نقلا عن الطبري في تاريخه(3)، روى بإسناده عن مجاهد قال كان من نعمة الله عز و جل على علي بن أبي طالب ع و ما صنع الله له و أراده به من الخير أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة و كان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله ص للعباس و كان من أيسر بني هاشم يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال و قد ترى ما أصاب الناس من هذه الأزمة فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله آخذ من بيته واحدا و تأخذ واحدا فنكفيهما عنه فقال العباس نعم فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما إن تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول الله ص عليا فضمه إليه و أخذ العباس جعفرا رضي الله عنه فضمه إليه فلم يزل علي بن أبي طالب ع مع رسول الله ص حتى بعثه الله نبيا فاتبعه علي ع فأقر به و صدقه و لم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم و استغنى عنه(4).
وقال ابن الصباغ المالكي بعد نقله للرواية: فلم يزل علي عليه السلام مع رسول الله (ص) حتى بعث الله عز وجل محمدا نبيا، فاتبعه علي عليه السلام وآمن به وصدقه، وكان إذ ذاك في السنة الثالثة عشر من عمره لم يبلغ الحلم، وإنه أول من أسلم وآمن برسول الله (ص) من الذكور.

علي عليه السلام أول من آمن
ثم ينقل ابن الصباغ المالكي، قول الإمام الثعلبي في تفسيره للآية الكريمة (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار..)(5)، إنه روى عن ابن عباس وجابر بن عبد الله الأنصاري وزيد بن أرقم ومحمد بن المنكدر وربيعة المرائي، أنهم قالوا: أول من آمن برسول الله (ص) بعد خديجة أم المؤمنين، هو علي بن أبي طالب.
وهذا الموضوع الهام صرح به كبار علمائكم الأعلام، مثل: البخاري ومسلم في الصحيح، والإمام أحمد في مسنده، وابن عبد البر في الاستيعاب: 3/32 والإمام النسائي في الخصائص، وسبط ابن الجوزي في التذكرة: 63 والحافظ سليمان القندوزي في الينابيع باب 12ـ نقلا عن مسلم والترمذي، وابن أبي الحديد في شرح النهج: 13/224 ط احياء الكتب العربية، والحمويني في فرائد السمطين، والمير السيد الهمداني في مودة القربى، والترمذي في الجامع:2/214، وابن حجر في الصواعق، ومحمد بن طلحة القرشي في مطالب السؤول ـ الفصل الأول ـ وغيرهم من كبار علمائكم ومحدثيكم ذكروا بأن: النبي (ص) بعث يوم الاثنين وآمن به علي يوم الثلاثاء ـ وفي رواية: وصلى علي يوم الثلاثاء ـ وقالوا: إنه أول من آمن برسول الله (ص) من الذكور.
كما جاء في مطالب السؤول: ولما أنزل الوحي على رسول الله (ص) وشرفه الله سبحانه وتعالى بالنبوة كان علي عليه السلام يومئذ لم يبلغ الحلم، وكان عمره إذ ذاك في السنة الثالثة عشر، وقيل: أقل من ذلك، وقيل: أكثر منه، وأكثر الأقوال وأشهرها: أنه لم يكن بالغا، فإنه أول من أسلم وآمن برسول الله (ص) من الذكور، وقد ذكر عليه السلام ذلك وأشار إليه في أبيات قالها ونقلها عنه الثقات ورواها النقلة الاثبات، وهي:
محمد النبي أخي وصنويوحمزة سيد الشهداء عميوجعفر الذي يضحي ويمسييطير مع الملائكة ابن أميوبنت محمد سكني وعرسيمنوط لحمها بلحمي ودميسبقتكم إلى الإسلام طــراغلاما ما بلغت أوان حلميوأوجب لي ولايته عليكـمرسول الله يوم غـدير خمفويل ثم ويل ثم ويل لمن يلقىالإله غـــــدا بظلمي(6)ونقل الطبري في تاريخه: 2/ 241 والترمذي في الجامع: 2 ص 215 والإمام أحمد في مسنده: 4/ 368 وابن الاثير في تاريخه الكامل: 2/22 والحاكم في المستدرك: 4/336 ومحمد بن يوسف القرشي الكنجي في كفاية الطالب: الباب الخامس والعشرون، وغيرهم من علمائكم الثقات رووا بإسنادهم عن ابن عباس: أول من صلى علي بن أبي طالب عليه السلام(7).
وروى الحاكم الحسكاني في كتابه " شواهد التنزيل " في ذيل الآية (السابقون الأولون...) بسنده عن عبد الرحمن بن عوف، أن عشرة من قريش آمنوا وكان أولهم علي بن أبي طالب.
وروى كثير من علمائكم ـ منهم الإمام أحمد في مسنده، والخطيب الخوارزمي في " المناقب " والحافظ سليمان الحنفي القندوزي في الباب الثاني عشر من " الينابيع " وغيرهم ـ بإسنادهم عن أنس بن مالك، أن النبي (ص) قال: صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين، وذلك أنه لم ترفع شهادة أن لا إله إلا الله إلى السماء، إلا مني ومن علي.
وأما ابن أبي الحديد في سرح نهج البلاغة: 4/125 ط دار إحياء الكتب العربية، بعدما نقل روايات كثيرة في سبق علي عليه السلام إلى الإيمان، وأخرى مخالفة، قال: فدل مجموع ما ذكرناه أن عليا عليه السلام أول الناس إسلاما وأن المخالف في ذلك شاذ، والشاذ لا يعتد به.
وهذا الإمام الحافظ أحمد بن شعيب النسائي، صاحب واحد من الصحاح الستة عندكم، له كتاب " خصائص الإمام علي عليه السلام " فإنه روى أول حديث في هذا الكتاب بإسناده عن زيد بن أرقم، قال: أول من صلى مع رسول الله (ص) علي رضي الله عنه.
وابن حجر الهيتمي ـ مع شدة تعصبه ـ يرى أن عليا عليه السام أول من آمن، كما في الفصل الثاني من كتابه " الصواعق المحرقة ".
ونقل الحافظ سليمان الحنفي القندوزي في كتابه " ينابيع المودة " في الباب الثاني عشر، نقل واحدا وثلاثين خبرا ورواية عن الترمذي والحمويني وابن ماجة وأحمد بن حنبل والحافظ أبي نعيم والامام الثعلبي وابن المغازلي وأبي المؤيد الخوارزمي والديلمي وغيرهم، بعبارات مختلفة والمعنى واحد، وهو أن عليا عليه السلام أول من أسلم وآمن وصلى مع رسول الله (ص).
وينقل رواية شريفة في آخر الباب، من كتاب المناقب بالاسناد عن أبي زبير المكي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، أنقلها لكم إتماما للحجة وإكمالا للفائدة.
عن رسول الله (ص) قال: " إن الله تبارك و تعالى اصطفاني و اختارني و جعلني رسولا، وأنزل علي سيد الكتب، فقلت: إلهي و سيدي، إنك أرسلت موسى إلى فرعون فسألك أن تجعل معه أخاه هارون وزيرا، تشد به عضده و يصدق به قوله و إني أسألك يا سيدي و إلهي، أن تجعل لي من أهلي وزيرا تشد به عضدي، فاجعل لي عليا وزيرا وأخا، واجعل الشجاعة في قلبه، و ألبسه الهيبة على عدوه، وهو أول من آمن بي و صدقني و أول من وحد الله معي.
و إني سألت ذلك ربي عز و جل فأعطانيه، فهو سيد الأوصياء، اللحوق به سعادة، و الموت في طاعته شهادة، واسمه في التوراة مقرون إلى اسمي، وزوجته الصديقة الكبرى ابنتي. و ابناه سيدا شباب أهل الجنة ابناي، وهو وهما والأئمة بعدهم حجج الله على خلقه بعد النبيين، وهم أبواب العلم في أمتي، من تبعهم نجا من النار، ومن اقتدى بهم هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، لم يهب الله عز و جل محبتهم لعبد إلا أدخله الله الجنة ".
فهذا قليل من كثير مما نقله حملة الأخبار، من علمائكم الكبار، في هذا المضمار، ولو نقلتها كلها لطال بنا المجلس في موضوع واحد إلى النهار، ولكن أكتفي بهذه النماذج التي ذكرتها لكي يعرف العلماء والحاضرون أن الإمام علي عليه السلام كان مع النبي (ص) منذ صغره وقبل أن يبعث.
وحينما بعث (ص) بالنبوة، آمن به علي عليه السلام ولازمه ولم يفارقه أبدا.
فهو أولى وأجلى لمصداق الآية: (والذين معه) من الذي صاحب النبي وكان معه في سفر واحد.

شبهة على الموضوع وردها
الحافظ: نحن كلنا نقول بما تقولون، ونقر بأن عليا كرم الله وجهه أول من آمن، وأن أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة آمنوا بعده بمدة من الزمن، ولكن إيمان أولئك يفرق عن إيمان علي بن أبي طالب إذ لا يحسب العقلاء إيمانه في ذلك الزمان فضيلة، ويحسبون إيمان أولئك المتأخرين عنه فضيلة!
لأن عليا كرم الله وجهه، آمن وهو صبي لم يبلغ الحلم، وأولئك آمنوا وهم شيوخ كبار في كمال العقل والإدراك.
ومن الواضح أن إيمان شيخ محنك ومجرب ذي عقل وبصيرة أفضل من إيمان طفل لم يبلغ الحلم.
وأضف على هذا أن إيمان سيدنا علي تقليدا وإيمانهم كان تحقيقا وهو أفضل من الإيمان التقليدي.
قلت: إني أتعجب من هذا الكلام، وأنتم علماء القوم! أنا لا أنسبكم إلى اللجاج والعناد والتعصب، ولكن أقول: إنكم تفوهتم من غير تفكر، وتكلمتم من غير تدبر، تبعا لأسلافكم الذي قلدوا بني أمية وتبعوا الناصبين العداء للعترة الهادية!
والآن، لكي يتضح لكم الأمر، أجيبوا على سؤالي:
هل إن عليا عليه السلام حين آمن صبيا، كان إيمانه بدعوة من رسول الله (ص) أم من عند نفسه؟!
الحافظ: أولا: لماذا تنزعجون من طرح الشبهة وتتضجرون من إيراد الإشكال، فإذا لم نطرح ما يختلج في صدورنا من الشبهات، ولا نستشكل على كلامكم، فلن يصدق على مجلسنا اسم الحوار والمناظرة، فقد اجتمعنا هنا لنعرف الحق، وهذا يقتضي أن نطرح كل ما يكون في أذهاننا من الشبهات والإشكالات حول مذهبكم وعقائدكم، فإن دفعتم الشبهات ورفعتم الاشكالات وأوضحتم الحق، يلزم علينا أن نصدقكم ونعتنق مذهبكم، وإذا لم تتمكنوا من ذلك فيلزم عليكم تصديق مذهبنا وترك مذهبكم.
ثانيا: وأما جواب سؤالكم، أقول: من الواضح أن عليا كرم الله وجهه إنما آمن بدعوة من النبي (ص) لا من عند نفسه.
قلت: هل إن النبي (ص) حين دعا عليا عليه السلام إلى الإيمان كان يعلم أن لا تكليف على الطفل الذي لم يبلغ الحلم أم لا؟!
إذا قلتم: ما كان يعلم! فقد نسبتم الجهل إلى النبي (ص) وذلك لا يجوز، لأنه (ص) مدينة العلم، ولا يخفى عليه شيء من الأحكام.
وإذا قلتم: إنه (ص) كان يعلم أن لا تكليف على الطفل ومع ذلك دعا عليا عليه السلام وهو صبي إلى الإيمان بالله والإيمان برسالته، فيلزم من قولكم إن النبي (ص) قام بعمل لغو وعبث، والقول بهذا في حد الكفر بالله سبحانه!
لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤيد بالعصمة، ومسدد بالحكمة من الله تعالى وهو بريء من اللغو والعبث، وقد قال عز وجل في شأنه:
(وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى)(8).

فضيلة سبق علي عليه السلام إلى الإيمان
لقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا عليا عليه السلام إلى الإيمان، فاستجاب وآمن بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم سيد العقلاء والحكماء، ولا يصدر منه عمل اللغو والعبث، فلابد أنه رأى عليا عليه السلام أهلا وكفوا، فدعاه إلى الإيمان صبيا. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على قابلية الإمام علي عليه السلام ولياقته وكماله وفضله وتميزه و وفور عقله.
وصغر السن لا ينافي الكمال العقلي، وبلوغ الحلم وحده لا يكون سبب التكليف، فإن هناك من بلغ الحلم ولم يكلف ـ لقصر عقله وسفهه ـ وبالعكس، نجد من لم يبلغ الحلم، لكن الله كلفه بأعظم التكاليف، كما قال سبحانه وتعالى في شأن يحي عليه السلام: (وآتيناه الحكم صبيا) (9).
وقال تعالى حكاية عن عيسى بن مريم: (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا)(10).
قال هذه الجملة، وهو صبي في المهد، فالحكم المأتي ليحيى إنما كان تكليفا من الله تعالى ليحي عليه السلام، والنبوة كذلك تكليف من عند الله عز وجل لعيسى بن مريم عليه السلام، وهذان التكليفان لهذين الصبيين، دليل على عظمة شأنهما وكمالهما وكفايتهما وفضلهما و وفور عقلهما.
وإيمان الإمام علي عليه السلام بدعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو تكليف موجه من هذا القبيل، وهو على فضله وكماله أكبر دليل!
وقد أشار سيد الشعراء إسماعيل الحميري ـ المتوفي سنة 179 هجرية ـ إلى هذه الفضيلة قائلا:
وصي مـحـمد وأبو بـنـيهو وارثه وفارسه الوفياوقد أوتي الهدى والحكم طفلاكيحيى يوم أوتيه صبياكما كان الإمام علي عليه السلام يشيد بهذه الفضيلة ويفتخر بها كما مر في أشعاره:
سبقتكم إلى الإسلام طفلا صغيراما بلغت أوان حلمي(11)وإذا كان إيمانه في الصغر لا يعد فضيلة، فلماذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينوه به ويشير إليه؟! وما ذلك إلا ليسجل له فضيلة أخرى، تضاف إلى فضائله الجمة؟!
فقد روى الحافظ سليمان الحنفي في " ينابيع المودة " الباب السادس والخمسين، عن محب الدين الطبري المكي في كتابه " ذخائر العقبى " بسنده عن عمر بن الخطاب، أنه قال:
كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة وجماعة إذ ضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم منكب علي فقال: يا علي! أنت أول المؤمنين أيمانا، وأولهم إسلاما، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى.
وروى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس، أنه قال: كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح وجماعة من الصحابة عند النبي (ص) إذ ضرب على منكب علي بن أبي طالب(ع) فقال: أنت أول المسلمين إسلاما، وأنت أول المؤمنين إيمانا، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، كذب يا علي من زعم أنه يحبني ويبغضك.
ورواه ابن الصباغ المالكي عن ابن عباس أيضا في الفصول المهمة( 125) وروى الإمام أحمد بن شعيب بن سنان النسائي في الخصائص وموفق بن أحمد الخطيب الخوارزمي في " المناقب " مختصرا، وابن عساكر في تاريخه مختصرا، وأخرجه المتقي الهندي في كنز العمال 6/395، وهذا نصه:
من مسند عمر، عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: كفوا عن ذكر علي بن أبي طالب، فإني سمعت رسول الله (ص) يقول في علي ثلاث خصال، لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح ونفر من أصحاب رسول الله(ص) والنبي متكىء على علي بن أبي طالب، حتى ضرب بيده على منكبه ثم قال: أنت يا علي أول
المؤمنين إيمانا، وأولهم إسلاما، أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وكذب علي من زعم أنه يحبني ويبغضك.
وفي رواية ابن الصباغ المالكي أضاف: من أحبك فقد أحبني، ومن أحبني أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله الجنة، ومن أبغضك فقد أبغضني ومن أبغضني أبغضه الله تعالى وأدخله النار(12).
وروى الطبري في تاريخه عن محمد بن سعد بن أبي وقاص، قال:
سألت أبي: هل إن أبا بكر أول من آمن بالنبي (ص)؟
فقال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين رجلا، ولكنه كان أفضل منا في الإسلام.
ولقد ذكر الطبري أيضا فقال: ولقد أسلم قبل عمر بن الخطاب خمسة وأربعون رجلا وإحدى وعشرون امرأة، ولكن أسبق الناس إسلاما وإيمانا فهو علي بن أبي طالب.

ميزة إيمان علي عليه السلام
ثم إن لإيمان علي عليه السلام ميزة على إيمان غيره، وهي أن إيمانه عليه السلام كان عن فطرة غير مسبوق بكفر أو شرك، فإنه بدأ حياته التكليفية بالإيمان ولم يشرك بالله سبحانه طرفة عين، بينما الآخرون بدءوا بالكفر والشرك ثم آمنوا، فكان إيمانهم مسبوق بالكفر والشرك، وإيمان الإمام علي عليه السلام كان عن فطرة، وهو فضيلة عظيمة وميزة كريمة امتاز بها عن غيره.
لذا قال الحافظ أبو نعيم في كتابه " ما نزل من القرآن في علي عليه السلام " والمير السيد علي الهمداني في كتابه " مودة القربى " نقلا عن ابن عباس أنه قال: والله ما من عبد آمن بالله إلا وقد عبد صنم، إلا علي بن أبي طالب، فإنه آمن بالله من غير أن يعبد صنما.
وروى محمد بن يوسف الكنجي القرشي في " كفاية الطالب " الباب الرابع والعشرون، بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: سباق الأمم ثلاثة لم يشركوا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب، وصاحب ياسين، ومؤمن آل فرعون ؛ فهم الصديقون، حبيب النجار مؤمن أو صاحب ياسين، وحزقيل مؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم(13).
وفي " نهج البلاغة " قال علي عليه السلام: فإني ولدت على الفطرة ، وسبقت إلى الإيمان والهجرة.
وروى الحافظ أبو نعيم وابن أبي الحديد وغيرهما، أن عليا عليه السلام لم يكفر بالله طرفة عين.
وروى الإمام أحمد في المسند، والحافظ سليمان الحنفي في " ينابيع المودة " عن ابن عباس، أنه قال لزمعة بن خارجة: إنه عليا لم يعبد صنما، ولم يشرب خمرا، وكان أول الناس إسلاما.
وأخيرا أتوجه إلى من يقول بأن إيمان الشيخين أفضل من إيمان علي عليه السلام فأسأله: أما سمع الحديث النبوي الشريف الذي رواه كبار علماء العامة، منهم: ابن المغازلي في المناقب، والإمام أحمد في المسند، والخطيب الخوارزمي في المناقب، والحافظ سليمان الحنفي في " ينابيع المودة " وغيرهم، رووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لو وزن إيمان علي وإيمان أمتي لرجح إيمان علي على إيمان أمتي إلى يوم القيامة.
وروى الإمام الثعلبي في تفسيره، والخوارزمي في المناقب، والمير السيد علي الهمداني في المودة السابعة من كتابه " مودة القربى " عن عمر بن الخطاب، قال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لو أن السموات السبع والأرضين السبع وضعن في كفة ميزان ووضع إيمان علي في كفة ميزان لرجح إيمان علي(14).
وفي ذلك يقول سفيان بن مصعب الكوفي:

أشهد بالله لقد قال لنامحمد والقول منه ما خفىلو أن إيمان جميع الخلق ممنسكن الأرض ومن حل السمايجعل في كفة ميزان لكييوفي بإيمان علي ما وفعلي عليه السلام أفضل الأمة
روى المير السيد علي الهمداني، الفقيه الشافعي، في كتابه " مودة القربى " أخبارا متظافرة في أفضلية الإمام علي عليه السلام على جميع الصحابة، بل على جميع الأمة.
قال في المودة السابعة: عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أفضل رجال العالمين في زماني هذا علي عليه السلام(15).
وقال ابن أبي الحديد في مقدمة شرح نهج البلاغة: 1/9: وأما نحن فنذهب إلى ما ذهب إليه شيوخنا البغداديون، من تفضيله(ع) ـ أي: علي ـ وقد ذكرنا في كتبنا الكلامية ما معنى الفضل، وهل المراد به الأكثر ثوابا، أو الأجمع لمزايا الفضل والخلال الحميدة، وبينا أنه عليه السلام أفضل على التفسيرين معا.
وقال في11/119: وقع بيدي بعد ذلك كتاب لشيخنا أبي جعفر الإسكافي ، ذكر فيه أن مذهب بشر بن المعتمر، وأبي موسى، وجعفر بن بشر، وسائر قدماء البغداديين، أن أفضل المسلمين علي ابن أبي طالب، ثم ابنه الحسن، ثم ابنه الحسين ، ثم حمزة بن عبدالمطلب، ثم جعفربن أبي طالب...إلخ.
وبعد نقله هذا القول، وعده عقيدة المعتزلة، ينظم فيه شعرا، فيقول:
وخير خلق الله بعد المصطفىأعظمهم يوم الفخار شرفاالسيد المـعظـم الوصيبعد البتول المرتضى عليوابناه ثم حمزة وجعفر ثمعتيق بعـــدهم لا ينكرالشيخ عبدالسلام: لو كنت تطالع أقوال العلماء في أفضلية أبي بكر (رض) ما كنت تتمسك بغيره.
قلت: وأنتم إذا كنتم تتركون أقوال المتعصبين وتأخذون بأقوال المنصفين من علمائكم الأعلام، لرأيتم رأينا وتمسكتم بقولنا في تفضيل الإمام علي عليه السلام.
ولكي تعرف دلائل وبراهين الطرفين أدلك على مصدر واحد كنموذج راجع: شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 13/215 ـ295، فإنه ذكر في هذا الفصل من الكتاب كلام الجاحظ، ودلائله على
أفضلية صاحبكم، أبي بكر، وذكر رد أبي جعفر الإسكافي وهو من أفاضل علماء السنة وكبار أعلام الأمة وشيخ المعتزلة، وذكر دلائله وبراهينه العقلية والنقلية في تفضيل الإمام علي(ع) على غيره من الأمة.
ومن جملة كلامه ـ في صفحة 275 ـ يقول أبو جعفر الإسكافي: إننا لا ننكر فضل الصحابة وسوابقهم، ولسنا كالإمامية الذين يحملهم الهوى على جحد الأمور المعلومة (لقد أصدر علينا حكما غيابيا ولو كنا لأجبناه).. قال: ولكننا ننكر تفضيل أحد من الصحابة على علي بن أبي طالب(ع) انتهى.
فنستفيد من مجموع الأخبار والأحاديث وأقوال العلماء والمحدثين، أن عليا عليه السلام لا يقاس به أحد من المسلمين. وأن مقامه أسمى وشأنه أعلى من الآخرين بمراتب، فلا يمكن أن تقدموهم عليه بنقل بعض الأحاديث الضعيفة السند أو الدلالة.
  #16  
قديم 05-06-08, 08:59 PM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي

ثم لا ينكر أن عليا عليه السلام هو أبو العترة وسيد أهل البيت عليهم السلام، ولا يقاس بأهل البيت أحد من الأمة في الشأن والمرتبة، فكيف بسيدهم وعَلَمهم؟!
لقد روى المير السيد علي الهمداني الشافعي، في المودة السابعة من كتابه " مودة القربى " عن أحمد بن محمد الكرزي البغدادي، أنه قال:
سمعت عبدالله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت أبي عن التفضيل.
فقال: أبو بكر وعمر وعثمان. ثم سكت.
فقلت: يا أبه أين علي بن أبي طالب؟!
قال: هو من أهل البيت، لا يقاس به هؤلاء!
وإذا نريد أن نفسر كلام الإمام أحمد فنقول: يعني: أن عليا(ع) لا يذكر في عداد الصحابة، بل هو في مقام النبوة والإمامة.
ونجد خبرا آخر في المودة السابعة أيضا بهذا المعنى، رواه عن أبي وائل، عن ابن عمر، قال: كنا إذا عددنا أصحاب النبي (ص) قلنا: أبو بكر وعمر وعثمان.
فقال رجل: يا أبا عبدالرحمن! فعلي ما هو؟!
قال: علي من أهل البيت لا يقاس به أحد، هو مع رسول الله(ص) في درجته، إن الله تعالى يقول: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم...)(16).
ففاطمة مع رسول الله (ص) في درجته وعلي معهما(17).
وكان هذا الأمر واضحا وضوح الشمس في الضحى، وكان من المسلمات، ولذا نرى في المودة السابعة أيضا خبرا بهذا المعنى، رواه عن جابر بن عبدالله الأنصاري، قال: قال رسول الله (ص) يوم يحضر المهاجرون والأنصار ـ كذا ـ: يا علي ! لو أن أحدا عبد الله حق عبادته، ثم شك فيك وأهل بيتك، أنكم أفضل الناس، كان في النار!! انتهى
لما سمع أهل المجلس هذا الخبر استغفر أكثرهم الله، وبالخصوص الحافظ محمد رشيد. استغفروا الله، لأنهم كانوا يظنون أفضلية الآخرين!
هذه نماذج من الأخبار الكثيرة في تفضيل الإمام علي عليه السلام على الصحابة والمسلمين عامة، وأضف عليها الحديث النبوي الشريف الذي رواه علماء الفريقين في يوم الخندق ومعركة الأحزاب حينما قتل الإمام علي (ع) بطل الأحزاب و قائدهم وحامل لوائهم عمرو بن عبد ود العامري وانهزم المشركون وانتصر المسلمون، قال رسول الله(ص): ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين.
فإذا كان عمل واحد من مولانا الإمام علي (ع) هو أفضل من عبادة الجن والإنس، فكيف بأعماله كلها، من الجهاد في سبيل الله، وتحمل الأذى في جنب الله، وصلاته، وصومه، وإنفاقه الصدقات، ورعايته الأرامل والأيتام في طول حياته المباركة؟!
فلا أرى أحدا مع ما ذكرناه، ينكر تفضيل الإمام علي(ع) على غيره، إلا المعاند.

علي عليه السلام أفضل بدليل المباهلة
قال تعالى: (فمن حاجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)(18).
اتفق المفسرون، واجمع المحدثون، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امتثل أمر الله عز وجل في الآية الكريمة فأخذ معه الحسن والحسين عليهما السلام لأبنائنا، وأخذ فاطمة الزهراء عليها السلام تطبيقا لكلمة نسائنا، وأخذ الإمام عليا عليه السلام، تطبيقا لكلمة أنفسنا.
ومن الواضح الذي لا يشك فيه إلا كافر، أن رسول الله (ص) سيد الأولين والآخرين، وخير الخلق، وأفضل الخلائق، وبحكم كلمة أنفسنا حيث جعل الله تعالى عليا(ع) في درجة نفس النبي، فصار هو كالنبي(ص) في الفضل، وأصبح خير الخلق، وأفضل الخلائق(19).
فأذعنوا واعتقدوا أن مصداق (والذين معه) هو سيدنا ومولانا علي(ع)الذي كان من أول عمره، ومن أول البعثة مع رسول الله(ص) لم يدعه في الملمات، وما تركه في الهجمات والطامات، بل كان ناصره وحاميه، يقيه بنفسه، ويدافع عنه بسيفه، ويفديه بروحه.
حتى أن رسول الله(ص) فارقت روحه الدنيا ورأسه في حجر الإمام علي(ع) كما قال في خطبة له في نهج البلاغة: ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد(ص ) أني لم أرد على الله ولا على رسوله ساعة قط، ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال، وتتأخر الأقدام، نجدة أكرمني الله بها.
ولقد قبض رسول الله(ص)، وإن رأسه لعلى صدري، ولقد سالت نفسه في كفي فأمررتها على وجهي، ولقد وليت غسله والملائكة أعواني... حتى واريناه في ضريحه، فمن ذا أحق به مني حيا وميتا؟!
ولما وصلنا إلى نهاية خطبة الإمام أمير المؤمنين(ع) صار وقت صلاة العشاء... فقطعنا كلامنا.. وبعدما أدوا الصلاة شربوا الشاي وتناولوا الفواكه والحلوى، ولما انتهوا بدأت أنا بالكلام فقلت:
لقائل أن يقول: إذا كان علي(ع) مع النبي(ص) في كل مواقفه، فلماذا لم يرافقه بالهجرة من مكة إلى المدينة؟!
أقول: لأن عليا(ع) قام في مكة بأعمال مهمة بعد النبي(ص) كان قد ألقاها النبي(ص) على عاتقه وأمره أن ينفذها، لأنه(ص) لم يعتمد على أحد يقوم مقامه ويقضي مهامه غير الإمام علي(ع) لأن النبي(ص) ـ كما نعلم ـ كان أمين أهل مكة، حتى إن الكفار والمشركين كانوا يستودعون عنده أموالهم ولا يعتمدون على غيره في استيداع أماناتهم وحفظها، فكان(ص) يعرف بالصادق الأمين.
فخلف رسول الله(ص) أخاه وابن عمه عليا(ع) في مكة ليرد الودائع والأمانات إلى أهلها، وبعد ذلك حمل معه بنت رسول الله وحبيبته فاطمة الزهراء التي كان يعز فراقها على أبيها، وأخذ معه أمه فاطمة بنت أسد وابنة عمه فاطمة بنت الزبير بن عبدالمطلب وغيرهن فأوصلهن بسلام إلى المدينة المنورة عند رسول الله(ص).

فضيلة المبيت على فراش النبي (ص)
وإضافة إلى ما ذكرناه، فإن عليا(ع) إذا لم يدرك فضيلة مرافقة النبي (ص) في الهجرة، فإنه عليه السلام أدرك مقاما أسمى بالإستقلال لا بالتبع، وهو مبيته على فراش النبي(ص) ليلتبس الأمر على الأعداء، فيخرج رسول الله (ص) من بينهم بسلام.
فإذا كانت آية الغار تعد فضيلة لأبي بكر بأن حسبته ثاني إثنين، فقد جعلته تابعا لرسول الله (ص)، غير مستقل في كسب الفضيلة، وإنما حصلها تبعا للنبي(ص).
بينما الإمام علي(ع) حينما بات على فراش رسول الله(ص) نزلت في شأنه آية كريمة سجلت له فضيلة مستقلة تعد من أعظم مناقبه، وهي قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد)(20).
وقد ذكر جمع كثير من كبار علمائكم الأعلام والمحدثين الكرام، خبرا هاما بهذه المناسبة، وإن كانت ألفاظهم مختلفة ولكنها متقاربة والمعنى واحد، ونحن ننقله من كتاب " ينابيع المودة " للحافظ سليمان الحنفي، الباب الحادي والعشرين ، وهو ينقله عن الثعلبي وغيره.
قال الحافظ سليمان: عن الثعلبي في تفسيره، وابن عقبة في ملحمته، وأبو السعادات في فضائل العترة الطاهرة، والغزالي في إحياء العلوم، بأسانيدهم، عن ابن عباس وعن أبي رافع وعن هند بن أبي هالة ربيب النبي (ص) ـ أمه خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها ـ أنهم قالوا:
قال رسول الله(ص): أوحى الله إلى جبرائيل وميكائيل: إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر صاحبه، فأيكما يؤثر أخاه عمره، فكلاهما كرها الموت، فأوحى الله إليهما: إني آخيت بين علي وليي وبين محمد نبيي، فآثر علي حياته للنبي، فرقد على فراش النبي يقيه بمهجته. إهبطا إلى الأرض واحفظاه من عدوه.
فهبطا، فجلس جبرائيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه، وجعل جبرائيل يقول: بخ بخ، من مثلك يا ابن أبي طالب، والله عز وجل يباهي بك الملائكة!
فأنزل الله تعالى: (ومن الناس من يشري....).
أقول: الذين نقلوا هذا الخبر بألفاظ متقاربة وبمعنى واحد، جمع كبير من أعلام العامة، منهم: ابن سبع المغربي في كتابه " شفاء الصدور " والطبراني في الجامع الأوسط والكبير، وابن الأثير في أسد الغابة 4/25، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة: 33، والفاضل النيسابوري، والإمام الفخرالرازي، وجلال الدين السيوطي، في تفاسيرهم للآية الكريمة، والحافظ أبونعيم في كتابه " مانزل من القرآن في علي " والخطيب الخوارزمي في " المناقب "، وشيخ الإسلام الحمويني في " الفرائد " والعلامة الكنجي القرشي الشافعي في " كفاية الطالب " الباب الثاني والستين، والإمام أحمد في المسند ومحمد بن جرير بطرق متعددة، وابن هشام في " السيرة النبوية " والحافظ محدث الشام في " الأربعين الطوال " والإمام الغزالي في إحياء العلوم 3/223وأبو السعادات في " فضائل العترة الطاهرة " وسبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص: 21، وغير هؤلاء الأعلام.
ونقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 13/262 ـ ط دار إحياء التراث العربي ـ قول الشيخ أبي جعفر الإسكافي، قال: وقد روى المفسرون كلهم أن قول الله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله) أنزلت في علي(ع) ليلة المبيت على الفراش.
فأرجو من الحاضرين، وخاصة العلماء الأفاضل، أن يفكروا في الآيتين بعيدا عن الانحياز إلى إحدى الجهتين، فتدبروا وقايسوا بينهما، وأنصفوا أيهما أفضل وأكمل، صحبة النبي(ص) ومرافقته أياما قليلة في سفر الهجرة، أم مبيت الإمام علي (ع) على فراش النبي (ص) واقتحامه خطر الموت، وتحمله أذى المشركين، ورميه بالحجارة طيلة الليل، وهو يتضور ولا يكشف عن وجهه، ليسلم رسول الله(ص) من كيد الأعداء وهجومهم، ومباهاة الله سبحانه ملائكته بمفاداة علي(ع) وإيثاره ثم نزول آية مستقلة في شأنه، أنصفوا أيهما أفضل؟؟
ولا يخفى أن بعض علمائكم الأعلام أنصفوا فأعلنوا تفضيل الإمام علي (ع) على غيره، وفضلوا مبيته على فراش رسول الله(ص) على صحبة أبي بكر ومرافقته إياه في الهجرة، منهم: الإمام أبو جعفر الإسكافي ـ وهو من أبرز وأكبر علماء ومشايخ أهل السنة المعتزلة ـ في رده على أبي عثمان الجاحظ وكتابه المعروف بالعثمانية.
لقد تصدى الإسكافي لنقضه بالبراهين العقلية والأدلة النقلية، وأثبت تفضيل الإمام علي(ع) على أبي بكر، وفضل المبيت على الصحبة، ونقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 13/215 ـ 295، فراجعه، فإنه مفيد جدا.
ومما يذكره الشيخ أبوجعفر في مقاله، قال: قال علماء المسلمين: (إن فضيلة علي(ع) تلك الليلة لا نعلم أحدا من البشر نال مثلها) شرح ابن أبي الحديد 13: 260.
وبعد كلام طويل ـ وكله مفيد ـ قال في صفحة 266 و 267: قد بينا فضيلة المبيت على الفراش على فضيلة الصحبة في الغار بما هو واضح لمن أنصف، ونزيد هاهنا تأكيدا بما لم نذكره فيما تقدم فنقول: إن فضيلة المبيت على الفراش على الصحبة في الغار لوجهين:
أحدهما: إن عليا(ع) قد كان أنس بالنبي(ص) وحصل له بمصاحبته قديما أنس عظيم، وإلف شديد، فلما فارقه عدم ذلك الأنس، وحصل به أبوبكر، فكان ما يجده علي(ع) من الوحشة وألم الفرقة موجبا زيادة ثوابه، لأن الثواب على قدر المشقة.
وثانيهما: إن أبابكر كان يؤثر الخروج من مكة، وقد كان خرج من قبل فردا فازداد كراهيته للمقام، فلما خرج مع رسول الله(ص) وافق ذلك هوى قلبه ومحبوب نفسه، فلم يكن له من الفضيلة ما يوازي فضيلة من احتمل المشقة العظيمة وعرض نفسه لوقع السيوف، ورأسه لرضخ الحجارة، لأنه على قدر سهولة العبادة يكون نقصان الثواب.
وعالم آخر من علمائكم وهو ابن سبع المغربي، صاحب كتاب " شفاء الصدور " يقول فيه وهو يبين شجاعة سيدنا الإمام علي (ع): إن علماء العرب أجمعوا على أن نوم علي(ع) على فراش رسول الله(ص) أفضل من خروجه معه، وذلك أنه وطن نفسه على مفاداته لرسول الله(ص) وآثر حياته، وأظهر شجاعته بين أقرانه. انتهى
فالموضوع واضح جدا بحيث لا ينكره إلا من فقد عقله بالتعصب الذي يعمي ويصم عن فهم الحق وإدراك الحقيقة!
أكتفي بهذا المقدار في إطار البحث حول جملة (والذين معه) وأما جملة (أشداء على الكفار) فقد قال الشيخ عبد السلام: إن المراد منها والمقصود بها هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب.
فأقول: نحن لا نقبل الكلام بمجرد الإدعاء، من غير دليل. والأولى أن نطبق العبارة على الشخص المشار إليه، فندرس سيرته وحالاته ونعرف صفاته وأخلاقه، فإذا تطابقت مع الآية الكريمة، فحينئذ نسلم، وإذا لم تتطابق، فنرد إدعائكم وكلامكم، ونثبت قولنا ورأينا بالدليل والبرهان.
فلنضع الجملة على طاولة التحليل والتحقيق فنقول: الشدة تظهر في مجالين:
1 ـ مجال المناظرات العلمية والبحوث الدينية مع الخصوم.
2 ـ مجال الجهاد الحربي والمناورات القتالية مع الأعداء.
أما في المجال العلمي فلم يذكر التاريخ لعمر بن الخطاب مناظرة علمية ومحاورة دينية تغلب فيها على الخصوم ومناوئي الإسلام وذا كنتم تعرفون له تاريخا وموقفا مشرفا في هذا المجال فبينوه حتى نعرف!
ولكن عليا(ع) يعترف له جميع العلماء وكل المؤرخون بأنه كان حلال المشكلات الدينية والمعضلات العلمية.
وهو الوحيد في عصره الذي كان قادرا على رد شبهات اليهود والنصارى مع كل التحريفات التي جرت على أيدي الأمويين والبكريين الخونة على تاريخ الإسلام ـ كما يصرح بها علماؤكم في كتب الجرح والتعديل ـ مع ذلك ما تمكنوا من إخفاء هذه الحقائق الناصعة، والمناقب الساطعة، والأنوار العلمية اللامعة، التي أضاءت تاريخ الإسلام مدى الزمان..
وخاصة في عصر الخلفاء الذين سبقوا الإمام علي (ع)، فقد كان علماء اليهود والنصارى وسائر الأديان، يأتون إلى المدينة ويسألونهم مسائل مشكلة ويوردون شبهات مضلة، ولم يكن لهم بد من أن يرجعوا إلى مولانا وسيدنا علي(ع) لأنه باب علم رسول الله(ص)، فيرد شبهاتهم ويجيب عن مسائلهم، وقد أسلم كثير من أولئك العلماء كما نجده مسطورا في التاريخ.
والجدير بالذكر، أن الخلفاء الثلاثة الذين سبقوا الإمام عليا( ع) كلهم اعترفوا وأقروا له بتفوقه العلمي وعجزهم وجهلهم أمام علماء الأديان.
وقد ذكر بعض المحققين من أعلامكم عن أبي بكر أنه قال: أقيلوني أقيلوني! فلست بخيركم وعلي فيكم!
وأما عمر بن الخطاب فقد قال أكثر من سبعين مرة: لولا علي لهلك عمر. وقال: لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن.
وذلك لما كان يرى من علي(ع) حل المعضلات والحكم في القضايا المشتبهات التي كان يحار في حلها وحكمها عمر وحاشيته وكل الصحابة، وقد ذكر التاريخ كثيرا منها في كتبكم ولكن لا مجال لذكرها ولا منكر لها!! فالأفضل أن يدور بحثنا حول الأهم فالأهم.
النواب: لا أرى موضوعا أهم من هذا، فلو سمحتم...أرجو أن تذكروا لنا بعض الكتب المعتبرة عندنا التي نقلت وذكرت ما نقلتم من قول الخليفة عمر الفاروق ، حتى نعرف الحق والواقع.
قلت: نعم، إن أكثر علمائكم نقلوا هذه العبارات أو ما بمعناها وإن اختلف اللفظ، وسأذكر لكم بعضهم حسب ما يحضر في ذهني وذاكرتي.

مصادر قول عمر
1 ـ ابن حجر العسقلاني، في تهذيب التهذيب/ 337 ط حيدر آباد الدكن.
2 ـ ابن حجر العسقلاني ـ أيضا ـ في الإصابة 2/509 ط مصر.
3 ـ ابن قتيبة ـ المتوفي سنة 276 هجرية ـ في تأويل مختلف الحديث 201 و 202.
4 ـ ابن حجر المكي الهيتمي، في الصواعق: 78.
5 ـ أحمد أفندي، في هداية المرتاب: 146 و152
6 ـ ابن الأثير الجزري، في أسد الغابة: 4/22.
7 ـ جلال الدين السيوطي، في تاريخ الخلفاء: 66.
8 ـ ابن عبد البر القرطبي، في الإستيعاب: 2/474.
9 ـ عبدالمؤمن الشبلنجي، في نور الأبصار: 73.
10 ـ شهاب الدين العجيلي، في ذخيرة المال.
11 ـ الشيخ محمد الصبان، في إسعاف الراغبين: 152.
12 ـ ابن الصباغ المالكي، في الفصول المهمة: 18.
13 ـ نور الدين السمهودي، في جواهر العقدين.
14 ـ ابن أبي الحديد في شرح النهج: 1/18 ط دار إحياء التراث العربي(21).
15 ـ العلامة القوشجي، في شرح التجريد: 407.
16 ـ الخطيب الخوارزمي المكي، في المناقب 48/60.
17 ـ محمد بن طلحة القرشي الشافعي، في مطالب السؤول: 82 الفصل السادس ط دار الكتب.
18 ـ الإمام أحمد بن حنبل، في المسند والفضائل.
19 ـ سبط ابن الجوزي، في التذكرة: 85 و87.
20 ـ الإمام الثعلبي، في تفسيره " كشف البيان ".
21 ـ ابن القيم، في الطرق الحكيمة ـ ضمن نقله بعض قضاياه(ع): 41 ـ 53.
22 ـ محمد بن يوسف القرشي الكنجي، في " كفاية الطالب " الباب السابع والخمسين.
23 ـ ابن ماجة القزويني، في سننه.
24 ـ ابن المغازلي، في كتابه " مناقب علي بن أبي طالب ".
25 ـ شيخ الإسلام الحمويني، في فرائد السمطين.
26 ـ الحكيم الترمذي، في شرح " الفتح المبين ".
27 ـ الديلمي، في " فردوس الأخبار ".
28 ـ الحافظ سليمان القندوزي الحنفي، في " ينابيع المودة " الباب الرابع عشر.
29 ـ الحافظ أبو نعيم، في " حلية الأولياء " وفي كتابه الآخر المسمى " ما نزل من القرآن في علي ".
30 ـ والفضل بن روزبهان، في كتابه المسمى بـ: " إبطال الباطل " (22).
هؤلاء وكثير غيرهم وكلهم من أجلة علمائكم وأعلامكم رووا أن عمر كان يقول: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن!
ويقول: كاد يهلك ابن الخطاب، لولا علي بن أبي طالب!
ويقول: لولا علي لهلك عمر!
ويقول: لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن!
وغيرها من العبارات المتقاربة من العبارات المذكورة.
النواب: نرجو من سماحتكم أن تحدثونا عن بعض القضايا المعضلة التي حكم فيها سيدنا علي كرم الله وجهه، وكذلك عن المسائل المشكلة التي حلها وأجاب عنها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
قلت: من جملة القضايا قضية رواها جمع من علمائكم..
روى ابن الجوزي في كتابه الأذكياء: 18، وفي كتابه الآخر أخبار الظراف: 19.
وروى محب الدين الطبري، في كتابه الرياض النضرة: 2/197، وفي كتابه الآخر ذخائر العقبى: 80.
وروى الخطيب الخوارزمي، في المناقب: 60.
وروى سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: 87، قالوا: عن حنش بن المعتمر، قال: أن رجلين أتيا إمرأة من قريش فاستودعاها مائة دينار وقالا: لا تدفعيها إلى أحد منا دون صاحبه حتى نجتمع. فلبثا حولا، ثم جاء أحدهما إليها وقال: إن صاحبي قد مات فادفعي إلي الدنانير، فأبت، فثقّل عليها بأهلها، فلم يزالوا بها حتى دفعتها إليه. ثم لبثت حولا آخر فجاء الآخر فقال: ادفعي إلي الدنانير!
فقالت: إن صاحبك جاءني وزعم أنك قد مت فدفعتها إليه.
فاختصما إلى عمر، فأراد أن يقضي عليها وقال لها: ما أراك إلا ضامنة.
فقالت: أنشدك الله أن تقضي بيننا، وارفعنا إلى علي بن أبي طالب.
فرفعها إلى علي (ع) وعرف أنهما قد مكرا بها.
فقال: أليس قلتما، لا تدفعيها إلى واحد منا دون صاحبه؟
قال: بلى.
قال: فإن مالك عندنا، اذهب فجيء بصاحبك حتى ندفعها إليكما.
فبلغ ذلك عمر فقال: لا أبقاني الله بعد ابن أبي طالب!
ومن جملة المسائل والقضايا المشكلة التي تحير فيها عمر، وحلها الإمام علي (ع)، مسائل كانت بين عمر وحذيفة بن اليمان، رواها العلامة محمد بن يوسف القرشي الكنجي في كتابه " كفاية الطالب " الباب السابع والخمسين، بإسناده عن حذيفة بن اليمان، أنه لقى عمر ابن الخطاب، فقال له عمر: كيف أصبحت يا ابن اليمان؟
فقال: كيف تريدني أصبح؟! أصبحت والله أكره الحق، وأحب الفتنة ، وأشهد بما لم أره، وأحفظ غير المخلوق، وأصلي على غير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء!!
فغضب عمر لقوله، وانصرف من فوره وقد أعجله أمر، وعزم على أذى حذيفة لقوله ذلك.
فبينا هو في الطريق إذ مر بعلي بن أبي طالب، فرأى الغضب في وجهه، فقال: ما أغضبك يا عمر؟!
فقال: لقيت حذيفة بن اليمان فسألته كيف أصبحت؟
فقال: أصبحت أكره الحق!
فقال(ع): صدق، فإنه يكره الموت وهو الحق.
فقال: يقول: وأحب الفتنة!
قال(ع): صدق، فإنه يحب المال والولد، وقد قال تعالى:
(... إنما أموالكم وأولادكم فتنة...)(23).
فقال: يا علي! يقول: وأشهد بما لم أره!
فقال: صدق، يشهد لله بالوحدانية، ويشهد بالموت، والبعث، والقيامة، والجنة، والنار، والصراط، وهو لم ير ذلك كله.
فقال: يا علي! وقد قال: إنني أحفظ غير المخلوق!
قال(ع): صدق، إنه يحفظ كتاب الله تعالى ـ القرآن ـ وهو غير مخلوق.
قال: ويقول: أصلي على غير وضوء!
فقال: صدق، يصلي على ابن عمي رسول الله(ص) على غير وضوء.
فقال: يا أبا الحسن! قد قال أكبر من ذلك!
فقال (ع): وما هو؟!
قال: قال: إن لي في الأرض ما ليس لله في السماء!
قال: صدق، له زوجة، وتعالى الله عن الزوجة والولد.
فقال عمر: كاد يهلك ابن الخطاب لولا علي بن أبي طالب!
قال العلامة الكنجي بعد نقله للخبر بطوله:
قلت: هذا ثابت عند أهل النقل، ذكره غير واحد من أهل السير.
فهذا عمر في المجال العلمي عاجز جاهل، وساكت خامل، ولكن نرى الإمام عليا (ع) يصول ويقول، فيرد شبهات الفضول، ويقنع ذوي العقول.
وأما في المجال الثاني، وهو الحرب والضرب،والجهاد والجلاد، في سبيل الله والمستضعفين من العباد، فإنا لا نرى أيضا لعمر بن الخطاب موقفا مشرفا ، ولا نعرف له صولة أو جولة، وشجاعة أو بطولة.
بل يحدثنا التاريخ أنه لم يثبت أمام الكفار والمشركين، وكان سبب انهزام وانكسار المسلمين!
الحافظ: لا نسمح لك أن تتفوه بهذا الكلام، ولا نسمح أن تحط من شأن عمر (رض) الذي هو أحد مفاخر الإسلام، ولا ينكر أحد من الأعلام والمؤرخين العظام، أن الفتوحات التي حصلت في الإسلام، أكثرها أهمها كانت في عهد سيدنا عمر وبأمره وسياسته وحسن قيادته، وأنت تقول إنه كان فرّارا من الحروب، وإنه سبّب هزيمة المسلمين وانكسارهم!
أتظن أننا نسمع هذه الإساءة والإهانة بخليفة سيد الأنام وأحد زعماء الإسلام ونسكت؟!
نحن لا نتحمل هذا الكلام، فإما أن تأتي بالدليل والبرهان، أو تستغفر الله سبحانه وتعالى من الإساءة والإهانة في الحديث والبيان.
قلت: وهل تكلمت بكلام في طول حوارنا وبحثنا في الليالي الماضية من غير دليل وبرهان؟!
أو هل رويت حديثا من غير أن أذكر له مصدرا وسندا من كتبكم المعتبرة ومصادركم الموثقة؟!
أما عرفتم أني لا أتكلم عن جهل وتعصب، ولا أنحاز إلا إلى الحق ، وان مدحي وقدحي لا يكون إلا بسبب مقبول عند ذوي العقول؟!
وأظن إنما صدرت منكم هذه الزبرة والزفرة والنفرة! حين سمعتم الكلام من رجل شيعي، فحسبتموه إساءة وإهانة، وذلك لأنكم تسيئون الظن بنا، والله عز وجل يقول: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم...)(24).
فإنكم تظنون أن الشيعة يحرفون التاريخ، ويضعون الأحاديث ليذموا رجالا ويمدحوا آخرين، بينما نحن لا نزيد على الواقع شيئا، ولا نتكلم إلا نقلا من كتب علمائكم ومحدثيكم.
فلا داعي لتغير الحال والغضب، وشدة المقال والعتب، أو أن تنسب إليّ الإساءة باللسان، والإهانة في البيان! بل من حقك أن تطالبني بالدليل والبرهان.
وإن أردت مني فأقول:
ذكر كثير من علمائكم ومؤرخيكم، أن القتال الذي لم يحضره الإمام علي عليه السلام لم ينتصر فيه المسلمون، والذي حضره سجل النصر والانتصار للدين، وأهمها غزوة خيبر، فإن عليا عليه السلام غاب عن المعسكر لرمد أصابه في عينه فأعطى النبي (ص) الراية لأبي بكر، فرجع منكسرا، فأعطاها لعمر بن الخطاب، فرجع وهو يجبن المسلمين وهم يجبنونه!
الحافظ ـ وهو غضبان ـ: هذا الكلام من أباطيلكم، وإلا فالمشهور بين المسلمين أن الشيخين كانا شجاعين، وكل منهما كان يحمل في صدره قلبا قويا ليس فيه موضع للخوف والجبن.
قلت: ذكرت لكم كرارا، أن شيعة أهل البيت عليهم السلام لا يكذبون ولا يفترون، لأنهم يتبعون الأئمة الصادقين عليهم السلام، وهم يحسبون الكذب من الذنوب الكبائر، والافتراء أكبر منه خسائر.
ونحن كما قلت مرارا، لسنا بحاجة لاثبات عقائدنا وأحقية مذهبنا ، أن نضع الأحاديث ونتمسك بالأباطيل.
فإن غزوة خيبر من أهم الغزوات التي سجلها التاريخ من يومها إلى هذا اليوم، وجميع مؤرخيكم ذكروها باختصار أو بتفصيل، منهم: الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء 1/62، ومحمد بن طلحة في مطالب السؤول:40 وابن هشام في السيرة النبوية، ومحمد بن يوسف الكنجي في الباب الرابع عشر من " كفاية الطالب " وغير هؤلاء من الأعلام، ولا يقتضي المجلس أن أذكرهم جميعا، ولكن أهمهم الشيخين، البخاري في صحيحه 2/100 ط. مصر سنة 1320هجـرية، ومسلم في صحيحه 2/324 ط. مصر سنة 1320 هجرية.
فإنهما كتبا بالصراحة هذه العبارة: " فرجع أيضا منهزما " أي: عمر.
ومن الدلائل الواضحة على هذه القضية الفاضحة، أشعار بن أبي الحديد، فإنه قال ضمن علوياته السبع المشهورة:
ألم تخبر الأخبار في فتح خيبرففيها لذي اللب الملب أعاجيبوما أَنْس لا أنْــس اللذين تقدماوفرهما و الفر قد علما حوبوللراية العظمى وقد ذهبا بهاملابس ذل فوقها و جلابيبيشلهما من آل موسى شمردلطويل نجاد السيف أجيد يعبوبيمج منونا سيفه وسنانهويلهب نارا غمده والأنابيباحضرهما أم حضرا خرج خاضبوذانهما أم ناعم الخد مخضوبعذرتكما، إن الحمام لمبغضوإن بقاء النفس للنفس محبوبليكره طعم الموت والموت طالبفكيف يلذ الموت والموت مطلوب؟!فنحن لا نريد إهانة أحد الصحابة، وإنما ننقل لكم ما حكاه التاريخ ورواه المؤرخون عنهم، وبعد هذا عرفنا أن عمر ما كان صاحب صولة وجولة، وشدة وحدة، في الحروب والغزوات التي كانت بين المسلمين وبين أعدائهم، فكيف نؤول الجملة من الآية الكريمة (أشداء على الكفار ) بعمر ونطبقها عليه؟!
ولكن إذا راجعنا تاريخ الإسلام ودرسنا سيرة الإمام علي(ع) وطالعنا تاريخه المبارك، نجده أشد المسلمين على الكفار في المجال العلمي والمجال الحربي، والله تعالى يشير إليه بقوله: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم....)(25).
الحافظ: إنك تريد أن تحصر الآية الكريمة التي تصف عامة المؤمنين في شأن علي كرم الله وجهه؟!
قلت: لقد أثبت لكم أني لا أتكلم بغير دليل، ودليلي على هذا، أن الآية إذا كانت تصف جميع المؤمنين، لما فروا في بعض الغزوات من الميادين!
الحافظ: هل هذا الكلام من الإنصاف إذ تصف صحابة النبي(ص) الذين جاهدوا ذلك الجهاد العظيم، وفتحوا تلك الفتوحات العظيمة، وتقول: إنهم فروا ؟!
أليس قولك هذا إهانة لصحابة رسول الله(ص)؟!
قلت: أولا: أشهد الله سبحانه أني لم أقصد إهانة أي فرد من الصحابة وغيرهم، وإنما الحوار والنقاش يقتضي هذا الكلام.
ثانيا: أنا ما أنسب إليهم الفرار، ولكن التاريخ هكذا يحكم ويقول: إن في غزوة أحد، فر الصحابة حتى كبارهم، وتركوا النبي (ص) طعمة لسيوف المشركين والكفار، كما يذكر الطبري والمؤرخون الكبار، فماذا تقولون حول الآية الكريمة التي تشمل أولئك الذين ولوا الدبر وفروا من الجهاد وخالفوا أمر الله عز وجل إذ يقول:
(يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير)(26).
ثالثا: لقد وافقنا في قولنا بأن الآية نزلت في شأن الإمام علي( ع) كثير من أعلامكم وكبار علمائكم، منهم: أبو إسحاق الثعلبي ـ الذي تحسبوه أمام أصحاب الحديث في تفسير القرآن ـ قال في تفسير " كشف البيان " في ذيل الآية الكريمة 54 من سورة المائدة: إنما نزلت في شأن الإمام علي (ع)، لأن الذي يجمع كل المواصفات المذكورة في الآية لم يكن أحد غيره.
ولم يذكر أحد من المؤرخين من المسلمين وغيرهم، بأن الإمام عليا (ع) فر من الميدان، حتى ولو مرة، أو أنه تقاعد وتقاعس في حروب النبي (ص) وغزواته مع الكفار، ولو في غزوة واحدة.
بل ذكر المؤرخون أنه في معركة أحد حينما انهزم المسلمون، حتى كبار الصحابة، ثبت الإمام علي (ع) واستقام واستمر في الجهاد ومقاتلة المشركين الأوغاد، وهم أكثر من خمسة آلاف مقاتل بين راكب وراجل، وعلي (ع) يضرب بالسيف خراطيمهم ويحصد رؤوسهم، فذب عن الإسلام، ودفع الطغام، عن محمد سيد الأنام، حتى سمع النداء من السماء: (لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي)(27).
وقد أصيب في جسمه يوم أحد بتسعين إصابة غير قابلة للعلاج، فعالجها رسول الله بعدما انتهت المعركة عن طريق الإعجاز، إذ مسح عليها بريقه المبارك الذي جعل الله فيه بلسم كل جرح، ودواء كل داء.
  #17  
قديم 05-06-08, 09:00 PM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي

الحافظ: ما كنت أظن أن تفتري على كبار الصحابة إلى هذا الحد وتنسبهم إلى الفرار! وهم المجاهدون في سبيل الله وخاصة الشيخان (رض) فإنهما ثبتا ودافعا عن النبي (ص) إلى آخر لحظة حتى انتهت المعركة.
قلت: إني لست بمفتر، ولكنكم ما قرأتم تاريخ الإسلام، وليس لكم فيه تحقيق وإلمام، حتى نطقتم بهذا الكلام!
لقد ذكر المؤرخون وأصحاب السير: أن المسلمين انهزموا في غزوة أحد وخيبر وحنين، أما خبر خيبر فقد ذكرته لكم عن صحيح البخاري ومسلم وغيرهما (28).
وأما الخبر عن غزوة حنين وفرار المسلمين فيها، فراجع الجمع بين الصحيحين للحميدي والسيرة الحلبية: 3/123.
وأما فرارهم في غزوة أحد، فحدث ولا حرج! فقد ذكره عامة المؤرخين، منهم: ابن أبي الحديد عن شيخه أبي جعفر الإسكافي في شرح النهج 13/ 278 ط دار إحياء التراث العربي، قال: فر المسلمون بأجمعهم ولم يبق معه[ النبي (ص)] إلا أربعة: علي والزبير وطلحة وأبو دجانة (29).
وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج 14: 251، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة: 34، وغيرهما من الأعلام، قالوا: وسمع ذلك اليوم صوت من قبل السماء، لا يرى شخص الصارخ به، ينادي مرارا: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي!
فسئل رسول الله(ص) عنه، فقال: هذا جبرائيل ـ والنص لابن أبي الحديد ـ.
فكان علي(ع) في كل الحروب التي خاضها مؤيدا من عند الله ومنصورا بالملائك.
روى محمد بن يوسف الكنجي القرشي في كتابه " كفاية الطالب " في الباب السابع والعشرين، بإسناده عن عبدالله بن مسعود، قال: قال رسول الله(ص): ما بعث علي في سرية إلا رأيت جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره والسحابة تظله حتى يرزقه الله الظفر.
وروى الإمام الحافظ النسائي في كتابه خصائص الإمام علي(ع)، ص8 ط مطبعة التقدم بالقاهرة، بسنده عن هبيرة بن هديم، قال: جمع الناس الحسن بن علي(ع) وعليه عمامة سوداء لما قتل أبوه، فقال: قد كان قتلتم بالأمس رجلا ما سبقه الأولون ولا يدركه الآخرون، وإن رسول الله(ص) قال: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ويقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، ثم لا ترد رايته حتى يفتح الله عليه.... إلى آخره.
نعم، كان النصر معقودا براية الإمام علي(ع) وسيفه، وكان الظفر ينزل على المسلمين في كل ميدان ينزل فيه علي(ع)، حتى قال النبي (ص): ما قام الدين وما استقام إلا بسيف علي عليه السلام.

علي حبيب الله ورسوله(ص)
رابعا: الآية الكريمة في سورة المائدة، تصرح أن المقصودين هم الموصوفون فيها، يحبهم الله ويحبونه.. وهذه فضيلة ثابتة للإمام أمير المؤمنين (ع ) ولم تثبت في حق غيره، وإن كان كثير من المؤمنين والصحابة هم أيضا يحبهم الله ويحبونه ولكن غير معنيين، أما علي (ع) فهو معني بهذه الفضيلة كما قال ذلك كثير من الأعلام، منهم:
العلامة الكنجي الشافعي في الباب السابع من كتابه " كفاية الطالب " روى بإسناده عن ابن عباس، أنه قال: كنت أنا وأبي ـ العباس جالسين عند رسول الله(ص) إذ دخل علي بن أبي طالب، وسلم، فرد عليه رسول الله(ص) وبش وقام إليه واعتنقه، وقبل ما بين عينيه، وأجلسه عن يمينه؛ فقال العباس: أتحب هذا يا رسول الله؟ فقال رسول الله(ص): يا عم رسول الله! والله، الله أشد حبا له مني.
وروى في الباب الثالث والثلاثين؛ بإسناده عن أنس بن مالك، قال: اهدي إلى رسول الله(ص) طائر وكان يعجبه أكله، فقال: اللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي من هذا الطائر.
فجاء علي بن أبي طالب.
فقال: استأذن على رسول الله.
قال: قلت: ما عليه إذن.
وكنت أحب أن يكون رجلا من الأنصار.
فذهب ثم رجع فقال: استأذن لي عليه.
فسمع النبي(ص) كلامه، فقال: أدخل يا علي؛ ثم قال(ص): اللهم وإلي، اللهم وإلي ـ أي هو أحب الخلق إلي أيضا ـ.
وذكرنا لكم في المجالس الماضية مصادر هذا الخبر الذي تلقاه العلماء كلهم بالصحة والقبول، وهو دليل قاطع، وبرهان ساطع، على أن عليا(ع) أحب الخلق إلى الله سبحانه وتعالى وإلى رسوله(ص).

إعطاؤه الراية يوم خيبر
ومن أهم الدلائل على أن عليا(ع) هو المقصود بالآية الكريمة (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه....) حديث الراية لفتح خيبر، وقد نقله كبار علمائكم، ومشاهير أعلامكم، منهم:
البخاري في صحيحه ج 2 كتاب الجهاد، باب دعاء النبي (ص)، و ج3 كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ومسلم في صحيحه 2/324، والإمام النسائي في ( خصائص أمير الؤمنين(ع)، والترمذي في السنن، وابن حجر العسقلاني في الإصابة 2/508، وابن عساكر في تاريخه، وأحمد بن حنبل في مسنده، وابن ماجة في السنن، والشيخ الحافظ سليمان في " ينابيع المودة " الباب السادس، وسبط ابن الجوزي في التذكرة، ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي، في " كفاية الطالب " الباب الرابع عشر، ومحمد بن طلحة في " مطالب السؤول " الفصل الخامس، والحافظ أبو نعيم في " حلية الأولياء " والطبراني في الأوسط، والراغب الإصفهاني في محاضرات الأدباء2/212.
ولا أظن أن أحدا من المؤرخين أهمل الموضوع أو أحدا من المحدثين أنكره، حتى إن الحاكم ـ بعد نقله له ـ يقول: هذا حديث دخل في حد التواتر؛ والطبراني يقول: فتح علي(ع) لخيبر ثبت بالتواتر.
وخلاصة ما نقله الجمهور، أن رسول الله(ص) حاصر مع المسلمين قلاع اليهود ومنها قلعة خيبر، عدة أيام، فبعث النبي(ص) أبا بكر مع الجيش وناوله الراية وأمره أن يفتح، ولكنه رجع منكسرا عاجزا عن الفتح، فأخذ النبي(ص) الراية وأعطاها لعمر بن الخطاب وأرسله مع الجيش ليفتح خيبر، ولكنه رجع منهزما يجبن المسلمين وهم يجبنونه.
فلما رأى النبي(ص) خور أصحابه وتخاذلهم وانهزامهم أمام ثلة من اليهود، غضب منهم وأخذ الراية فقال: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرارا غير فرارا، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه.
ـ ولا يخفى تعريض النبي(ص) في كلامه بالفارين ـ.
فبات المسلمون ليلتهم يفكرون في كلام رسول الله(ص)، ومن يكون مقصوده ومراده؟!
فلما أصبح الصباح اجتمعوا حول النبي(ص) والراية بيده المباركة ، فتطاولت أعناق القوم طمعا منهم بها أو ظنا بأنه سيناولهم الراية، لكن النبي(ص) أجال بصره في الناس حوله وافتقد أخاه ومراده علي بن أبي طالب(ع) فقال: أين ابن عمي علي؟
فارتفعت الأصوات من كل جانب: أنه أرمد يا رسول الله!
فقال(ص): علي به.
فجاؤا بالإمام علي(ع) وهو لا يبصر موضع قدمه، فسلم ورد النبي عليه وسأله: ما تشتكي يا علي؟ فقال(ع): صداع في رأسي، ورمد في عيني.
فأخذ النبي(ص) شيئا من ريقه المبارك ومسح به على جبين الإمام علي(ع) وقال: اللهم قه الحر والبرد؛ ودعا له بالشفاء، فارتد بصيرا.
وإلى هذه المنقبة يشير حسان في شعره فيقول:
وكان علي أرمد العين يبتغيدواء فلما لم يحس مداوياشفاه رسول الله منه بتفلةفبورك مرقيا وبورك راقياوقال سأعطي الراية اليوم فارساكميا شجاعا في الحروب محاميايحب الإله والإله يحبهبه يفتح الله الحصون الأوابيافخص بها دون البرية كـلهاعليا وسماه الوصي المؤاخيافأعطى النبي (ص) الراية لعلي (ع) وقال: خذ الراية! جبرائيل عن يمينك، وميكائيل عن يسارك، والنصر أمامك، والرعب مبثوث في قلوب القوم، فإذا وصلت إليهم فعرف نفسك وقل: أنا علي بن أبي طالب، فإنهم قرأوا في صحفهم أن الذي يدمر عليهم الحصون ويفتحها اسمه إيليا، وهو أنت يا علي!
فأخذ علي(ع) الراية وهرول بها نحو القلاع حتى وصل إلى باب خيبر وهو أهم تلك الحصون والقلاع، فطلب المبارز، فخرج إليه مرحب مع جماعة من أبطال اليهود، فهزمهم علي(ع) مرتين، وفي المرة الثالثة لما برزوا وحمل عليهم علي(ع) ضرب بالسيف على رأس مرحب فوصل إلى أضراس مرحب وسقط على الأرض صريعا، وسجل النصر للمسلمين(30).
ونقل ابن الصباغ في " الفصول المهمة " عن صحيح مسلم، وكذلك روى الإمام النسائي في خصائص الإمام علي: 7ط مطبعة التقدم بالقاهرة، قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ...الخ.
وأخرج السيوطي في " تاريخ الخلفاء " وابن حجر في " الصواعق " والديلمي في " فردوس الأخبار " بإسنـادهم عن عمر بن الخطاب أنه قال: لقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من أن أعطى حمر النعم، فسئل: ما هي؟
قال: تزويجه فاطمة بنت رسول الله (ص)، وسكناه المسجد مع رسول الله (ص) يحل له فيه ما يحل له، وإعطاؤه الراية يوم خيبر(31).
فالخبر ثابت لا ينكره إلا المعاندون الجاهلون الذين ليس لهم اطلاع على تاريخ الإسلام وغزوات رسول الله (ص). والآن فقد ثبت للحاضرين، وخاصة العلماء والمشايخ، بأني لا أتكلم من غير دليل، ولم أقصد إهانة الصحابة، بل مقصدي بيان الواقع وكشف الحقائق، التي منها الاستدلال بالتاريخ والحديث والعقل والنقل، بأن جملة (أشداء على الكفار) في الآية الكريمة تنطبق على الإمام علي عليه السلام قبل أن تنطبق على غيره كائنا من كان.
وهذا لم يكن قولي أنا فحسب، بل كثير من أعلامكم صرحوا به، منهم العلامة الكنجي في " كفاية الطالب " في الباب الثالث والعشرين، فإنه يروي حديثا عن النبي (ص) يشبه فيه عليا عليه السلام بالأنبياء، وفي تشبيهه بنوح (ع) يقول العلامة الكنجي: وشبه بنوح لأن عليا عليه السلام كان شديدا على الكافرين، رؤوفا بالمؤمنين كما وصفه الله تعالى في القرآن بقوله (... والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم....)(32).
وأخبر الله عز وجل عن شدة نوح على الكافرين بقوله: (.... رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا)(33) انتهى.
فعلي(ع) هو المصداق الأجلى والأظهر لجملة( أشداء على الكفار)(34).
وأما قولكم بأن جملة ( رحماء بينهم) تنطبق على عثمان بن عفان وهي إشارة إلى مقام الخلافة في المرتبة الثالثة، وأن عثمان كان رقيق القلب، بالمؤمنين رؤوفا رحيما..
فنحن لا نرى ذلك من صفات عثمان، بل التاريخ يحدثنا على عكس ذلك ، وأرجو أن لا تسألوني توضيح الموضوع أكثر من هذا، لأني أخاف أن تحملوا حديثي على الإساءة والإهانة بمقام الخليفة الثالث ولا أحب أن أزعجكم.
الحافظ: نحن لا نضجر إذا لم يكن حديثك فحشا، وكان مدعما بالدليل ومطابقا للواقع مع ذكر الإسناد والمصادر.
قلت: أولا: إني ما كنت ولم أكن فحاشا، بل سمعت الفحش وأجبت بالمنطق والبرهان!
ثانيا: هناك أدلة كثيرة على خلاف ما ذهبتم في شأن عثمان، فإن جملة (رحماء بينهم) لا تنطبق عليه أبدا، ولإثبات قولي أشير إلى بعض الدلائل، وأترك التحكيم والقضاء للحاضرين الأعزاء.

سيرة عثمان على خلاف الشيخين
لقد أجمع المؤرخون والأعلام، مثل: ابن خلدون، وابن خلكان، وابن أعثم الكوفي، وأصحاب الصحاح كلهم، والمسعودي في مروج الذهب 1/435، وابن أبي الحديد في شرح النهج، والطبري في تاريخه، وغيرهم من علمائكم، قالوا: إن عثمان بن عفان حينما ولي الخلافة سار على خلاف سنة الرسول(ص) وسيرة الشيخين، ونقض العهد الذي عاهده عليه عبد الرحمن بن عوف في مجلس الشورى حين بايعه على كتاب الله وسنة الرسول(ص) وسيرة الشيخين، وأن لا يسلط بني أمية على رقاب المسلمين.
ولكن حينما استتب له الأمر خالف العهد، وتعلمون بأن نقض العهد من كبائر الذنوب، والقرآن الحكيم يصرح بذلك.
قال تعالى: (.... وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا)(35).
وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)(36).
الحافظ: نحن لا نعلم لذي النورين خلافا، وإنما هذا قولكم ومن مزاعم الشيعة ولا دليل عليه!
قلت: راجعوا شرح النهج ـ لابن أبي الحديد ـ 1/198 ط دار إحياء التراث العربي، فإنه قال: وثالث القوم هو عثمان بن عفان.... بايعه الناس بعد انقضاء الشورى واستقرار الأمر له، وصحت فيه فراسة عمر، فإنه أوطأ بني أمية رقاب الناس، وولاهم الولايات، وأقطعهم القطائع، وافتتحت أفريقية في أيامه فأخذ الخمس كله فوهبه لمروان.
وأعطى عبدالله بن خالد أربعمائة ألف درهم.
وأعاد الحكم بن أبي العاص إلى المدينة، بعد أن كان رسول الله( ص) قد سيره ـ أي: نفاه من المدينة ـ ثم لم يرده أبو بكر ولا عمر! وأعطاه مائة ألف درهم.
وتصدق رسول الله (ص) بموضع سوق بالمدينة ـ يعرف بمهزوز ـ على المسلمين، فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان.
وأقطع مروان فدك، وقد كانت فاطمة بنت رسول الله(ص) طلبتها بعد وفاة أبيها(ص) تارة بالميراث، وتارة بالنحل، فدفعت عنها.
وحمى المراعي حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلهم إلا عن بني أمية.
وأعطى عبدالله بن أبي السرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح أفريقية بالمغرب، وهي من طرابلس الغرب إلى طنجة، من غير أن يشركه فيه أحد من المسلمين.
وأعطى أبا سفيان بن حرب*(37) مائتي ألف من بيت المال ، في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال، وقد كان زوجه ابنته أم أبان. فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح، فوضعها بين يدي عثمان وبكى وقال:... والله لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيرا!
فقال: ألق المفاتيح يابن أرقم، فإنا سنجد غيرك!
وأتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة، فقسمها كلها في بني أمية.
وأنكح الحارث بن الحكم ـ أخا مروان ـ ابنته عائشة، فأعطاه مائة ألف من بيت المال، بعد طرده زيد بن أرقم عن خزانته.
وانضم إلى هذه الأمور، أمور أخرى نقمها عليه المسلمون، كتسيير أبي ذر رحمه الله تعالى إلى الربذة، وضرب عبدالله بن مسعود حتى كسر أضلاعه، وما أظهر من الحجاب، والعدول عن طريقة عمر في إقامة الحدود ورد المظالم وكف الأيدي العادية والانتصاب لسياسة الرعية!
وختم ذلك ما وجدوه من كتابه إلى معاوية يأمره فيه بقتل قوم من المسلمين.... إلى آخره.
هذا كلام ابن أبي الحديد في عثمان بن عفان.
وذكر المسعودي في مروج الذهب 2/ 341 ـ 343:
فقد بلغت ثروة الزبير خمسين ألف دينار وألف فرس وألف عبد وضياعا وخططا في البصرة والكوفة ومصر والإسكندرية، وكانت غلة طلحة بن عبيدالله(38) من العراق كل يوم ألف دينار، وقيل أكثر.
وكان على مربط عبد الرحمن بن عوف مائة فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف شاه، وبلغ ربع ثمن ماله بعد وفاته أربعة وثمانين ألفا.
وحين مات زيد بن ثابت خلف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار.
ومات يعلي بن منية وخلف خمسمائة ألف دينار وديونا وعقارات وغير ذلك ما قيمته ثلاثمائة ألف دينار.
أما عثمان نفسه... فكان له يوم قتل عند خازنه مائة وخمسون ألف دينار وألف ألف[أي: مليون] درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار، وخلف خيلا كثيرا وإبلا.
ثم قال المسعودي بعد ذلك: وهذا باب يتسع ذكره، ويكثر وصفه فيمن تملك الأموال في أيامه.
انتهى كلام المسعودي.
هكذا كان عثمان وحاشيته يتسابقون في كنز الذهب والفضة، وجمع الخيل والإبل والمواشي، وامتلاك الأراضي والعقار، في حين كان كثير من المسلمين المؤمنين لا يملكون ما يسدون به جوعهم ويكسون به أجسامهم.
أكان هذا السلوك يليق بمن يدعي خلافة رسول الله(ص) وهل كان النبي(ص) كذلك؟!
كلا وحاشا، ولاشك أن عثمان خالف طريقة أبي بكر وناقض سيرة عمر أيضا، وكان هو قد عاهد على أن يسلك سبيلهما.
ذكر المسعودي في مروج الذهب، ج1، في ذكره سيرة عثمان وأخباره ، فقال بالمناسبة: إن الخليفة عمر مع ولده عبدالله ذهبا إلى حج بيت الله الحرام، فلما رجع إلى المدينة كان ما صرفه في سفره ستة عشر دينارا، فقال لابنه: ولدي لقد أسرفنا في سفرنا هذا.
فقايسوا بين تبذير عثمان لأموال المسلمين وكلام عمر بن الخطاب، وشاهدوا كم الفرق بينهما؟!

توليته بني أمية
إن عثمان مكن فساق بني أمية وفجارهم من بلاد المسلمين، وسلطهم على رقاب المؤمنين وأموالهم(39)، فاتخذوا أموال الله دولا، وعباده خولا ، وسعوا في الأرض فسادا، منهم: عمه الحكم بن أبي العاص وابنه مروان، وهما ـ كما نجد في التاريخ ـ طريدا رسول الله (ص) وقد لعنهما ونفاهما من المدينة إلى الطائف.
الحافظ: ما هو دليلكم على نفي هذين بالخصوص؟
قلت: دليلنا على لعنهما من جهتين، جهة عامة، وجهة خاصة.
أما الجهة العامة: فهما غصنان من الشجرة الملعونة في القرآن، بقوله تعالى: (.... وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن...)(40).
وقد فسرها أعلام المفسرين وكبار المحدثين، ببني أمية، منهم: الطبري والقرطبي والنيسابوري والسيوطي والشوكاني والآلوسي، وابن أبي حاتم والخطيب البغدادي وابن مردويه والحاكم المقريزي والبيهقي وغيرهم، فقد رووا في تفسير الآية الكريمة عن ابن عباس أنه قال الشجرة الملعونة في القرآن هم بنو أمية، فإن رسول الله (ص) رأى فيما يراه النائم أن عددا من القردة تنزو على منبره وتدخل محرابه، فلما استيقظ من نومه نزل عليه جبرئيل وأخبره: أن القردة التي رأيتها في رؤياك إنما هي بنو أمية، وهم يغصبون الخلافة والمحراب والمنبر طيلة(41).
وأما الفخر الرازي فيروي في تفسيره عن ابن عباس: أن رسول الله (ص) كان يسمي من بني أمية الحكم بن أبي العاص ويخصه باللعن.
وأما الجهة الخاصة في لعنهما، فالروايات من الفريقين كثيرة:
أما روايات الشيعة فلا أذكرها، وأكتفي بذكر ما نقله كبار علمائكم ومحدثيكم، منهم: الحاكم النيسابوري في المستدرك 4/487، وابن حجر الهيتمي المكي في " الصواعق " قال: وصححه الحاكم، قال رسول الله (ص): إن أهل بيتي سيلقون بعدي من أمتي قتلا وتشريدا، وإن أشد قومنا لنا بغضا بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم.
قال: ومروان بن الحكم كان طفلا، قال له النبي (ص): وهو الوزغ بن الوزغ، والملعون بن الملعون.
وأما الفخر الرازي فيروي في تفسيره عن ابن عباس: أن رسول الله (ص) كان يسمي من بني أمية الحكم بن ابي العاص ويخصه باللعن.
وأما الجهة الخاصة في لعنهما، فالروايات من الفريقين كثيرة:
أما روايات الشيعة فلا أذكرها، وأكتفي بذكر ما نقله كبار علمائكم ومحدثيكم، منهم: الحاكم النيسابوري في المستدرك 4/487، وابن حجر الهيتمي المكي في " الصواعق " قال: وصححه الحاكم، قال رسول الله (ص): إن أهل بيتي سيلقون بعدي من أمتي قتلا وتشريدا، وإن أشد قومنا لنا بغضا بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم.
قال: ومروان بن الحكم كان طفلا، قال له النبي (ص): وهو الوزغ بن الوزغ، والملعون بن الملعون.
وروى ابن حجر أيضا، والحلبي في السيرة الحلبية 1/337، والبلاذري في أنساب الأشراف 5/126، والحافظ سليمان الحنفي في " ينابيع المودة " والحاكم في المستدرك 4/481، والدميري في حياة الحيوان 2/299، وابن عساكر في تاريخه، ومحب الدين الطبري في " ذخائر العقبى " وغير هؤلاء، كلهم رووا عن عمر بن مرة الجهني: أن الحكم بن أبي العاص استأذن على النبي (ص) فعرف صوته، فقال: ائذنوا له، عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه، إلا المؤمن منهم وقليل ما هم.
ونقل الإمام الفخر الرازي في تفسيره الكبير، في ذيل الآية: (والشجرة الملعونة) أن عائشة كانت تقول لمروان: لعن الله أباك وأنت في صلبه. فأنت بعض من لعنه الله!
والمسعودي في مروج الذهب 1/435 يقول: مروان بن الحكم طريد رسول الله (ص) الذي أخرجه النبي (ص) ونفاه من المدينة.
إن أبا بكر وعمر لم يأذنا له بالرجوع إلى المدينة، ولكن عثمان خالف النبي والشيخين، فأجاز مروان بالإقامة في المدينة، وزوجه ابنته أم أبان، ومنحه الأموال، وفسح له المجال حتى أصبح صاحب الكلمة النافذة في الدولة(42).
وقال ابن أبي الحديد ـ نقلا عن بعض أعلام عصره ـ عن عثمان سلم عنانه إلى مروان يصرفه كيف شاء، الخلافة له في المعنى ولعثمان في الاسم.
النواب: من كان الحكم بن أبي العاص؟ ولماذا لعنه النبي (ص) ونفاه من المدينة؟
قلت: هو عم الخليفة عثمان، وقد ذكر الطبري وابن الأثير في التاريخ والبلاذري في أنساب الأشراف 5/17: ان الحكم بن أبي العاص كان في الجاهلية جارا لرسول الله (ص) وكان كثيرا ما يؤذي النبي (ص) في مكة، ثم جاء إلى المدينة بعد عام الفتح، وأسلم في الظاهر، ولكنه كان يسعى لأن يحقر النبي (ص) ويحاول أن يحط من شأنه بين الناس. وكان يمشي خلف النبي (ص) ويبدي من نفسه حركات وإشارات يستهزئ بها برسول الله (ص) ويجرئ على السخرية منه (ص).
فدعا عليه رسول الله (ص) أن يبقى على الحالة التي كان عليها، فبقي على حالة غريبة تشبه الجنون، وصار الناس يستهزئون به ويسخرون منه.
فذهب يوما إلى بيت النبي (ص)، ولا أعلم ما صدر منه، إلا أن النبي (ص) خرج وقال: لا يشفع أحدكم للحكم!
ثم أمر (ص) بنفيه مع أولاده وعياله، فأخرجه المسلمون من المدينة، فأقام في الطائف.
ولما ولي أبو بكر الخلافة شفع له عثمان عند الخليفة ليأذن له بالرجوع إلى المدينة، ولكنه رفض، وبعده شفع له عثمان عند عمر، فرفض، وقتلا: هو طريد رسول الله (ص) فلا نعيده ولا نأذن له أن يقيم في المدينة.
فلما أمر إليه وأصبح هو الخليفة بعد عمر، أعاد الحكم مع أولاده إلى المدينة وأحسن إليهم كثيرا ولم يعبأ بمخالفة الصحابة واعتراض المؤمنين، بل منحهم أموال بيت المال، ونصب مروان بن الحكم وزيرا واتخذه مشيرا، فجمع حوله أشرار بني أمية وأسند إليهم الأمور والولايات.

فجور واليه في الكوفة
فولى على الكوفة الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهو أخو عثمان لأمه، وأسمها أروى، وقد صرح النبي (ص) أنه من أهل النار! كما في رواية المسعودي في مروج الذهب، ج1، في أخبار عثمان، وكان فاسقا متجاهرا بالشرور، ومتظاهرا بالفجور:
وذكر أبو الفداء في تاريخه، والمسعودي في مروج الذهب وأبو الفرج في الأغاني 4/178، والسيوطي في تاريخ الخلفاء: 104، الإمام أحمد في المسند 1/144، والطبري في تاريخه 5/60، والبيهقي في سننه 8/318، وابن الأثير في أسد الغابة 5/91، وابن أبي الحديد في شرح النهج 3/18 ط. دار احياء التراث العربي.
هؤلاء وغيرهم من أعلام السنة ذكروا: أن الوليد بن عقبة ـ والي الكوفة من قبل عثمان ـ شرب الخمر ودخل المحراب سكرانا وصلى الصبح بالناس أربع ركعات وقال لهم: إن شئتم أزيدكم!!
وبعضهم ذكر بأنه تقيأ في المحراب، فشم الناس منه رائحة الخمر، فأخرجوا من إصبعه خاتمه ولم يشعر بذلك، فشكوه إلى عثمان، فهدد الشهود وأبى أن يجري الحد عليه، فضغط عليه الإمام علي (ع) والزبير وعائشة وغيرهم من الصحابة، حتى اضطر إلى ذلك، فعزله وأرسل سعيد بن العاص مكانه، وهو لا يقل عن ذاك في الخمر والمجون والفسق والفجور.
وولى على البصرة ابن خاله عبد الله بن عامر وعمره خمس وعشرون سنة، وكان معاوية عاملا لعمر على دمشق والأردن، فضم إليه عثمان ولاية حمص وفلسطين والجزيرة (43).
هؤلاء وأمثالهم ما كانوا من ذوي السابقة في الدين والجهاد في الإسلام، وإنما كانوا متهمين في دينهم، بل كان فيهم مثل الوليد بن عقبة الذي أعلن القرآن فسقه كما يحدثنا المفسرون في ذيل الآية الكريمة: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون)(44).
فالمؤمن علي (ع) والفاسق الوليد.
وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)(45)، وقال المفسرون في شأن نزولها : إن الوليد كذب على بني المصطلق عند رسول الله (ص) وادعى أنهم منعوه الصدقة، ولو قصصنا مخازيه ومساوئه لطال بها الشرح.
وكان المسلمون ـ أعيانهم وعامتهم ـ يراجعون عثمان في شأن هؤلاء الولاة من أقاربه ويطلبون منه عزلهم فلا يعزلهم، ولا يسمع فيهم شكاية كارها، وربما ضرب الشاكين وأخرجهم من المجلس بعنف!

أسباب الثورة على عثمان
إن من أهم أسباب الثورة على عثمان، سيرته المخالفة لسير النبي (ص) وسيرة الشيخين، فلو كان يسعى ليغير سيرته الخاطئة ويصلح الأمور ويعمل بنصيحة الناصحين، أمثال الامام علي (ع) وابن عباس، لكان الناس يهدؤون والمياه ترجع إلى مجاريها الطبيعية (46)، ولكنه اغتر بكلام حاشيته وحزبه من بني أمية حتى قتل، وقد كان عمر بن الخطاب تنبأ بذلك، لأنه عثمان مدة طويلة، وعرف أخلاقه وسلوكه كما يقول ابن أبي الحديد في شرح النهج 1/186 ط. دار احياء التراث العربي قال:
في قصة الشورى... فقال عمر: أفلا أخبركم عن أنفسكم؟!..
ثم أقبل على علي (ع) فقال: لله أنت! لولا دعابة فيك! أما والله لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح، والمحجة البيضاء.
ثم أقبل على عثمان، فقال: هيها إليك! كأني بك قد قلدتك قريش هذا الأمر لحبها إياك، فحملت بني أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس، وآثرتهم بالفيء، فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحا.... إلى آخره.
وقال في ج2/129: وأصح ما ذكر في ذلك ما أورده الطبري في تاريخه ، حوادث سنة 33 ـ 35، وخلاصة ذلك: أن عثمان أحدث أحداثا مشهورة نقمها الناس عليه ، من تأمير بني أمية، ولا سيما الفساق منهم وأرباب السفه وقلة الدين، وإخراج مال الفيء إليهم، وما جرى في أمر عمار بن ياسر وأبي ذر وعبد الله بن مسعود، وغير من الأمور التي جرت في أواخر خلافته.
وراجعوا التاريخ حول أبي سفيان وبنيه، وهو من زعماء بني أمية، وانظروا إلى ما نقله الطبري في تاريخه، فقد قال: إن رسول الله (ص) رأى أبو سفيان مقبلا على حماره ومعاوية يقوده ويزيد بن أبي سفيان يسوق بالحمار، فقال (ص): " لعن الله الراكب والقائد والسائق ".
وبالرغم من ذلك نجد في التاريخ أن عثمان أكرمه وأعطاه أموالا كثيرة، وكان له عند الخليفة مقاما وجاها عاليا، وهو الذي أنكر القيامة والمعاد في مجلس عثمان، فارتد عن الإسلام، وكان على الخليفة أن يأمر بقتله، لأن المرتد جزاؤه القتل، ولكنه تغاضى عنه واكتفى بإخراجه!
فأنصفوا وفكروا! لماذا كان عثمان يكرم أبا سفيان المرتد، ويؤوي طريد رسول الله (ص) الحكم بن أبي العاص وابنه مروان ويقربهم ويمنحهم الأموال الكثيرة من بيت مال المسلمين، ويسند إليهم وإلى أبنائهم الولايات والامارات، وهم الذين لعنهم رسول الله (ص) في الملأ العام، وقد سمعه المسلمون وهو يفسر الشجرة الملعونة في القرآن ببني أمية؟!
لماذا كان عثمان يتخذ مروان وأمثاله ونظراءه أولياء من دون الله تعالى ويركن إليهم ويعمل برأيهم، بل أسند إليهم إدارة الدولة حتى تكون آلة لهم ومطية لأغراضهم الالحادية وأهدافهم الجاهلية؟!
فلقائل أن يقول: إنما كان عثمان يقصد من وراء أعماله التي ذكرنا طرفا منها تمهيد السبيل للانقلاب الذي أخبر الله سبحانه في كتابه بقوله: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم...)(47).

موقف علي عليه السلام من عثمان
لقد كان موقف الإمام علي (ع) في الفتنة موقف الناصح المصلح، والتاريخ يشكر له مواقفه السليمة، وأنا أنقل لكم الآن بعض كلامه في هذا الشأن من " نهج البلاغة " حتى تعرفوا نياته الطيبة ومساعيه الخيرة.
قالوا: لما اجتمع الناس إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ، وشكوا إليه ما نقموه على عثمان، وسألوه مخاطبته واستعتابه لهم، فدخل (ع) على عثمان فقال:
إن الناس ورائي وقد استفسروني بينك وبينهم، والله ما أدري ما أقول لك! ما أعرف شيئا تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه!
إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكه، و قد رأيت كما رأينا، و سمعت كما سمعنا، و صحبت رسول اللّه (ص) كما صحبنا، و ما ابن أبي قحافة و لا ابن الخطّاب بأولى بعمل الحقّ منك، و أنت أقرب إلى رسول اللّه (ص) وشيجة رحم منهما، و قد نلت من صهره ما لم ينالا، فاللّه.. اللّه في نفسك فإنّك و اللّه ما تبصّر من عمي و لا تعلّم من جهل، و إنّ الطّرق لواضحة و إنّ أعلام الدّين لقائمة.
فاعلم أنّ أفضل عباد اللّه عند اللّه إمام عادل هدي و هدى، فأقام سنّة معلومة و أمات بدعة مجهولة، و إنّ السّنن لنيّرة لها أعلام، و إنّ البدع لظاهرة لها أعلام، و إنّ شرّ النّاس عند اللّه إمام جائر ضلّ و ضلّ به، فأمات سنّة مأخوذة و أحيا بدعة متروكة، و إنّي سمعت رسول اللّه (ص) يقول يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر و ليس معه نصير و لا عاذر فيلقى في جهنّم فيدور فيها كما تدور الرّحى، ثمّ يرتبط في قعرها.
و إنّي أنشدك اللّه أن تكون إمام هذه الأمّة المقتول!
فإنّه كان يقال يقتل في هذه الأمّة إمام يفتح عليها القتل و القتال إلى يوم القيامة، و تلبس أمورها عليها و يبثّ الفتن فيها فلا يبصرون الحقّ من الباطل يموجون فيها موجا و يمرجون فيها مرجا.
فلا تكونن ّ لمروان سيقة يسوقك حيث شاء بعد جلال السّنّ و تقضي العمر(48).
فقال له عثمان كلّم النّاس في أن يؤجّلوني حتّى أخرج إليهم من مظالمهم.
فقال (ع): ما كان بالمدينة فلا أجل فيه، و ما غاب فأجله وصول أمرك إليه.
ولكن عثمان شاور مروان في ما طلبه علي (ع) من قبل الناس، فأشار عليه بالمخالفة، فخرج عثمان وخطب الناس وقال في ما قال:
... فاجترأتم علي، أما والله لأنا أقرب ناصرا، وأعز نفرا، وأكثر عودا، وأحرى إن قلت: " هلم " أن يجاب صوتي.
  #18  
قديم 05-06-08, 09:01 PM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي

ولقد أعددت لكم أقرانا، وكشرت لكم عن نابي، وأخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه، ومنطقا لم أكن أنطق به.... إلى آخره.
فهاج الناس ولم يرضوا من كلامه، فاشتد البلاء حتى وقع ما وقع.

موقف الصحابة من عثمان
وأما صحابة رسول الله (ص) فأكثرهم تألبوا على عثمان وقاموا في وجهه ينهونه عن أعماله التعسفية، وتصرفه بغير حق في الأمور المالية وانحيازه لبني أمية.
وقد ذكر الطبري(49): أن نفرا من أصحاب رسول الله (ص) تكاتبوا، فكتب بعضهم إلى بعض أن أقدموا، فإن الجهاد بالمدينة لا بالروم.
واستطال الناس على عثمان، ونالوا منه، وذلك في سنة أربع وثلاثين، ولم يكن أحد من الصحابة يذب عنه ولا ينهى، إلا نفر منهم: زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان بن ثابت.
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج 2/134 ط. دار احياء التراث العربي:
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى: ثم إن سعيد بن العاص قدم على عثمان سنة إحدى عشرة من خلافته فلما دخل المدينة اجتمع قوم من الصحابة فذكروا سعيدا و أعماله و ذكروا قرابات عثمان و ما سوغهم من مال المسلمين و عابوا أفعال عثمان.
فأرسلوا إليه عامر بن عبد القيس ـ و كان متألها و اسم أبيه عبد الله و هو من تميم ثم من بني العنبر ـ فدخل على عثمان فقال له: إن ناسا من الصحابة اجتمعوا و نظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما فاتق الله و تب إليه
فقال عثمان: انظروا إلى هذا تزعم الناس أنه قارئ ثم هو يجي‏ء إلي فيكلمني فيما لا يعلمه! و الله ما تدري أين الله!
فقال عامر: بلى و الله إني لأدري إن الله لبالمرصاد!
فأخرجه عثمان.
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج 2/144: و روى أبو جعفر [ الطبري ] قال: كان عمرو بن العاص شديد التحريض و التأليب على عثمان.
وقال في صفحة 149: قال أبو جعفر [ الطبري ]: أن عثمان مر بجبلة بن عمرو الساعدي، و هو في نادي قومه، و في يده جامعة فسلم فرد القوم عليه، فقال جبلة: لم تردون على رجل فعل كذا و فعل كذا؟! ثم قال لعثمان: و الله لأطرحن هذا الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه الخبيثة مروان و ابن عامر و ابن أبي سرح فمنهم من نزل القرآن بذمه و منهم من أباح رسول الله ص دمه.
وقال: قيل: إنه خطب يوما و بيده عصا كان رسول الله ص و أبو بكر و عمر يخطبون عليها فأخذها جهجاه الغفاري من يده، و كسرها على ركبته فلما تكاثرت أحداثه و تكاثر طمع الناس فيه كتب جمع من أهل المدينة من الصحابة و غيرهم إلى من بالآفاق إن كنتم تريدون الجهاد فهلموا إلينا فإن دين محمد(ص) قد أفسده خليفتكم فاخلعوه فاختلفت عليه القلوب و جاء المصريون و غيرهم إلى المدينة حتى حدث ما حدث.
ونقل أبن أبي الحديد في شرح النهج 2/161: قال أبو جعفر [ الطبري ]: و كان لعثمان على طلحة بن عبيد الله خمسون ألفا، فقال طلحة له يوما: قد تهيأ مالك فاقبضه، فقال: هو لك معونة على مروءتك.
فلما حصر عثمان، قال علي (ع) لطلحة: أنشدك الله إلا كففت عن عثمان!
فقال: لا و الله حتى تعطي بنو أمية الحق من أنفسها.
فكان علي (ع) يقول: لحا الله ابن الصعبة! أعطاه عثمان ما أعطاه و فعل به ما فعل!
ونقل ابن أبي الحديد في شرح النهج 9/3 عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب " أخبار السقيفة " بسنده عن أبي بن كعب الحارثي، في رواية مفصلة، إلى أن قال في صفحة 5: فتبعته [ أي: عثمان ] حتى دخل المسجد، فإذا عمار جالس إلى سارية، و حوله نفر من أصحاب رسول الله (ص) يبكون، فقال عثمان: يا وثاب! علي بالشرط فجاءوا ، فقال: فرقوا بين هؤلاء ففرقوا بينهم.
ثم أقيمت الصلاة فتقدم عثمان فصلى بهم، فلما كبر قالت امرأة من حجرتها: يا أيها الناس ثم تكلمت و ذكرت رسول الله (ص) و ما بعثه الله به، ثم قالت تركتم أمر الله و خالفتم عهده... و نحو هذا ثم صمتت، و تكلمت امرأة أخرى بمثل ذلك فإذا هما عائشة و حفصة.
قال: فسلم عثمان، ثم أقبل على الناس و قال إن هاتين لفتّانتان يحل لي سبهما و أنا بأصلهما عالم.
فقال له سعد بن أبي وقاص أ تقول هذا لحبائب رسول الله (ص)!
فقال: و فيم أنت و ما هاهنا؟!
ثم أقبل نحو سعد عامدا ليضربه فانسل سعد فخرج من المسجد، فاتبعه عثمان فلقي عليا (ع) بباب المسجد، فقال له (ع): أين تريد؟
قال أريد هذا الذي كذا و كذا ـ يعني سعدا يشتمه ـ فقال له علي (ع): أيها الرجل دع عنك هذا.
قال: فلم يزل بينهما كلام حتى غضبا، فقال عثمان أ لست الذي خلفك رسول الله (ص) يوم تبوك؟!
فقال علي عليه السلام: أ لست الفار عن رسول الله (ص) يوم أحد ؟!
قال: ثم حجز الناس بينهما.
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 9/35 و 36: و روى الناس الذين صنفوا في واقعة الدار أن طلحة كان يوم قتل عثمان مقنعا بثوب قد استتر به عن أعين الناس يرمي الدار بالسهام.
و رووا أيضا أنه لما امتنع على الذين حصروه الدخول من باب الدار حملهم طلحة إلى دار لبعض الأنصار فأصعدهم إلى سطحها و تسوروا منها على عثمان داره فقتلوه.
و رووا أيضا: أن الزبير كان يقول: اقتلوه فقد بدل دينكم.
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 3/27 و 28: و روى شعبة بن الحجاج عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: قلت له: كيف لم يمنع أصحاب رسول الله (ص) عن عثمان؟!
فقال إنما قتله أصحاب رسول الله (ص).
قال: و روي عن أبي سعيد الخدري، أنه سئل عن مقتل عثمان هل شهده أحد من أصحاب رسول الله (ص)
فقال: نعم، شهده ثمانمائة!
قال: و هذا عبد الرحمن بن عوف و هو عاقد الأمر لعثمان و جالبه إليه و مصيره في يده، يقول ـ على ما رواه الواقدي و قد ذكر له عثمان في مرضه الذي مات فيه ـ: عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه، فبلغ ذلك عثمان، فبعث إلى بئر كان عبد الرحمن يسقي منها نعمه فمنع منها و وصى عبد الرحمن ألا يصلي عليه عثمان، فصلى عليه الزبير ـ أو سعد بن أبي وقاص ـو قد كان حلف لما تتابعت أحداث عثمان ألا يكلمه أبدا.
قال: و روى الواقدي، قال: لما توفي أبو ذر بالربذة، تذاكر أمير المؤمنين (ع) وعبد الرحمن فعل عثمان، فقال أمير المؤمنين (ع) له: هذا عملك! فقال عبد الرحمن: فإذا شئت فخذ سيفك و آخذ سيفي إنه خالف ما أعطاني.
وقال في شرح النهج 3/50 و 51: و قد روي من طرق مختلفة و بأسانيد كثيرة أن عمارا كان يقول: ثلاثة يشهدون على عثمان بالكفر و أنا الرابع و أنا شر الأربعة (... وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)(50) و أنا أشهد أنه قد حكم بغير ما أنزل الله.
وقال: و روي عن زيد بن أرقم من طرق مختلفة أنه قيل له بأي شي‏ء كفرتم عثمان؟
فقال: بثلاث: جعل المال دولة بين الأغنياء و جعل المهاجرين من أصحاب رسول الله (ص) بمنزلة من حارب الله و رسوله و عمل بغير كتاب الله.

موقف عثمان من صحابة النبي (ص) المقربين
ومن أسباب ثورة المسلمين على عثمان وقتله، إيذاؤه بعض الصحابة المقربين إلى رسول الله (ص) والمكرمين لديه، وما كان لهم جرم سوى إنهم كانوا ينهونه عن المنكر ويأمرونه بالمعروف، منهم: عبد الله بن مسعود، وهو الحافظ لكتاب الله، والكاتب الضابط للقرآن الكريم على عهد رسول الله (ص)، وكان يحظى عند النبي (ص) وعند الشيخين باحترام وافر.
وذكر ابن خلدون في تاريخه أن عمر بن الخطاب في أيام خلافته وحكومته كان يقرب عبد الله بن مسعود ولا يفارقه أبدا، لأنه كان ذا اطلاع كامل على القرآن، وقد روى المحدثون أحاديث كثيرة عن رسول الله (ص) في حقه، ذكرها ابن أبى الحديد أيضا في شرح النهج.
وذكر المؤرخون: أن عثمان لما أراد أن يجمع المصاحف أمر بأخذ النسخ الموجودة عند الأصحاب، ومنها النسخة التي كانت عند عبد الله بن مسعود، اذ كان من كتاب الوحي ومحل ثقة النبي (ص)، ولكن ابن مسعود أبا أن يعطيه نسخته، فذهب عثمان بنفسه إلى بيت ابن مسعود وأخذ نسخته قهرا، فلما سمع ابن مسعود أن نسخته أحرقت مع سائر النسخ، حزن حزنا شديدا وكان حينذاك بالكوفة، فبدأ يطعن في عثمان، ويكشف الستار عن أعماله المخالفة لسنة النبي والقرآن وسيرة الشيخين.
وكان الجواسيس يخبرون الوليد بن عقبة والي الكوفة، فكتب فيه الوليد إلى عثمان، فأمره أن يبعثه إلى المدينة.
وقال ابن أبى الحديد في شرح النهج 3/43 ـ عن الواقدي وغيره: أن ابن مسعود دخل المدينة ليلة جمعة، فلما علم عثمان بدخوله قال: أيها الناس إنه قد طرقكم الليلة دويبة، من تمشي على طعامه يقي‏ء و يسلح.
فقال ابن مسعود: لست بدويبة، و لكنني صاحب رسول الله(ص) يوم بدر، و صاحبه يوم أحد، و صاحبه يوم بيعة الرضوان، و صاحبه يوم الخندق، و صاحبه يوم حنين.
و صاحت عائشة: يا عثمان! أ تقول هذا لصاحب رسول الله (ص)؟!
فقال عثمان: اسكتي، ثم قال لعبد الله بن زمعة بن الأسود: أخرجه إخراجا عنيفا!
فأخذه ابن زمعة، فاحتمله حتى جاء به باب المسجد، فضرب به الأرض، فكسر ضلعا من أضلاعه.
فقال ابن مسعود: قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان.
و في رواية: أن ابن زمعة كان مولى لعثمان، أسود مسدما طوالا.
وقال ابن أبى الحديد في صفحة 44: وقد روى محمد بن اسحاق عن محمد بن كعب القرظي: أن عثمان ضرب إبن مسعود أربعين سوطا، لأنه قام بتجهيز أبي ذر الغفاري ودفنه.
قال: وهذه قصة أخرى، ثم يذكرها بالتفصيل.
أقول: الله أكبر! وهل دفن مؤمن كأبي ذر، يستوجب التعزيز والتعذيب؟!
وقال ابن أبي الحديد في صفحة 42 و 43: و لما مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه أتاه عثمان عائدا.
فقال: ما تشتكي؟
فقال: ذنوبي.
قال: فما تشتهي.
قال: رحمة ربي.
قال: أ لا أدعو لك طبيبا؟
قال: الطبيب أمرضني.
قال: أ فلا آمر لك بعطائك؟
قال: منعتنيه و أنا محتاج إليه و تعطينيه و أنا مستغن عنه!
قال: يكون لولدك.
قال: رزقهم على الله تعالى.
قال: استغفر لي يا أبا عبد الرحمن.
قال: أسأل الله أن يأخذ لي منك حقي!
وقال ابن أبي الحديد في صفحة 42: وقد روي عنه أيضا من طرق لا تحصى كثيرة، أنه كان يقول: ما يزن عثمان عند الله جناح ذباب.
قال ابن أبي الحديد: وتعاطي ما روي عنه في هذا الباب يطول، و هو أظهر من أن يحتاج إلى الاستشهاد عليه، و أنه بلغ من إصرار عبد الله على مظاهرته بالعداوة، أن قال لما حضره الموت: من يتقبل مني وصية أوصيه بها على ما فيه؟
فسكت القوم و عرفوا الذي يريد.
فأعادها، فقال عمار بن ياسر رحمه الله تعالى: أنا أقبلها.
فقال ابن مسعود: ألا يصلي علي عثمان.
قال: ذلك لك.
فيقال: إنه لما دفن جاء عثمان منكرا لذلك، فقال له قائل: أن عمارا ولي الأمر.
فقال لعمار: ما حملك على أن لم تؤذني؟!
فقال: عهد إلي ألا أؤذنك.
فوقف على قبره و أثنى عليه. ثم انصرف و هو يقول: رفعتم و الله أيديكم عن خير من بقي.
فتمثل الزبير بقول الشاعر:

لا ألفينك بعد الموت تندبنيوفي حياتي ما زودتني زاديإيذاؤه عمار بن ياسر
ومن أعمال عثمان الثابتة عليه، ولم ينكره أحد من المؤرخين، وهو خلاف العدل والرحمة، وظلم ظاهر، لم يرض به المؤمنون، ولو كان أبو بكر وعمر حيين لأنكرا عليه وانتقما منه:
ضربه وإيذاؤه عمار بن ياسر، الصحابي الجليل الذي قال فيه رسول الله (ص): " عمار ملئ إيمانا من قرنه إلى قدميه ". وشهد له ولأبويه بالجنة، بل قال (ص): إن الجنة إليه.
وكان السبب في ضربه أمورا، منها كما نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج 3/50 قال: و روى آخرون أنّ السبب في ذلك أنّ عثمان مرّ بقبر جديد، فسأل عنه، فقيل: عبد اللّه بن مسعود، فغضب على عمّار لكتمانه إيّاه موته، إذ كان المتولّي للصلاة عليه و القيام بشأنه، فعندها وطئ عثمان عمّارا حتى أصابه الفتق.
قال ابن أبي الحديد في صفحة 50: و روى آخرون، أن المقداد و عمارا و طلحة و الزبير و عدة من أصحاب رسول الله (ص) كتبوا كتابا، عددوا فيه أحداث عثمان و خوفوه به و أعلموه أنهم مواثبوه إن لم يقلع.
فأخذ عمار الكتاب فأتاه به، فقرأ منه صدرا ثم قال له: أ علَيّ تقدم من بينهم!
فقال: لأني أنصحهم لك.
قال: كذبت يا ابن سمية!
فقال: أنا و الله ابن سمية و ابن ياسر.
فأمر عثمان غلمانا له، فمدوا بيديه و رجليه، ثم ضربه عثمان برجليه ـ و هي في الخفين ـ على مذاكيره، فأصابه الفتق و كان ضعيفا كبيرا فغشي عليه.
قال ابن أبي الحديد في صفحة 49: ثم أخرج فحمل حتى أتي به منزل أم سلمة (رضي الله عنها)، فلم يصل الظهر والعصر والمغرب، فلما أفاق توضأ وصلى.
ومن أحب التفصيل، فليراجع مروج الذهب 1/437، وشرح النهج ـ لابن أبي الحديد ـ الجزء الثالث، طبع دار إحياء التراث العربي.

إيذاؤه أبا ذر الغفاري
ومن أسباب ثورة المسلمين على عثمان، إيذاؤه أبا ذر ونفيه إلى الشام، لكن أبا ذر لم يسكت، بل كان يتكلم في مظالم عثمان ومآثم معاوية بن أبي سفيان، عامله على الشام، فكتب معاوية إلى عثمان يخبره عن كلام أبي ذر، فطلبه عثمان واسترده إلى المدينة، فلما وصل إليها، نفاه إلى الربذة مع عياله، فبقي هناك حتى وافاه الأجل، فمات مقهورا، مغلوبا على أمره، وخلف ابنته الوحيدة فريدة من غير والٍ وحام في ذلك المكان الموحش.
وذكر إساءة عثمان وإيذاؤه لأبي ذر، صحابي رسول الله كثير من أعلامكم، منهم: ابن سعد في طبقاته 4/168، والبخاري في صحيحه في كتاب الزكاة.
وابن أبي الحديد في شرح النهج 3/54 ـ 58، واليعقوبي في تاريخه 2/148، والمسعودي في مروج الذهب 1/438، وغيرهم من المؤرخين فقد ذكروا تفصيل معاملة عثمان السيئة، وكذلك عماله المجرمين وإساءتهم لأبي ذر الطيب الصادق، صاحب رسول الله (ص).
حتى أن عثمان أهان الإمام علي (ع) لأنه شايع أبا ذر حين تبعيده إلى الربذة، فخرج لتوديعه مع الحسنين (ع)، وذكروا كذلك أن عثمان ضرب عبد الله بن مسعود أربعين سوطا لأنه تولى دفن أبي ذر عليه الرحمة(51).
الحافظ: إيذاء أبي ذر عليه الرحمة ونفيه لم يصدر من عثمان، وإنما كان بأمر بعض عماله ومن غير علمه، وإلا فإن عثمان أجل من هذه الأعمال، والمشهور أنه كان رحيما شفيقا يحمل بين جنبيه قلبا رقيقا.
قلت: إن كلامك هذا خلاف الواقع، وقد صدر من غير تحقيق، فإن التاريخ يؤكد أن الأوامر الصادرة في تبعيد أبي ذر إنما كانت من نفس عثمان إلى عماله ، وهم قاموا بكل ما فعلوا، تنفيذا لأوامره!
وإذا أردت أن تعرف حقيقة الأمر، فراجع تاريخ اليعقوبي 1/241، وشرح النهج لابن أبي الحديد 3/55، وغيرهما، فقد سجلوا كتاب عثمان إلى معاوية ـ وهو عامله على الشام ـ فقد كتب فيه: أما بعد فاحمل جندبا إلي على أغلظ مركب وأو عره.
فوجه به مع من سار به الليل والنهار، وحمله على شارف ليس عليها إلا قتب، حتى قدم به المدينة وقد سقط لحم فخذيه من الجهد.
فبالله عليكم أنصفوا! هل هذا معنى الرحمة والرأفة مع شيخ كبير طاعن في السن كأبي ذر رحمة الله تعالى عليه!!(52).
ولا أدري لم استحق هذا الرجل الكريم ذلك الظلم العظيم؟!
وكيف نسي عثمان منزلة أبي ذر ورتبته السامية عند رسول الله (ص) ؟
وكيف نسي حديث النبي (ص) في حقه حين أعلم المسلمين فقال (ص): إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم.
قالوا: يا رسول الله! ومن هم؟
قال (ص): علي منهم ـ ثلاثا ـ ثم قال: وأبو ذر ومقداد وسلمان.
ذكر هذا الحديث من أعلامكم، منهم: الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء 1/172، وابن ماجة في السنن 1/66، والحافظ سليمان القندوزي في ينابيع المودة: الباب 59، وابن حجر المكي في
" الصواعق المحرقة " الحديث الخامس من الأربعين حديثا في فضل الامام علي (ع) عن الترمذي والحاكم، وابن حجر العسقلاني في الاصابة 3/455، والترمذي في صحيحه 2/213، وابن عبد البر في الاستيعاب 2/557، والحاكم في المستدرك 3/130، والسيوطي في " الجامع الصغير " وغير هؤلاء من علماؤكم الموثوقين لديكم.
فهل النبي (ص) يعذر عثمان؟! هل يعذره في تلك المعاملات السيئة التي عامل بها حبيبه وصاحبه أبا ذر الذي أمره الله تعالى بحبه؟!!
هل هذه الأعمال البربرية، تصدر من ذي رحمة ورأفة، أم ذي صلابة وقسوة؟!!
الحافظ: إنما لاقى أبو ذر عقاب أعماله! لأنه كان في الشام يدعو الناس لعلي كرم الله وجهه، وكان يقول علانية: بأني سمعت رسول الله (ص) يقول : " علي خليفتي فيكم " فكان يعرض بعثمان والشيخين، بأنهم غصبوا الخلافة من علي بن أبي طالب، فكان بهذه الكلمات يوقع الخلاف بين المسلمين في الشام، فيشتت آراءهم بعد أن كانوا على رأي واحد، والخليفة المسؤول على حفظ الدين ووحدة الكلمة واتحاد المسلمين، ولم يكن بد لعثمان من طلب إرجاعه إلى المدينة، ليجعله تحت نظره ويراقب أمره.
قلت:
أولا: كان في المدينة تحت نظره ولكن أبعده إلى الشام ثم استرده إلى المدينة!
ثانيا: وهل الإسلام يخالف بيان الحق؟!
وهل من العدل والدين أن من صدع بالحق يجب أن ينفى ويعذب حتى يموت صبرا؟!!
ثالثا: وعلى فرض أن يكون من حق الخليفة أن يجعل من يحب تحت نظره ويراقب أموره، فهل من حقه أيضا أن يصدر حكما قاسيا في حق المتهم، قبل أن يراه ويحاكمه ويسمع كلامه ودفاعه عن نفسه؟!
وهل يسمح الدين القويم والعقل السليم للخليفة، أو لأي حاكم، أن يحكم على متهم ـ قبل ثبوت الجرم ـ وهو شيخ كبير مسن ضعيف نحيف، بحكم لا يطيقه ولا يتحمله؟! كما حكم عثمان وأمر في كتابه لمعاوية: أن احمل جندبا ـ يعني: أبا ذر ـ على أغلظ مركب وأوعره من غير قتب!! فلما وصل المدينة تساقط لحم فخذيه من الجهد.
فهل هذا بحكم العدل والرحمة؟! وهل هذا من المروءة والرأفة؟!!
وإذا كان عثمان يريد وحدة الكلمة واتحاد المسلمين فقام بتبعيد أبي ذر رحمه الله تعالى لكي لا تشق عصا المسلمين، فلماذا اختلف المسلمون على عهده وانشقت عصاهم، وثاروا على عثمان وقتلوه؟!!
فالمنصف المحق يعرف إنما اختلف المسلمون وثاروا على عثمان وخلعوه، بسبب ارتكابه تلك الأعمال المخالفة للإسلام والعرف!
وإذا كان الخليفة كما تزعمون، حريصا على وحدة الكلمة واتحاد المسلمين، فكان يجب عليه أن يلبي طلبات الثائرين، وكلها كانت أمورا شرعية وعرفية ، ومن أهمها أنهم كانوا يطالبوه بعزل بعض عماله المفسدين الظالمين، وإبعاد حاشيته ، أمثال: مروان طريد رسول الله (ص) والوليد بن عقبة الفاسق، ومعاوية الفاجر، الذين لعنوا في القرآن الكريم وعلى لسان النبي العظيم (ص).
الحافظ: من أين نعرف أن أبا ذر كان صادقا، وبالحق ناطقا، فنحن نقول: إنه كان يجعل الأحاديث على لسان رسول الله (ص): كما أنتم تقولون في أبي هريرة!

أبو ذر أصدق الناس
إني أستغرب كلامك، فكأنك لم تطالع تاريخ أبي ذر رحمه الله ولو لمرة واحدة، وإلا لما كنت تتكلم بهذا الكلام الواهي، فإن كلامك هذا يناقض كلام رسول الله (ص) ويخالف حديثه الشريف في حق أبي ذر إذ قال (ص): ما أقلت الغبراء وما أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.
وهذا حديث مشهور، نقله أعلامكم ومحدثوكم، منهم: محمد بن سعد في طبقاته 4/167 و 168، وابن عبد البر في الاستيعاب 1/48 باب جندب، والترمذي في صحيحه 2/221، والحاكم في المستدرك 3/342، وابن حجر العسقلاني في الاصابة 3/622، والمتقي الهندي في كنز العمال 6/169، والامام أحمد في المسند 2/163 و 175، وابن أبي الحديد في شرح النهج 3/56 ط. بيروت ـ دار احياء التراث العربي، والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء، وفي كتاب " لسان العرب " وكتاب " ينابيع المودة " فقد رووه بأسانيد كثيرة وطرق عديدة.
بناء على هذا الحديث الشريف، لا يحق لكم أن تنسبوا الكذب لأبي ذر رحمه الله تعالى، لأن تكذيبه يكون تكذيب رسول الله (ص) وهو كفر!
ولذلك، فنحن نعتقد أن كل ما أعلنه أبو ذر صدق محض، وحق بحت، وليس لنا ولكم إلا التصديق والقبول.
وبناء على الحديث الآخر الذي رويته لكم قبل هذا، عن أعلامكم وطرقكم، بأن (ص) قال: إن الله تعالى أمرني بحب أربعة... كان أبو ذر أحدهم، ومن الواضح أن الله سبحانه لا يأمر نبيه بحبه رجل كاذب يجعل الحديث وينسبه إلى النبي والعياذ بالله!
ثم أقول: لو كان لبان، أي: لو كان أبو ذر كاذبا لكان علماؤكم بينوا أكاذيبه وأعلنوا كذبه، كما بينوا أباطيل أبي هريرة وأكاذيبه.
بالله عليكم فكروا في هذه الحقائق وأنصفوا!
هل من الحق والعدل والرحمة والرأفة: أن رجلا من خواص أصحاب محمد (ص) ومن المقربين لديه، والذي حبه فرض من الله عليه (ص) وهو أصدق الأمة، بل أصدق إنسان على وجه الغبراء وتحت السماء، يعامل تلك المعاملة السيئة، فيعذب وينفى إلى صحراء قاحلة، فيموت فيها جوعا وعطشا!! لأنه عمل بواجبه فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وصدع بالحق وأعلن الحقيقة؟!!
والجدير بالذكر أن رسول الله (ص) أخبر بابتلائه ومصابه في الله تعالى، فقد روى أبو نعيم في حلية الأولياء 1/162 بإسناده عن أبي ذر الغفاري أنه قال: كنت عند رسول الله (ص) فقال: أنت رجل صالح وسيصيبك بلاء من بعدي.
قلت: في الله؟
قال (ص): في الله.
قلت: مرحبا بأمر الله.
والآن، وبعد سرد هذه الحوادث الفجيعة والوقائع الفظيعة، بقي عليكم، إما أن تردوا وتكذبوا كل أعلامكم وكبار علمائكم من أصحاب الصحاح والمسانيد والتواريخ والتفاسير وغيرهم الذين ذكروا هذه الحوادث ونقلوا تلك الوقائع.
وإما أن تذعنوا بأن عثمان لا تشمله الآية الكريمة، ولا تنطبق عليه جملة (رحماء بينهم) فقد كان فظا غليظا، وصعبا قاسيا، شديدا على المؤمنين، ورؤوفا رحيما شفيقا بالفاسقين والمنافقين!!
الحافظ: لقد ثبت عندنا وعند كثير من العلماء الأعلام: أن أبا ذر رحمه الله، هو الذي اختار المقام في الربذة من غير إجبار، بل أحب أن يجتنب الأحداث، فسافر إلى مسقط رأسه الربذة.
قلت: هذا قول بعض المتأخرين من علمائكم المتعصبين، وهو قول اجتهادي من غير دليل وبدون أي مستند تاريخي(53)، وإلا فكبار علمائكم ذكروا أنه أبعد إلى الربذة بالقهر والجبر، حتى كاد أن يكون هذا الخبر من المسلمات غير القابلة للنقاش.
وكنموذج، انقل هذا الخبر الذي رواه الامام أحمد في المسند 5/156، وابن أبي الحديد في شرح النهج 3/57، قال: روى الواقدي عن مالك بن أبي الرجال، عن موسى بن ميسرة: أن أبا الأسود الدؤلي قال: كنت أحب لقاء أبي ذر لأسأله عن سبب خروجه، فنزلت الربذة، فقلت له: أ لا تخبرني؟ أ خرجت من المدينة طائعا أم أخرجت مكرها؟
فقال: كنت في ثغر من ثغور المسلمين، أغني عنهم، فأخرجت إلى مدينة الرسول (ص) فقلت: أصحابي و دار هجرتي، فأخرجت منها إلى ما ترى!
ثم قال: بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد، إذ مر بي رسول الله (ص) فضربني برجله و قال: لا أراك نائما في المسجد!
فقلت: بأبي أنت و أمي! غلبتني عيني فنمت فيه.
فقال: كيف تصنع إذا أخرجوك منه؟!
فقلت: إذن ألحق بالشام، فإنها أرض مقدسة، و أرض بقية الإسلام ، و أرض الجهاد.
فقال: فكيف تصنع إذا أخرجت منها؟!
فقلت: أرجع إلى المسجد.
قال: فكيف تصنع إذا أخرجوك منه؟!
قلت: آخذ سيفي فأضرب به.
فقال (ص): أ لا أدلك على خير من ذلك، انسق معهم حيث ساقوك، و تسمع و تطيع، فسمعت و أطعت، و أنا أسمع و أطيع، و الله ليلقين الله عثمان و هو آثم في جنبي.
و كان يقول بالربذة: ما ترك الحق لي صديقا، ردني عثمان بعد الهجرة أعرابيا!

علي مصداق (رحماء بينهم)
كل ما ذكرناه كان ردا على تأويل الشيخ عبد السلام لجملة (رحماء بينهم) على عثمان، وقد أثبتنا خلافه.
واعتقادنا أن الذي يكون من أجلى مصاديق هذه الجملة هو الإمام علي عليه السلام، إذ حينما بويع بالخلافة وتسلم الحكم، عزل كل من ظلم الناس وجار على الضعفاء في حكومة عثمان.
وقد أشار عليه بعض الصحابة أن يترك الأمور على حالها ويقوي أركان حكومته، فإذا استتب له الأمر وتمكن من الرقاب بدأ بعزلهم واحدا واحدا، فأجابه الإمام: والله لا أداهن في ديني، ولا أعطي الرياء في أمري.
ولما أشار عليه ابن عباس في معاوية فقال: ولِّه شهرا واعزله دهرا.
قال عليه السلام: والله لا أطلب النصر بالجور، فليس لي عند الله عذر إن تركت معاوية ساعة يظلم الناس.
وجاءه طلحة والزبير يطلبان حكومة مصر والعراق، فلو لبى طلبهما لما خرجا عليه وما كانت فتنة البصرة ومعركة الجمل، ولكنه هيهات أن يغلب على أمره، فإنه أبى أن ينصب للولايات إلا العدول الكفوئين من المؤمنين ممن امتحنهم الله عز وجل ونجحوا في الأحداث والفتن التي عاصروها، ولم يميلوا عن طريق الحق، ولم تلههم الدنيا بزخرفها، ولم يكنزوا الذهب والفضة، ولم يجمعوا أموال المسلمين المحرومين إلى أموالهم!
ولقد حورب عثمان وحصر، على أن يعزل بعض ولاته وعماله فلم يجب إلى ذلك، فكيف يفتتح الإمام علي عليه السلام أمره بهذه الدنية ويداري الأشخاص بالولايات، على أن يكون خليفة بالظاهر، وليس له مراقبة أمورهم والنظر في أعمالهم ؟!!
والجدير بالذكر، أننا نرى بعض الناس الذين ينظرون إلى أمور على ظواهرها ولا يفكرون في حقائقها، ولا يدرسون الوقائع دراسة تعمق وإمعان، فيقيسونها بمقياس الدنيا لا الدين، وينوها بمعيار الشياطين والمغوين، لا المعيار الذي عينه رب العالمين، فيستشكلون على سياسة أمير المؤمنين عليه السلام!
ولكن لو تعمقوا وأنصفوا، لأذعنوا أن عليا عليه السلام كان يريد إدارة البلاد والعباد بالسياسة الدينية والطريقة الإلهية، فهو لم يطلب الحكم إلا ليقيم الحق ويدحض الباطل، ويقيم حدود الله سبحانه على القوي والضعيف، فيأخذ حقوق الضعفاء المحرومين من الأقوياء الظالمين.
فالراعي والرعية والرئيس والمرؤوس عنده سواء، والأصل عنده رضا الله عز وجل لا رضا الناس، فلم تكن قاعدته في الحكم قاعدة غيره من الحكام والخلفاء ، إذ جعلوا رضا الناس واستمالة قلوب الرؤساء أصلا لحكوماتهم فطلبوا النصر بالجور.
فكان علي عليه السلام رحيما بالضعفاء، طالبا لحقوق المحرومين، مواسيا للمساكين، رؤوفا بالفقراء، عطوفا على الأرامل والأيتام، فكان يعرف بأبي الأرامل والأيتام، وصاحب المساكين.
وروى المحدثون والمؤرخون: أنه نظر الإمام علي عليه السلام إلى امرأة على كتفها قربة ماء، فأخذ منها القربة فحملها إلى موضعها، وسألها عن حالها ، فقالت: بعث علي بن أبي طالب زوجي إلى بعض الثغور فقتل، وترك صبيانا يتامى، وليس عندي شيء، فقد ألجأتني الضرورة إلى خدمة الناس، فانصرف الإمام علي عليه السلام وبات ليلته قلقا، فلما أصبح حمل زنبيلا فيه طعام، فقال بعضهم: أعطني أحمله عنك، فقال: من يحمل وزري عني يوم القيامة؟ فأتى وقرع الباب فقالت: من هذا ؟ قال: أنا العبد الذي حمل معك القربة، فافتحي فإن معي شيئا للصبيان، فقالت: رضى الله عنك وحكم بيني وبين علي بن أبي طالب، فدخل وقال: إني أحببت اكتساب الثواب، فاختاري بين أن تعجني وتخبزي وبين أن تعللي الصبيان لأخبز أنا، فقالت: أنا بالخبز أبصر عليه وأقدر، ولكن شأنك والصبيان، فعللهم حتى أفرغ من الخبز، قال : فعمدت إلى الدقيق فعجنته، وعمد علي عليه السلام إلى اللحم فطبخه، وجعل يلقم الصبيان من اللحم والتمر وغيره.
فرأته امرأة تعرفه فقالت لأم الصبيان: ويحك هذا أمير المؤمنين ..
فكان رحيما ورؤوفا برعاياه حتى أهل الذمة منهم، فإنه كان يوما على المنبر في مسجد الكوفة فسمع بأن بسر بن أرطاة هاجم بعض البلاد التي كانت تحت حكومته، فروع الناس وأرعبهم وأخذ سوار امرأة معاهدة ذمية من يدها.
فبكى علي عليه السلام من هذا الخبر وقال: لو أن امرءا مات من هذا الخبر أسفا ما كان ملوما، بل كان به جديرا.
وكان عليه السلام رحيما بعدوه وصديقه، فإن عثمان على ما كان عليه من سوء التصرف وسوء السيرة معه حتى إنه ضرب الإمام عليه السلام بالسوط ـ كما رواه ابن أبي الحديد عن الزبير بن بكار، في شرح النهج 9/16 ـ مع كل ذلك فقد ذكر المؤرخون ـ منهم ابن أبي الحديد في شرح النهج 2/148 ـ أنه: لما مُنع عثمان الماء واشتد الحصار عليه، فغضب علي عليه السلام من ذلك غضبا شديدا، وقال لطلحة: أدخلوا عليه الروايا فكره طلحة ذلك و ساءه، فلم يزل علي (ع) حتى أدخل الماء إليه.
  #19  
قديم 05-06-08, 09:02 PM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي

ونقل أيضا في صفحة 153 عن أبي جعفر ـ الطبري، صاحب التاريخ ـ قال: فحالوا بين عثمان و بين الناس، و منعوه كل شي‏ء حتى الماء، فأرسل عثمان سرا إلى علي (ع) و إلى أزواج النبي (ص) أنهم قد منعونا الماء، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا ماء فافعلوا.
فجاء علي (ع) في الغلس، فوقف علي (ع) على الناس، فوعظهم و قال: أيها الناس! إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين و لا أمر الكافرين، إن فارس و الروم لتأسر فتطعم و تسقي، فالله الله! لا تقطعوا الماء عن الرجل.
فأغلظوا له و قالوا: لا نَعِم و لا نعمة عين.
فلما رأى منهم الجد نزع عمامته عن رأسه و رمى بها إلى دار عثمان يعلمه أنه قد نهض، و عاد.... إلى آخره.

مقايسة بين علي عليه السلام وعثمان
لقد سبق أن ذكرنا عطايا عثمان لأقاربه ورهطه، أمثال أبي سفيان والحكم بن أبي العاص وابنه مروان وغيرهم، فكان يخصص أموال المسلمين من بيت المال بهؤلاء ونظرائهم، ويمنعها عن أهلها أبي ذر وعبد الله بن مسعود وغيرهما.
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج 9/16: و روى الزبير بن بكار عن الزهري، قال: لما أتي عمر بجواهر كسرى، وضع في المسجد فطلعت عليه الشمس فصار كالجمر، فقال لخازن بيت المال: ويحك! أرحني من هذا، و اقسمه بين المسلمين، فإن نفسي تحدثني أنه سيكون في هذا بلاء و فتنة بين الناس.
فقال: يا أمير المؤمنين، إن قسمته بين المسلمين لم يسعهم و ليس أحد يشتريه، لأن ثمنه عظيم، و لكن ندعه إلى قابل، فعسى الله أن يفتح على المسلمين بمال فيشتريه منهم من يشتريه.
قال: ارفعه فأدخله بيت المال.
و قتل عمر و هو بحاله، فأخذه عثمان لما ولي الخلافة فحلى به بناته!
هذا، وانظروا إلى الخبر الذي نقله ابن أبي الحديد في شرح النهج 11/253، قال: سأل معاوية عقيلا عن قصة الحديدة المحماة.
قال [ عقيل ]: نعم، أقويت و أصابتني مخمصة شديدة، فسألته فلم تند صفاته، فجمعت صبياني و جئته بهم، و البؤس و الضر ظاهران عليهم، فقال ائتني عشية لأدفع إليك شيئا.
فجئته يقودني أحد ولدي، فأمره بالتنحي، ثم قال: أ لا فدونك، فأهويت ـ حريصا قد غلبني الجشع، أظنها صرة ـ فوضعت يدي على حديدة تلتهب نارا، فلما قبضتها نبذتها، و خرت كما يخور الثور تحت يد جازره.
فقال لي: ثكلتك أمك! هذا من حديدة أوقدت لها نار الدنيا، فكيف بك و بي غدا إن سلكنا في سلاسل جهنم؟!
ثم قرأ: (إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَ السَّلاسِلُ يُسْحَبُون)(54).
ثم قال: ليس لك عندي فوق حقك الذي فرضه الله لك إلا ما ترى، فانصرف إلى أهلك.
فجعل معاوية يتعجب، و يقول: هيهات هيهات! عقمت النساء أن يلدن مثله! انتهى.
فقايسوا بين الاثنين، واعرفوا الحق في أين!

عفوه عن الأعداء
كان علي عليه السلام في أعلى مرتبة من مراتب العفو والصفح، كان يقول: لكل شيء زكاة، وزكاة الظفر بعدوك العفو عنه.
ولقد عفا عن مروان بن الحكم وعبدالله بن الزبير لما ظفر بهما وهما أسيرين مقيدين في يوم الجمل، فأمر بفك قيدهما وأطلق سراحهما، مع العلم أنهما كانا من ألد أعدائه وأشد مبغضيه.
وصفحه عن عائشة، أعظم من كل عفو وصفح، لأنها سببت تجمع الناس الغافلين، وأغوت الجاهلين، وقادتهم لقتال أمير المؤمنين وسيد الوصيين عليه السلام ، فهي التي أضرمت نار الحرب وأججت الفتنة، ومع كل ذلك، لما اندحر أنصارها، وانكسر جيشها، وسقطت من الجمل مغلوبة مقهورة، أسيرة في أيدي المؤمنين، أمر الإمام علي عليه السلام أخاها محمد بن أبي بكر أن يأخذها إلى بيت في البصرة ويقوم بخدمتها ويكرمها.
وبعد ذلك هيأ الإمام عليه السلام عشرين امرأة من قبيلة عبد القيس، وأمرهن بلبس ملابس الرجال والعمائم، وأن يحملن معهن السيوف والسلاح ويلثمن حتى لا يعرفن، وأمرهن أن يحطن بأم المؤمنين عائشة ويوصلنها على المدينة المنورة، وأرسل خلف النسوة رجالا مسلحين ليراقبوهن من بعيد ويذبوا عنهن عند الحاجة.
فلما وصلت إلى المدينة ونزلت بيتها واستقرت، اجتمعت زوجات رسول الله (ص) وبعض المؤمنات من أهل المدينة عندها وعاتبنها على خروجها! فأظهرت الندم، وشكرت لعلي عليه السلام عفوه وصفحه عنها ومقابلته لها بالرحمة والكرامة، إلا أنها قالت: ولكن ما كنت أظن أن يبعثني علي بن أبي طالب مع رجال أجانب من البصرة إلى المدينة، فإنه ما راعى حرمة رسول الله (ص) في حبيبته!!
فهنا كشفن المرافقات لها لثامهن وخرجن من زي الرجال إلى ظاهرهن وحقيقتهن.
فخجلت كثيرا وشكرت عليا أكثر من ذي قبل!
نعم هكذا يكون أولياء الله وخلفاؤه.

معاوية يمنع وعلي عليه السلام يسمح
وأذكر لكم شاهدا آخر على رأفة علي عليه السلام ورحمته حتى بالخارج عليه لقتله، مثل معاوية وحزبه الفاسقين، في صفين.
لقد ذكر جميع المؤرخين وأصحاب السير، منهم: المسعودي في مروج الذهب، والطبري في تاريخه، وابن أبي الحديد في شرح النهج 3/318 و10/257، وينابيع المودة ـ للقندوزي ـ باب 51، وغيرهم ذكروا أن معاوية استولى على الفرات فمنع جيش الإمام علي عليه السلام من حمل الماء، وقال: لا والله لا ندعهم يشربوا حتى يموتوا عطشا!
فهاجمهم جيش الإمام علي عليه السلام واستولوا على الفرات وانهزم جيش معاوية، ولكن عليا عليه السلام لم يمنعهم الشرب وسمح لهم بحمل الماء.
بالله عليكم أيها الحاضرون أنصفوا! أي الخليفتين تشمله الجملة من الآية الكريمة (رحماء بينهم) ؟
وإذا كنتم تريدون تعريف الآية الكريمة وإعرابها كاملة..
فيكون (محمد رسول الله ) مبتدأ (والذين معه ) معطوف على المبتدأ وخبره وما بعده خبر بعد الخبر، وكلها صفات شخص واحد: الذين يعدون مع رسول الله (ص) ويوصفون بمعيته، هم الذين يكونون أشداء على الكفار، رحماء بينهم... إلى آخره.
وحيث إن هذه الصفات ما اجتمعت في أحد من الصحابة غير علي عليه السلام، فالذي يعد مع رسول الله (ص) معية حقيقية معنوية، فلا فارقه ولا فكر بمفارقته حتى ساعة واحدة، هو علي عليه السلام، فكأنهما أصبحا حقيقة ونفسا واحدة، اتحدا روحا ومعنى وإن افترقا جسما وبدنا.
الشيخ: عندنا إجابات وردود كثيرة على كلامكم، ولكن نكتفي بواحدة منها، وهي: إن معاني الآية الكريمة إذا كانت تنطبق على سيدنا علي كرم الله وجهه فقط، ولم تشمل أحدا غيره، فلماذا جاءت الآية على صيغة الجمع؟! فتقول والذين معه، أشداء، رحماء، ركعا، سجدا، يبتغون، سيماهم، وجوههم... كلها كلمات على صيغة الجمع.
قلت:
أولا: أنا حاضر لأستمع كل إجاباتكم وردودكم، وإلا فسكوتكم يدل على صحة حديثي وربما كان عنكم مغالطات تسمونها إجابات! فاطرحوها، فإني لا أتركها بلا جواب، إن شاء الله تعالى.
ثانيا: إن سؤالكم هذا، نقاش لفظي، لأنكم تعلمون أن في كلام العرب والعجم يطلقون صيغة الجمع على المفرد من أجل التعظيم والتفخيم، وكم لها في القرآن نظائر! منها:

آية الولاية ونزولها في الامام علي عليه السلام
القرآن الكريم هو أعظم مرجع في اللغة العربية، وأقوى سند لها، وفي ما نحن فيه أيضا، القرآن دليل قاطع، وبرهان ساطع.
فنجد فيه آية كريمة أخرى وهي: آية الولاية (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)(55)، فكلماتها على صيغة الجمع، واتفق المفسرون والمحدثون من الفريقين ـ الشيعة والسنة ـ أنها نزلت في حق علي عليه السلام وحده، منهم: الإمام الفخر الرازي في " التفسير الكبير " 3/431، والإمام أبو اسحاق الثعلبي في تفسير " كشف البيان " وجار الله الزمخشري في " الكشاف " 1/422، الطبري في تفسيره 6/186، أبو الحسن الرماني في تفسيره، ابن هوازن النيسابوري في تفسيره، ابن سعدون القرطبي في تفسيره، الحافظ النسفي في تفسيره المطبوع في حاشية تفسير الخازن البغدادي، الفاضل النيسابوري في غرائب القرآن 1/461، أبو الحسن الواحدي في أسباب النزول: 148، الحافظ أبو بكر الجصاص في تفسير أحكام القرآن:542، الحافظ أبو بكر الشيرازي في كتابه " ما نزل من القرآن في علي عليه السلام "، أبو يوسف الشيخ عبد السلام القزويني في تفسيره الكبير، القاضي البيضاوي في تفسيره أنوار التنزيل 1/345، جلال الدين السيوطي في الدر المنثور 2/293، القاضي الشوكاني في تفسيره " فتح الغدير " السيد محمود الألوسي في تفسيره " روح المعاني " الحافظ ابن أبي شيبة الكوفي في تفسيره، ابو البركات في تفسيره 1/496، الحافظ البغوي في " معالم التنزيل " الامام النسائي في صحيحه، محمد بن طلحة الشافعي في " مطالب السؤول " ابن أبي الحديد في شرح النهج 13/277، الخازن علاء الدين البغدادي في تفسيره 1/496، الحافظ القندوزي في " ينابيع المودة " الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه " المصنف "، رزين العبدري في " الجمع بين الصحاح الستة "، ابن عساكر في تاريخه، سبط ابن الجوزي في التذكرة: 9، القاضي عضد الأيجي في كتابه " المواقف ":276، السيد الشريف الجرجاني في شرح المواقف، العلامة ابن الصباغ المالكي في " الفصول المهمة ": 123، الحافظ أبو سعد السمعاني في " فضائل الصحابة "، أبو جعفر الاسكافي في " نقض العثمانية "، الطبراني في الأوسط، ابن المغازلي في " مناقب علي بن أبي طالب "، العلامة الكنجي القرشي الشافعي في " كفاية الطالب "، العلامة القوشجي في " شرح التجريد "، الشبلنجي في نور الأبصار: 77، محب الدين الطبري في الرياض النضرة 2/227، وغيرهم من كبار أعلامكم.
رووا عن السدي ومجاهد والحسن البصري والأعمش وعتبة بن أبي حكيم وغالب بن عبد الله وقيس بن ربيعة وعباية بن ربعي وعبدالله بن عباس وأبي ذر الغفاري وجابر بن عبد الله الأنصاري وعمار بن ياسر وأبو رافع وعبد الله بن سلام، وغيرهم من الصحابة، رووا أن الآية الكريمة نزلت في شأن سيدنا علي عليه السلام، وقد اتفقوا على هذا المضمون وان اختلفت ألفاظهم، قالوا:
إن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يصلي في المسجد، إذ دخل مسكين وسأل المسلمين الصدقة والمساعدة، فلم يعطه أحد شيئا، وكان علي عليه السلام في الركوع فأشار بإصبعه إلى السائل، فأخرج الخاتم من يد الإمام علي عليه السلام، فنزلت الآية في شأنه وحده على صيغة الجمع، وذلك من أجل التعظيم والتفخيم لمقامه عليه السلام.
الشيخ عبد السلام: إن هذا التفسير وشأن النزول لم يكن قول جميع علمائنا، فقد خالف هذا القول جماعة، فمنهم القائل: إنها نزلت في شأن الأنصار، وبعض قالوا: نزلت في شأن عبادة بن الصامت، وجماعة قالوا: نزلت في حق عبد الله بن سلام.
قلت: إني أتعجب منكم، حيث تتركون قول أعظم أعلامكم وأشهر علمائكم وأكثرهم، إضافة إلى إجماع علماء الشيعة في ذلك، وتتمسكون بأقوال شاذة من أفراد مجهولين أو معلومين بالكذب والنصب والتعصب، بحيث نجد أقوالهم ورواياتهم مردودة وغير مقبولة عند كبا علمائكم.
والجدير بالذكر أن بعض علمائكم ادعى إجماع المفسرين واتفاقهم على أن الآية: نزلت في شأن الإمام علي عليه السلام، منهم: الفاضل التفتازاني، والعلامة القوشجي في شرح التجريد، قال: إنها باتفاق المفسرين نزلن في حق علي بن أبي طالب حين أعطى السائل خاتمه وهو راكع..
فهل العقل السليم يسمح لكم بترك قول جمهور العلماء والمفسرين وتتمسكوا بأقوال واهية وشاذة صدرت من المتعصبين والمعاندين الجاحدين للحق والدين؟!

شبهات وردود
الشيخ عبد السلام: سماحتكم أردتم بهذه الآيات أن تثبتوا خلافة سيدنا علي كرم الله وجهه بلا فصل بعد النبي (ص)، والحال أن فيها أمورا تمنع من قصدكم.
أولا: كلمة " الولي " في الآية بمعنى المحب، لا بمعنى الإمام والخليفة، وإذا كانت بالمعنى الذي تقولونه فلا ينحصر الولي في رجل واحد، بل تشمل الآية أفرادا كثيرين، على القاعدة المقررة عند العلماء وهي: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المعنى والسبب، وعلى هذا فالإمام علي كرم الله وجهه هو أحد أفراد الآية الكريمة.
ثانيا: صيغة الجمع في كلمة (وليكم) وكلمة (الذين) تفيد العموم، وحمل الجمع على الفرد ـ بدون دليل ـ يكون تأويلا لكلام الله تعالى بغير مجوز.
قلت:
أولا: كلمة " الولي " جاءت بصيغة المفرد وأضيفت إلى ضمير الجمع ، أي إنما ولي المسلمين.
ثانيا: أجبناكم من قبل أن الأدباء واللغويين يجيزون إطلاق الجمع على الفرد لأجل التفخيم والتعظيم.
وأما القاعدة المقررة عند العلماء، أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فنحن أيضا نلتزم بها، فقد جاء في اللفظ (إنما وليكم...) وهي أداة حصر، فلذا نقول: إن الآية نزلت في شأن أمير المؤمنين عليه السلام والولاية الإلهية في عصره منحصرة فيه، فهو ولي المسلمين دون غيره، ولا يحق لأحد أن يدعي الولاية على الإمام علي عليه السلام ما دام في الحياة، فإذا مات أو قتل فالولاية الإلهية التي تضمنها الآية تنتقل إلى غيره، وهم الأئمة الأحد عشر من ولده، واحد بعد الآخر، فحينئذ يحصل مرادكم أيضا، لأنكم تقولون: إن الآية تشمل أفرادا كثيرين لا فردا واحدا.
فالأفراد المشمولون بالآية هم الأئمة المعصومون من أهل البيت عليهم السلام كما قال الزمخشري في " الكشاف " في ذيل الآية الكريمة: ولو أن الآية حصر في شأن علي عليه السلام فإن المقصود من نزولها بصيغة الجمع كان لترغيب الآخرين ليتبعوا عليا عليه السلام في هذا الأمر ويتعلموا منه.
ثالثا: أما قولكم بأن الشيعة أولوا الآية بغير مجوز ودليل، ما هو إلا سفسطة كلام تريدون من ورائه إغواء العوام.
ونحن ذكرنا لكم ثلة من أسماء كبار علمائكم وأشهر أعلامكم ومفسريكم الذين قالوا بأن الآية نزلت في شأن علي عليه السلام، وهذا القول إنما يكون تنزيل الآية وتفسيرها، لا تأويلا أو رأيا اجتهاديا.
الشيخ عبد السلام: أما كلمة (الولي) فهي بمعنى: المحب والناصر، لا بمعنى الأولى بالتصرف حتى تستنبطوا منها معنى الخلافة، لأنها إذا كانت بمعنى الخلافة، فيجب بعد نزول الآية أن يخلف علي كرم الله وجهه رسول الله في حال حياته إذا سافر أو غاب لبعض شؤونه، وأن يقوم مقامه ويتصرف في الأمور مثله (ص) وهذا الأمر لم يكن في حياة النبي (ص) فلذا نقول: إن كلامكم باطل.
قلت: بأي دليل تقول: إن هذا الأمر ـ أي قيام الإمام علي عليه السلام مقام النبي (ص) ـ لم يكن في حياة النبي (ص)؟!
فظاهر الآية يثبت مقام الولاية لعلي عليه السلام من حين نزولها ، واستمرار المقام بدليل الجملة الاسمية، وأن " الولي " صفة مشبهة، وهذان دليلان على ثبات ودوام مقام الولاية.
ويؤيد هذا المعنى أن النبي (ص) جعل عليا عليه السلام خليفته في المدينة حين خرج منها إلى تبوك، ولم يعزله بعد ذلك إلى أن توفي (ص).
ويؤيده حديث المنزلة، فإنه (ص) كرره في مناسبات كثيرة، قائلا : علي مني بمنزلة هارون من موسى، أو يخاطبه في الملأ: أنت مني بمنزلة هارون من موسى.
وقد ذكرنا لكم بعض مصادره في الليالي الماضية.
وهذا دليل آخر على أن عليا عليه السلام كان خليفة النبي (ص) في غيابه لما كان حيا واستمرت خلافته للنبي (ص) بعد حياته أيضا.
الشيخ عبد السلام: لو تعمقتم في شأن نزول الآية كما تقولون وفكرتم فيه، لعدلتم عن رأيكم، لأنه لا يعد منقبة لسيدنا علي، بل يعد نقصا له كرم الله وجهه، وهو أجل من ذلك.
قلت:
أولا: لا يحق لأحد بلغ ما بلغ من العلم، أن يغير ويبدل شأن نزول آيات القرآن الحكيم، سواء ثبتت بها منقبة أو منقصة لأي شخص كان، فإن شأن النزول يتبع الواقع وليس بأمر اجتهادي، ولا يدخل فيه رأي هذا و ذاك، ولا يتصرف أحد في شأن نزول الآيات إلا شقي عديم الدين والأيمان، يتبع هواه ولا يطيع الله عز وجل، مثل البكريين في هذا الشأن، فإنهم اتبعوا قول عكرمة الكذاب وقالوا: إنها نزلت في شأن أبي بكر.
ثانيا: أوضحوا لنا كيف تكون الآية الكريمة منقصة لمن نزلت في شأنه؟!
الشيخ عبد السلام: لأنه من جملة خصال سيدنا علي كرم الله وجهه التي تعد من أجمل خصاله وفضائله، أنه لما كان يقف للصلاة كان ينسى نفسه وكل شيء سوى الله سبحانه، فلا يحس ولا يبصر إلا عظمة الله وآياته.
وقد روى بعض العلماء، أنه عليه السلام لما أصيب بسهم في رجله في إحدى المعارك، فأشار عليه طبيب جراح ليأذن له حتى يشق اللحم ويخرج السهم من رجله، فأبى عليه السلام.
ثم لما وقف بين يدي الله عز وجل واستغرق في العبادة في حال السجود أمر الإمام الحسن ـ رضي الله عنه ـ أن يخرج الجراح السهم من رجل أبيه، فأخرجه وما أحس سيدنا علي أبدا!
فإن رجلا هذا حاله حين الصلاة، كيف يلتفت إلى سائل فقير فيعطيه خاتمه وهو في حال الركوع؟!
ألم يكن انصرافه عن الله تعالى والتفاته إلى الفقير نقصا لصلاته ونقضا لعبادته؟!
قلت: إن هذا الإشكال أهون من بيت العنكبوت! لأن التفات المصلي إلى الأمور المادية تعد نقصا، وأما إلى الأمور المعنوية فهو كمال، فإعطاء الزكاة والصدقة للفقير عبادة مقربة على الله سبحانه، والصلاة ـ أيضا ـ عبادة أقامها علي عليه السلام قربة إلى الله تعالى، فهو لم يخرج عن حال التقرب إلى الله، ولم ينصرف عن العبادة إلى عمل غير عبادي، وإنما انصرف من الله تعالى إلى الله، وتكررت عبادته، فقد آتى الزكاة في حال الصلاة، فجمع فرضين ليكسب رضا الله عز وجل ويتقرب إليه، وقد قربه الباري سبحانه وتعالى وقبل منه الزكاة والصلاة، فأنزل الآية وأعطاه الولاية، ليكون دليلا على قبول عمله وعبادته.
ألم يكن هذا دليل على فضل الإمام علي عليه السلام وكماله؟!
ما لكم كيف تحكمون؟!

عود على بدء
فثبت أن الذي تنطبق عليه الآية الكريمة تطبيقا كاملا وصحيحا وصريحا من غير تأويل وتعليل، إنما هو الإمام علي عليه السلام الذي كان مع النبي (ص) معية امتزجت نفسه عليه السلام بنفسه (ص) الطيبة، وأخلاقه عليه السلام بأخلاقه (ص) الكريمة، وصفاته عليه السلام بصفاته (ص) الحميدة، حتى أصبحا حقيقة واحدة لا يمكن افتراقهما.
وثبت أنه لم يكن أشد منه عليه السلام على الكفار، ولا أرحم وأرأف منه عليه السلام بالمؤمنين.
فكان صلب الإيمان، ثابت العقيدة ما شك في النبوة والدين لحظة واحدة، ولا تزلزل في رسالة سيد المرسلين طرفة عين أبدا.
الشيخ عبد السلام: لا أدري ما الذي تقصده من هذه الكنايات والنكايات؟!
فهل شك أحد الخلفاء الراشدين والصحابة المهتدين، بعد ما آمنوا بالدين؟!
وهل تزلزل أحدهم في رسالة خاتم النبيين؟! حتى تقول: إن عليا ما شك وما تزلزل! بل كلهم كذلك، ما شكوا وما تزلزلوا، فلماذا هذا التأكيد على سيدنا علي كرم الله وجهه؟!
لعلك تريد أن تقول: بأن الشيخين أو غيرهما من الصحابة الكرام شكوا في الدين وتزلزلوا في الأيمان؟!
قلت: يا شيخ! أشهد أني لم أقصد بكلامي ما ظننت، ولو كان كذلك لأظهرته بالصراحة لا بالكناية.
الشيخ عبد السلام: إن أسلوب حديثك ينبئ بأن عندك شيئا في هذا المجال، ولا تريد أن تظهره بالمقال، ولكني أريد منك أن تبين كل ما في قلبك ولا تبقي شيئا، ولا تنس أننا لا نقبل منك شيئا إلا مع الدليل والبرهان.
قلت: لو كنتم تعفوني من الخوض في هذا الموضوع لكان أجمل وأحسن ، وان كانت أدلتي كلها من كتب علمائكم الأعلام ومحدثيكم الكرام، ولكن رعاية لبعض الجهات أحب أن لا أطرح هذا الموضوع أبدا.
الشيخ عبد السلام: إنك بهذا الكلام ألقيت الشك في قلوب هؤلاء العوام، فإنهم سيظنون أن الشيخين ـ رضي الله عنهما ـ وغيرهما من الصحابة الكرام قد شكوا يوما وتزلزلوا في الدين الحنيف والنبوة!
فالرجاء الأكيد... إما أن تقيم الدليل والبرهان الصريح الواضح على هذا الكلام، أو أن ترجع في كلامك الذي فيه إبهام، وتعلن من غير إبهام، بأن الشيخين وغيرهما من الصحابة الكرام، ما زلت بهم الأقدام، ولم يشكوا طرفة عين في النبوة والإسلام.
قلت: يا شيخ! إن الشك والترديد كان يعتري أكثر الصحابة الذين كانوا في مرتبة دنيا من الإيمان، ولما دخل الإيمان قلوبهم، ولم يمتزج بنفوسهم.
فكان بعضهم يبقى في حال الشك والريب، فكانت آيات من القرآن الحكيم تنزل في شأنهم وذمهم، كالمنافقين الذين نزلت آيات كثيرة في سورة المنافقين وغيرها في ذمهم.
وبعضهم كان يعرض عليه الشك والترديد ثم يزول عنه بعد مدة. هذا جواب عام، ولا نريد أن نمس أحدا، فأرجوكم أنت تكتفوا بهذا المقدار في هذا الإطار.
الشيخ عبد السلام: إن الشك الذي وقع بسبب كلامك في قلوب الحاضرين باق، فإما أن تذكر ما يختلج في قلبك، واضحا من غير التباس، مستدلا بأقوال علمائنا المعتمدين عندنا وكتبنا الموثوقة المعتبرة لدينا، أو تصرح بأن الشيخين كانا في اليقين، وما شكا في الدين، ولم يتزلزلا في نبوة سيد المرسلين، طرفة عين.
قلت: يا شيخ! إن إلحاحك وإصرارك على هذا الأمر، اضطرني أن أكشف عن حقائق لم أكن أحب أن أكشف عنها.
نعم، لقد شك عمر بن الخطاب في نبوة خاتم النبيين (ص)، وتناقل الخبر بعض علمائكم الأعلام، مثل ابن المغازلي الشافعي في كتابه: مناقب علي بن أبي طالب(56) والحافظ محمد بن أبي نصير الحميدي في كتاب " الجمع بين الصحيحين " نقل عن عمر بن الخطاب أنه قال بعد يوم الحديبية: ما شككت في نبوة محمد قط كشكي يوم الحديبية.
فسياق الكلام يقتضي أنه شك في هذا الأمر كرارا، ولكن شكه يوم الحديبية كان أقوى وأشد.
النواب: لو سمحت، بين لنا ما كان سبب شك الفاروق في الحديبية ؟ وما الذي جرى هناك حتى وقع عمر منه في شك؟!
قلت: شرح القضية بالتفصيل يحتاج إلى وقت كثير، لكن ملخصه:

شك عمر في نبوة النبي (ص)
إن النبي (ص) رأى في ما يرى النائم، أنه دخل مكة مع أصحابه واعتمروا.
فلما أصبح حدث الأصحاب برؤياه، فسأله الأصحاب عن تأويلها وتعبيرها، فقال (ص):
" ندخل إن شاء الله ونعتمر " ولم يعين وقتا للدخول إليها.
ثم تهيأ مع الأصحاب للسفر إلى مكة وأداء العمرة، فلما وصل الحديبية ـ وهي بئر بالقرب من مكة على حدود الحرم ـ، علمت قريش بمجيء النبي والمسلمين، فخرجوا مسلحين ليمنعوهم من الدخول.
والنبي (ص) لم يكن يقصد من سفره إلا زيارة البيت الحرام وأداء العمرة ولم ينو الحرب والقتال، لذلك لما بعث المشركون من قريش وفدا للمفاوضة، استقبلهم رسول الله (ص) وفاوضهم وكتب معهم صلحا اشتهر بصلح الحديبية، على النبي والمسلمون في ذلك العام ثم يأتون في العام المقبل، ليؤدوا مناسكهم ويعتمروا، من غير مانع... إلى آخر الشروط.
فلما وقّع النبي (ص) على ذلك شك عمر بن الخطاب في نبوة سيد المرسلين محمد (ص) فقال
: النبي لا يكذب، أما قلت: ندخل مكة ونأتي بالمناسك معتمرين ؟! فلماذا صالحتهم على الرجوع ولم تدخل مكة؟!
فقال النبي (ص): لكني ما عينت وقتا، فهل قلت، ندخل مكة في هذا العام؟!
قال عمر: لا.
فقال (ص): أقول مؤكدا: ندخل مكة إن شاء الله، ورؤياي تتحقق بإذن الله تعالى.
فنزل جبرئيل بالآية الكريمة مؤكدا أيضا: (لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين، لا تخافون...) إلى آخرها(57).
فهذا ملخص صلح الحديبية وكيفية شك عمر بن الخطاب بنبوة خاتم النبيين وسيد المرسلين محمد (ص).
وكان هذا الأمر امتحانا للمسلمين ليمتاز الثابت عن المتزلزل، والمتيقن عن الشاك والمرتاب.

هل يستمر الحوار؟
لما وصل الحديث إلى هنا، نظر بعض العلماء إلى ساعته وقال: أخذنا الحديث كل مأخذ، وانقضى من الليل نصفه أو أكثر، لذا نترك متابعة الموضوع والحديث إلى الليلة القابلة إن شاء الله.
الحافظ: لقد سررنا بلقياكم، وفرحنا بمجالسكم، وانجذبنا إلى حديثكم، فانقادت مسامعنا بل قلوبنا أيضا إلى كلامكم القويم، وبيانكم الرصين، وبقي عندنا كلام كثير ما أبديناه لضيق الوقت، وعدم المجال، فتؤجله إلى وقت آخر، وسفر آخر إنشاء الله، فإننا نريد أن رجع إلى الوطن [أفغانستان] فإن لنا هناك أعمالا وأشغالا كثيرة قد تعطلت وأمورا تأخرت، وإن لنا هناك مهاما تفوتنا إن لم نحضر.
لذا أرجو أن تتفضل علينا وتأتي إلى بلادنا، فنقوم بضيافتكم، ونستمر في البحث والحوار معكم، لعلنا نصل إلى نتيجة فيها رضا الله سبحانه.
النواب ـ متوجها إلى الحافظ قائلا ـ: نحن لا ندعك أن ترجع إلى بلادك حتى نصل إلى نتيجة قطعية مع السيد المبجل، لأنكم كنتم تقولون لنا إن الرفضة [الشيعة] ليسوا أهل بحث ومناقشة، ولا أهل عقل ومنطق، لأنهم لا يملكون أدلة وبراهين في إثبات عقائدهم، وإذا جلسوا معنا على طاولة النقاش والحوار سوف يتنازلون لدلائلنا وبراهيننا القاطعة.
ولكنا على عكس ذلك، رأيناكم خاضعين أمام براهين السيد، مستسلمين لأدلته، ونحن كلنا شهود.
فالرجاء منكم، أن تبقوا عندنا، وتستمروا في المناظرة والحوار حتى يتبين الحق وتظهر الحقيقة، فحينئذ نختار لأنفسنا المذهب الحق الثابت بدلائل القرآن الحكيم والعقل السليم.
الحافظ: نحن ما خضعنا ولا استسلمنا لأدلة السيد، وإنما سكتنا لنستفيد من بيانه العذب وحديثه الطيب فإنه خطيب عجيب، ذو سحر في البيان، وطلاقة في اللسان، فاستمعنا حلاوة كلامه، وذهلنا لسحر بيانه، وانجذبنا لعذوبة لسانه، فقد راعينا الأدب في حقه، وما أردنا أن يتأذى ضيفنا العزيز، وإلا فإنا بعد لم ندخل في صلب المواضيع الأساسية، وإذا أردنا أن نقيم الدليل والبرهان، لثبت لكم أن الحق معنا.
النواب: أما نحن فإلى هذه الساعة لم نسمع منكم كلاما مستدلا وحديثا مستندا إلى العقل السليم والقرآن الكريم.
وأما كلام مولانا السيد فكله مستند إلى كتاب الله وأحاديث رسول الله (ص) المروية في كتب علمائنا.
فإذا كانت عندكم أدلة وبراهين تنقض كلام مولانا السيد فأتوا بها ، وإلا فإني أقول لكم بصراحة: إن هذه المحاورات والمناظرات قد انتشرت في الصحف والمجلات، وأوقعت الشك والترديد في نفوس أكثر أهل السنة والجماعة، في هذا البلد.
فإذا لم تظهروا الحق، ولم تعلنوا الحقيقة التي يريدها الله تعالى من عباده، فإنكم مسؤولون أما الله سبحانه وأما صاحب الشريعة المقدسة، النبي الكريم (ص).
على أثر هذا الكلام امتقع لون الحافظ وتغير وجهه، وقد ظهر أثر الفشل والخجل على وجوه علماء القوم، فكان الحافظ ينظر إلي تارة وينظر إلى الأرض أخرى، ثم توجه إلى النواب قائلا:
أرجو أن تراعوا جانب الضيف الكريم فإنه كان يريد السفر إلى خراسان لزيارة علي بن موسى الرضا، ولكنه تفضل علينا بتأخير سفره، فلا يجوز لنا أن نأخره أكثر من هذا.
قلت: إنني أشكر ألطافكم وإحساسكم، صحيح إني كنت عازما على السفر والزيارة، وأخرت سفري لأجلكم، ولكني فرحت بتأخير سفري، إذ عملت بواجبي، وخدمت الدين والمجتمع في كشف الحقيقة وإثبات الحق من خلال مناظرتي وحواري معكم، وفي حضور هؤلاء الطيبين الكرام، فعرفوا الحق أحسن من ذي قبل.
وإنني مستعد لأبقى معكم وأستفيد من مجالستكم سنة أو أكثر حتى ينكشف الحق.
ولكني خجل من مضيفي الكريم الأستاذ الميرزا يعقوب علي خان، فقد أتعبته في هذه المدة كثيرا.
وإذا بالميرزا يعقوب علي خان وإخوانه ـ ذي الفقار علي خان، وعدالت علي خان، وكلهم من شخصيات قزلباش ـ أجابوا قائلين: يا مولانا السيد ما كنا نتوقع منكم هذا الكلام، فإن بيوتنا كلها بيوتك، ونحن نفتخر بخدمتك، ونتشرف بإقامتك عندنا.
ثم تقدم السيد محمد شاه ـ وهو من أشراف " بيشاور " وأعيانها ـ وكذلك السيد عديل أختر ـ وهو من علماء الشيعة في " بيشاور " ـ فقالوا: نحن نرجو من سماحتكم أن ينتقل هذا المجلس إلى بيوتنا حتى نحظى بخدمتكم ونتشرف ونفتخر بوجودكم عندنا.
فقال الميرزا يعقوب علي خان: لا يمكن ذلك أبدا، بل مادام مولانا في " بيشاور "، وهذا المجلس مستمر في الانعقاد، فبيتي محله ومستقره.
قلت: أشكر الجميع، وبالأخص صاحب البيت الأستاذ الكريم الميرزا يعقوب علي خان المحترم.
الحافظ ـ بعدما هدأ المجلس ـ قال: وأنا أنزل عند رغبة الأستاذ النواب والأخوة الحاضرين وأؤجل سفري وإن كانت عندي مهام وأعمال معطلة في أفغانستان ، ولكن أرجو أن ينتقل مجلسنا هذا في الليالي القابلة إلى البيت الذي نحن فيه، مراعاة للعدالة، ورعاية لأهل هذا البيت الكريم، فإنهم تعبوا كثيرا، وأثقلنا عليهم كثيرا.
قلت: لا مانع لدي من ذلك، ولا أصر على أن يكون المجلس في هذا البيت فقط، إلا أن هذا البيت فقط، إلا أن هذا البيت واسع بحيث يضم الجمع الغفير الذي يحضر كل ليلة، وإن وسائل الضيافة والتكريم متوفرة عندهم، فالاختيار إليكم، وأما أنا فأينما يتعقد المجلس أحضر إن شاء الله تعالى.
الميرزا يعقوب علي خان: أظن أن الحافظ لا يعرف عادات ورسوم قبيلة قزلباش، ولكن أهل البلد يعرفون ويعلمون أن قبيلتنا يحبون الضيف ويفرحون به، ويفتخرون بخدمته وخاصة إذا كان الضيوف علماء ومشايخ وسادة، مثل فضيلة مولانا السيد سلطان الواعظين، ومثل سماحة الحافظ، وحضرات العلماء الحاضرين، والاخوة الأعزة المحترمين من كل الطبقات والأصناف، فأهلا بكم ومرحبا في كل يوم.
الحافظ: أشكركم جميعا وأستودعكم الله، وإلى اللقاء في الليلة الآتية إن شاء الله تعالى.
  #20  
قديم 05-07-08, 05:26 AM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي المجلس السابع ليلة الخميس 29/ رجب / 1345 هجرية


المجلس السابع
ليلة الخميس 29/ رجب / 1345 هجرية


في أول الليل حضر القوم مع علمائهم وبعد السلام والترحيب استقروا في مجلسهم وشربوا الشاي افتتح السيد عبد الحي الحديث، فقال: سيدنا الجليل ! في مجلس سابق تحدثت عن موضوع، ولما طالبك فضيلة الحافظ محمد رشيد بالدليل، ذهبت بالكلام إلى موضوع آخر وتناسيت طلب الحافظ.
قلت: أرجو أن تتفضلوا بتوضيح الموضوع، حتى أبين لك الدليل.
السيد عبد الحي: لقد سبق أن قلتم بأن سيدنا عليا (كرم الله وجهه) كان في اتحاد نفسي مع رسول الله (ص)، ولهذا تعتقدون بأن الإمام عليا أفضل من جميع الأنبياء سوى النبي محمد (ص).
قلت: نعم، هذا معتقدنا.
السيد عبد الحي: ما هو دليلكم على هذا المعتقد؟
وكيف يمكن اتحاد شخصين حتى يصبحا نفسا واحدة؟!! هذا ما طلبه منكم، فضيلة الحافظ، ولم تجيبوا عنه بشيء.
قلت: نحن لا نعتقد بشيء من غير دليل، وقد قلت كرارا: نحن أبناء الدليل حيثما ما مال نميل، سأبين لكم دلائلنا من القرآن والحديث الشريف.
ولكن قبل ذلك أود أن أصرح بأن كلامكم (بأني تناسيت طلب الحافظ محمد رشيد، وذهبت بالكلام إلى موضوع آخر) ما هو إلا سوء الظن منكم بالنسبة إلي، وإلا كلنا يعلم بأن البحث أحيانا يأخذ بزماننا ويجرنا إلى موضوع آخر، كما قيل قديما: الكلام يجر الكلام.
السيد عبد الحي: إنني أعتذر من سوء التعبير، وأرجو العفو والسماح.

كيف يكون الإمام علي نفس رسول الله؟
قلت: اتحاد شخصين بالمعنى الحقيقي غير ممكن ومحال عقلا، ونحن إنما نقول باتحاد نفس النبي (ص) ونفس الإمام علي (ع) مجازا.
وبيان ذلك: إن المحبة والمودة بين شخصين إذا وصلت أعلى مراتبها بحيث تصبح رغباتهم واحد، وجميع الأمور المتعلقة بالنفس والصادرة عنها تصبح واحدة أو متشابهة ومتماثلة، يعبر عن النفسين بالنفس الواحدة مجازا(1).
وجاء هذا المعنى في كلمات بعض الأولياء، وفي أشعار بعض الفصحاء والبلغاء.
كما نجد في الديوان المنسوب إلى الإمام علي (ع):
هموم الرجال في أمور كثـيرةوهمي في الدنيا صديق مساعـديكون كروح بين جسمين قسمتفجسمهما جسمان والروح واحدولبعض الشعراء:
أنا من أهوى ومن أهوى أنانحن روحان حللنا بدنافإذا أبـصرْتنـي أبصرتهوإذا أبصرته كان أناروحه روحي وروحي روحهمن رأى روحين حلا بدنا؟!فاتحاد نفس رسول الله (ص) وعلي بن أبي طالب (ع)، وتعبيرنا بذلك إنما كان مجازا لا حقيقة، والمراد أن رغبتهما كانت واحدة ونفسيتهما كانت متماثلة، وكانا متشابهين في الفضائل النفسية والكمالات الروحية، إلا ما خرج بالنص والدليل.
الحافظ: إذا أنتم تقولون بأن محمد (ص) وعليا (كرم الله وجهه) كانا نبيين، ولعلكم تعتقدون بأن الوحي نزل عليهما معا!!
قلت: هذه مغالطة بينة منكم، ونحن الشيعة لا نعتقد بهذا، وما كنت أتوقع منكم أن تكرروا ما طرحتم من قبل، حتى أكرر جوابي، فيصبح مجلس التفاهم والحوار مجلس جدل وتكرار، فيضيع وقت الحاضرين الذين جاءوا ليستفيدوا من حديثنا وحوارنا، ويعرفوا الحق فيتبعوه.
وقد قلت: بأنا نعتقد أن النبي (ص) و الإمام (ع) متحدان، أي متشابهان في جميع الفضائل النفسية، ومتمثلان في الكمالات الروحية، إلا ما خرج بالنص والدليل، وهو مقام النبوة الخاصة وشرائطها، التي منها نزل الوحي عليه، فإن الوحي النبوي خاص بحمد المصطفى دون علي المرتضى، وقد بينا ذلك بالتفصيل ضمن حديثنا في الليالي الماضية، وإذا كنتم قد نسيتم ذلك فراجعوا الصحف التي نشرت تلك المحاورات!
لقد أثبتنا ضمن تفسير حديث المنزلة، أن الإمام عليا (ع) كان في مقام النبوة [ وليس بنبي ] لكن كان تابعا لشريعة سيد المرسلين، ومطيعا لخاتم النبيين محمد (ص)، ولذا لم ينزل عليه وحي بل نزل على محمد (ص)، كما أن هارون كان نبيا في زمن موسى بن عمران إلا أنه كان تابعا ومطيعا لأخيه موسى (ع).
الحافظ: لما كنتم تعتقدون بأن عليا يساوي رسول الله (ص) في جميع الفضائل والكمالات، فالنبوة وشرائطها لازمة لتلك المساواة؟!
قلت: ربما يتصور الإنسان ذلك من معنى المساواة، ولكن إذا فكر بدقة في التوضيح الذي قلناه يعرف أن الحق غير ما يتصوره بادئ الأمر، وقد أوضحنا الموضوع في الليالي السابقة وبرهنا عليه من القرآن الحكيم، فإن الله سبحانه يقول:( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض)(2).
ولا شك أن أفضلهم هو أكملهم وخاتمهم الذي قال تعالى في شأنه: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين)(3).
فالكمال الخاص بنبوة محمد (ص) كان السبب في أن الله سبحانه يختم به النبوة ورسالة السماء، وهذا الكمال الخاص به (ص) لا يشاركه ولا يساويه فيه أحد ، إلا أن سائر كمالاته النفسية وفضائله الروحية قابلة للمشاركة والمشابهة، وكان علي (ع) يشاركه ويماثله فيها.
السيد عبد الحي: هل لكم دليل على ذلك من القرآن الكريم؟

الاستدلال بآية المباهلة
قلت: دليلنا من القرآن الكريم قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)(4).
إن كبار علمائكم، وأعلامكم من المحدثين والمفسرين، أمثال:
الإمام الفخر الرازي، في " التفسير الكبير ".
و الإمام أبي اسحاق الثعلبي، في تفسير " كشف البيان ".
وجلال الدين السيوطي، في " الدر المنثور ".
والقاضي البيضاوي، في " أنوار التنزيل ".
وجار الله الزمخشري، في تفسير " الكشاف ".
ومسلم بن الحجاج في صحيحه.
وأبي الحسن، الفقيه الشافعي، المعروف بابن المغازلي في المناقب.
والحافظ أبي نعيم في " حلية الأولياء ".
ونور الدين ابن الصباغ المالكي، في " الفصول المهمة ".
وشيخ الإسلام الحمويني، في " فرائد السمطين ".
وأبي المؤيد الموفق الخوارزمي، في المناقب.
والشيخ سليمان الحنفي القندوزي، في " ينابيع المودة ".
وسبط ابن الجوزي، في التذكرة.
ومحمد بن طلحة في " مطالب السؤول ".
ومحمد بن يوسف الكنجي القرشي الشافعي، في " كفاية الطالب ".
وابن حجر المكي، في " الصواعق المحرقة ".
هؤلاء وغيرهم ذكروا مع اختلاف يسير في الألفاظ، والمعنى واحد، قالوا: إن الآية الكريمة نزلت يوم المباهلة وهو 24 أو 25 من ذي الحجة الحرام.

تفصيل المباهلة
قالوا: دعا النبي (ص) نصارى نجران إلى الإسلام، فأقبلت شخصياتهم وأعلامهم وعلماؤهم، وكان عددهم يربو على السبعين، ولما وصلوا المدينة المنورة التقوا برسول الله (ص) وجالسوه كرارا وتناظروا معه، فسمعوا حديثه ودلائله على ما يدعوا إليه من التوحيد والنبوة وسائر أحكام الإسلام، وما كان عندهم رد وجواب، ولكن حليت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها، وخافوا إن أسلموا يفقدوا مقامهم ورئاستهم على قومهم.
فلما رأى النبي لجاجهم وعنادهم، دعاهم إلى المباهلة حتى يحكم الله بينهم ويفضح المعاند الكاذب، فقبلوا... ولما جاءوا إلى الميعاد، وهو مكان في سفح جبل، وكان النصارى أكثر من سبعين، من علمائهم وساداتهم وكبرائهم، فنظروا وإذا رسول الله (ص) قد أقبل مع رجل وامرأة وطفلين، فسألوا عنهم بعض الحاضرين، فلما عرفوا أن الرجل الذي مع النبي (ص) صهره وابن عمه علي بن أبي طالب، وهو وزيره ، وأحب أهله إليه، والمرأة ابنته فاطمة الزهراء، والطفلين هما سبطاه الحسن والحسين.
قال لهم أكبر علمائهم: انظروا إلى محمد! لقد جاء بصفوة أهله وأعزهم عليه ليباهلنا بهم، وهذا إنما يدل على يقينه واطمئنانه بحقانيته ورسالته السماوية، فليس من صالحنا أن نباهله، بل نصالحه بما يريد من الأموال ولولا خوفنا من قومنا ومن قيصر الروم، ولآمنا بمحمد وبدينه.
فوافقه قومه وقالوا: أنت سيدنا المطاع.
فبعثوا إلى رسول الله (ص) أنهم لا يباهلونه، بل يريدون المصالحة معه، فرضي رسول الله (ص) بالمصالحة وأمر عليا (ع) فكتب كتاب الصلح بإملاء النبي (ص).
فصالحهم (ص) على ألفي حلة فاخرة، ثمن الواحدة أربعون درهما، وألف مثقال ذهب، وذكر بنودا أخرى.
فوقع الطرفان على كتاب الصلح.
ولما اعترض النصارى على الأسقف الأعظم ومصالحته مع نبي الإسلام ، أجابهم قائلا: والله ما باهل نبي أهل ملة إلا نزل عليهم العذاب وماتوا عن آخرهم ، وإني نظرت إلى وجوه أولئك الخمسة: محمد وأهل بيته، فوجدت وجوها لو دعوا الله عز وجل باقتلاع الجبال وزوالها لانقلعت وانزالت.
الحافظ: هذا الخبر صحيح، ومنقول في كتبنا المعتبرة، ولا منكر له بين علمائنا، ولكن ما هو ارتباطه بسؤالنا عن دليل اتحاد نفس علي (كرم الله وجهه) مع نفس النبي (ص)؟!
قلت ارتباط الخبر بالسؤال كلمة (أنفسنا) في الآية الكريمة.
أولا: الآية تدل على أن عليا وفاطمة والحسن والحسين (ع) هم أفضل الخلق وأشرفهم بعد النبي (ص) عند الله تبارك وتعالى، وهذا ما وصل إليه وصرح به كثير من علمائكم، حتى المتعصبين منهم، مثل الزمخشري في تفسيره لآية المباهلة، فقد ذكر شرحا وافيا عن الخمسة الطيبين وكشف حقائق ودقائق مفيدة عن فضلهم ومقامهم عند الله سبحانه، حتى قال: إن هذه الآية الكريمة أكبر دليل وأقوى برهان على أفضلية أصحاب الكساء على من سواهم.
ورأى البيضاوي والفخر الرازي في تفسير الآية قريب من رأي الزمخشري.
ثانيا: نستنبط من الآية الكريمة أن مولانا علي بن أبي طالب هو أفضل الخلق وأشرفهم بعد رسول الله (ص)، لأن الله تعالى جعله نفس النبي (ص) إذا أن كلمة (أنفسنا) لا تعني النبي (ص)، لأن الدعوة منه لا تصح لنفسه (ص)، وإنما الدعوة من الإنسان لغيره، فالمقصود من (أنفسنا) في الآية الكريمة هو سيدنا وإمامنا علي (ع)، فكان بمنزلة نفس النبي (ص)، ولذا دعاه وجاء به إلى المباهلة، وذلك بأمر الله سبحانه.
هذا جواب سؤالكم وارتباط الآية الكريمة بالموضوع.
فعلي (ع) هو نفس رسول الله (ص) بتعبير القرآن الكريم، وهو تعبير مجازي واتحاد اعتباري لا حقيقي.
وقد قال الأصوليون: حمل اللفظ على المعنى المجازي الأقرب أولى من حمله على الأبعد.
وفي ما نحن فيه، أقرب المعاني المجازية لاتحاد النفسين تساويهما في جميع الأمور النفسية، وتماثلهما في جميع الصفات الكمالية اللازمة لها إلا ما خرج بالدليل.
وقلنا: إن الخارج بالدليل والإجماع، عدم نزول الوحي على الإمام علي (ع)، وعدم تساويه مع النبي (ص) في النبوة الخاصة به (ص).
الحافظ: لنا أن نقول بأن تعبير الآية: (ندعو... أنفسنا) تعبير مجازي، وادعائكم في الاتحاد النفسي المجازي لم يكن أولى و أقوى مما نقول نحن!
قلت: أرجوكم أن تتركوا المراء والجدال، ولا تضيعوا وقت المجلس بالقيل والقال، فإن العلماء والعقلاء اتفقوا على أن الأخذ بالمجاز الشائع أولى وأقوى من الأخذ بالمجاز غير الشائع.
والمجاز الذي نقول فيه بالموضوع هو المعنى الشائع له عند العرب والعجم، فكم من قائل لصاحبه: أنت روحي وأنت كنفسي! ولكي تطمئن قلوبكم لهذا المعنى، فإني أنقل لكم بعض الأحاديث النبوية فيه...

شواهد من الأحاديث
الأخبار المروية والأحاديث النبوية في هذا المعنى المجازي كثيرة ننقل نماذج منها:
قال رسول الله (ص): علي مني وأنا منه، من أحبه فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله.
أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في " المسند " وابن المغازلي في المناقب، والموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب، وآخرون غيرهم.
وقال (ص): علي مني وأنا من عليّ، ولا يؤدي عني إلا أنا أو عليّ.
أخرجه جماعة، منهم:ابن ماجه في السنن 1/92، والترمذي في صحيحه، وابن حجر في الحديث السادس من الأربعين حديثا التي رواها في مناقب علي بن أبي طالب (ع) في كتابه (الصواعق) وقال: رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه.
و الإمام أحمد في المسند 4/164، وحمد بن يوسف الكنجي في الباب 67 من " كفاية الطالب " نقله عن مسند ابن سماك، و " المعجم الكبير " للطبراني.
وأخرجه الإمام عبد الرحمن النسائي في كتابه " خصائص الإمام علي (ع) ".
وأخرجه الشيخ سليمان القندوزي في الباب السابع من " ينابيع المودة ".
وروى الأخير أيضا في الباب السابع عن عبد الله بن أحمد بن حنبل مسندا، عن ابن عباس: أن رسول الله (ص) قال لأم سلمة رضي الله عنها: علي مني وأنا من علي، لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى، يا أم سلمة اسمعي واشهدي! هذا علي سيد المسلمين.
وأخرج الحميدي في الجمع بين الصحيحين، وابن أبي الحديد في " شرح نهج البلاغة " عن رسول الله (ص) قال: علي مني وأنا منه، وعلي مني بمنزلة الرأس من البدن، من أطاعه فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله.
وأخرج الطبري في تفسيره، والمير السيد علي الهمداني الفقيه الشافعي في المودة الثامنة من كتابه " مودة القربى " أن رسول الله (ص) قال: إن الله تبارك وتعالى أيد هذا الدين بعلي، وإنه مني وأنا منه، وفيه أنزل: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه)(5). وخصص الشيخ سليمان القندوزي في كتابه " ينابيع المودة " بابا بعنوان:
الباب السابع: في بيان أن عليا (كرم الله وجهه) كنفس رسول الله (ص)، وحديث: علي مني وأنا منه.
وأخرج فيه أربعة وعشرين حديثا مسندا ـ بطرق شتى وألفاظ مختلفة لكن متحدة المعنى ـ عن رسول الله (ص) أنه قال: علي مني بمنزلة نفسي.
وفي أواخر الباب ينقل عن " المناقب " حديثا يرويه عن جابر، أنه قال: سمعت من رسول الله (ص) في علي بن أبي طالب عليه السلام خصالا لو كانت واحدة منها في رجل كانت تكفي في شرفه وفضله، وهي قوله (ص):
من كنت مولاه فعلي مولاه.
وقوله: علي مني كهارون من موسى.
وقوله: علي مني وأنا منه.
وقوله: علي مني كنفسي، طاعته طاعتي، ومعصيته معصيتي.
وقوله: حرب علي حرب الله، وسلم علي سلم الله.
وقوله: ولي علي ولي الله، وعدو علي عدو الله.
وقوله: علي حجة الله على عباده.
وقوله: حب علي إيمان وبغضه كفر.
وقوله: حزب علي حزب الله، وحزب أعدائه حزب الشيطان.
وقوله: علي مع الحق والحق معه لا يفترقان.
وقوله: علي قسيم الجنة والنار.
وقوله: من فارق عليا فقد فارقني، ومن فارقني فقد فارق الله.
وقوله: شيعة علي هم الفائزون يوم القيامة.
ويختم الباب بحديث آخر رواه عن المناقب أيضا، جاء في آخره، أقسم بالله الذي بعثني بالنبوة، وجعلني خير البرية، إنك لحجة الله على خلقه، وأمينه على سره وخليفة الله على عباده.
أمثال هذه الأحاديث الشريفة كثيرة في صحاحكم ومسانيدكم المعتبرة ، ولو نظرتم فيها بنظر الإنصاف لأذعنتم أنهم قرائن على المجاز الذي تقوله في اتحاد نفس المصطفى (ص) وعلي المرتضى عليه السلام وهي تؤيد نظرنا أن كلمة (أنفسنا) في آية المباهلة دليل واضح على تقارب نفسي النبي والوصي إلى حد التساوي في الكمالات الروحية والتماثل في الصفات النفسية.
فإذا ثبت هذا الأمر، فقد ثبت اعتقادنا بأفضلية علي عليه السلام وتقدمه على الرسل والأنبياء (ص) ما عدا خاتم النبيين محمد (ص).

استدلال آخر
جاء في الحديث النبوي الشريف: علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل.
أخرجه جماعة من أعلامكم، منهم:
الإمام الغزالي في إحياء العلوم، وابن أبي الحديد في " شرح نهج البلاغة " والفخر الرازي في تفسيره، وجار الله الزمخشري، والبيضاوي، والنيسابوري ، في تفاسيرهم.
وجاء في رواية أخرى:
علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل.
فإذا كان علماء المسلمين الذين أخذوا علمهم من منبع النبوة ومدرسة الرسالة والقرآن الحكيم كأنبياء بني إسرائيل أو أفضل، فكيف بعلي بن أبي طالب عليه السلام الذي نص فيه رسول الله (ص) بقوله: أنا مدينة العلم وعلي بابها (6)، وأنا مدينة الحكمة وعلي بابها؟!
وحل وقت العشاء، وبعدما صلوا صلاة العشاء وانعقد المجلس، بدأت بالكلام قائلا.

الإمام علي عليه السلام جامع فضائل الأنبياء
لا شك أن أنبياء الله سبحانه وهم من أرسلهم وبعثهم لهداية عباده كانوا يتخلقون بأجمل الأخلاق، وكانوا يتصفون بأحمد الصفات، وكانوا يتزينون بأحسن الفضائل والخصال، إلا أن كلا منهم امتاز بصفة واشتهر بفضيلة حتى امتاز بها عن الآخرين.
وعلي بن أبي طالب عليه السلام جمع كل الفضائل التي امتاز بها الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم أجمعين.
وقد شهد بذلك سيد الرسل وخاتم النبيين محمد الصادق الأمين (ص)، كما جاء في مناقب الخوارزمي: 49 و245، والرياض النضرة 2/217، وذخائر العقبى:93 وغيرها، أنه قال (ص) ـ مع بعض الاختلافات اللفظية ـ: من أراد أن ينظر على آدم في علمه وإلى نوح في فهمه وإلى يحيى بن زكريا في زهده وإلى موسى بن عمران في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.
ونقل الشيخ سليمان القندوزي في كتابه " ينابيع المودة " الباب الأربعين، قال: أخرج أحمد بن حنبل في مسنده وأحمد البيهقي في صحيحه عن ابن الحمراء، قال: قال رسول الله (ص): من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في عزمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في زهده فلينظر إلى علي بن أبي طالب.
قال القندوزي: وقد نقل هذا الحديث في " شرح المواقف " و " الطريقة المحمدية ".
ونقله ابن الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة: 121 عن البيهقي أيضا.
ونقله ـ مع بعض الاختلافات اللفظية ـ الإمام الفخر الرازي في تفسيره الكبير، ذيل آية المباهلة.
ومحيي الدين ابن العربي في كتابه اليواقيت والجواهر، المبحث 32: 172.
ونقله العلامة الكنجي الشافعي في كتابه " كفاية الطالب " وخصص له الباب الثالث والعشرين، ثم شرحه وعلّق عليه، وإليك ذلك:
روى بإسناده عن ابن عباس، قال: بينما رسول الله (ص) جالس في جماعة من أصحابه إذ أقبل علي عليه السلام فلما بصر به رسول الله (ص) قال: من أراد منكم أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في حكمته، وإلى إبراهيم في حلمه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.
وعلق العلامة الكنجي بقوله:
قلت: تشبيهه لعلي عليه السلام بآدم في علمه، لأن الله علم آدم صفة كل شيء كما قال عز وجل: (وعلم آدم الأسماء كلها)(7) فما من شيء ولا حادثة ولا واقعة إلا وعند علي عليه السلام فيها علم، وله في استنباط معناها فهم.
وشبهه في نوح بحكمته ـ أو في رواية: في حكمه، وكأنه أصح ـ لأن عليا عليه السلام كان شديدا على الكافرين رؤوفا بالمؤمنين كما وصفه الله تعالى في القرآن بقوله: (والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم)(8) وأخبر عز وجل عن شدة نوح عليه السلام على الكافرين بقوله: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا)(9).
وشبهه في الحلم بإبراهيم عليه السلام خليل الرحمن كما وصفه الله عز وجل بقوله: (إن إبراهيم لأواه حليم )(10) فكان (ع) متخلقا بأخلاق الأنبياء، متصفا بصفات الأصفياء. انتهى.
وروى في الرياض النضرة 2/218 عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (ص): من أراد أن ينظر إلى إبراهيم في حلمه، وإلى نوح في حكمه، وإلى يوسف في جماله، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.
قال: أخرجه الملا في سيرته.
والملا هو عمر بن خضر من كبار علمائكم، توفي عام 570.
وفي الرياض النضرة 2/202 قال: أخرج الملا في سيرته، قيل: يا رسول الله! كيف يستطيع علي عليه السلام أن يحمل لواء الحمد؟ فقال رسول الله (ص): وكيف لا يستطيع ذلك وقد أعطي خصالا شتى: صبرا كصبري، حسنا كحسن يوسف، وقوة كقوة جبريل (ع).
وروى السيد مير علي الهمداني في كتابه " مودة القربى علي بن أبي طالب " المودة الثامنة، قال: عن جابر، قال: قال رسول الله (ص): من أراد أن ينظر إلى إسرافيل في هيبته، وإلى ميكائيل في رتبته، وإلى جبرائيل في جلالته، وإلى آدم في علمه، وإلى نوح في خشيته، وإلى إبراهيم في خلّته، وإلى يعقوب في حزنه، وإلى يوسف في جماله، وإلى موسى في مناجاته، وإلى أيوب في صبره، وإلى يحيى في زهده، وإلى عيسى في عبادته، وإلى يونس في ورعه، وإلى محمد في حسبه وخلقه، فلينظر إلى علي، فإن فيه تسعين خصلة من خصال الأنبياء، جمعها الله فيه ولم يجمعها في أحد غيره.
نقله الشيخ سليمان القندوزي في ينابيع المودة 1/304 الطبعة السابعة، سنة 1384 هجرية 1965 ميلادية.
قال: وعد ذلك في كتاب " جواهر الأخبار ".
وإليك ما رواه كمال الدين القرشي محمد بن طلحة، في كتابه القيم " مطالب السؤول في مناقب آل الرسول (ص) " الفصل السادس، ج1/61، ط دار الكتب، قال:
ومن ذلك ما رواه الإمام البيهقي (رض) في كتابه المصنف في فضائل الصحابة، يرفعه بسنده إلى رسول الله (ص) أنه قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.
فقد أثبت النبي (ص) لعلي عليه السلام بهذا الحديث، علما يشبه علم آدم، وتقوى تشبه تقوى نوح، وحلما يشبه حلم إبراهيم، وهيبة تشبه هيبة موسى، وعبادة تشبه عبادة عيسى، وفي هذا تصريح لعلي عليه السلام بعلمه وتقواه وحلمه وهيبته وعبادته، وتعلو هذه الصفات إلى أوج العلا حيث شبهها بهؤلاء الأنبياء المرسلين (ع) من الصفات المذكورة والمناقب المعدودة.

مقايسته بالأنبياء
لقد حدثنا المؤرخون والمحدثون أنه عليه السلام في آخر يوم من حياته الكريمة، حينما كان على فراش الموت والشهادة، حضر عنده جماعة من أصحابه لعيادته، وكان ممن حضر صعصة بن صوحان، وهو من كبار الشيعة في الكوفة، وكان خطيبا بارعا، ومتكلما لامعا، وهو من الرواة الثقات حتى عند أصحاب الصحاح الستة وأصحاب المسانيد عندكم، فإنهم يروون عنه ما ينقله الإمام علي عليه السلام، وقد ترجم له كثير من علمائكم مثل ابن عبد البر في " الاستيعاب " وابن سعد في " الطبقات الكبرى " وابن قتيبة في " المعارف " وغيرهم، فكتبوا أنه كان عالما صادقا، وملتزما بالدين، ومن خاصة أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام. في ذلك اليوم سأل صعصعة الإمام عليا عليه السلام قائلا:
يا أمير المؤمنين! أخبرني أنت أفضل أم آدم (ع)؟
فقال الإمام عليه السلام: يا صعصعة! تزكية المرء نفسه قبيح، ولولا قول الله عز وجل: (وأما بنعمة ربك فحدث)(11) ما أجبت.
يا صعصعة! أنا أفضل من آدم، لأن الله تعالى أباح لآدم كل الطيبات المتوفرة في الجنة ونهاه عن أكل الحنطة فحسب، ولكنه عصى ربه وأكل منها!
وأنا لم يمنعني ربي من الطيبات، وما نهاني عن أكل الحنطة فأعرضت عنها رغبة وطوعا.
[ كلامه كناية عن أن فضل الإنسان وكرامته عند الله عز وجل بالزهد في الدنيا وبالورع والتقوى، وأعلى مراتبه أن يجتنب الملاذ ويعرض عن الشهوات والطيبات المباحة ـ من باب رياضة النفس ـ حتى يتمكن منها، ويمسك زمامها، فيسوقها في طريق الورع والتقوى(12)].
فقال صعصعة: أنت أفضل أم نوح؟
فقال عليه السلام: أنا أفضل من نوح، لأنه تحمل ما تحمل من قومه، ولما رأى منهم العناد دعا عليهم وما صبر على أذاهم، فقال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا)(13).
ولكني بعد حبيبي رسول الله (ص) تحملت أذى قومي وعنادهم، فظلموني كثيرا فصبرت وما دعوت عليهم(14).
[ كلامه عليه السلام كناية عن أن أقرب الخلق إلى الله سبحانه أصبرهم على بلائه وأكثرهم تحملا من جهال زمانه سوء تصرفهم، وهو يقابلهم بالحكمة والموعظة الحسنة وبحسن سلوكه وأخلاقه، قربة على الله تعالى ].
فقال صعصعة: أنت أفضل أم إبراهيم؟
فقال عليه السلام: أنا أفضل، لأن إبراهيم قال: (رب أرني كيف تحي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)(15).
ولكني قلت وأقول: لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا(16).
[ كلامه عليه السلام كناية عن أن مرتبة العبد عند الله سبحانه تكون بمرتبة يقينه، فكلما ازداد العبد يقينا بالله عز وجل وبالمعتقدات الدينية ازداد قربا من الله سبحانه وتعالى ].
قال صعصعة: أنت أفضل أم موسى؟
قال (ع): أنا أفضل من موسى لأن الله تعالى لما أمره أن يذهب إلى فرعون ويبلغه رسالته (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون)(17).
ولكني حين أمرني حبيبي رسول الله (ص) بأمر الله عز وجل حتى أبلغ أهل مكة المشركين سورة براءة، وأنا قاتل كثير من رجالهم وأعيانهم! مع ذلك أسرعت غير مكترث، وذهبت وحدي بلا خوف ولا وجل، فوقفت في جمعهم رافعا صوتي، وتلوت آيات من سورة براءة، وهم يسمعون!!
[ كلامه كناية عن أن فضل الإنسان عند الله سبحانه بالتوكل عليه عز وجل والإقدام في سبيل الله وأن لا يخشى العبد أحدا إلا ربه تعالى شأنه ].
قال صعصة: أنت أفضل أم عيسى؟
قال عليه السلام: أنا أفضل، لأن مريم بنت عمران لما أرادت أن تضع عيسى، كانت في البيت المقدس، جاءها النداء يا مريم اخرجي من البيت! هاهنا محل عبادة لا محل ولادة، فخرجت ( فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة) (18).
ولكن أمي فاطمة بنت أسد لما قرب مولدي جاءت إلى بيت الله الحرام والتجأت إلى الكعبة، وسألت ربها أن يسهل عليها الولادة، فانشق لها جدار البيت الحرام، وسمعت النداء: يا فاطمة ادخلي! فدخلت ورد الجدار على حاله فولدتني في حرم الله وبيته(19).
[ لا أدري هل هذه المقايسة تنبئ عن أفضلية فاطمة بنت أسد على مريم بنت عمران كما أن ابنها عليا (ع) كان أفضل وأشرف عند الله تعالى من عيسى بن مريم (ع)؟! ربما ].
بالله عليكم فكروا قليلا وأنصفوا، مع وجود هذه الروايات والأحاديث المنقولة في كتبكم، والمروية بطرقكم، هل يجوز أن تقدموا أحدا على الإمام علي (ع) في الخلافة؟!!
وهل يجوز عند العقلاء والنبلاء تقديم المفضول على الفاضل؟! كما يقول أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 10/226: أما الذي استقر عليه رأي المعتزلة بعد اختلاف كثير بين قدمائهم في التفضيل وغيره، أن عليا أفضل الجماعة، وأنهم تركوا الأفضل لمصلحة رأوها!
ويقول في صفحة 227: وبالجملة أصحابنا يقولون: إن الأمر كان له [ لعلي ] (ع)، وكان هو المستحق والمتعين!
ويقول في شرح الخطبة الشقشقية في شرح نهج البلاغة 1/157 ط. دار إحياء التراث العربي: لما كان أمير المؤمنين (ع) هو الأفضل والأحق وعدل عنه إلى من لا يساويه في فضل ولا يوازيه في جهاد وعلم، ولا يماثله في سؤدد وشرف، ساغ إطلاق هذه الألفاظ... إلى آخره.
  #21  
قديم 05-07-08, 05:27 AM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي



فلا ينكر أحد تفضيل الإمام علي (ع) على غيره إلا عن تعصب وعناد ، وإلا فإن أعلامكم المنصفين ذهبوا أيضا مذهب المعتزلة في ذلك:
فقد روى العلامة الكنجي الشافعي في " كفاية الطالب " الباب الثاني والستين، بسنده عن ابن التيمي، عن أبيه، قال: فضل علي بن أبي طالب على سائر الصحابة بمائة منقبة وشاركهم في مناقبهم.
وقال العلامة الكنجي، وابن التيمي هو موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي، ثقة وابن ثقة، أسند عنه العلماء والإثبات... ثم ذكر المائة منقبة بالتفصيل(20).
ونقل الشيخ سليمان القندوزي في كتابه " ينابيع المودة " الباب الأربعين، قال: أخرج موفق بن أحمد، عن محمد بن منصور، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من الصحابة من الفضائل مثل ما لعلي بن أبي طالب (ع).
وقال أحمد: قال رجل لابن عباس سبحان الله! ما أكثر فضائل علي بن أبي طالب ومناقبه! إني لأحسبها ثلاثة آلاف منقبة. فقال ابن عباس: أَو لا تقول إنها ثلاثين ألفا أقرب؟!(21).
وقال ابن أبي الحديد في مقدمة شرح نهج البلاغة 1/17 ط. دار إحياء التراث العربي: وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله؟!
... وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة، وتنتهي إليه كل فرقة ، وتتجاذبه كل طائفة؟! فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وأبو عذرها، وسابق مضمارها ومجلي حلبتها. كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى.
ويقول في خاتمة المقدمة: 30: وجب أن نختصر ونقتصر، فلو أردنا شرح مناقبه وخصائصه لاحتجنا إلى كتاب مفرد يماثل حجم هذا، بل يزيد عليه. وبالله التوفيق.
فلا أدري بأي عذر أخروا هذا الرجل الفذ، والإنسان العبقري، العملاق العظيم، العلي على البشر بعد النبي (ص).
ولماذا لم يستشيروه في أمر الخلافة؟!
وهل لهم دليل على تقديم الآخرين عليه؟!
فانصفوا ولا تتبعوا التعصب والعناد!
الحافظ: وأنتم أيضا أنصفوا وانظروا هل يجوز لكم أن تنسبوا لأصحاب النبي (ع) المقربين، غصب الخلافة ومخالفة أمر الله والرسول؟!
وكيف تعتقدون بأن أمة الإسلام اجتمعت على الباطل والضلال؟!!
أما قال رسول الله (ص): لا تجتمع أمتي على الخطأ؟!
وقال (ص): لا تجتمع أمتي على الضلالة.
فلذلك نحن لا نقلد أسلافنا تقليد الأعمى، ولا نسير خلفهم سير الحمقى، بل قلدناهم وأخذنا مذهبهم إطاعة لأمر النبي (ص) حيث صحح إجماع المسلمين وأيد كل ما أجمعت عليه الصحابة المهتدين.

دعوى: إجماع الأمة على خلافة أبي بكر
قلت: أرجو أن تبينوا لنا أدلتكم على صحة خلافة أبي بكر؟
الحافظ: إن أقوى دليل على إثبات خلافة أبي بكر وصحتها هو إجماع الأمة على خلافته.
وأضف على هذا كبر السن والشيخوخة، فإن عليا (كرم الله وجه) مع فضله وسوابقه المشرفة وقربه من رسول الله (ص) فإن المسلمين أخروه لصغر سنه.
وأنتم لو فكرتم قليلا وأنصفتم لأعطيتم الحق للمسلمين، فلا يجوز عقلا أن يتقدم في هذا الأمر العظيم شاب حدث السن مع وجود شيوخ قومه وكبراء أهله.. وإن تأخر سيدنا علي لا يكون نقصا له بل كماله، وإن أفضليته على أقرانه ثابتة لا ننكرها.
ثم إن المسلمين سمعوا حديثا رواه عمر بن الخطاب، قال: لا تجتمع النبوة والملك في أهل بيت واحد.
ولما كان عمر من أهل بيت النبوة ما بايعوه..
هذه أسباب تقدم أبي بكر وتأخر علي في أمر الخلافة.
قلت: إن أدلتكم هذه تضحك الثكلى، وإن مثلكم كمثل الذي يغمض عينه فيصبح كالأعمى، فلا يرى الشمس الطالعة في الضحى، وينكر ضوء النهار إذا تجلى ، فافتحوا أعينكم، وانظروا إلى منار الهدى، واسلكوا طريق الحق والتقى، ولا تتبعوا الهوى، وتجنبوا المنزلق والمهوى، ولا تغرنكم الدنيا، فإن الآخرة خير وأبقى.
وإني أرجوكم أن تقرءوا كتابنا وتدققوا النظر في أدلتنا وتعمقوا الفكر في عقائدنا.
أقول هذا، لأني فتشت أسواق الشام والقاهرة والحجاز والأردن، وغيرها من البلاد الإسلامية التي غالب سكانها أهل السنة أو حكامها من أهل السنة والجماعة، فما وجدت كتب الشيعة في مكتباتها فكأنكم ـ مع الأسف ـ آليتم أن تطالعوا كتب الشيعة، فلا أدري هل حكمتهم عليها بأنها كتب الضلال فحرمتم قراءتها؟!!
وإني دخلت بيوت كثير من إخواننا أهل السنة والجماعة، علمائهم وغير علمائهم، الذين يهوون مطالعة الكتب ويملكون مكتبات شخصية في بيوتهم، فوجدت فيها كتب مختلفة حتى كتب غير المسلمين من الشرقيين والغربيين، ولم أجد كتابا واحدا من كتب الشيعة!!
بينما نحن في بلادنا نطبع كتبكم وننشرها، وندعو أهل العلم والمثقفين لمطالعتها.
فهذه مدينة النجف الأشرف وكربلاء المقدسة في العراق، وهذه مدينة قم ومشهد الإمام الرضا (ع) في إيران، وهي مراكز الشيعة التي فيها حوزاتنا العلمية ومراجعنا الكرام، وكذلك طهران وشيراز وأصفهان، وغيرها من البلاد التي تسكنها الشيعة، فتحت أبواب مكتباتها لعرض كتبكم وبيعها بدون أي مانع ورادع.
ولا أجد مكتبة واحدة من مكتباتنا العامة أو الشخصية تخلو من كتبكم وصحاحكم ومسانيدكم وتواريخكم وتفاسيركم، لا لحاجة منا إليها، لأن مدرسة أهل البيت (ع) غنية، والأخبار المروية عن العترة الطاهرة الهادية تناولت جميع جوانب الحياة وكل ما يحتاجه الإنسان في أمر الدين والدنيا.
ولكن نريد أن نحاججكم بكتبكم، ونلزمكم بأقوال علمائكم وآراء أعلامكم، وننقدها نقدا بناء حتى نصل معكم إلى التفاهم، وكما تجدوني في هذه المحاورات والمناقشات لا أنقل إلا عن كتبكم ومسانيدكم وصحاحكم وتفاسيركم.

إجماع أم مؤامرة!!
لقد ادعيتم أن إجماع الصحابة هو أقوى دليل على إثبات خلافة أبي بكر وصحتها. واستدللتم بحديث: لا تجتمع أمتي على الخطأ، أو لا تجتمع أمتي على ضلال.
فالأمة أضيفت إلى ياء المتكلم، فتفيد العموم كما قال النحويون ، فعلى فرض صحة الحديث يكون معناه: إن أمتي كلهم من غير استثناء إذا أجمعوا على أمر فذاك الأمر لا يكون خطأ أو ضلالا.
وهذا هو الإجماع الذي يتضمن رأي حجة الله تعالى في خلقه، لأن الأرض لا تخلو من حجة لله عز وجل ـ كما جاء في روايات الفرقين ـ.
ثم إن هذا الحديث ـ على فرض صحته ـ لا ينخ الأحاديث النبوية والنصوص الجلية في تعريف النبي (ص) خليفته في البرية.
ولو تنزلنا وسلمنا برأيكم والتزمنا بهذا المقال، بأن النبي (ص) لم يعين خليفته بأمر الله العزيز المتعال، وإنما كان يشير إلى علي (ع) ويرشحه للخلافة برأيه الشخصي، وقد فتح على الأمة باب الاختيار وفسح لهم المجال، وأقر إجماعهم بقوله (ص): لا تجتمع أمتي على خطأ أو ضلال.
فنقول: إن الإجماع الذي أقره النبي (ص) ما حصل في خلافة أبي بكر ولم يحصل لغيره.
الحافظ: نفي الإجماع على خلافة أبي بكر (رض) أمر غريب!
لأنه حكم في الأمة بعد النبي (ص) أكثر من سنتين من غير مخالف أو منازع، وانقاد له جميع المهاجرين والأنصار، وبهذا حصل الإجماع على خلافته.
قلت: إن هذا كلام مغالطة وجدل! لأن سؤالي وكلامي كان حول إجماع الأمة على خلافة أبي بكر في بداية الأمر، حينما اجتمعوا في السقيفة، وهل وافق الحاضرون كلهم على خلافته؟!
وهل اتفق رأي المسلمين الذين كانوا في المدينة المنورة على خلافته آنذاك؟!
وهل كان لرأي سائر المسلمين ـ الذين كانوا خارج المدينة المنورة ، حواليها أو بعيدين عنها ـ أثر في الانتخاب؟!
أم ليس لرأيهم محل من الإعراب؟!
الحافظ: لا نقول إن اجتماع السقيفة كان يمثل جميع الأمة، وإن كان فيه كثير من كبار الصحابة، ولكن الحاضرين فيها اختاروا أبا بكر، وبعد ذلك وافقهم المسلمون فحصل الإجماع تدريجيا مع مرور الزمن!
قلت: بالله عليكم فكروا وأنصفوا! هل الإجماع الذي أقره رسول الله (ص) في حديثه حصل في السقيفة، مع مخالفة سعد بن عبادة الخزرجي وأهله وأنصاره ؟!
فهل تكشف واقعة السقيفة عن إجماع الصحابة البررة، أو تنبئ عن مؤامرة مدبرة؟!
وإذا ما كانت هناك مؤامرة، ولم تتدخل فيها الأغراض والأطماع، لماذا لم يصبروا حتى يتحقق الإجماع؟!
وكلنا نعلم، بأن الأوس قد وافقوا على خلافة أبي بكر لا لمصلحة الإسلام، بل بسبب النزاعات والخلافات التي كانت بينهم وبين الخزرج، وقد كانت لها جذور جاهلية، فلما رأوا كفة سعد بن عبادة قد رجحت وكاد أن يبتز الحكم، أسرعوا إلى أبي بكر فبايعوه رغما لأنوف مناوئيهم الخزرجيين.
وأما المسلمون خارج السقيفة، لما سمعوا بما حدث في السقيفة ذهلوا وبهتوا، ثم انجرفوا مع التيار، وكان أكثر الناس في ذلك المجتمع همجا رعاعا ، ينعقون مع كل ناعق، ويميلون مع الريح.
وهم الذين يصفهم الباري عز وجل بقوله: (ٍ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن يتقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين)(22).
وسوف يخاطبهم الله تعالى في جهنم بقوله سبحانه: (لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون)(23) و(24).
وأما الذين استقاموا على الدين، وثبتوا في طريق الحق واليقين، وتمسكوا بولاية سيد الوصيين، واعتقدوا خلافة وإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فعددهم قليل، وهم الذين يصفهم ربهم سبحانه وتعالى بقوله: (وقليل من عبادي الشكور)(25).
وهم صفوة أصحاب رسول الله (ص) وأهل بيته المطهرون وعترته الطيبون، وهم الذين غضبوا من أحداث السقيفة وأعلنوا مخالفتهم لبيعة أبي بكر.
فلذلك نقول أن الإجماع ـ الذي تدّعونه لإثبات وتصحيح خلافة أبي بكر وشرعيتها ـ لم يحصل!
الحافظ: يحصل الإجماع ويقع إذا وافق أهل الحل والعقد وسنام الأمة على أمر، وليس من حق أي مسلم أن ينقض ما أبرموا.
قلت: إن هذا التفسير والمعنى لكلمة الإجماع ادعاء لا دليل عليه ، وهو خلاف ظاهر الحديث الذي تمسكتم به لتشريع الإجماع.
فالحديث يصرح: لا تجتمع أمتي على خطأ ـ أو ضلال ـ.
فكيف استخرجتم هذا المعنى، وخصصتم الأمة بأهل الحل والعقد والسنام ـ أي الطبقة العليا من المجتمع ـ ثم ألزمتم الآخرين باتباع رأي أولئك وإطاعتهم؟!!
والحال إن إضافة الأمة إلى ياء المتكلم، أو نسبتها إلى ياء النسبة تفيد العموم، فلا يجوز عند النحويين أن تخصص الأمة بعدد من الصحابة دون الآخرين.
وحتى إذا سلمنا أن الإجماع يحصل بتوافق أهل الحل والعقد، فهل الذين حضروا السقيفة كانوا أهل الحل والعقد دون سواهم؟!
أم كان في المدينة وحواليها آخرون من أهل الحل والعقد، ولم يحضروا آنذاك في السقيفة؟!
فهلا أخبروهم بانعقاد ذلك المؤتمر ودعوهم للحضور؟!
وهلا استفسروا عن رأيهم في خلافة أبي بكر؟!
الحافظ: الظروف ما سمحت بذلك، فإذا كان على الشيخين أن ينتظروا رأي جميع أهل الحل والعقد الذين كانوا في المدينة المنورة وخارجها، لكانت دسائس المنافقين تعمل عملها، فلذلك لما سمع أبو بكر وعمر (رض) أن جماعة من الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، ليتشاوروا في أمر الخلافة، أسرعا إليها وتكلما استوليا به على الوضع.
ثم إن عمر ـ الذي كان رجلا سياسيا وشيخا محنكا ـ رأى صلاح الإسلام في أن ينابيع أبا بكر بالخلافة، فمد يده وبايعه، وتبعه أبو عبيدة بن الجراح والأوسيون.
فلما رأى سعد بن عبادة ذلك، خرج من السقيفة غاضبا غير راض عما حصل، لأنه كان يريد الخلافة لنفسه، وتبعه قومه الخزرجيون وخرجوا من السقيفة غاضبين.
هذا هو سبب استعجال الشيخين في أمر الخلافة، ولولا اتخاذهما ذلك الموقف الحاسم في السقيفة لكان الأمر يؤول إلى النزاع بين قبيلتي الأنصار: الأوس والخزرج.
قلت: ما كان اجتماع الأنصار في السقيفة من أجل تعيين خليفة، بل كانوا بصدد تعيين لأنفسهم، وأخيرا كاد التوافق يحصل بأن يكون للأوس أمير وللخزرج أمير وهو أشبه شيء برئيس القبيلة وشيخ العشيرة.
فهنا اغتنم الشيخان أبو بكر وعمر الفرصة من نزاع القوم، فتقدم أبو بكر وتكلم في أمر الخلافة، وتعجل عمر في بيعته، وإلا لو كان الاجتماع من أجل تعيين خليفة رسول الله (ص) لكان الاجتماع يضم كل الصحابة الذين كانوا في المدينة المنورة من المهاجرين والأنصار، وحتى الذين كانوا في معسكر أسامة بن زيد خارج المدينة.
فإن رسول الله (ص) في أواخر أيامه عقد راية لأسامة وأمر المسلمين بالانضمام تحتها، وكرر الأمر بقوله (ص): أنفذوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عن جيش أسامة!
وكان الشيخان تحت إمرة أسامة بن زيد، ولكنهما تخلفا وتركا المعسكر، فكان المفروض عليهما أن يستشيرا أميرهما في مثل ذلك الأمر الهام، ولكنهما استبدا بالرأي وما شاوراه!
فلذلك لما سمع بما حدث في السقيفة وان أبا بكر صار خليفة جاء إلى مسجد النبي (ص) واعترض، فاقترب منه عمر قائلا: لقد انقضى الأمر وتمت البيعة لأبي بكر، قم وبايع ولا تشق عصا المسلمين! فقام وبايع!
ولكن كان لأسامة أن يقول: لقد جعلني رسول الله (ص) أميرا عليك وعلى أبي بكر ولم يعزلني بعد، فكيف يصبح أميركم الذي أمّره رسول الله (ص) تحت إمرتكم؟!
أما أمركما رسول الله (ص) بطاعتي؟! وأمركم أن تكونا تحت إمرتي ؟! فكيف انعكس الأمر؟!!
فإن تقولوا: إن المسافة كانت بعيدة بين المدينة والمعسكر والظروف الراهنة ما سمحت للشيخين أن يستشيرا أميرهما أسامة ومن كان تحت رايته من ذوي البصائر وأهل الحل والعقد!
فما تقولون في بني هاشم الذين كانوا مجتمعين في بيت رسول الله (ص) وكذلك الصحابة المقربين الذين كانوا آنذاك عند جثمان النبي (ص) يعزون أهله المصابين بتلك المصيبة العظمى؟!
فلماذا ما استشار أولئك، وبالخصوص علي بن أبي طالب والعباس(26) عم رسول الله (ص) وهما بإجماع المسلمين كانا من أهل الحل والعقد في الإسلام وكانا من ذوي البصيرة والرأي، هل المسافة كانت بعيدة؟!! أم الظروف الراهنة ما سمحت؟!!
الحافظ: أظن بأن الأمر كان خطيرا والخطر كبيرا بحيث لم يمكن للشيخين ترك السقيفة حتى لحظة واحدة.
قلت: ولكن أقول: إن الشيخين ما أرادا أن يخبرا عليا وبني هاشم وسائر الصحابة، بل كانا يريدان خلو الساحة من أولئك، حتى يحققا أمرا دبّراه فيما بينهما!
الحافظ: وهل لكم دليل على ذلك؟
قلت: أولا: كان بإمكانهما أن يراقبا الوضع في السقيفة ويبعثا أبا عبيدة الجراح، فيخبر بني هاشم وسائر الصحابة.
ثانيا: قبل أن يأتي الشيخان إلى السقيفة، كان أبو بكر مع المجتمعين في بيت رسول الله (ص)، فجاء عمر عند الباب ولم يدخل البيت، فطلب أبا بكر وأخبره باجتماع الأنصار في السقيفة، ولم يخبر الآخرين، ثم أخذه معه وانطلقا نحو السقيفة.
الحافظ: هذا الخبر من أقاويل الروافض!
قلت: سبحان الله، مالك كلما عجزت عن الجواب، اتهمت الشيعة وأسأت إليهم بالكلام؟!
ولقد تكرر منك هذا الموقف العنيف، ثم ثبت للحاضرين زيف كلامك وبطلان رأيك هذه المرة كذلك.
ولكي تعرف الحقيقة فراجع تاريخ محمد بن جرير الطبري ـ من كبار أعلامكم ومؤرخيكم في القرن الثالث ـ 2/456، ونقل عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 2/38 فقال: وروى أبو جعفر أيضا في التاريخ، أن رسول الله (ص) لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة ـ إلى أن قال: ـ وسمع عمر الخبر فأتى منزل رسول الله (ص) وفيه أبو بكر، فأرسل إليه: أن أخرج إلي، فأرسل: إني مشغول، فأرسل إليه عمر أن أخرج، فقد حدث أمر لا بد أن تحضره فخرج فأعلمه الخبر، فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما أبو عبيدة.... إلى آخر الخبر(27).
فبأي دليل ومنطق، تسمون هذه الواقعة، إجماع الأمة وإجماع أهل الحل والعقد؟!
إن هذه الطريقة في تعيين رئيس الجمهورية أو أمير القوم أو خليفة رسول الله (ص) تخالف القوانين السماوية والأرضية، وتناقض سيرة العقلاء في العالم وترفضها جميع الأمم والشعوب، لا الشيعة فحسب!

لا إجماع على خلافة أبي بكر
أيها العلماء لو فكرتم قليلا وأنصفتم، ثم نظرتم إلى أحداث السقيفة وما نجم منها، لأذعنتم أن خلافة أبي بكر ما كانت بموافقة جميع أهل الحل والعقد، ولم يحصل الإجماع عليها، وأن ادعاء القوم وتمسكهم بالإجماع فارغ عن المعنى واسم من غير مسمى!
فإن إعلان النتيجة في مثل هذه الأمور تعبر برأي الأكثرية والأقلية أو الإجماع.
فلو تشاور قوم في أمر، فوافق أكثرهم وخالف آخرون، فالموافقون أكثرية والمخالفون أقلية.
ولكن إذا وافق كلهم، بحيث لم يخالف منهم أحد، فقد حصل الإجماع.
والآن أسألكم بالله! هل حصل هذا الإجماع على خلافة أبي بكر، في السقيفة أو في المسجد أو في المدينة.
وحتى لو تنزلنا وقلنا: إن الملحوظ هو رأي كبار الصحابة وذوي العقل والبصيرة من المسلمين، فهل أجمع كبار الصحابة وعقلاء المسلمين وأهل الحل والعقد كلهم على خلافة أبي بكر، بحيث لم يكن فيهم مخالف واحد؟!
الحافظ: قلنا بأن الإجماع ما حصل في بادئ الأمر، بل حصل تدريجا بموافقة المخالفين واحدا بعد الآخر مع طول الزمن.
قلت: وحتى هكذا ـ إجماع تدريجي ـ لم يحصل أيضا، لأن كثيرا من المخالفين بقوا على مخالفتهم لخليفة السقيفة، إلى أن وافاهم الأجل، منهم سيدة نساء العالمين وبنت سيد المرسلين وحبيبة خاتم النبيين، فاطمة الزهراء (ع)، وكانت هي مدار سخط الله سبحانه ورضاه، حيث قال رسول الله (ص) في شأنها: " فاطمة بضعة مني، يرضى الله لرضاها، ويسخط لسخطها ".
فأعلنت سخطها على الخليفة، ومخالفتها لرأي السقيفة، ورفضت أن تبايع أبا بكر حتى ماتت وهي واجدة عليه(28).
وأحد المخالفين لخلافة أبي بكر، سعد بن عبادة الخزرجي، وهو سيد قومه، أعلن خلافه لما بعث إليه أبو بكر أن أقبل فبايع فقد بايع الناس.
فقال: أما والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل، وأخضب منكم سناني ورمحي، وأضربكم بسيفي، ما ملكته يدي، وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي، ولا والله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم حسابي(29).
فالإجماع الذي تزعمونه نفاه كثير من أعلامكم أيضا، منهم صاحب كتاب " المواقف " والفخر الرازي وجلال الدين السيوطي وابن أبى الحديد والطبري والبخاري ومسلم بن الحجاج وغيرهم.
وقد ذكر العسقلاني والبلاذري في تاريخه ومحمد خاوند شاه في " روضة الصفا " وابن عبد البر في " الاستيعاب " وغير هؤلاء أيضا ذكروا: أن سعد بن عبادة وطائفة من الخزرج وجماعة من قريش ما بايعوا أبا بكر، وثمانية عشر من كبار الصحابة رفضوا أيضا أن يبايعوه، وهم شيعة علي بن أبي طالب وأنصاره، وذكروا أسماءهم كما يلي:
1ـ سلمان الفارسي 2ـ أبو ذر الغفاري 3ـ المقداد بن الاسود الكندي 4ـ أبي بن كعب 5ـ عمار بن ياسر 6ـ خالد بن سعيد بن العاص 7ـ بريدة الأسلمي 8ـ خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين 9ـ أبو الهيثم بن التيهان 10 ـ سهل بن حنيف 11ـ عثمان بن حنيف 12ـ أبو أيوب الأنصاري 13ـ جابر بن عبد الله الأنصاري 14ـ حذيفة بن اليمان 15ـ سعد بن عبادة 16ـ قيس بن سعد 17ـ عبد الله بن عباس 18ـ زيد بن أرقم.
وذكر اليعقوبي في تاريخه فقال: تخلف قوم من المهاجرين والأنصار عن بيعة أبي بكر، ومالوا مع علي بن أبي طالب، منهم العباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس والزبير بن العوام وخالد بن سعيد بن العاص والمقداد وسلمان وأبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر والبراء بن عازب وأبي بن كعب.
أقول:
ألم يكن هؤلاء من صفوة أصحاب النبي (ص) ومن المقربين إليه والمكرمين لديه؟! فلماذا لم يشاوروهم؟!
فإن لم يكن هؤلاء الأخيار من أهل الحل والعقد ومن ذوي البصيرة والرأي في المشورة والاختيار، فمن يكون إذن؟!!
وإذا لم يعبأ برأي أولئك كان رسول الله (ص) يشاورهم في الأمور ويعتمد عليهم، فبرأي من يعبأ، ورأي من يكون ميزانا ومعيارا لإبرام الأمور المهمة وحسم قضايا الأمة؟!

مخالفة العترة لخلافة أبي بكر
لا شك أن العترة وأهل بيت رسول الله (ص) هم أفضل الصحابة، وهم في الصف الأول والمتقدمين على أهل الحل والعقد، وإن إجماع أهل البيت عليهم السلام حجة لازمة، ليس لأحد من المسلمين ردهم بدليل الحديث النبوي الشريف المروي في كتب الفريقين أنه (ص) قال: إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا.
[ ذكرنا بعض مصادره من كتب العامة في مجلس سابق ].
فجعلهم رسول الله (ص) منار الهدى، وأمانا من الضلالة والعمى.
وقال (ص): مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى. [ ذكرنا مصادره في المجلس الثالث من هذا الكتاب ].
وقال (ص): أنا وأهل بيتي شجرة [أصلها] في الجنة، وأغصانها في الدنيا فمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فليتمسك بها(30). فجعلهم سبيل الوصول إلى الله سبحانه وتعالى.
وقال (ص): في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ألا وإن أئمتكم وفدكم إلى الله عز وجل فانظروا من توفدون!(31).
هذه الأحاديث الشريفة وأمثالها، جاءت في كتبكم، وذكرت في مسانيدكم وصحاحكم، وهي تشير إلى أن المسلمين إذا أطاعوا أهل البيت عليهم السلام واتبعوا العترة الهادية سعدوا في الدنيا والآخرة.
واتفق المؤرخون والمحدثون على أن أهل البيت وبني هاشم كلهم تخلفوا عن بيعة أبي بكر ولم يرضوا بخلافته.
فثبت أن دليلكم الأول ـ وهو الإجماع على خلافة أبي بكر ـ مردود.

تفنيد الدليل الثاني
وأما دليلكم الثاني، وهو كبر السن، إذ قلتم: إنهم قدموا أبا بكر في الخلافة لأنه أكبر سنا من علي بن أبي طالب.
صحيح أن أصحاب السقيفة استدلوا بهذا الدليل لإقناع الإمام علي عليه السلام ليبايع أبا بكر(32) ولكنه دليل ضعيف وكلام سخيف.
فلو كان كبر السن ملحوظا في المنصوب للخلافة، فقد كان في المسلمين والصحابة من هو أكبر سنا من أبي بكر، حتى إن والده أبا قحافة كان حيا في ذلك اليوم، فلم أخروه وقدموا ابنه؟!!(33).
الحافظ: إن الملحوظ عندنا كبر السن مع السابقة في الإسلام.
وقد كان أبو بكر شيخا محنكا في الأمور، ذا سابقة حسنة، وكان مقدرا ومحبوبا عند رسول الله (ص) فلا يقدم عليه علي كرم الله وجهه وهو حديث السن غير محنك في الأمور.
قلت: إن كان كذلك فلماذا قدم رسول الله (ص) عليا (ع) عليه في كثير من الأمور والقضايا؟!
منها: في غزوة تبوك، حينما عزم رسول الله (ص) أن يخرج مع المسلمين إلى تبوك وكان يخشى تحرك المنافقين في المدينة وتخريبهم، خلف عليا (ع) ليدير أمور المدينة المنورة، دينيا وسياسيا واجتماعيا، وقال له: أنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي.
وكان علي (ع) نعم الخلف، وخير مدير، وأفضل أمير.
ومنها تبليغ آيات من سورة براءة لأهل مكة حين كانوا مشركين، فقد عين النبي (ص) أبا بكر لهذه المهمة وأرسله إلى مكة وقطع مسافة نحوها، ولكن الله عز وجل أمر النبي (ص) أن يعزل أبا بكر ويعين عليا (ع) لتبليغ الرسالة، ففعل النبي (ص) وأرسل عليا (ع) فأخذ الرسالة من أبي بكر، فرجع إلى المدينة وذهب علي (ع) إلى مكة فوقف في الملأ العام من قريش ورفع صوته بتلاوة الآيات من سورة براءة وأدى تبليغ الرسالة، ونفذ الأمر، ورجع إلى المدينة(34).
ومنها: أنه (ص) بعثه إلى اليمن ليهدي أهلها إلى الإسلام، ويبلغهم الدين، ويقضي بين المتخاصمين، وقد أدى هذا الأمر على أحسن وجه.
وأمثال هذه الأخبار كثيرة، لا يسعنا المجال لذكرها، ولكن ذكرنا نماذج منها لتفنيد دليلكم وإبطال قولكم، ولكي يعرف الحاضرون أن كبر السن والشيخوخة غير ملحوظة في انتخاب خليفة النبي (ص)، وإنما الملحوظ كمال عقله وإيمانه ، واتصافه بالصفات الحميدة والفضائل المجيدة، التي تجعله مشابها ومماثلا للنبي (ص) سواء أكان خليفته شيخا أم شابا.

علي (ع) فاروق بين الحق والباطل
ودليلنا الآخر على بطلان خلافة أبي بكر أن علي بن أبي طالب (ع) رفض البيعة له وخالف ولايته.
والنبي (ص) وصف عليا (ع) بأنه الفاروق بين الحق والباطل.
فخلافة أبي بكر التي خالفها علي (ع) باطلة لا محالة.
الحافظ: إن عمر بن الخطاب هو الفاروق الأعظم، وهو أول من بايع أبا بكر وسعى في تحكيم خلافته.
قلت: الناس لقبوا عمر بالفاروق، في قبال النبي (ص) إذ لقب عليا (ع) به، وزادوا " الأعظم " في لقب عمر ليؤكدوه فيه.
الحافظ: وهل لكم دليل على أن النبي (ص) لقب عليا كرم الله وجهه بالفاروق.
قلت: وهل نقلت إلى الآن خبرا في فضل الإمام علي (ع) بغير دليل من كتبكم ومسانيدكم المعتبرة عندكم؟! وهذا الموضوع أيضا سنده ودليله في كتبكم المعتبرة ومسانيدكم الموثقة.
لقد نقل الحافظ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه " ينابيع المودة " باب 56: روى من كتاب " السبعين في فضائل أمير المؤمنين " حديث رقم 12، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله (ص): ستكون من بعدي فتنة، فإن كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب، فإنه الفاروق بين الحق والباطل.
قال: رواه صاحب الفردوس.
وأخرجه أيضا العلامة المير السيد علي الهمداني في كتابه " مودة القربى " المودة السادسة، عن أبي ليلى الغفاري، عن النبي (ص) قال: ستكون من بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا عليا، فإنه الفاروق بين الحق والباطل.
وروى العلامة الكنجي الشافعي في كتابه " كفاية الطالب " الباب الرابع والأربعين: بإسناده عن أبي ليلى الغفاري، قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: ستكون من بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا عليا، إنه أول من يراني، وأول من يصافحني يوم القيامة، وهو معي في السماء العليا، وهو الفاروق بين الحق والباطل.
قال الكنجي: هذا حديث حسن عال، رواه الحافظ في أماليه.
وروى أيضا في الباب باسناده عن ابن عباس، قال: ستكون فتنة، فمن أدركها منكم فعليه بخصلة من كتاب الله تعالى وعلي بن أبي طالب (ع)، فإني سمعت رسول الله (ص) وهو يقول: هذا أول من آمن بي، وأول من يصافحني، وهو فاروق هذه الأمة، يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة، وهو الصديق الأكبر، وهو بابي الذي أوتي منه، وهو خليفتي من بعدي.
قال الكنجي: هكذا أخرجه محدث الشام في فضائل علي عليه السلام في الجزء التاسع والأربعين بعد الثلاث مائة من كتابه بطرق شتى وأخرج شيخ الإسلام الحمويني بسنده عن علقمة بن قيس والأسود بن بريدة.
وأخرجه عنهما المير السيد علي الهمداني في آخر المودة الخامسة من كتاب " مودة القربى " باختلاف يسير في أوله، ونحن ننقل عنه..
قالا: أتينا أبا أيوب الأنصاري، قلنا: يا أبا أيوب! إن الله تعالى أكرمك بنبيك إذ أوحى إلى راحلته تبرك إلى بابك، فكان رسول الله (ص) صنع لك فضيلة فضلك بها.
أخبرنا بمخرجك مع علي (ع) تقاتل أهل لا إله إلا الله!
فقال أبو أيوب: فإني أقسم لكما بالله تعالى لقد كان والنبي (ص) معي في هذا البيت الذي أنتما فيه معي، وما في البيت غير رسول الله (ص) وعلي جالس يمينه، وأنس قائم بين يديه، إذ حرك الباب، فقال رسول الله (ص): انظر إلى الباب من بالباب؟
فقال: يا رسول الله! هذا عمار.
فقال: افتح لعمار الطيب المطيب.
ففتح أنس الباب، فدخل عمار على رسول الله (ص).
قال (ص): يا عمار ستكون في أمتي هنات حتى يختلف السيف فيما بينهم حتى يقتل بعضهم بعضا، فإذا رأيت ذلك فعليك بذلك الأصلع عن يميني ـ يعني علي بن أبي طالب ـ إ ن سلك الناس كلهم واديا وسلك علي واديا، فاسلك وادي علي وخل عن الناس.
يا عمار! علي لا يردك عن هدى، ولا يدلك على ردى.
يا عمار! طاعة علي طاعتي، وطاعتي طاعة الله.
أقول: فكانت الفتنة التي أشار إليها رسول الله (ص) وصرح بها وأفصح عنها، وهي اختلاف أصحابه بعده في أمر الخلافة، وقد بين (ص) ما عليه، من إرشاد أمته إلى الصراط المستقيم والطريق القويم، بأن يستضيئوا بنور وصيه وابن عمه علي بن أبي طالب (ع) ويتبعوه ويأخذوا جانبه، فإن الحق معه، وكان علي (ع) يخالف بيعة أبي بكر ويرفضها لأنها باطلة.
ونحن نعتقد أن السقيفة وخليفتها ما هي إلا مؤامرة نفر من قريش، أشهرهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، وإذا لم تكن مؤامرة مدبرة بين هؤلاء كان عليهم أن يخبروا الصحابة الآخرين وخاصة الإمام عليا والعباس، وكان عليهم أن يشاوروهم ويأخذوا رأيهم. فكان يتعين حينئذ خليفة رسول الله (ص) على أساس الإجماع.
الحافظ: ما كانت هناك مؤامرة، وإنما الأوضاع الراهنة كانت خطيرة للغاية، بحيث رأوا التعجيل في تعيين الخليفة أمرا ضروريا لا يجوز تأخيره، وذلك في مصلحة الإسلام والمسلمين حفظا للدين.
قلت: هل إن الثلاثة الذين سبقوا بني هاشم وغيرهم من ذوي البصيرة والرأي، وحضروا السقيفة، هل كان إحساسهم في حفظ الدين أكثر من العباس ومن علي بن أبي طالب، مع سوابقه المشرقة في الجهاد والتضحية والذب عن الإسلام ونبيه (ص)؟!!
  #22  
قديم 05-07-08, 05:27 AM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي



فإذا لم يكونوا متآمرين في سبيل نيل الخلافة، وما كانوا طامعين فيها، لكان على اثنين منهم أن يبقيا في السقيفة ويناقشا الأنصار ويهدئا الوضع، ويخرج الثالث إلى الصحابة وبني هاشم الذين كانوا في بيت النبي (ص) فيخبرهم باجتماع السقيفة، فكانوا سيشاركونهم فيها ويبدون رأيهم، ولحل الوفاق محل الاختلاف.
وصدقوني أيها الأخوة، إن كل ما نجده اليوم من افتراق المسلمين واختلافهم الذي انتهى إلى ضعفهم وكسر شوكتهم، وما حدثت من نزاعات داخلية بين المسلمين، والحروب الدامية والوقائع المخزية التي نشبت بينهم في الماضي والحاضر، كلها حصيلة يوم السقيفة ومؤامرة أولئك النفر وتعجيلهم في تعيين الخليفة.
النواب: سيدنا الجليل! ما هو السبب في تعجيل القوم؟! وما الذي حداهم إلى عدم إخبار بني هاشم والصحابة الذين كانوا مجتمعين في بيت رسول الله (ص)؟!
قلت: نحن على يقين أنهم كانوا يعلمون، لو لم يعجلوا في تعيين أحدهم بالخلافة، ولو صبروا حتى يحضر بنو هاشم وكبار الصحابة فيشاورهم في تعيين خليفة النبي (ص) ويسمع الحاضرون احتجاجهم ما عدلوا عن علي بن أبي طالب (ع) كما أن بشير بن سعد الأنصاري، وهو أول من بايع أبا بكر من الأنصار، لما سمع كلام الإمام علي (ع) وهو يحتج على أبي بكر، قال: لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر، ما اختلفت عليك!(35).
وحتى عمر بن الخطاب لم يكن موقنا بنجاح المؤامرة، وأن الخليفة الذي سينصبه هو(36) ويبادر إلى بيعته، سيصبح حاكما متمكنا، فلذلك كان يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه(37).

رد الدليل الثالث
وأما دليلكم الثالث، وهو قول عمر بن الخطاب بأن النبوة والحكم لا تجتمعان في أهل بيت واحد، فبطلانه وزيفه واضح، بدليل قوله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما)(38).
فالكلام إن كان ينسب إلى عمر فهو دليل على عدم إحاطته بالآيات القرآنية ومفاهيمها!
وان كان عمر يرويه عن رسول الله (ص) فهو حديث مجعول، لأنه مخالف لكتاب الله الحكيم.
ثم نحن نعتقد بأن الخلافة تالية للنبوة ولازمة لها، فلا يطلق عليها اسم الحكومة والسلطنة، لأن سلطنة الخليفة لا تكون كسلطة الملوك وحكومتهم.
ثم إن خلافة النبوة عندنا كخلافة هارون لأخيه موسى بن عمران حيث قال سبحانه وتعالى في كتابه: (وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي واصلح)(39).
فإن يكن عندكم، أنه يحق للمسلم أن ينفي خلافة هارون لموسى، فإنه يحق له أيضا عزل علي عليه السلام من خلافة خاتم النبيين (ص).
فكما إن النبوة والخلافة اجتمعتا في أهل بيت عمران والد موسى وهارون، كما ينص القرآن فيه، كذلك اجتمعتا للنبي (ص) وعلي عليه السلام في بيت عبد المطلب، بالنصوص الكثيرة، منها: حديث المنزلة، وقد ذكرنا مصادره وتكلمنا حوله في الليالي الماضية.
ثم إن عمر بن الخطاب لما جعل عليا عليه السلام أحد الستة الذين عينهم في شورى الخلافة من بعده، قد ناقض حديثه بعمله، وإضافة إلى تناقض عمر، تناقض اعتقادكم لهذا الحديث، إذ أنكم إن تعتقدون بصحة كلام عمر في هذا المجال، فكيف تعتقدون بخلافة علي عليه السلام في الدور الرابع؟!! وهذا تناقض بين(40).
الشيخ عبد السلام: إن الكلام والنقاش حول هذا الموضوع لا يزيد المسلمين إلا افتراقا، وابتعادا لذلك نقول: كيفما كان الأمر فنحن ما كنّا في ذلك اليوم، وما حضرنا السقيفة حتى نلمس الأمر ونتحسس الأحداث، فنجد أنفسنا اليوم أمام أمر واقع، وقد حصل عليه الإجماع تدريجيا، فلا يجوز لنا أن نخالفه، بل يجب على كل مسلم أن يخضع له ويستسلم للأمر الواقع.
قلت: أما نحن فنقول: لا يجوز لأحد من المسلمين أن يعتقد بشيء من غير دليل شرعي، ويجب على كل مسلم أن يتبع الحق لا أنه يستسلم للأمر الواقع، فكم من ضلال وباطل قائم في الدنيا، فهل يجوز لمسلم أن يتبعه ويتقبله، ثم يقول: إنه أمر واقع وليس لنا إلا أن نستسلم للأمر الواقع؟!
فالإسلام دين تحقيق لا دين تقليد.
قال سبحانه وتعالى: (فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)(41).
فهل قول عمر أحسن أم قول رسول الله (ص)؟!
فهل يجوز لمسلم أن يترك هذه النصوص الجلية، والأحاديث النبوية المروية عن طرقكم، والمذكورة في كتبكم المعتبرة عندكم في شأن الإمام علي عليه السلام، وأن الحق بجانبه وهو مع الحق متلازمان لا يفترقان، ثم يتمسك بقول عمر بن الخطاب فيعتقد بخلافة أبي بكر، مع العلم بأن عليا عليه السلام أعلن بطلانها، وهو علم الهدى والكمال، والفاروق، بين الحق والضلال، فلذلك تبعه بنو هاشم وكثير من الصحابة، فأبوا أن يبايعوا لأبي بكر.
[ علا صوت المؤذن لصلاة العشاء فقطعنا الحديث، وبعد الفراغ من صلاة العشاء وبعد تناول الشاي ]..
افتتح الحافظ الكلام قائلا: لقد كررتم الكلام بأن عليا كرم الله وجهه وبني هاشم وكثير من الصحابة رضي الله عنهم، لم يرضوا بخلافة أبي بكر ولم يبايعوه، ونحن نرى التواريخ كلها اتفقت على أن سيدنا عليا وبني هاشم وجميع أصحاب رسول الله (ص) بايعوا أبا بكر.
قلت: نعم بايعوا.. ولكن كيف تمت البيعة؟!
أما قرأتم في كتب التاريخ والحديث أن عليا عليه السلام وبني هاشم وكثيرا من كبار الصحابة، ما بايعوا إلا بعد ستة اشهر بالتهديد والجبر، إذ جردوا السيف على رأس الإمام علي عليه السلام وهددوه بالقتل إن لم يبايع!
الحافظ: إني أعجب من جنابك، كيف تتفوه بهذا الكلام الذي ما هو إلا أساطير جهلة الشيعة والعوام، وقد أكد غير واحد من المؤرخين أن سيدنا عليا كرم الله وجهه بايع أبا بكر في خطبة خطبها من غير جبر وإكراه.
قلت: ولكن الخبر الذي اتفق عليه أعلامكم من أصحاب الصحاح والمؤرخين، وصرح به البخاري في صحيحه 3/37 باب غزوة خيبر، ومسلم بن الحجاج في صحيحه 5/154 باب قول النبي (ص): لا نورث، مسلم بن قتيبة في الإمام ة والسياسة: 14، والمسعودي في مروج الذهب 1/414، وابن أعثم الكوفي في الفتوح، وابو نصر الحميدي في الجمع بين الصحيحين، أخرجوا: أن عليا وبني هاشم لم يبايعوا إلا بعد ستة أشهر.
وروى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 6/46 عن الصحيحين عن الزهري، عن عائشة...... فهجرته [ أبا بكر ] فاطمة ولم تكلمه في ذلك حتى ماتت، فدفنها عليا ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر، وفي الخبر: فمكثت فاطمة ستة أشهر ثم توفيت.
فقال رجل للزهري: فلم يبايعه علي ستة اشهر؟!
قال: ولا أحد من بني هاشم، حتى بايعه علي.
وذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة، صفحة 13(42)، تحت عنوان " كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه " قال: وإن أبا بكر (رض) تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه، فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها!
فقيل له: يا أبا حفص! إن فيها فاطمة!
فقال: وإن....
وبعد عدة أسطر يقول: فدقوا الباب فلما سمعت أصواتهم، نادت بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول الله! ما ذل لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة!
فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين، وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا(43) عليا فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع.
فقال: إن لم أبايع فمه؟!
قالوا: إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك!
قال: إذن تقتلون عبد الله وأخا رسوله.
قال عمر: أما عبد الله فنعم، وأما أخو رسوله فلا.
وأبو بكر ساكت لا يتكلم، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟!
فقال: لا أكرهه على شيء ما دامت فاطمة إلى جنبه.
فلحق علي بقبر رسول الله (ص) يصيح ويبكي وينادي (قال ابن أم إن القوم استضعفوني ثم كادوا يقتلونني)(44).
بعدما سمعت هذا الخبر، إعلم بأن كلامك كذب وزور وافتراء علينا ، لأنك تعلم بأن هذا الخبر ليست من أساطير جهلة الشيعة وعوامهم، بل مما نقله كثير من أعلامكم وعلمائكم في كتبهم المعتبرة لديكم.
واعلم أن مسؤوليتكم ـ أنتم العلماء ـ خطيرة تجاه الجهلة والعوام ، لأنهم يأخذون منكم وينقلون عنكم،وقد قيل: إذا فسد العالِم فسد العالَم.
الحافظ: مقصودنا من أساطير الشيعة، هي الأخبار الكاذبة التي وضعوها، مثل هجوم القوم على بيت فاطمة الزهراء، وحرق الباب، وضربها حتى سقط جنينها، وأن عليا أخرجوه من الدار قهرا، وأخذوا منه البيعة جبرا، وأمثال هذه الأخبار المجعولة التي تتناقلها الشيعة في مجالسها بلوعة وحنين وحرقة الواله الحزين.
قلت: إما أن معلوماتكم التاريخية ومطالعاتكم لهذه القضايا ضعيفة، وإما تعرفون وتحرفون!
ثم تبعا لأسلافكم، تتهمون الشيعة المظلومين بوضع الأخبار وجعل الحديث، وأتباعكم الغافلون يصدقونكم فيحسبون الشيعة كذلك، بينما هذه الأخبار التي تنكرها وتقول إنها أساطير الشيعة، كلها مذكورة في كتبكم، ومنقولة من طرقكم ورجالكم.
وسأنقل بعضها، حسب اقتضاء الوقت والمجلس، حتى يعرف الحاضرون المنصفون، صدق كلامي، ويتبين لهم، أنك حائف، وكلامك زائف، ومقالك جائف.

وثائق تاريخية
لقد أشار المحدثون والمؤرخون إلى هذه الحوادث الأليمة في الأخبار، وبعضهم صرحوا وشرحوها بالتفصيل وبعضهم باختصار، بحيث لم يبق لأحد مجال للإنكار، وإليكم بعض الوثائق التاريخية التي تكون عندكم محل الوثوق والاعتبار:
1ـ أحمد بن يحيى البغدادي، المعروف بالبلاذري، وهو من كبار محدثيكم، المتوفي سنة 279، روى في كتابه أنساب الأشراف 1/586، عن سليمان التيمي ، وعن ابن عون: أن أبا بكر أرسل إلى علي عليه السلام، يريد البيعة، فلم يبايع.
فجاء عمر ومعه فتيلة ـ أي شعلة نار ـ فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا بن الخطاب! أتراك محرقا علي بابي؟!
قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك!!
2ـ روى ابن خذابه في كتابه " الغدر " عن زيد بن أسلم قال: كنت من حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة حين امتنع علي واصحابه من البيعة، فقال عمر لفاطمة: اخرجي كل من في البيت أو لأحرقنه ومن فيه!
قال: وكان في البيت علي وفاطمة والحسن والحسين وجماعة من أصحاب النبي (ص).
فقالت فاطمة: أفتحرق علي ولدي!!
فقال عمر: إي والله، أو ليخرجنّ وليبايعنّ!!
3ـ ابن عبد ربه في العقد الفريد 2/ 205 ط المطبعة الأزهرية، سنة 1321هجرية، قال: الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر، علي، والعباس، والزبير، وسعد بن عبادة.
فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر، عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم!
فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة، فقال: يا بن الخطاب: أجئت لتحرق دارنا؟!
قال: نعم، أو تدخلوا في ما دخلت فيه الأمة!!
4ـ محمد بن جرير الطبري في تاريخه 3/203 وما بعدها، قال: دعا عمر بالحطب والنار وقال: لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقنها على من فيها.
فقالوا له: إن فيها فاطمة!
قال: وإن!!
5ـ ابن الحديد في شرح نهج البلاغة 2/56 روى عن أبي بكر الجوهري ، فقال: قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، والمقداد بن الأسود أيضا، وأنهم اجتمعوا على أن يبايعوا عليا عليه السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، وخرجت فاطمة تبكي وتصيح.. إلى آخره.
وفي صفحة 57: قال أبو بكر: وحدثنا عمر بن شبة بسنده عن الشعبي ، قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟! فقيل عند علي وقد تقلد سيفه.
فقال: قم يا عمر! قم يا خالد بن الوليد! انطلقا حتى تأتياني بهما.
فانطلقا، فدخل عمر، وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟!
فقال: نبايع عليا.
فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه وقال: يا خالد! دونكه فأمسكه.
ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر!
فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة وقالت: يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله!......إلى آخره.
وقال ابن الحديد في صفحة 59 و60: فأما امتناع علي عليه السلام من البيعة حتى أخرج على الوجه الذي أخرج عليه. فقد ذكره المحدثون ورواه أهل السير ، وقد ذكرنا ما قاله الجوهري فيلا هذا الباب، وهو من رجال الحديث ومن الثقات المأمونين، وقد ذكر غيره من هذا النحو ما لا يحصى كثرة.
6ـ مسلم بن قتيبة بن عمرو الباهلي، المتوفى سنة 276 هجرية، وهو من كبار علمائكم له كتب قيمة منها كتاب " الإمام ة والسياسة " يروي في أوله قضية السقيفة بالتفصيل، ذكر في صفحة 13 قال: إن أبا بكر تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها.
فقيل له: يا أبا حفص! إن فيها فاطمة! فقال: وإن!.... إلى آخره.
7ـ أبو الوليد محب الدين بن شحنة الحنفي، المتوفي سنة815 هجرية ، وهو من كبار علمائكم، وكان قاضي حلب، له تاريخ " روضة المناظر في أخبار الأوائل والأواخر " ذكر فيه موضوع السقيفة، فقال: جاء عمر إلى بيت علي بن أبي طالب ليحرقه على من فيه.
فلقيته فاطمة، فقال عمر: أدخلوا في ما دخلت الأمة... إلى آخره(45).
هذه نماذج من الأخبار المروية في كتبكم، حتى إن بعض شعرائكم المعاصرين ذكر الموضوع في قصيدة يمدح فيها عمر بن الخطاب، وهو حافظ إبراهيم المصري المعروف بشاعر النيل، قال في قصيدته العمرية:
وقولة لعلي قالها عــمـرأكـرم بسامعها أعظم بملقيهاحرقت دارك لا أبقي عليك بهاإن لم تبايع وبنت المصطفى فيهاما كان غير أبي حفص يفوه بهاأمام فارس عدنان وحـاميهاالحافظ: هذه الأخبار كلها تنبئ بأن عمر بن الخطاب أمر بالحطب وجاء بالنار وهدد بإحراق البيت على من فيه، ليفرق اجتماع المخالفين لبيعة الخليفة ، فأراد أن يرهبهم ويخوفهم.
ولكنكم زدتم أخبارا لا أصل، فقلتم إنهم أحرقوا الباب وعصروا فاطمة وضربوها حتى أسقطوا جنينها المسمى محسنا.
هذه الأخبار، من أكاذيب الشيعة ولا أصل لها أبدا، وما أظن أحدا من المؤرخين ذكرها.
قلت: أسأل الله تعالى أن يهديك إلى الحق ويكشف لك الحقيقة، إنك نسبتنا إلى الكذب، وافتريت علينا جعل الأخبار غير مرة، وفي كل ذلك اتضح للحاضرين زيف كلامك وبطلان رأيك، وفي هذه المرة أيضا، أذكر مصادر هذه الأخبار التي تنكرها، من كتبكم المعتبرة ومصادركم المشتهرة، حتى يعرف الحاضرون صدقنا، وتعترف أنت بأن الحق معنا.

فاجعة سقط الجنين
1ـ ذكر المسعودي صاحب تاريخ " مروج الذهب " المتوفي سنة 346هجرية، وهو مؤرخ مشهور ينقل عنه كل مؤرخ جاء بعده، قال في كتابه " إثبات الوصية " عند شرحه قضايا السقيفة والخلافة: فهجموا عليه [ علي عليه السلام ] وأحرقوا بابه، واستخرجوه كرها وضغطوا سيدة النساء بالباب حتى أسقطت محسنا!!
نعم، إن إسقاط جنين فاطمة عليها السلام وقتل ولدها " محسن " عند هجوم القوم لأخذ البيعة من الإمام علي عليه السلام، أمر ثابت، إلا أن أكثر مؤرخيكم سكتوا عنه ولم ينقلوه، لحبهم للشيخين، وسترا على سوء فعلهما وهتكهما لبيت الرسالة وحريم العترة، ومع ذلك فقد جرت أقلام بعضهم وسجلت ما حدث وجرى، لأن الله سبحانه يريد أن يتم الحجة عليكم وعلى كل المسلمين، ويريد أن يكشف الحقائق للجاهلين والغافلين، فاستمعوا أيها الحاضرون!
2ـ قال الصفدي في كتاب " الوافي بالوفيات 6/76 " في حرف الألف، عند ذكر إبراهيم بن سيار، المعروف بالنظّام، ونقل كلماته وعقائده، يقول: إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت المحسن من بطنها!
3ـ ونقل أبو الفتح الشهرستاني في كتابه الملل والنحل 1/57: وقال النظّام(46): إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها. وكان يصيح [عمر]: احرقوا دارها بمن فيها!!
وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين.
انتهى كلام الشهرستاني.
4ـ ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 14/193 ط. دار احياء الكتب العربية، بعدما ينقل خبر هبار بن الأسود وترويعه زينب بنت رسول (ص) حتى أسقطت جنينها، فأباح النبي (ص) دم هبار لذلك قال:
وهذا الخبر أيضا قرأته على النقيب أبي جعفر رحمه الله فقال: إذا كان رسول الله (ص)، أباح دم هبار بن الأسود لأنه روع زينب فألقت ذا بطنها، فظهر الحال أنه لو كان حيا لأباح دم من روع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها... إلى آخره.
هذه البعض المصادر التي ظفرنا بها في نقل الأخبار التي تنكرونها وتتهمون الشيعة المؤمنين بجعلها!
الحافظ: في نظرنا أن نقل هذه الأخبار لا فائدة فيها سوى التفرقة وتشتت المسلمين.

يلزم الدفاع عن المظلوم وإثبات حقه
قلت:
أولا: قولوا لعلمائكم ومؤرخيكم لماذا ذكروا هذه الأخبار! ثم ردوا على شاعر النيل قصيدته العمرية وعاتبوه عليها وحاكموه على تلك الأبيات التي يتفاخر فيها ويتباهى بتلك الوقائع الأليمة والفجائع العظيمة ويعدها من فضائل القوم!!
ثانيا: وأما نحن فننقلها عنكم لإقامة الحجة عليكم (فلله الحجة البالغة)(47).
ولكي لا ينحرف التاريخ، فنعرف الحق حقا والباطل باطلا، والمظلوم مظلوما والظالم ظالما.
ثالثا: نحن ننقل هذه الأخبار عندما نواجه هجماتكم وحملات بعض المنسوبين إليكم من أصحاب الأقلام التي ما هي إلا أجيرة للأعداء لتبث البغضاء والشحناء بين المسلمين، فتتهم الشيعة الأبرياء والمؤمنين الأوفياء بالكفر والشرك! وتحرك علينا مشاعر العامة وخاصة الجاهلين والغافلين.
ونحن دفاعا عن مذهبنا ومعتقدنا، نبين الوقائع، ونكشف عن الحقائق، حتى يعرف الجميع أن عليا (ع) مع الحق والحق معه، ونحن أتباعه وشيعته، نشهد أن لا إله إلا الله جل جلاله، وأن محمدا رسول الله (ص)، ونقول في علي بن أبي طالب (ع) ما قاله رسول الله (ص) وذلك نقلا من كتبكم المعتبرة ومصادركم المشهورة، فنشهد بأن عليا (ع) عبد الله، ووليه، وأخو رسول الله، ووصيه، وهو خليفته الذي نص عليه بأمر الله تعالى.
أما في جواب قولكم بأن هذه الأخبار لا فائدة فيها سوى التفرقة وتشتت المسلمين.
فأقول: أنتم البادئون والعادون والمهاجمون ونحن مدافعون، فانتهوا وامنعوا أصحابكم عن التعرض وعن الكذب والافتراء علينا، حتى نسكت عن نقل هذه الأخبار.
الحافظ: أنا لا أوافق الذين يرمون الشيعة بالكفر والشرك، ولكني لا أسكت أيضا على بعض الأخبار المروية في كتبكم، والتي تنسبونها إلى رسول الله (ص) وهي تفسح مجال العصيان للعباد، فيعملون بالذنوب اتكالا على تلك الأخبار والأحاديث.
قلت: رجاء! بين تلك الأخبار، فربما نصل معكم إلى حل وتفاهم.

شبهات وردود
الحافظ: ذكر العلامة المجلسي وهو واحد من أكبر علمائكم ومحدثيكم، في كتابه " بحار الأنوار " راويا عن رسول الله (ص) أنه قال: حب علي حسنة لا تضر معها سيئة.
وروى عنه (ص): من بكى على الحسين وجبت له الجنة.
هذه الأخبار ونظائرها كثيرة في كتبكم، وهي تسبب فساد الأمة وانتشار الذنوب والمعاصي.
قلت: لو كان الأمر كذلك للزم أن نرى أهل السنة والجماعة مبرئين من الذنوب، وبعيدين عن الحوب، بينما نرى البلاد التي يسكنها أهل السنة قد انتشرت فيها الذنوب الكبيرة، وشاعت فيها معاصي كثيرة، وكثير منهم يتجاهرون بالفسوق والفجيرة! فهذه عواصمكم مثل بغداد والقاهرة ودمشق وبيروت وعمان والجزيرة وغيرها، تتسابق في تأسيس مراكز المعاصي والفجور، ومحلات القمار، وحانات الخمور.
فهل ترضون أن ننسب هذه المخازي والفسوق إلى مذهبكم وضعف مبادئكم ؟!
هل تقبلون منا لو قلنا: إن السبب في انتشار الفحشاء والفجور، وعدم التحرج في شرب النبيذ والخمور، هو فتاوى علمائكم؟!!
لأن بعضهم أفتى بطهارة الكلب وأحل أكله.
وبعضهم أفتى بطهارة المني والخمر وعرق الجنب من الحرام.
وبعضهم أفتى بجواز اللواط في السفر!
وبعضهم أفتى بنكاح المحارم، الأم ومن دونها، بشرط أن يلف القضيب بالحرير!!
هذه الفتاوى وأمثالها تسبب تجرؤ العوام والجاهلين على ارتكاب المعاصي وعمل الفسق والفجور.
ولذلك فإن علماءنا يحرمون تلك الأعمال القبيحة ولا يجيزونها بأي حال من الأحوال.
الحافظ: هذه المسائل التي ذكرتها، كلها أكاذيب، وللأسطورة أقرب منها إلى الحقيقة، وهي من مفتريات الشيعة!

أبيات شعر للعلامة الزمخشري
قلت: أنت أعرف بحقيقة مقالي والعلماء الحاضرون أيضا يعلمون بصدقي، ولكن يصعب عليكم الإقرار، والخجل يدعوكم إلى الإنكار، وإلا كيف يمكن لعالم ديني ـ مثلكم ـ يجهل هذه المسائل التي ذكرها وأفتى بها بعض علمائكم ثم نقلها عنهم بعض أعلامكم وانتقدوها؟!
وأذكر لك نموذجا من كتبكم ليكون دليلا على كلامنا، راجع تفسير الكشاف 3/301 للعلامة الكبير جار الله الزمخشري، فإنه يقول:
إذا سألوا عن مذهبي لم أبح بهوأكتمــه، كتمانه لي أسلمفإن حنفيا قلت، قالوا بأننيأبيح الطلا وهو الشراب المحرموإن مالكيا قلت، قالوا بأننيأبيح لهم أكل الكلاب وهم هموإن شافعيا قلت، قالوا بأننيأبيح نكاح البنت والبنت تحرموإن حنبليا قلت، قالوا بأننيثقيل حلولي بغيض مجسموإن قلت من أهل الحديث وحزبهيقولون: تيس ليس يدري ويفهمتعجبت مـن هذا الزمان وأهلهفما أحد من ألسن الناس يسلموأخرني دهري وقدم معشراعلى أنهم لا يعلمون وأعلمفنرى هذا العالم والمفسر يخجل أن ينسب نفسه إلى أحد المذاهب الأربعة! لوجود تلك الآراء الفاسدة والفتاوى الباطلة فيها، ثم إنكم تريدون منا أن نتبع تلك المذاهب ونترك مذهب أهل بيت النبوة والعترة والصفوة الطاهرة!
فلنخرج من هذا الإطار ونتابع موضوع الحوار.
فأقول: أما الخبر الذي ذكرته من " بحار الأنوار " لم تنفرد الشيعة بنقله، فإن علمائكم وأعلامكم نقلوه أيضا ونقلوا أمثاله في كتبهم المعتبرة.

إسناد حديث حب علي حسنة
لقد ذكر هذا الحديث كثير من أعلامكم وأيدوه، منهم:
الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، والخطيب الخوارزمي في آخر الفصل السادس من كتابه " المناقب " والشيخ القندوزي الحنفي في الباب 43 من كتابه " ينابيع المودة " وأيضا في الباب 56 نقله عن الديلمي، قال: حب علي حسنة لا تضر معها سيئة ، حب علي براءة من النار، حب علي يأكل الذنب كما يأكل النار الحطب، حب علي براءة من النفاق.
وفي المناقب السبعين (48) خرجه عن ابن عباس في الحديث رقم 33، قال: قال رسول الله (ص): حب علي بن أبي طالب يأكل الذنوب كما تأكل النار الحطب.
وفي الحديث رقم 59، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله (ص) : حب علي بن أبي طالب حسنة لا تضر معها سيئة، وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنة.
رواهما صاحب " الفردوس ".
ورواه المحدث والفقيه الشافعي المير السيد علي الهمداني في كتابه " مودة القربى " في المودة السادسة عن ابن عباس، قال: حب علي يأكل الذنوب كما تأكل النار الحطب.
وعنه أيضا: حب علي براءة من النار.
ورواه محب الدين الطبري في " ذخائر العقبي " الحديث رقم 59 من الأحاديث السبعين التي رواها في فضائل أهل البيت (ع).
ورواه محمد بن طلحة في مطالب السؤول.
والعلامة الكنجي والشافعي في كتاب " كفاية الطالب في مناقب مولانا علي بن أبي طالب ".
ثم إن كان عقلكم وعلمكم لا يصل إلى معنى حل الحديث كهذا وأمثاله ، فأنصحكم ألا تطعنوا فيه ولا تردوه، بل يجب أن تسألوا عن حله ومعناه وتفسيره ممن هو أعلم، قال تعالى: (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(49).
وطالما أن هذا الحديث وأمثاله لا يعارض كتاب الله سبحانه فليس لأحد من المسلمين إنكاره.
الحافظ: كيف لا يعارض كتاب الله وهو سبب تجرؤ الناس على المعاصي!
قلت: لا تعجل حتى أبين لك كيف لا يعارض الكتاب الكريم، فإن الله تعالى يقسم الذنوب في القرآن إلى قسمين، صغائر وكبائر.
وهو يعبر في بعض الآيات عن الصغائر بالسيئة، في حين يعبر عن الكبائر بالذنوب، كما في سورة النساء، الآية 31، قال تعالى:
(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما).
فالآية تصرح بأن عبدا لو اجتنب الكبائر وارتكب الصغائر، فإن الله عز وجل يعفو عنه، ويدخله الجنة، والحديث الذي تنكروه لا يصرح بأكثر من هذا.
فإن حب علي (ع) حسنة عظيمة عند الله سبحانه بحيث لا تضر معها السيئات، يعني الصغائر.
الحافظ: إن هذا التفسير والتقسيم لا يكون على أساس علمي (50).
لأن الله تعالى يقول: (إن الله يغفر الذنوب جميعا)(51) فالعبد العاصي إذا تاب واستغفر الله سبحانه فإنه يغفر كل ذنوبه سواء أكانت من الكبائر أم الصغائر.
قلت: أظنك ما دققت النظر في الآية الكريمة التي تلوتها عليك، وإلا ما كنت تورد إشكالا على كلامي، لأن الذي قسم المعاصي إلى كبائر وصغائر وفرق بينهما هو الله تعالى، لا أنا.
ثم اعلم بأننا نعتقد ـ مثلكم ـ بأن الله تعالى يغفر الذنوب جميعا، فكل عبد عاص إذا تاب وندم وعمل بشرائط التوبة، فإن الله سبحانه يغفر ذنوبه ويعفو عنه، ولكن إذا لم يتب فيعاقبه الله تعالى بعد الموت في عالم البرزخ، فإذا لاقى عقاب ذنوبه قبل يوم الحساب، يساق إلى الجنة في يوم المعاد، وإلا فيقضى عليه فيلقى في جهنم ليرى جزاء عمله هناك.
والعبد المؤمن إذا ارتكب الصغائر ومات من غير توبة فإنه كان يحب الإمام عليا (ع) يغفر الله تعالى له ويعفو عنه ويدخله الجنة، قال سبحانه: (وندخلكم مدخلا كريما)(52).
فلا أدري لماذا تعتقد بأن هذا الحديث الشريف " حب علي حسنة لا تضر معها سيئة " يسبب تجرؤ الشيعة على المعاصي!!.
هل الحديث يأمر بارتكاب الذنوب؟! لا..
فأثر هذا الحديث في المسلمين كأثر آيات القرآن الحكيم التي تعد العباد المذنبين بقبول التوبة وغفران ذنوبهم.
فكما إن آيات التوبة والمغفرة تبعث الرجاء برحمة الله تعالى في قلوب العباد وتزيل اليأس عن نفوس العصاة، كذلك هذا الحديث الشريف وأمثاله، فإنه يوقف المحب عند السيئات ويصده عن الكبائر الموبقات، لأن إطاعة الحبيب من لوازم الحب.
قال الإمام الصادق، وهو إمامنا جعفر بن محمد (ع): إن المحب لمن يحب مطيع، فالشيعي يعرف هذا فلذلك لا يرتكب الذنوب والمعاصي اتكالا على حبه للإمام علي (ع) بل يجتهد في الطاعة إمامه ومتابعته، لإثبات صدقه في الحب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).
نعم، هناك بعض المحبين الذين يحسبون أنفسهم من الشيعة يرتكبون بعض الذنوب مثل كثير من أهل السنة والجماعة فلا يكون عملهم السيئ بسبب حبهم أو بسبب حديث النبي (ص) فإن الإنسان بطبعه يكون مطيعا لهواه ومجيبا لنفسه الأمارة كما قال سبحانه وتعالى حكاية عن يوسف الصديق: ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم) (53).
وأما الشيعي هو الذي يعزم على أن يخطو ويسير في الطريق الذي سار فيه الأئمة الهداة من أهل البيت (ع) ويلتزم بنهجهم ويعمل برأيهم.
  #23  
قديم 05-07-08, 05:28 AM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي



وقد ذكرنا في الليالي السالفة بعض الأحاديث النبوية في حقهم، حيث بشرهم رسول الله (ص) بالجنة، فقال (ص): " يا علي! أنت وشيعتك الفائزون في الجنة " وذكرنا مصادر هذا الحديث الشريف وأمثاله من كتبكم المعتبرة وطرقكم المتواترة، وبشارة النبي (ص) لشيعة علي (ع) بالجنة أمر ثابت لا ينكره إلا الجاهل المعاند المتعصب الجاحد.
وإن إشكالك على حديث " حب علي حسنة لا تضر معها سيئة " يرد على تبشير النبي (ص) شيعة علي (ع) بالجنة أيضا.
لأن الشيعي إذا عرف أنه من أهل الجنة يرتكب الذنوب ولا يبالي، فإشكالك على رسول الله (ص) موجب للكفر، وهو مردود بالأدلة التي أقمناها.
ولب الكلام: إن الشيعي هو الذي يسير على أثر مسير أهل البيت (ع)، فيعمل بما عملوا، ويجتنب عما اجتنبوا، ولما لم يكن معصوما، ربما ارتكب ذنبا وعمل إثما ولم يوفق للتوبة فمات، فإن الله عز وجل يعفو عن ذنبه ويغفر له كرامة لعلي بن أبي طالب (ع) وحبه إياه، والله غفور رحيم.

البكاء على الحسين (ع) سنة نبوية
وأما الحديث الشريف " من بكى على الحسين وجبت له الجنة "... كلنا نعلم أن رسول الله (ص) بكى على مصائب ولده الحسين (ع) قبل أن تقع، فأخبر بها أصحابه وهو يبكي، وقد تواترت بذلك الأخبار المروية عن طرقكم والتي نقرأها في كتبكم (54).
فالبكاء على الإمام الحسين (ع) سنة رسول الله (ص) والالتزام بسنة رسول الله (ص) يوجب دخول الجنة، بشرطها وشروطها.
فكما إن الله تعالى وعد التائبين بالعفو والمغفرة والجنة ولكن مع شرائط، فلا تقبل توبة كل من قال: أستغفر الله وأتوب إليه إلا أن يرد حقوق الناس إليهم، ويقضي ما فاته من الفرائض ومن حقوق الله سبحانه، ويندم على ما ارتكب من المعاصي، ويعزم على أن لا يعصي.. إلى آخر الشرائط اللازمة المذكورة في الأخبار والروايات.
كذلك: من بكى على الحسين (ع) ـ مع الشرائط ـ وجبت له الجنة، ومن الشرائط السعي لتحقيق أهداف الحسين (ع) وتطبيقها في نفسه وفي المجتمع، وإلا فإن المؤرخين ذكروا أن سكينة بنت الحسين (ع) حينما جلست عند نعش أبيها، تكلمت بكلمات أبكت والله كل عدو وصديق.
وقالوا: إن الحوراء زينب لما خاطبت عمر بن سعد و قالت له: يا بن سعد! أيقتل أبا عبدالله وأنت تنظر إليه؟!! ترقرقت دموعه وسالت على لحيته.
فهل ابن سعد والأعداء الذين بكوا يوم عاشوراء، وجبت لهم الجنة؟!
لا، لأن الشرائط ما كانت متوفرة فيهم(55).
الحافظ: إذا كان المسلم ملتزما بأصول الإسلام وعاملا بأحكام الدين فهو من أهل الجنة، سواء أبكى على الحسين أم لم يبك، فلا أرى فائدة للمجالس التي تنعقد في بلاد الشيعة وهم يصرفون أموالا طائلة ليجتمعوا ويبكوا على الحسين! إنه عمل مخالف للعقل!!

فوائد المجالس الحسينية
قلت:
أولا: الإنسان مهما كان ملتزما بأصول الإسلام، وعاملا بالأحكام، فلا يكون معصوما من الذنوب والآثام، فربما زلت به الأقدام، وسقط في مهاوي النفس والشيطان، وخالف أمر الله العزيز المنان.
فلكي لا ييأس من الله الكريم الرحمن،ويرجو منه اللطف والإحسان ، ويسأل منه العفو والغفران، فتح له باب التوبة والإنابة ليشعر بالأمان.
وأمر الله عز وجل عباده أن يتوسلوا إليه في التوبة والاستغفار وقضاء حوائجهم، بقوله تعالى: ( وابتغوا إليه الوسيلة)(56) ويصف أنبياءه فيقول: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا)(57).
ثم بين النبي (ص) الوسائل التي يتوسل بها إلى الله سبحانه، منها حب علي بن أبي طالب (ع) ومنها البكاء على الحسين ومنها خدمة الوالدين، ومنها الجهاد في سبيل الله، ومنها العطف على الأيتام، وغير ذلك.
فالمؤمن إن كان بريئا من الذنب، فهذه الوسائل تسبب رفع درجاته في الجنة، وإن كان مرتكبا بعض السيئات والذنوب فهذه الوسائل تسبب له المغفرة وتجلب له رضا ربه عز وجل.
ثانيا: وأما فوائد المجالس الحسينية فهي كثيرة جدا، ولكنك حيث لم تحضرها ولم تكن من المباشرين والعاقدين لها، فلا ترى فوائدها ولا تدرك بركاتها.
ولما كنت بعيدا عنها وجاهلا بفلسفتها، فليس لك أن تقول: إنه عمل مخالف للعقل! بل العقل السليم يخالف كلامك، والوجدان القويم ينقض بيانك، فقد تسرعت في الحكم على شيء ما عرفت مغزاه، ولما أدركت منتاه.
فلو كنت تحضر هذه المجالس مع الشيعة، وتستمع إلى كلام خطبائها الكرام، لعرفت فوائدها الجمة التي منها:
1ـ هذه المجالس تكون كالمدارس، فإن الخطيب يلقي على الحاضرين فيها أحكام الدين، والتاريخ الإسلامي، وتاريخ الأنبياء وأممهم، ويتناول تفسير القرآن الحكيم، ويتكلم حول التوحيد والعدل الإلهي والنبوة والإمامة والمعاد، وأخلاق المسلم وما يجب أن يتصف به المؤمن، ويبين للمستمعين فلسفة الأحكام وعلل الشرائع ومضار الذنوب، ويقايس الإسلام بسائر الأديان ويثبت بالدليل والبرهان تفوقه وامتيازه على المذاهب والأديان.
2ـ يشرح الخطيب سيرة رسول الله (ص) وتاريخ حياته وسيرة أهل بيته والعترة الهادية والصحابة والصالحين، فيلفت الخطيب أنظار مستمعيه إلى النقاط المشرقة الهامة من ذلك التاريخ، فيأخذ الحاضرون دروسا وعبرا منه يطبقونها في حياتهم الشخصية وسيرتهم الاجتماعية.
3ـ يتناول الخطيب تاريخ النهضة الحسينية، ويبين أسبابها وأهدافها. ويشرح آثارها والدروس التي يجب على المسلم أن يأخذها من تلك النهضة المقدسة، ويدعو الخطيب المستمعين إلى تطبيق أهداف الحسين (ع) وإحياء ثورته وتكرارها ضد الظلم والظالمين في كل زمان ومكان.
4ـ في كل عام يهتدي كثير من الضالين والعاصين، فيتوبون إلى الله تعالى، ويسلكون الصراط المستقيم، ويصبحون من الصالحين المهتدين، حتى إن في بعض البلاد التي تسكنها الشيعة والكفار مثل بلاد الهند والبلاد الأفريقية، أسلم كثير منهم بعدما حضروا في المجالس الحسينية وعرفوا تاريخ الإسلام وأحكامه وسيرة رسول الله (ص) وأخلاقه الحميدة.
وهذا جانب من معنى الحديث النبوي الذي نقله علماؤكم أيضا في الكتب المعتبرة، قال رسول الله (ص): حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط (58).
فمعنى: " وأنا من حسين " لعله يكون: إن الحسين والمجالس التي تنعقد باسمه ولأجله هو السبب في إحياء ديني وإبقائه، فالحسين (ع) بنهضته المباركة فضح بني أمية وكشف واقعهم الإلحادي، وحال بينهم وبين الوصول إلى أهدافهم العدوانية ونياتهم الشيطانية التي كانت ستقضي على الدين الحنيف ورسالة خاتم الأنبياء (ص).
واليوم يمر أكثر من ألف عام على إقامة مجالس عظيمة ومحافل كريمة باسم الحسين (ع) علانية وسرا، والناس يحضرون على مختلف طبقاتهم ومستوياتهم، فيقتبسون النور ويتعرفون على الإسلام الحقيقي الذي ضحى الإمام الحسين (ع) من أجله، ويعرفون أهدافه المقدسة وأسباب نهضته المباركة، فيهتدون بهداه وهو على هدى جده المصطفى (ع) وأبيه المرتضى (ع).
فالمجالس الحسينية، ما هي إلا مدارس أهل البيت والعترة الهادية (ع).
الذين يحبون عليا والحسين (ع) إنما يحبونهما من أجل الدين، لأنهما استشهدا وقتلا ليبقى الإسلام والقرآن، و لتحيا رسالة محمد السماوية، على صاحبها ألف صلاة وسلام وتحية.
نحن نحب الإمام عليا (ع) ونقدسه، لأنه كان عبدا مخلصا لله، متفانيا في ذات الله سبحانه، شهيدا في سبيل الله تعالى.
ولما نقف عند مرقده الشريف نخاطبه، نقول: أشهد أنك عبدت الله مخلصا حتى أتاك اليقين ـ أي الموت ـ.
وكذلك إذا حضرنا عند مرقد سيد الشهداء الحسين (ع)، نشهد له ونقول: أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وأطعت الله ورسوله حتى أتاك اليقين.
ثم اعلم أيها الحافظ، وليعلم كل الحاضرين، أن زيارة الحسين (ع) والبكاء عليه إنما يفيدان ويوجبان الأجر والكثير والثواب العظيم، إذا كانا ممن يعرف حق الحسين (ع)، كما صرحت رواياتنا بذلك عن رسول الله (ص) وعن أئمتنا أبناء رسول الله وعترته (ع)، قالوا: من زار الحسين بكربلاء عارفا بحقه وجبت له الجنة.
من بكى على الحسين عارفا بحقه وجبت له الجنة.
فكما إن قبول العبادات كلها ـ فرضها ونفلها ـ تتوقف على معرفة الله سبحانه، لأن العبد إذا لم يعرف ربه كما ينبغي فلا تتحقق نية القربة إليه، وهي تجب في العبادات.
كذلك البكاء والزيارة للنبي والأئمة (ع)، لا تفيد ولا تقبل إذا كان الباكي والزائر لا يعرفهم حق المعرفة، وإذا عرفهم حق المعرفة وعرف حقهم، علم أنه يجب أن يطيعهم، ويتمسك بأقوالهم، ويسير على نهجهم، ويلتزم بطريقتهم المثلى.
النواب: سيدنا الجليل! نحن نعتقد بأن الحسين الشهيد إنما نهض للحق وقتل في سبيل الله عز وجل، ولكن بعض أهل مذهبنا ـ وأغلبهم من الشباب الذين درسوا في المدارس العصرية ـ يقولون: إن الحسين نهض وقاتل لأجل الحصول على الحكومة والرئاسة الدنيوية، وعارض يزيد بن معاوية على ملكه، ولكنه خذل من قبل أنصاره، وتغلب عليه يزيد وجنوده فقتلوه!! ما هو جوابكم عن هذا الكلام؟
قلت: الجواب حاضر، لكن الوقت لا يسمح أن نخوض في هذا الموضوع ، لأنه قد طال بنا الجلوس، والحاضرون قد تعبوا.
النواب: أنا أتكلم نيابة عن أكثر الحاضرين، نحن ما تعبنا من مجالستكم والاستماع لحديثكم، بل نحب أن نسمع جوابكم بكل لهفة واشتياق.

نهضة حسينية.. لا حكومة دنيوية
قلت: الذين يقولون: بأن الحسين (ع) نهض وقاتل للحصول على الحكم وقتل في طلب الرئاسة الدنيوية!! إن كانوا مسلمين فالقرآن يرد كلامهم، فإن مقالهم يعارض قول الله تعالى:
(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)(59).
وقد اتفق أعلامكم من المفسرين والمحدثين، مثل الترمذي ومسلم والثعلبي والسجستاني وأبي نعيم وأبي بكر الشيرازي والسيوطي والحمويني والإمام أحمد والزمخشري والبيضاوي وابن الأثير والبيهقي والطبراني وابن حجر والفخر الرازي والنيسابوري والعسقلاني وابن عساكر، وغيرهم، اتفقوا على أن هذه الآية، وهي آية التطهير، نزلت في شأن النبي (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (ع).
فنقول:
أولا: القرآن يشهد بأن الله تعالى طهر الإمام الحسين (ع) من الرجس، ولا شك أن حب الدنيا وطلب الرئاسة للهوى، رجس من عمل الشيطان، قال النبي (ص): " حب الدنيا رأس كل خطيئة " فنقول: حاشا الحسين (ع) أن يقاتل للدنيا والرئاسة، وإنما نهض لإنقاذ الدين وتحرير رقاب المسلمين من براثن يزيد الكفر والإلحاد وقومه الأوغاد.
ثانيا: إذا كانت نهضة الإمام الحسين (ع) لأجل الدنيا لا الدين ، لما كان رسول الله (ص) يأمر المسلمين بنصرة ولده الحسين (ع) إذا نهض وقاتل!
فالنبي (ص) أخبر بنهضة ولده الحسين، وأمر المسلمين بنصرته، وقد نقله كثير من علمائكم في كتبهم، ولكني أكتفي بذكر واحد منهم لضيق الوقت.
قال الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في كتابه ينابيع المودة 2/1:
وفي الإصابة، أنس بن الحرث بن البيعة، قال البخاري في تاريخه والبغوي وابن السكين وغيرهما عن أشعث بن سحيم، عن أبيه، عن أنس بن الحارث، قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إن ابني هذا [ يعني الحسين ] يقتل بأرض يقال لها كربلاء ، فمن شهد ذلك منكم فلينصره.
فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقتل بها مع الحسين، رضي الله عنه وعمن معه.
أما إذا كان القائلون لذلك الكلام يرفضون القرآن الحكيم وحديث النبي الكريم (ص) ويريدون جوابا يوافق المقاييس المادية والسياسة الدنيوية.
فأقول أولا: إذا كان الحسين عليه السلام نهض لطلب الحكم ولأجل الوصول إلى الرئاسة، فما معنى حمله العيال والأطفال معه؟ فإن الذي يطلب الدنيا يدع أهله وعياله في مأمن ثم يخرج، فإن نال المقصود ينضم أهله إليه، وإذا قتل فأهله يكونون في أمان من شر الأعداء.
ثانيا: الثائر الذي يطلب الدنيا يسعى لجمع الأنصار، ويكثر من المقاتلين والأعوان، ويعدهم النصر والوصول إلى الحكومة والرئاسة، ولكن أبا عبد الله الحسين عليه السلام من حين خروجه من المدينة إلى مكة، وبعده من مكة إلى العراق، كان يعلن بأنه مقتول لا محالة، وأن أنصاره وأعوانه يقتلون أيضا، وأن أهله وعياله وأطفاله يسبون من بعده، فقد كتب من مكة إلى أخيه محمد بن الحنفية وهو في المدينة.
بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومن قِبَلَه من بني هاشم، أما بعد، فإن من لحق بي استشهد! ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح، والسلام.
[ أعلن عليه السلام أن الفتح الذي يطلبه لا يكون إلا في شهادته وشهادة أنصاره وأهل بيته!! ].

خطبة الحسين عليه السلام عند الخروج من مكة
لقد ذكر مؤرخو الفريقين أنه عليه السلام لما عزم على الخروج إلى العراق قام خطيبا فقال:
" الحمد لله و ما شاء الله و لا حول و لا قوة إلا بالله و صلى الله على رسوله و سلم خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة و ما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف و خير لي مصرع أنا لاقيه كأني بأوصالي يتقطعها عسلان الفلوات بين النواويس و كربلاء فيملأن مني أكراشا جوفا و أجربة سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم رضي الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه و يوفينا أجور الصابرين لن تشذ عن رسول الله لحمته و هي مجموعة له في حظيرة القدس تقر بهم عينه و تنجز لهم وعده من كان فينا باذلا مهجته موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإني راحل مصبحا إن شاء الله تعالى ".
وفي طريقه إلى كربلاء، لما وصل إليه خبر مقتل سفيره مسلم بن عقيل أعلن الخبر في أصحابه ولم يكتمه عنهم، بل وقف يخطب فيهم وينبئهم قائلا: " بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإنه قد أتاني خبر فظيع، قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر، وقد خذلنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف من غير حرج ليس عليه ذمام ".
فتفرق الناس عنه وأخذوا يمينا وشمالا حتى بقي من أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممن انضموا إليه، فلو كان عليه السلام يطلب الحومة والرئاسة، لما فرق أصحابه، بل كان يشد عزائمهم ويطمئنهم بالنصر ويغريهم بالمال والولايات، كما هو شأن كل قائد سياسي ومادي مع جنوده.
وكذلك لما التقى عليه السلام بالحر بن يزيد الرياحي وجنوده، وقد أخذ العطش منهم كل مأخذ وقد أشرفوا على الموت، فسقاهم الحسين عليه السلام وروّاهم حتى أنقذهم من الهلاك، وهو عليه السلام يعلم أنهم ضده وليسوا من أنصاره.
فلو كان الحسين عليه السلام يطلب الدنيا والحكم لاغتنم الفرصة في الحر وأصحابه وتركهم يموتون عطشا، ثم يمضي هو عليه السلام إلى ما يرده، وربما لو كان ذلك لكانت المقاييس تنقلب، وكان التاريخ غير ما نقرأه اليوم!
وكذلك خطبته عليه السلام ليلة العاشر من المحرم، حينما جمع أصحابه وأذن لهم أن يذهبوا ويتفرقوا عنه ويتركوه مع الأعداء، لأنهم لا يردون غيره ، ولكنهم قالوا: إنهم يحبون أن يقتلوا دونه، ولا يريدون العيش بعده، وقد صدقوا.
وفي ظلام الليلة العاشرة من المحرم التحق به عليه السلام ثلاثون رجلا من معسكر ابن زياد، لأنهم سمعوا صوت القرآن والدعاء يعلو في معسكر الحسين فانضموا إليه وكانوا من المستشهدين بين يديه.
وفي صبيحة اليوم العاشر، لما سمع الحر الرياحي، ذلك القائد، كلام الحسين عليه السلام واحتجاجه على عساكر الكوفة، عرف أن الحق مع الحسين عليه السلام فترك جيشه ـ وهم ألف فارس تحت رايته ـ وجاء نحو الحسين عليه السلام وتاب على يديه وكان من المستشهدين.

ما هو سبب نهضة الحسين عليه السلام؟
لا ينكر أحدا أن يزيد بن معاوية كان رجلا فاسقا، متجاهرا بالفجور، مولعا بشرب الخمور، وكانت آمال بني أمية معلقة عليه على أنه المعد واللائق للأخذ بثأر قتلاهم، من آل محمد وعلي عليه السلام.
ويزيد بن ميسون النصرانية، الذي ربي في حجرها وعند قومها النصارى لاعبا مع الكلاب والفهود والقرود، شاربا للخمور، مولعا بالفسق والفجور، مع هذه الخصائص وغيرها من الرذائل التي اجتمعت فيه، كان قادرا على أن يجرد سيف الكفر والإلحاد الذي صنعه أبو سفيان وقومه في عهد خلافة عثمان.
إذ يروي ابن أبي الحديد عن الشعبي قال: فلما دخل عثمان رحله ـ بعدما بويع بالخلافة ـ دخل إليه بنو أمية حتى امتلأت بهم الدار، ثم أغلقوها عليهم ، فقال أبو سفيان أعندكم أحد من غيركم؟
قالوا: لا.
قال: يا بني أمية، تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان، ما من عذاب ولا حساب، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا قيامة!(60).
فيزيد هو الذي يقرّ عيون قومه بانتقامه من آل رسول الله (ص) ويقبض على مقابض السيف الذي صقله أبو سفيان وحده معاوية وأعده ليزيد، حتى يقضي به على رسالة محمد (ص) والدين الذي جاء به من عند الله سبحانه وتعالى (61).
ولكن يزيد لا يتمكن من تنفيذ ما خططه أسلافه وقومه، ما دام الحسين بن رسول الله (ص) يحظى بالحياة.
والحسين عليه السلام تربى في حجر جده رسول الله (ص) وأبيه أمير المؤمنين عليه السلام وهو المعد لإحياء الدين وإنقاذ شريعة سيد المرسلين من التحريف والتغيير، فنهض ليصد طغاة بني أمية عن التلاعب بالدين والاستخفاف بالشريعة المقدسة .. فروّى شجرة الإسلام بدمه الزاكي ودماء أهل بيته وأنصاره الطيبين، فاخضرت وأورقت وترعرعت، بعدما كانت ذابلة وكأنها خشبة يابسة تنتظر نيران بني أمية وأحقادها الجاهلية لتحولها إلى رماد تذروه الرياح (62).
وبعض الغافلين يقولون: بأن بقاء الحسين عليه السلام في المدينة المنورة كان أسلم له وأحفظ لعياله! لماذا خرج إلى العراق حتى يرى تلك المصيبة الفادحة والنكبة القادحة؟!
ولكن كل من له أدنى معرفة بهكذا قضايا يعلم أن الحسين عليه السلام لو كان يقتل في المدينة المنورة، ما كان لقتله ذلك الصدى والأثر الذي كان لقتله في كربلاء، فخروجه من المدينة إلى مكة وإقامته فيها من شهر شعبان حتى موسم الحج، واجتماع المسلمين الوافدين من كل صوب وبلد عند الكعبة المكرمة، والتفافهم حول الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام واستماعهم لحديثه وهو يشرح لهم ويوضح أنه لماذا لا يبايع يزيد، لأن يزيد رجل فاسق شارب الخمور، وراكب الفجور، واللاعب بالكلاب والقردة، وقاتل النفوس المحترمة البريئة، فإذا لا يليق للخلافة والإمامة.
فكان عليه السلام يبعث الوعي في النفوس وفي المجتمع بهذا الإعلام الصريح وأخيرا أعلن أنه خارج إلى العراق، وهو لا يخضع لحكم يزيد حتى إذا آل الأمر إلى قتله وقتل أهل بيته وأنصاره ـ فخطب تلك الخطبة التي ذكرناها لكم قبل دقائق ـ وأعلن في الناس أنه مقتول مسلوب، وأن عياله وأطفاله يسبون بعده ويؤخذون أسارى إلى الشام!
بهذا الإعلان، غدا المسلمون يترصدون أخباره، والأمة كانت لابثة في سبات ونوم عميق، لا يستيقظ منه إلا بحركة عنيفة واعية، ونهضة مقدسة دامية تهزها، وهذه الحركة والنهضة ما كانت تتحقق إلا بواسطة آل رسول الله (ص) وأهل بيت الوحي، وكان الإمام الحسين عليه السلام ذلك اليوم زعيم أهل البيت والإمام المسؤول من عند الله سبحانه وتعالى لحفظ دينه وكتابه، وقد أدى ما عليه بأحسن وجه، وسار بخطوات حكيمة نحو الهدف المقدس، وانتصر على يزيد وبني أمية بشهادته وسفك دمه.
فإن النصر تارة يتحقق بقتل العدو وهزيمته، وتارة يتحقق بأن يكون المنتصر مظلوما قتيلا شهيدا، فالحسين عليه السلام ما كان طالبا للحكم والرئاسة في نهضته، حتى يكون خاسرا بعدم وصوله إليها، وإنما كان يريد يقظة الأمة وتحركها ضد الظالمين، وكان يريد أن يفضح بني أمية ويكشف واقعهم للمسلمين، وقد تحقق كل ما أراده، فهو قد انتصر في كربلاء وعدوه خسر وانكسر(63).
وقدم الحسين عليه السلام إلى كربلاء وسار إلى ميدان الجهاد على بصيرة كاملة فقد روى المؤرخون أنه لما عارضه بعض أقربائه ـ ليمنعوه من الخروج إلى العراق واقترحوا عليه أن يخرج إلى اليمن لأن أهلها شيعة مخلصون له ولأبيه وليسوا كأهل الكوفة مذبذبين وانتهازيين ـ أجابهم قائلا:
إن جدي رسول الله (ص) أتاني فقال: يا حسين أخرج إلى العراق، فإن الله شاء أن يراك قتيلا!
قالوا: إذا ما معنى حملك هؤلاء النسوة معك؟!
فقال: إن الله شاء أن يراهن سبايا!!
نعم، كل من أمعن النظر في تاريخ النهضة الحسينية المباركة ودرس أبعادها وجوانبها، عرف أهمية دور النساء والأطفال، وأهمية دور السبايا من أهل البيت عليهم السلام في نشر أهداف الحسين عليه السلام وأسباب ثورته المقدسة ونقل المصائب الأليمة والفجائع العظيمة التي وقعت لأهل البيت في كربلاء.
وكان لهذا الدور أثرا بالغا في فضح بني أمية وتعريتهم وكشفهم للأمة الإسلامية.
فالخطب التي ألقتها الفاطميات في الكوفة كانت سبب ثورة التوابين ومن بعدهم ثورة المختار وانتقامه من قتلة الحسين عليه السلام.
وكذلك خطبة الحوراء زينب في مجلس يزيد، وخطبة الإمام زين العابدين عليه السلام في الجامع الأموي بالشام، قلبت كل المعادلات، بحيث اضطر يزيد بن معاوية أن يلعن ابن زياد، وتنصل هو عن مسؤولية الواقعة وألقى كل تبعاتها على عاتق ابن زياد.
وعلى أثر تلك الحادثة الأليمة، لا نجد يومنا هذا لبني أمية وخلفائهم، حتى في الشام التي كانت عاصمة حكمهم وسلطانهم لا نجد ذكرا حسنا ولا أثرا ظاهرا، حتى قبورهم مجهولة مهجورة.

نتيجة البحث
فثبت أن نهضة الإمام الحسين عليه السلام كانت نهضة دينية، وقد استشهد في سبيل الله ولنصرة دين الله عز وجل، فلما يحضر الشيعي والمحب في مجلس عزائه عليه السلام ويستمع إلى الخطيب وهو يشرح أسباب ثورة الحسين وأهدافها ويسمع بأن الحسين عليه السلام خالف يزيد وقاتله، لأنه كان يعمل بالمنكرات ويرتكب المحرمات.
ويسمع الخطيب وهو ينقل كلام الحسين قائلا: إني ما خرجت أشرا ولا بطرا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي وأن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.
أو يسمع بأن الحسين عليه السلام يوم عاشوراء أقام صلاته في ساحة القتال مع أصحابه جماعة.
أو يقرأ في زيارته: أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر...
فيلتزم بأن يعمل بما عمل الحسين عليه السلام لأن المحب لمن أحب مطيع، لذلك كل عام في محرم حين تكثر المجالس الحسينية نجد كثيرا من الناس ـ وخاصة الشباب ـ على أثر حضورهم في تلك المجالس واستماعهم لمواعظ الخطيب ونصائحه وتفسيره للنهضة الحسينية وشرحه حديث " من بكى على الحسين وجبت له الجنة " كما مر، وغير ذلك ، يؤثر فيهم تأثيرا بالغا، فنجد انهم يهتدون إلى الصراط المستقيم، فتتحسن سيرتهم ويعتدل سلوكهم، فيتركون السيئات ويتوبون إلى الله تعالى ببركات الحسين عليه السلام ومجالس عزائه.
وهذا جانب من معنى الحديث النبوي الشريف:
" إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة ".
ـ لما وصل كلامنا إلى هنا دمعت عيون كثير من الحاضرين، وكانوا مطرقين برؤوسهم، يتفكرون في عظمة الحسين وعظمة ثورته المقدسة وعزمت على أن أختم الحديث..
النواب: سيدنا الجليل! وإن كان قد انقضى وقت المجلس، وطال بالحاضرين الجلوس، ولكن أود أن أقول بأننا بفضل حديثك قد تعرفنا على عظمة الحسين وفضله، وعرفنا شخصيتك المقدسة أكثر من ذي قبل، فجزاك خيرا، إذ علمتنا معنى الحب وفلسفة البكاء والزيارة.
وإني آسف جدا على ما فتني من الأجر والثواب لعدم حضوري في مجالس عزاء آل النبي (ص) التي يعقدها إخواننا الشيعة في بلدنا هذا، لأني اتبعت بعض أهل مذهبي وأطعتهم عن جهل وتعصب، إذ كانوا يقولون: إن الحضور في مجالس عزاء الحسين بدعة، وزيارته بدعة، والبكاء عليه بدعة، ولكني عرفت أن هذه المجالس حتى إذا كانت بدعة فهي حسنة، لأنها تكون مدارس جامعة!
لذلك نرى أن ثقافة أبناء الشيعة الدينية هي أعلى مما هي عليه عند أبنائنا، وهم أعلم منا بأمور المذهب وأحكام الدين.

فوائد زيارة مشاهد آل رسول الله (ص)
قلت: سمعت منك بأن بعض أهل مذهبك يقولون: إن مجالس الحسين والبكاء عليه بدعة، وزيارته بدعة، وأنا بينت لكم فوائد مجالس الحسين وفلسفة البكاء عليه، وأبين لكم فوائد زيارته وزيارة مشاهد آل النبي (ص) ومراقدهم.
إضافة على الثواب والأجر الأخروي، فإن فيها فوائد جمة:
أولا: زيارة القبور ليست بدعة، بل هي سنة، فقد كان رسول الله يزور القبور، فإنه (ص) زار قبر أمه آمنة(64) بالقرب من المدينة المنورة، وزار البقيع واستغفر للمدفونين فيه(65) فعندنا أن زيارة قبور آل البيت من علائم الإيمان وليس كل مسلم بمؤمن.
ثانيا: إذا ذهبتم أنتم إلى قباب الأئمة ومشاهد آل النبي (ص) التي يزورها الشيعة، فستشاهدون بأعينكم أنها مراكز عبادة الله، وهي (بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه)(66).
فالمؤمنون يسألون حوائجهم من الله تعالى ويبتهلون إليه خاشعين، والمشاهد لا تغلق أبوابها ليل نهار إلا سويعات في الأسبوع لأجل التنظيف.
فالشيعي حينما يسافر إلى تلك المزارات الشريفة يلتزم غالبا في الحضور فيها كل يوم ساعات عديدة، وأكثرهم يفضلون الحضور فيها وقت السحر إلى ما بعد طلوع الفجر، وقبل الظهر إلى ما بعده، وقبل المغرب إلى ما بعد العشاء، فيصلون النوافل ثم يقيمون الفرائض جماعة، ويشتغلون بقراءة القرآن الكريم والدعاء، بكل لهفة ورغبة، وبكل خضوع وخشوع، فأي هذه الأعمال بدعة؟!
إن المشاهد التي يزورها الشيعة إنما هي أماكن عبادة الله سبحانه ، منورة بنور أهل البيت عليهم السلام ومجللة بهالة قدسية من شجرة النبوة والعترة الهادية.
فلو لم تكن لهذه المشاهد أية فائدة إلا التوفيق الذي يناله الزائر عند حضوره فيها لكفت، فيقضي ساعات من عمره بعبادة ربه متقربا إليه بتلاوة القرآن والدعاء والتضرع إليه وإظهار فقره وحوائجه إلى ربه، مستغرقا في الأمور المعنوية، متوجها إلى المراتب الأخروية، ومنصرفا عن الأمور المادية والمسائل الدنيوية.
فهل تعرفون في بلادكم و سائر البلاد التي يسكنها أهل السنة محلا مقدسا يحضره الناس على مختلف طبقاتهم في كل ساعات الليل والنهار، يشتغلون بالعبادة ويتقربون إلى الله تعالى لنيل السعادة، كهذه الروضات المقدسة؟!
أما مساجدكم فلا تفتح إلا أوقات الفرائض ثم تغلق أبوابها، وإني شاهدت في بغداد مرقدي الشيخ عبد القادر الجيلاني وأبي حنيفة، كانت أبوابها مغلقة وما فتحت إلا وقت الصلاة، فحضر بعض السوقيين المجاورين وصلوا مع الإمام الموظف لمديرية الأوقاف، ثم خرجوا وأغلقت الأبواب.
ولكن مرقد الإمامين العسكريين ـ علي بن محمد الهادي وهو عاشر الأئمة، وابنه الحسن الزكي، وهو الإمام الحادي عشر للشيعة ـ الذي يقع في مدينة سامراء في العراق، وسكان هذه المدينة من أهل السنة والجماعة، وتوجد جالية شيعية مستضعفة فيها، وأما السادن وخدام الروضة المقدسة فكلهم من السنة الموظفين لمديرية الأوقاف، وقد يصعب عليهم فتح أبواب الروضة قبل الفجر. ولكن بإلحاح وإصرار من الشيعة والزائرين يفتحون أبوابها قبل الفجر ويدخل الزائرون والمجاورون من كل باب، ويشتغلون بالنوافل والعبادات، ولا يوجد أحد من أهل السنة في تلك الجموع، حتى خدام الروضة والمسؤولين عليها، بعد أن يفتحوا الباب يذهبوا ليناموا.
وإني أسأل الله سبحانه أن يوفقكم لتسافروا إلى العراق لتقايسوا بين مدينتين متقاربتين ـ المسافة بينهما لا تقل عن العشرة كيلو مترات ـ.
إحداهما مدينة الكاظمية، وهي تضم مرقد الإمامين الجوادين الكاظمين عليهما السلام ـ الإمام السابع موسى بن جعفر، والإمام التاسع محمد بن علي ـ وهي من مراكز الشيعة.
والأخرى مدينة بغداد، وهي عاصمة العراق ومركز أهل السنة والجماعة، وفيها مرقد الشيخ عبد القادر الجيلاني، وإمامكم الأعظم أبي حنيفة.
سافروا إلى هاتين المدينتين وقايسوا بينهما حتى تنظروا بأعينكم إلى آثار تعاليم أهل البيت عليه السلام وانطباع الشيعة عنهم! فتحسون ببركات تلك القباب المنيرة، وتدركون بركاتها الشاملة على الزائرين والمجاورين لها، فإن كثيرا منهم ينامون أول الليل حتى يستيقظوا وقت السحر ساعتين قبل الفجر، ليحضروا في روضة الإمامين الجوادين عليهما السلام برغبة واشتياق، فيقيموا نافلة الليل ويشتغلوا بالدعاء والعبادة، وكثير منهم أصحاب متاجر كبيرة ومهمة في بغداد إلا أن دور سكنهم في الكاظمية، فيقضون ساعة أو أكثر في الروضة المقدسة بالعبادة والدعاء، ثم يذهبون إلى متاجرهم وأشغالهم واكتساب معايشهم.
ولكن إذا نظرتم إلى أكثر أهالي بغداد، وهم مع الأسف منهمكون في المعاصي، ومستقرون في الفسوق والملاهي، فالمقامر ودور البغاء والفجور وحانات الخمور، تعمل ليل نهار!!
النواب: سيدنا الجليل! إني أصدقك وأقبل كلامك، ويحق أن ألعن نفسي، إذ كنت جاهلا بمقام آل رسول الله (ص) وشأنهم، فتبعت أناسا ما كان لي أن أتبعهم.
قبل سنين سافرت من هذا البلد مع قافلة كبيرة من أهل بلدتي ونحلتي إلى بغداد وقصدنا قبر الإمام الأعظم أبي حنيفة، والشيخ عبد القادر (رض) وكنا نبغي زيارتهما، راجين بها الأجر والثواب، فانفردت يوما عن أصحابي وذهبت إلى روضة الإمامين الجوادين، فرأيت الوضع كما وصفتم، ولكن لما رجعت إلى أصحابي وعرفوا بأني ذهبت إلى تلك الروضة المقدسة، تحاملوا علي وعاتبوني عتابا شديدا! فاعتذرت إليهم بأني ما ذهبت بقصد الزيارة والتقرب إلى الله عز وجل، وإنما ذهبت للتفرج والاستطلاع، فسكتوا عني!!
وأنا الآن أراجع نفسي وأتعجب كثيرا، فأقول لماذا تكون زيارة الإمام الأعظم والشيخ عبد القادر في بغداد جائزة، وزيارة الخواجة نظام الدين في الهند جائزة، وموجبة للأجر والثواب، حتى أن جماعة كثيرة ـ كلب عام ـ يشدون الرحال إليهم من هذه البلاد ويقطعون مسافات بعيدة، ويصرفون أموالا كثيرة، وهم يقصدون التقرب إلى الله سبحانه، ويعتقدون أنهم يحسنون صنعا ويكتسبون ثوابا وأجرا!!
عجبا هذه الزيارات موجبة للأجر والثواب، مع علمنا بان النبي (ص) لم يذكر فيهم خبرا، ولم يذكرهم بمدح و ثناء، ولكن زيارة الحسين، ريحانة رسول الله (ص) الذي جاهد في سبيل الله وضحى بنفسه للدين، وقد وردت في شأنه وفي فضله الأحاديث النبوية الشريفة الكثيرة المروية في كتب كبار علمائنا، تكون بدعة؟!!
ولقد نويت الآن وعزمت على أن أذهب هذا العام إن شاء الله، وأتشرف لزيارة سيدنا الحسين، وأحضر عند مرقده المقدس، قربة إلى الله تعالى، وطالبا لمرضاته، وراجيا منه سبحانه أن يعفو عما سلف مني.
ثم قاموا وانصرفوا جميعا، وودعناهم وشايعناهم إلى باب البيت.
  #24  
قديم 05-07-08, 05:29 AM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي المجلس الثامن /ليلة الجمعة / غرة شعبان المعظم / 1345 هجرية


المجلس الثامن
ليلة الجمعة / غرة شعبان المعظم / 1345 هجرية


أقبل القوم بعدما أتممت صلاة العشاء، فاستقبلناهم بالترحاب، فجلسوا وشربوا الشاي.
ثم تكلم السيد عبد الحي قائلا:
لقد صدرت منكم في البحث الماضي كلمة لا ينبغي لمثلكم أن يتفوه بها، لأنها تسبب تفرقة المسلمين، والله تعالى يقول: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)(1) (ولا تنازعوا فتفشلوا)(2).
قلت (متعجبا): أرجو أن توضح ما هي تلك الكلمة؟! فربما صدرت في حال الغفلة.
السيد عبد الحي: في الليلة الماضية، في أواخر البحث عن فوائد الزيارة قلتم: إنكم تعتقدون بأن زيارة مشاهد أهل البيت من علائم الإيمان، وقلتم ليس كل مسلم بمؤمن!
بينما المسلمون كلهم مؤمنون والمؤمنون كلهم مسلمون!
فلماذا تفرقون بينهم وتجعلونهم قسمين متمايزين؟!
أليس هذا الانقسام يضر الإسلام! وقد تبين لنا من كلامكم شيء، وهو أن عوام الشيعة (خاصة في الهند) حين يحسبون أنفسهم مؤمنين ويحسبوننا مسلمين، مأخوذ من علمائهم.
وهذا الأمر مخالف لرأي جمهور علماء الإسلام، إذ لا يفرقون بين الإسلام وبين الإيمان.

الفرق بين الإسلام والإيمان
قلت: أولا:، قولك: جمهور علماء الإسلام لا يفرقون بينه وبين الإيمان. فغير صحيح، لأننا نجد في الكتب الكلامية اختلافا كثيرا حول الموضوع لا بين الشيعة والسنة فحسب، بل نجد الاختلاف ساريا في أقوال أهل السنة والجماعة أنفسهم أيضا، فالمعتزلة على خلاف الأشاعرة. وبعض علماء الشافعية والحنفية على خلاف رأي أحمد ومالك.
ثانيا: لا يرد إشكالك على كلامي، لأن كلامي صدر على أساس قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم)(3) الخ.
فالآية الكريمة تصرح بأن الإسلام والتسليم في الظاهر، والإيمان يرتبط بالقلب، والآية تنفي إيمان قوم في حين تثبت إسلامهم، فالمسلم، من شهد بالتوحيد والنبوة فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا (ص) رسول الله. فحينئذ يكون للمسلم ما للمؤمنين في الدنيا، من الحقوق الاجتماعية والمدنية والشخصية، دون الآخرة، فقد قال تعالى: (ما له في الآخرة من خلاق)(4).
السيد عبد الحي: نقبل بأن الإسلام غير الإيمان، فقد قال سبحانه وتعالى: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا)(5).
فهذه الآية تفرض علينا الالتزام بالظاهر وأن لا ننفي الإسلام عمن أظهر الإسلام.
قلت: نعم كل من نطق بالشهادتين، فما لم يرتكب منكرا يلازم الكفر والارتداد، ولم ينكر إحدى الضرورات الإسلامية كالمعاد، فهو مسلم، نعاشره ونجالسه ونعامله معاملة الإسلام، ولم نتجاوز الظاهر، فإن بواطن الناس لا يعلمها إلا الله سبحانه، وليس لأحد أن يتجسس على بواطن المسلمين. ولكن نقول: بأن النسبة بين الإسلام والإيمان، عموم مطلق(6).

مراتب الإيمان
لقد أمر النبي (ص) أمته عند اختلاف الأقوال وتضارب آرائهم، أن يأخذوا بقول أهل بيته ويلتزموا برأيهم، لأنهم أهل الحق والحق لا يفارقهم. فلذلك إذا بحثنا في أحاديث أهل البيت عليه السلام لنجد حقيقة موضوع حوارنا، نصل إلى قول الإمام الصادق عليه السلام إذ يقول: " إن للإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل. فمنه الناقص البين نقصانه ومنه الراجح الزائد رجحانه ومنه التام المنتهى تمامه. وأما الإيمان الراجح فهو عبارة عن إيمان الشخص الذي يتصف ببعض لوازم الإيمان، فهو راجح على الذي لا يتصف بها فالثاني ناقص إيمانه، وأما التام المنتهى تمامه، فهو الذي يتصف بكل لوازم الإيمان. وقد قال سبحانه وتعالى فيهم: (أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم)(7).
وأما الصفات اللازمة للإيمان فهي كثيرة منها كما في الحديث المروي عن رسول الله (ص) قال: يا علي سبعة من كن فيه فقد استكمل حقيقة الإيمان، وأبواب الجنة مفتحة له: من أسبغ وضوءه وأحسن صلاته، وأدى زكاة ماله، وكف غضبه. وسجن لسانه، واستغفر لذنبه، وأدى النصيحة لأهل بيت نبيه(8) ونحن نعتقد أن زيارة مشاهد أهل البيت عليهم السلام يدخل ضمن العنوان الأخير. فالذي أسلم، هو مؤمن في الظاهر ولا نعلم باطنه، ولكن أعماله تكشف عن حقيقة إيمانه، ومراتب رسوخ الإيمان في قلبه وباطنه وقد جاء في تفسير الآية الكريمة: (يا أيها الذين آمنوا آمِنوا)(9).
أي: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم آمنوا بقلوبكم.
وخاطب النبي (ص) جماعة من أصحابه فقال: يا معشر من أسلم بلسانه ولم يخلص الإيمان بقلبه.
فلا شك أن بين الإسلام والإيمان فرقا لغويا ومعنويا. وللمؤمن علائم تظهر في سلوكه وأعماله.
ثم اعلموا بأننا لا نفتش عن بواطن الناس ولا نفرق بين المسلمين ، ولكن نعاملهم على حد أعمالهم، فهناك من ينطق بالشهادتين ولكن يستخف بالصلاة والصوم ويستهين بالحج ولا يدفع الزكاة ويخالف القرآن الحكيم وأوامر النبي (ص) وأهل بيته، فليس هذا عندنا من الاحترام والتكريم، كمن ينطق بالشهادتين ويلتزم بأحكام الدين فيعمل بكل الفرائض ويترك المنهيات ويطيع الله ورسوله (ص) وعترته عليهم السلام لقوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(10).
فالإسلام يتحقق باللسان، وهو بداية المرحلة الأولى من الإيمان ، ويترتب عليه الأحكام الدنيوية كالحقوق الاجتماعية والشخصية والمدنية.
ولكن الإيمان المطلق فيتحقق باللسان والقلب، ويظهر بالأعمال الصالحة التي تصدر من جوارح المؤمن وأعضاءه بدنه، وحتى اللسان، وهو يحب أن يكون مطلقا، يتقيد بالإيمان فلا يتكلم إلا بالحق والصبر، كما قال تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم، والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)(11).
وجاء في الحديث الشريف:
الإيمان هو الإقرار باللسان والعقد بالجنان والعمل بالأركان.

لماذا ترفضون الشيعة!!
إذا كنتم ملتزمين بهذا الأصل العام، إن كل من نطق بالشهادتين فهو مسلم ومؤمن وأخ في الدين. فلماذا تطردون الشيعة وترفضونهم بل تعادونهم، ولا تحسبون مذهبهم من المذاهب الإسلامية! وكلكم تعلمون بأن الشيعة يشهدون أن لا إله الله، وأن محمدا رسول الله وخاتم النبيين. ويعتقدون بأن القرآن كلام الله العزيز ويلتزمون بكل ما جاء به المصطفى (ص)، فيصلون ويصومون ويزكون ويحجون ويجاهدون في سبيل الله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويعتقدون بالبعث والمعاد وبالمحاسبة والجزاء (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)(12) لذلك يلتزمون بترك القبائح والمحرمات كالظلم والسرقة والخمر والزنا والقمار واللواط والربا والكذب والافتراء والنميمة والسحر وغيرها من المحرمات.
فنحن معكم نعتقد بإله واحد ونبي واحد ودين واحد وكتاب واحد وقبلة واحدة، ومع ذلك كله نراكم تفترون علينا وترموننا بالكفر والشرك! وهذا ما يريده الأجانب والمستعمرون ويفرحون منه.
فلماذا هذا الظلم والجفاء وهذا التقول والافتراء علينا؟!!
ألم نكن معكم متفقين على دين واحد، ومتفقين على أصوله وفروعه وأحكامه؟ ـ غير الإمامة والخلافة ـ وأما الاختلاف الموجود بيننا وبينكم في بعض الأحكام الفرعية، فهو اختلاف نظري ورأي فقهي، كالاختلاف الواقع بين الأئمة الأربعة لأهل السنة والجماعة. بل في بعض المسائل تكون اختلافاتهم أشد من اختلافنا مع بعضهم. هل أعددتم جوابا ليوم الحساب إذا سئلتم عن سبب هذا الموقف البغيض والحقد العريض على الشيعة المؤمنين؟ وهل يقبل منكم إذا قلتم: إننا اتبعنا أسلافنا من الخوارج والنواصب، المعادين للعترة الهادية والفرقة الناجية؟!!
فليس للشيعة ذنب، سوى أنهم سلكوا الطريق الذي رسمه النبي (ص) بأمر الله سبحانه، فأمر المسلمين بمتابعة أهل بيته وإطاعة عترته من بعده.
فقال (ص): إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا.
فالشيعة أخذوا بأمر النبي (ص) وتمسكوا بالثقلين.
وأما غيرهم فقد أخذوا بقول غير النبي (ص) إذ عارضوه فقالوا: كفانا كتاب الله! فتركوا أهل البيت والعترة الطاهرة الهادية عليهم السلام.
الشيعة أخذوا أحاديث رسول الله (ص) عن طريق أهل بيته عليهم السلام، وغيرهم أخذوا الأحاديث عن طريق أبي هريرة وأنس وسمرة وأمثالهم، وتركوا طريق أهل البيت الطيبين عليهم السلام.
وللحصول على أحكام الدين ابتدعوا القياس والاستحسان حسب ما تراه عقولهم، وتحكم به أفكارهم، كل ذلك ليستغنوا عن العترة الهادية!!

لماذا نتبع عليا وأبناءه عليهم السلام
ونحن إنما نتبع عليا عليه السلام وأبناءه الأئمة المعصومين عليهم السلام لقول النبي (ص): أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها. لذلك نحن دخلنا من الباب الذي فتحه رسول الله (ص) لأمته وأمرهم بالدخول منه إلى مدينة علومه وأحكام دينه وحقيقة شرعه.
ولكنكم تحتمون علينا وعلى المسلمين أن نكون أشاعرة أو معتزلة في أصول الدين وأما في الفروع والأحكام فتريدوننا أن نأخذ برأي أحد الأئمة الأربعة، لمذاهب أهل السنة والجماعة وهو تحكم منكم، ليس لكم دليل عليه!
ولكننا نستند على أدلة عقلية، ونقلية من أحاديث رسول الله (ص) في وجوب متابعة علي عليه السلام وأبنائه الأئمة الطيبين، وقد نقلت لكم بعض الأحاديث الشريفة من كتبكم المعتبرة ومصادركم المشتهرة كحديث الثقلين وحديث السفينة وباب حطة وغيرها. وإذ تنصفونا وتتركوا العناد واللجاج، لكفى كل واحد من تلك الأحاديث في إثبات قولنا وأحقية مذهبنا.
وأما أنتم فليس عندكم حتى حديث واحد عن النبي (ص) يأمر أمته بمتابعة الأشعري أو ابن عطاء في مسائل أصول الدين، أو العمل بآراء وأقوال مالك بن أنس أو أحمد بن حنبل أو أبي حنيفة أو محمد بن إدريس الشافعي في فروع الدين وأحكام العبادات والمعاملات، ليت شعري من أين جاء هذا الانحصار؟!
فاتركوا التعصب لمذهب الآباء والأمهات والتمسك بالتقاليد والعادات، وارجعوا إلى القرآن الحكيم وأحاديث النبي الكريم (ص) فلو كان عشر هذه الروايات والأحاديث المروية في كتبكم والواصلة عن طرقكم في متابعة أهل البيت عليهم السلام، لو كانت في حق واحد من أئمة المذاهب الأربعة لاتبعناه وأخذنا برأيه وعملنا بقوله.
ولكن لا نرى في كتبكم وأسانيدكم إلا أحاديث النبي (ص) وهو يحرض ويحفز على متابعة الإمام علي عليه السلام بل يأمر المسلمين بذلك وينهى عن مخالفته ويصرح بأن الحق معه.
والآن تذكرت حديثا نبويا نقله كثير من علمائكم وأعلامكم، أنقله لكم بالمناسبة لتعرفوا أن الشيعة لا يتبعون عليا وأبناءه عن تعصب وهوى، بل بأمر من الله ورسوله (ص) وليس إلى الحق والجنة سبيل غير مذهب أهل البيت عليهم السلام وهو مذهب رسول الله (ص).
روى الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في كتابه ينابيع المودة الباب الرابع / عن فرائد السمطين لشيخ الإسلام الحمويني بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله لعلي بن أبي طالب: يا علي أنا مدينة العلم و أنت بابها و لن تؤتى المدينة إلا من قبل الباب، و كذب من زعم أنه يحبني و يبغضك لأنك مني و أنا منك، لحمك من لحمي و دمك من دمي و روحك من روحي و سريرتك من سريرتي و علانيتك من علانيتي، سعد من أطاعك و شقي من عصاك، و ربح من تولاك، و خسر من عاداك، و فاز من لزمك، و هلك من فارقك، مثلك و مثل الأئمة من ولدك بعدي، مثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق، و مثلهم مثل النجوم كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة.
ويصرح النبي (ص) في حديث الثقلين الذي اتفق علماء المسلمين على صحته، إنكم ما إن تمسكتم بالقرآن وبأهل بيته وعترته لن تضلوا بعده أبدا.
وقد تكلمت حول هذا الحديث بالتفصيل في الليالي الماضية وذكرت لكم مصادره من كتبكم ومسانيدكم، ولكن بالمناسبة أقول:
إن ابن حجر الهيثمي وهو ممن لا يتهم عندكم بشيء بل لا ينكر أحد تعصبه في مذهبه، وتمسكه بطريقة أهل السنة والجماعة.
قال في كتاب الصواعق المحرقة / الفصل الأول من الباب الحادي عشر عند ذكره الآيات الكريمة النازلة في شأن أهل البيت عليهم السلام فيقول في ذيل الآية الرابعة قوله تعالى: (وقفوهم إنهم مسؤولون)(13)، أي عن ولاية علي وأهل البيت.... قال ابن حجر: وأخرج الترمذي وقال: حسن غريب، إنه (ص) قال: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: أحدهما أعظم من الآخر و هو كتاب الله عز وجل، حبل ممدود من الأرض إلى السماء و عترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟! قال: " وأخرجه أحمد " في مسنده بمعناه ولفظه: إني أوشك أن أدعى فأجيب، و إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض و عترتي أهل بيتي، و إن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. فانظروا بم تخلفوني فيهما؟! وسنده لا بأس به . وفي رواية: إن ذلك كان في حجة الوداع. وفي [ رواية ] أخرى: مثله ـ يعني: كتاب الله ـ كسفينة نوح من ركب فيها نجى. ومثلهم ـ أي أهل بيته ـ كمثل باب حطة، من دخله غفرت له الذنوب.
وذكر ابن الجوزي لذلك في " العلل المتناهية " وهم أو غفلة عن استحضار بقية طرقه. بل في مسلم ـ أي صحيح مسلم ـ عن زيد بن أرقم أنه (ص) قال: ذلك يوم غدير خم وهو ماء بالجحفة، كما مر وزاد: أذكركم الله في أهل بيتي. قلنا لزيد من أهل بيتيه: نساؤه؟ قال: لا، أيم الله! إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أهله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده.
قال ابن حجر: وفي رواية صحيحة: إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن تبعتموهما، وهما: كتاب الله وأهل بيتي عترتي. وقال: زاد الطبراني: إني سألت ذلك لهما فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلمهم فإنهم أعلم منكم.
ثم قال ابن حجر: اعلم أن الحديث التمسك بذلك، طرقا كثيرة، وردت عن نيف وعشرين وصحابيا، وفي تلك الطرق أنه (ص) قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، وفي أخرى أنه (ص) قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أخرى أنه (ص) قال ذلك بغدير خم، وفي أخرى أنه (ص) قال لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف.
ولا تنافي إذ لا مانع من أنه (ص) كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماما بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة ـ وبعد سطور قال ـ: " تنبيه " سَمي رسول الله (ص) القرآن وعترته ثقلين، لأن الثقل كل نفيس خطير مصون وهذان كذلك ، إذ كل منهما معدن للعلوم اللدنية والأسرار والحكم العلية والأحكام الشرعية، ولذا حث (ص) على الاقتداء والتمسك بهم والتعلم منهم... ويؤيده الخبر السابق: ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم. وتميزوا بذلك عن بقية العلماء، لأن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وشرفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة.
وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت، إشارة إلى عدم انقطاع العالم عن التمسك بهم إلى يوم القيامة، كما أن الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أمانا لأهل الأرض كما يأتي... ثم أحق من يتمسك به منهم، إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، لما قدمنا من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته الخ.
أيها الحاضرون! هذه تصريحات أحد كبار علماء السنة وهو ابن حجر الذي اشتهر بالتعصب ضد الشيعة ومذهبهم، والعجب أنه مع كل تلك الاعترافات بفضل أهل البيت (ع) ولزم التمسك بهم، يؤخرهم عن مقامهم وعن مراتبهم التي رتبهم الله فيها، لا سيما الإمام علي بن أبي طالب (ع) فيقدم عليه وعليهم من لا يقاس بهم في العلم والفضيلة فاعتبروا يا أولي الأبصار!! نعوذ بالله من التعصب والعناد.
أيها الأخوان فكروا في هذه التأكيدات المتتالية عن النبي (ص)! وهو يبين أن سعادة الدنيا والآخرة منحصرة في التمسك بالقرآن والعترة معا وأن طريق الحق واحد وهو الذي سار فيه أهل بيته فما هو واجب المسلمين؟ فكروا وأنصفوا!!
إنه موقف صعب واختيار الحق أصعب، لقد وقفتم على طريقين: طريق سلكه آباؤكم وأسلافكم، وطريق يدعوكم إليه نبيكم (ص) وقرآنكم وعقولكم.
فكما لا يجوز للمسلمين أن يغيروا شيئا من كتاب الله العزيز حتى لو أجمعوا على ضرورة التغيير لتغيير الزمان وغير ذلك، وكذلك لا يجوز للمسلمين أن يتركوا أهل البيت ويتمسكوا بغيرهم حتى لو أجمعوا على ذلك لأن رسول الله (ص) حكم على المسلمين وأمرهم أن يتمسكوا بالقرآن وبعترته وأهل بيته معا فلا يجوز التمسك بواحد دون الآخر.
أسألكم أيها الحاضرون! هل الخلفاء الذين سبقوا الإمام علي (ع) كانوا من أهل البيت والعترة الهادية؟ وهل تشملهم أحاديث الثقلين والسفينة وباب حطة وغيرها حتى يتمسك بهم لازما، وطاعتهم واجبة علينا؟!
السيد عبد الحي: لم يدع أحد من المسلمين أن الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم كانوا أهل البيت، ولكنهم كانوا من الصحابة الصالحين، ولهم فضيلة المصاهرة مع النبي (ص).
قلت: فإذا أمر رسول الله (ص) بإطاعة قوم أو فرد معين وأكد ذلك على أمته، فهل يجوز لطائفة من الأمة أن يعرضوا عن أمر النبي (ص) ويقولوا: إننا نرى صلاحنا وصلاح الأمة في متابعة وإطاعة قوم آخرين ـ حتى إذا كانوا صلحاء ـ؟ فهل امتثال أمر النبي (ص) وطاعته واجبة؟ أم إطاعة تلك الطائفة المتخلفة عن أمر رسول الله (ص)، والعاملة حسب نظرها في تعيين الصواب والصلاح للأمة؟!
السيد عبد الحي: حسب اعتقادنا... طاعة النبي (ص) واجبة.
قلت: إذا، لماذا تركتم أمر النبي (ص) ولم تطيعوه حيث قال: إني تارك فيكم ثقلين أو أمرين، لن تضلوا إن اتبعتموهما وهما: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فلا تقدموا عليهم فتهلكوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم؟. ومع هذا تركتموهم وهم أعلم الناس وأفضلهم، وتبعتم واصل بن عطاء وأبا حسن الأشعري، أو مالك بن أنس وأبا حنيفة ومحمد بن إدريس وأحمد بن حنبل!
هل إن هؤلاء أهل بيت النبي (ص) وعترته أم هم علي بن أبي طالب وأبناؤه الأئمة المعصومون (ع)؟
السيد عبد الحي: لم يدع أحد من المسلمين أن المقصود من أهل البيت في حديث الثقلين، أئمة المذاهب الأربعة، أو الخلفاء الثلاثة، أو أبو الحسن الأشعري أو واصل بن عطاء، وإنما نقول: أن هؤلاء من أبرز علماء المسلمين ومن الفقهاء الصلحاء.
قلت: ولكن بإجماع العلماء واتفاق جمهور المسلمين، أن الأئمة الاثني عشر الذين نتمسك نحن الشيعة بأقوالهم ونلتزم طاعتهم، كلهم من أهل بيت النبي (ص) وعترته، وهم أشرف أبناء رسول الله (ص)، وثبت أنهم في كل زمان كانوا أعلم الناس بأحكام الدين وتفسير الكتاب المبين وفقه شريعة سيد المرسلين. وأقر لهم بذلك جميع علماء المسلمين.
لا أدري ما يكون جوابكم، إذا سألكم النبي (ص) يوم الحساب: أن لماذا خالفتم رأيي وعصيتم أمري فتركتم عترتي وأهلي وقدمتم غيرهم عليهم؟!
أليس أهل بيتي كانوا أعلم وأفضل؟
لقد أخذ الشيعة دينهم ومذهبهم، حسب أمر النبي (ص) من باب علمه ، ومن وصيه علي بن أبي طالب (ع)، وأخذوا بعده من عترته وأهل بيته الذين أدركوه وعاشروه وسمعوا حديثه ورأوا أعماله وسلوكه فأخذوا منه وأصلوا ذلك إلى أبنائهم ونشروه. أما غير أهل البيت (ع) فكيف وصلوا إلى علم النبي (ص)؟!
فالأئمة الأربعة ما كان لهم أي ذكر في القرن الأول الثاني بعد رسول الله (ص)، فلا يعدون من الصحابة والتابعين.
ولكن أخرجتهم السياسة وأظهرتهم الحكومة والفئة المناوئة لأهل البيت والعترة (ع).
ففسحت لهم المجال وفتحت أبوابهم، ومنعت الحكومات الناس من التوجه إلى آل محمد (ص): لينصرفوا نحو الأئمة الأربعة، وإذا كان أحد من لا يهتم لأمر الحكومة، فيتمسك بأهل البيت ويعمل برأيهم ولم ينضم إلى مذاهب الأئمة الأربعة ، فكان يرمى بالكفر والزندقة وكان مصيره السجن والمطاردة!
وما زالت هذه الحالة التعصبية تنتقل من دور إلى دور، ومن دولة إلى أخرى، حتى يومنا هذا!!
فما يكون جوابكم لنبيكم (ص) يوم الحساب إذا سألكم: بأي دليل كفرتم شيعة أهل بيتي، وهم مؤمنوا أمتي؟
ولماذا قلتم لأتباعكم وأشياعكم: إن شيعة علي (ع) مشركون؟!
فحينئذ ليس لكم جواب، ولكم الخزي والخجل في المحشر!
أيها الأخوة! تداركوا اليوم الموقف! وارجعوا إلى الحق والصواب ! واعتبروا يا أولي الألباب!

نتبع العلم والعقل
أيها الحاضرون الكرام! نحن لا نعاديكم ولا نعادي أحدا من المسلمين، بل نحسب جميع المسلمين إخواننا في الدين، ولكن خلافنا معكم ناشئ من التزامنا لحكم العقل و العلم، وهو أننا لا نقلد في أمر ديننا تقليدا أعمى، بل يجب أن نفهم الدين بالدليل والبرهان حتى يحصل لنا اليقين، قال سبحانه وتعالى: (فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه )(14).
فلا نتبع أحدا ولا نطيعه من غير دليل، فنأخذ بأمر الله سبحانه ونهتدي بهدى النبي (ص) ولا نسلك إلا الطريق السوي الذي رسمه لنا رسول الله (ص) بأمر الله عز وجل، من مطلع رسالته حين جمع رجال قومه الأقربين امتثالا لأمر الله سبحانه حيث قال: (وأنذر عشيرتك الأقربين)(15).
فجمعهم رسول الله (ص): وأطعمهم، ثم قام فيهم بشيرا ونذيرا ثم قال: فمن منكم يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني في القيام به، يكن أخي ووزيري من بعدي؟ فما أجابه إلا علي (ع)، وكان أصغرهم سنا، فأخذ النبي بيده وقال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا الخ ـ وقد نقلنا هذا الخبر بالتفصيل وذكرنا مصادره المعتبرة في المجلس الخامس ـ.
وفي أواخر أيام حياته المباركة، وفي أكبر جمع من أمته، يوم الغدير، أخذ بيد علي بن أبي طالب (ع) بأمر الله عز وجل وعينه لخلافته، فقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه... وأخذ له البيعة منهم.
فالدلائل الساطعة والبراهين القاطعة من القرآن الحكيم وأحاديث النبي الكريم (ص) المروية في كتبكم المعتبرة ومسانيدكم الموثقة ـ إضافة على تواترها في كتب الشيعة ـ كلها تشير بل تصرح على أن الصراط المستقيم والسبيل القويم منحصر في متابعة آل محمد وعترته (ص).
ولو تذكرون لنا حديثا واحدا عن النبي (ص) بأنه قال: خذوا أحكام ديني من أبي حنيفة أو مالك أو أحمد بن حنبل أو الشافعي، لقبلناه منكم! ولتركت مذهبي واخترت أحد المذاهب الأربعة!!
ولكن لا تجدون ذلك أبدا وليس لكم أي دليل وبرهان عليه، ولم يدعه أحد من المسلمين إلى يومنا هذا.
نعم لكم أن تقولوا: بأن الأئمة الأربعة كانوا من فقهاء الإسلام ، ولذلك الظاهر بيبرس في عام 666 من الهجرة، أجبر المسلمين على متابعة أحدهم(16) وأعلن رسمية المذاهب الأربعة ومنع فقهاء المسلمين من استنباط الأحكام وإبداء آرائهم ، والتاريخ يصرح بأنه كان في الإسلام فقهاء وعلماء أعلم وأفقه من أولئك الأربعة.
والعجب أنكم تتركون الإمام علي (ع) وهو باب علم النبي (ص) والذي أمر رسول الله (ص) أمته بالأخذ منه ومتابعته في أمر الدين والشرع، بالنصوص الكثيرة والروايات المتواترة الواصلة عن طرقكم المعتبرة، وكذلك الآيات القرآنية التي نزلت في هذا الشأن كما فسرها كبار علمائكم الأعلام ومحدثيكم الكرام.
وأنتم مع ذلك تصمون أسماعكم، وتغمضون أبصاركم، وتتبعون الأئمة الأربعة، وتحصرون الحق في آرائهم وأقوالهم بغير دليل وبرهان، وأغلقتم باب الاجتهاد واستنباط الأحكام، وقد تركه النبي مفتوحا أمام الفقهاء والعلماء.
السيد عبد الحي: نحن نرى الحق في متابعة الأئمة الأربعة، كما أنكم ترون الحق في متابعة الأئمة الاثني عشر!!!
قلت: هذا قياس باطل لأنكم ترون الحق في متابعة أحد الأئمة الأربعة، بينما نحن نرى الحق في متابعة كل الأئمة الاثني عشر، فلا يجوز عندنا ترك أحدهم والإعراض عن أوامره.
ثم إن تعيين الأئمة الاثني عشر ما كان إلا من عند النبي (ص) وبأمره وحكمه، فهو (ص) عينهم وذكر أسماءهم واحدا بعد الآخر.

خلفاء النبي (ص) إثنا عشر
ذكر الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودة مجموعة أحاديث عن النبي (ص) بهذا المعنى وفتح لها بابا عنوانه:
الباب السابع والسبعون: في تحقيق حديث بعدي إثنى عشر خليفة.
قال ذكر يحيى بن الحسن في كتاب العمدة، من عشرين طريقا في أن الخلفاء بعد النبي (ص) إثنا عشر خليفة كلهم من قريش: في البخاري من ثلاثة طرق وفي الترمذي من طريق واحد في الحميدي من ثلاثة طرق.
وذكر هذه الأحاديث الشريفة كثير من علمائكم الأعلام غير الذين ذكرهم القندوزي، منهم: الحمويني في فرائد السمطين، والخوارزمي في المناقب، وابن المغازلي في المناقب، والثعلبي في التفسير، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، والمير سيد علي الهمداني الشافعي في المودة العاشرة من كتابه مودة القربى، نقل اثنا عشر خبرا وحديثا في هذا الأمر، من عبد الله بن مسعود وجابر بن سمرة وسلمان الفارسي وعبد الله بن عباس وعباية بن ربعي وزيد بن حارثة وأبي هريرة، وعن الإمام علي (ع)، كلهم يروون عن رسول الله (ص) أنه قال: الأئمة بعدي أو خلفائي بعدي إثنا عشر كلهم من قريش،وفي بعض الروايات كلهم من بني هاشم، وحتى في بعضها عينهم بذكر أسماءهم.
ولا نجد حتى حديثا واحدا عن النبي (ص) حول الأئمة الأربعة الذين تمسكتم بهم. ثم إن الفرق بين الأئمة الإثني عشر الذين نتمسك بهم نحن ونأخذ بأقوالهم وبين أئمتكم الأربعة فرق كبير.
وكما أشرنا في الليالي السالفة أن الأئمة الإثني عشر عليهم السلام هم أوصياء رسول الله (ص) وقد نص عليهم بأمر من الله سبحانه فلا يقاس بهم أي فرد من الخلفاء والأئمة الذين تمسكتم بهم، فإن أئمة المذاهب الأربعة شأنهم شأن غيرهم من فقهاء المسلمين وعلماء الدين، والمسلمون في خيار تام في تقليدهم وتقليد غيرهم من فقهاء الإسلام الذين يملكون قدرة الاستنباط واستخراج الأحكام الدينية من القرآن الحكيم والسنة النبوية الشريفة.
وعلى هذا فنحن الشيعة نقلد مراجع الدين وهم الفقهاء الذين درسوا وحققوا الأخبار والأحاديث المروية عن النبي وأهل بيته الطيبين الراسخين في العلم.
فيحققوا ويتقنوا أسنادها وطرقها ويميزوا بين صحيحها وسقيمها ويستخرجوا منها حكم المسائل المستحدثة والفروع الطارئة في زماننا هذا، ويبينوا تكليفنا الشرعي على أساس أصول الفقه والقواعد الإلهية، يردون الفرع على الأصل ويستخرجوا حكمه ويبينوه لمقلديهم، وهؤلاء الفقهاء يتواجدون في كل زمان وهم متعددون ولا ينحصر التقليد في واحد منهم، لأن الكل يأخذون من منهل العترة الهادية ومنبع أهل البيت الطاهرين عليهم السلام.
ولكن الأئمة وإن تتلمذوا عند بعض أئمة أهل البيت عليهم السلام إلا أنهم خرجوا من إطارهم وتركوا الأصول الفقهية والقواعد المقبولة لديهم، فعملوا بالقياسات العقلية والإستحسانات النظرية حتى أنهم ربما اجتهدوا في بعض المسائل وخالفوا النصوص الجلية فيها، فضلوا وأضلوا(17).
والعجب أنكم تركتم تقليد العترة وأهل بيت الوحي والرسالة الذين عينهم النبي (ص) وتابعتم التلامذة الذين لم يبلغوا عشر معشار علوم أهل البيت عليهم السلام ولم يقترفوا إلا غرفة أو رشحة من بحارهم المتلاطمة بشتى العلوم التي آتاهم الله عز وجل من لدنه وجعلهم أئمة يهدون بأمره.
فالأئمة الأربعة استندوا إلى عقولهم الناقصة في بيان حكم الله عز وجل ولم يستندوا إلى الكتاب المبين وسنة سيد المرسلين.
وقد قال سبحانه وتعالى: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون)(18).
السيد عبد الحي: وهل عندكم دليل على أن الأئمة الأربعة تتلمذوا عند أئمتكم؟

الإمام الصادق عليه السلام وموقعه العلمي
قلت: دليلنا هو التاريخ الذي كتبه أعلامكم، فقد ذكر الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة في معرفة الأئمة عليهم السلام ـ فصل حياة الإمام الصادق عليه السلام ـ قال:
كان جعفر الصادق عليه السلام من بين أخوته خليفة أبيه ووصيه والقائم بالإمامة من بعده، برز على جماعة بالفضل وكان أنبههم ذكرا وأجلهم قدرا نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته وذكره في ساير البلدان ولم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه من الحديث، وروى عنه جماعة من أعيان الأمة مثل يحيى بن سعيد وابن جريح ومالك بن أنس والثوري وأبو عيينة وأبو حنيفة وشعبة وأبو أيوب السجستاني وغيرهم... الخ.
وقال كمال الدين محمد بن طلحة العدوي القرشي الشافعي، في كتابه مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ـ الباب السادس في أبي عبد الله جعفر بن الصادق عليه السلام: هو من عظماء أهل البيت و ساداتهم (ع) ذو علوم جمة، و عبادة موفورة، و أوراد متواصلة، و زهادة بينة، و تلاوة كثيرة، يتتبع معاني القرآن الكريم و يستخرج من بحره جواهره و يستنتج عجائبه، و يقسم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه. رؤيته تذكر بالآخرة، و استماع كلامه يزهد في الدنيا، و الاقتداء بهداه يورث الجنة، نور قسماته شاهد أنه من سلالة النبوة، و طهارة أفعاله تصدع أنه من ذرية الرسالة.
نقل عنه الحديث و استفاد منه العلم جماعة من الأئمة و أعلامهم مثل يحيى بن سعيد الأنصاري و ابن جريح و مالك بن أنس و الثوري و ابن عيينة و أبي حنيفة و شعبة و أيوب السختياني و غيرهم (رض) و عدوا أخذهم عنه منقبة شرفوا بها و فضيلة اكتسبوها... الخ.
وقال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي وهو من أعلامكم في كتابه طبقات المشايخ: إن الإمام جعفر الصادق فاق جميع أقرانه، وهو ذو علم غزير في الدين وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وأدب كامل في الحكمة... الخ(19).
ولو نقلت لكم ما ذكره علماؤكم وأعلامكم عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) ومقامه العلمي، وصفاته الحميدة وأخلاقه المحمودة لطال بنا المقام، ولتقاصر البيان عن أداء حقه وتعريفه بما يستحقه، وكل ما يقال في علمه وخلقه وصفاته الحسنة لا يبلغ به معشار وما هو حقه.
النواب: هل تأذن لي بالسؤال؟
قلت: أرجو أن يكون سؤالك فيما نحن فيه، وأن لا تخرجنا بسؤالك عن الموضوع.
قال النواب: إن مذهبكم يعرف بالمذهب الاثني عشري لأنكم تتبعون إثني عشر إماما. فلماذا اشتهر هذا المذهب باسم الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه فيطلق عليكم الجعفرية نسبة إليه؟

ظهور المذهب الجعفري
قلت: لقد جرت السنة الإلهية على أن كل نبي يعين رجلا وصيا لنفسه ليقوم بالأمر من بعده ولكي لا تكون أمته حائرة من بعده، فيضلوا عن سبيل الله سبحانه، فقد قال عز وجل: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد)(20). وبينا لكم في المجالس السابقة أن النبي محمد (ص) عين الإمام علي (ع) وصيا وأوصى إليه بأمر من الله سبحانه وعينه خليفة من بعده ليهدي أمته إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، ولكن السياسة اقتضت أن يخالفوا وصية رسول الله (ص) فعدلوا عنه إلى أبي بكر وعمر وعثمان وقد كانوا يستشيرونه في أكثر الأمور، فكان يشير عليهم بالحق والصواب، وهو الذي كان يواجه علماء الأديان المناوئون للإسلام فيرد شبهاتهم ويجيب مسائلهم.
ولما آل الأمر إلى بني أمية واغتصب معاوية عرش الخلافة، عاملوه وعاملوا أئمة أهل البيت والعترة الهادية (ع) بكل قساوة، فما شاورهم في أي أمر من الأمور بل خالفوهم وما أذنوا لهم بنشر علومهم وبيان ما أخذوه من رسول الله (ص)، فطاردوا شيعتهم ومحبيهم وقتلوهم وسجنوهم وأبعدوهم إلى أن انتهت هذه السياسة الظالمة والسيرة الجائرة الغاشمة بقيام عام من المسلمين ضد بني أمية فأبادوهم، وانتقل الحكم إلى بني العباس وكان ذلك في عصر الإمام الصادق (ع) الذي اغتنم هذه الفرصة التي أتيحت له بانشغال الدولتين ففتح باب بيته على مصراعيه ليستقبل من رواد العلم وطلابه، فوفد نحوه العلماء من كل صوب ومن كل مكان ليرتووا من منهله ويستقوا من منبعه العذب الصافي، وقد عد بعض المحققين والمؤرخين تلاميذه فتجاوز الأربعة آلاف، فالتف حوله طلاب الحق فكشف لهم الحقائق العلمية، وأوضح لهم المسائل الاعتقادية، وبين لهم المسائل الدينية مستندا فيها على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي وصلته عن طريق آبائه الطيبين والأئمة المعصومين من أهل البيت (ع).
وهكذا انتشرت عن طريقه أصول مذهب الشيعة وعقائدهم الحقة، وقد ألف بعض أصحابه وتلامذته المقربين رسائل في هذا الأمر اشتهرت بالأصول الأربعمائة.
ولم ينحصر علمه في المسائل الدينية والأحكام الشرعية بل كان بحرا زاخرا في شتى العلوم حتى أن جابر بن حيان أخذ منه علم الكيمياء وألف في ذلك رسائل عديدة تدرس بعضها إلى يومنا هذا في الجامعات العلمية.
وبعدما تسلط بنو العباس على الحكم وقويت شوكتهم، منعوه من نشر العلم وتدريسه، ودام المنع على أبنائه الأئمة الطاهرين (ع) من بعده، فالفرصة التي أتيحت له في فترة قصيرة ما أتيحت لأحد من آبائه ولا لأحد من أبنائه الهداة الطيبين.
فلذلك اشتهر هذا المذهب باسمه وانتسب إليه، فيقال: مذهب جعفر بن محمد أو المذهب الجعفري.
فالإمام الصادق (ع) كما يعترف أعلامكم وكبار علمائكم هو الله وأعلم أهل زمانه، وكما أشرنا بأن الأئمة وغيرهم من أئمة الفقه أخذوا عنه وتتلمذوا عنده، وكل واحد استفاد من محضره حسب استعداده. وكان (ع) أفضلهم وأزهدهم و أورعهم ومع ذلك ترك أسلافكم تقليده ومتابعته، حتى أنهم أبوا أن يجعلوه في عداد الأئمة الأربعة! لماذا هذا الجفاء والبغضاء؟ هل لأنه من آل محمد (ص) ومن عترته الطاهرة (ع)؟!
وقد بالغ بعض محدثيكم وأعلامكم في البعض والجفاء لأهل البيت إلى حد العناد، بحيث أبوا أن ينقلوا عنهم الحديث الذي يروونه عن جدهم رسول الله (ص) ( مع ما أوصى به النبي (ص) بهم، وتحريضه الأمة على إكرامهم واحترامهم ومتابعتهم).
فهذا البخاري ومسلم لم ينقلا روايات الإمام جعفر الصادق (ع) في صحيحهما، بل لم ينقلا عن أبي واحد من علماء أهل البيت وفقهائهم، مثل زيد بن علي الشهيد والمدفون في " فخ " ويحيى ابن عبدالله بن الحسن وأخيه إدريس، ومحمد بن الإمام الصادق ومحمد بن إبراهيم المعروف بابن طباطبا ومحمد بن محمد بن زيد وعبد الله بن الحسن وعلي بن جعفر العريضي وغيرهم من أكابر وسادات بني هاشم من المحدثين والفقهاء، فلم ينقلا عنهم. والعجيب أن البخاري ينقل ويروي عن أناس ضعفاء في الإيمان والعقيدة، بل ينقل عن عدة من الخوارج والذين نصبوا العداء لآل محمد (ص) أمثال أبي هريرة وعكرمة وعمران بن حطان الذي يمدح ابن ملجم المرادي قاتل الإمام علي بن أبي طالب (ع).
  #25  
قديم 05-07-08, 05:30 AM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي



وقد كتب ابن البيع أن البخاري روى في صحيحه عن ألف ومئتين خارجي وناصبي من قبيل عمران بن حطان(21).
وإني أتعجب وأتأسف من رأي بعض أعلامكم إذ يرون بأن أتباع الأئمة الأربعة مسلمين مؤمنين، ولكن شيعة آل محمد وأتباع الإمام جعفر الصادق (ص) كفرة ومشركين، فيفترون على طائفة كبيرة من المسلمين وعددا كثيرا بالكفر والشرك. فلو قسنا الشيعة بأتباع كل مذهب من المذاهب الأربعة من أهل السنة لوحدهم فالشيعة هم الأكثر، فإن أتباع الإمام الصادق (ع)، أكثر من أتباع محمد بن إدريس وهكذا لو قسناهم مع أتباع أبي حنيفة لوحدهم وأتباع أحمد بن حنبل لوحدهم، لوجدنا شيعة الإمام الصادق (ع) أكثر عددا، وإني أعلن بأننا نحن الشيعة ندعوا إخواننا السنة إلى التقارب والوحدة ونبرأ إلى الله تعالى من التنافر والتفرقة.
الحافظ: إني أؤيد كثيرا من كلامك وأعترف بأن هناك بعض التعصبات حاكمة على كثير من أهل السنة، ولكن لو تحققنا عن الأسباب لعرفناها ترجع إليكم، لأنكم أنتم ـ علماء الشيعة ومبلغيهم ـ لا ترشدون عوام الشيعة إلى الحق ولا تنهونهم عن الباطل، فهم يتكلمون بكلمات تنتهي إلى الكفر والشرك.
قلت: أرجوك أن توضح لي كلامك وتبين لي أمثالا من كلام عوام الشيعة الذي ينتهي إلى الكفر!!

مطاعن الشيعة في الصحابة وزوجات النبي (ص)
الحافظ: مما لاشك فيه أن المطاعن التي تروونها على الصحابة المقربين لرسول الله وبعض زوجاته الطاهرات رضي الله عنهم كفر صريح، إذ أن هؤلاء الصحابة هم الذين جاهدوا في سبيل الله وقاتلوا الكفار تحت راية النبي وقد قال سبحانه فيهم: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة)(22) فالذين يعلن الله تعالى رضاه عنهم، ورسول الله يكرمهم ويحترمهم ويحدث عن فضائلهم، وهو كما قال سبحانه في سورة النجم (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى)(23).
فالطعن فيهم إنكار للقرآن والنبي، وهو كفر، والمنكر كافر.
قلت: إني لا أحب أن يخوض في هكذا مسائل فالرجاء أن تترك هذا السؤال ولا تطالبني بالجواب في حضور هذا الجمع، بل أجتمع بك وحدك وأعطيك الجواب.
الحافظ: الحقيقة، إن هذا السؤال والموضوع مطروح من قبل الجماعة الذين معي لأنهم ألحوا علي وأكدوا في الليلة الماضية حينما انتهينا من البحث وخرجنا إلى البيت، على أن أطرح هذا البحث فكلهم يحب أن يسمع جوابكم.
النواب: صحيح يا مولانا كلنا نحب أن نسمع جواب هذا السؤال.
قلت: إني أتعجب من جنابكم وما كنت أتوقع طرح هذا السؤال، مع ما بيناه في الليالي الماضية وأوضحنا لكم معنى الكفر والشرك وأثبتنا بأن الشيعة سائرون في طريق أهل البيت (ع)، وتابعون لآل محمد (ص)، وهم المؤمنون حقا.
وأما الموضوع الذي طرحه جناب الحافظ، فهو ذو جهات، وليس موضوعا واحدا، ولابد لي أن أبسطه وأشرحه، حتى يعرف الحاضرون حقيقة الأمر ويقضوا بالحق، وحتى نزول الشبهات الواقعة في نفوسهم ضد الشيعة.

سب الصحابة لا يوجب الكفر
أما قول الحافظ: بأن سب الصحابة والطعن فيهم ولعنهم، ولعن بعض زوجات النبي (ص) من قبل الشيعة موجب لكفر الشيعة، فهو حكم غريب! ولا أدري بأي دليل من القرآن والسنة النبوية صدر هذا الحكم؟!!
فإن بيان الطعن وكذلك السب واللعن إذا كان مستندا إلى دليل وبرهان فلا إشكال فيه(24).
وإن كان من غير دليل وبرهان فهو فسق، حتى إذا كان على أصحاب النبي (ص) وزوجاته(25) وهذا رأي بعض أعلامكم كابن حزم حيث يقول في كتابه " الفصل ج3/257 ".
وأما من سب أحدا من الصحابة (رض)، فإن كان جاهلا فمعذور، وإن قامت عليه الحجة فتمادى غير معاند فهو فاسق، كمن زنى وسرق وإن عاند الله تعالى في ذلك ورسوله (ص) فهو كافر، وقد قال عمر (رض) بحضرة النبي (ص) عن حاطب، وحاطب مهاجر بدري: دعني أضرب عنق هذا المنافق!
فما كان عمر بتكفيره حاطبا كافرا، بل كان مخطئا متأولا... الخ.
وقد أفرط أبو الحسن الأشعري [ وهو إمامكم في مثل هذه المسائل ] فإنه يرى: إن من كان في الباطن مؤمنا وتظاهر بالكفر، فهو غير كافر، حتى إذا سب الله ورسوله (ص) من غير عذر بل حتى إذا خرج لحرب النبي! [ والعياذ بالله ].
ويستدل على ذلك بأن الكفر والإيمان محلهما في القلب وهما من الأمور الخفية الباطنية، فلا يمكن لأحد أن يطلع على باطن الإنسان وما في قلبه إلا الله سبحانه(26)!!
فكيف يكفر جناب الحافظ وأمثاله، شيعة آل محمد (ص) لمجرد سبهم بعض الصحابة وبعض زوجات النبي؟
مع العلم بأن كثيرا من علمائكم وأعلامكم السابقين ردوا هذا الحكم الجائر ونسبوا قائليه إلى الجهل والتعصب. وحكموا بأن الشيعة مسلمون مؤمنون.
منهم القاضي عبدالرحمن الايجي الشافعي في كتابه المواقف، رد كل الوجوه التي بينها بعض المتعصبين من أهل السنة في تكفير الشيعة وأثبت بطلانها.
ومنهم الإمام محمد الغزالي، صرح بأن سب الصحابة لا يوجب الكفر ، حتى سب الشيخين ليس بكفر.
ومنهم سعد الدين التفتازاني في كتابه شرح العقائد النسفية، تناول هذا البحث بالتفصيل وخرج إلى أن ساب الصحابة ليس بكافر.
ثم إن أكثر مَن كتب مِن أعلامكم في الملل والنحل وكتب في المذاهب الإسلامية: عد الشيعة من المسلمين وذكرهم في عداد المذاهب الإسلامية الأخرى.
منهم العلامة بن الأثير الجزري في كتابه جامع الأصول، ومنهم الشهرستاني في كتابه الملل والنحل.
ومما يذكر في عدم كفر الساب لبعض صحابة رسول الله (ص) أن أبا بكر قد سبه أحد المسلمين وشتمه فما أمر بقتله، كما جاء في مستدرك الحاكم النيسابوري ج4/355 أخرج بسنده عن أبي برزة الأسلمي (رض) قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق (رض) فقلت: يا خليفة رسول الله ألا أقتله؟! فقال: ليس هذا إلا لمن شتم النبي (ص).
وأخرجه الإمام أحمد في المسند ج1/9 بسنده عن ثوية العنبري قال: سمعت أبا سوار القاضي يقول: عن ابن برزة الأسلمي قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق (رض) قال: فقال أبو برزة: ألا أضرب عنقه؟
قال فانتهره وقال: ما هي لأحد بعد رسول الله.
ورواه الذهبي في تلخيص المستدرك، والقاضي عياض في الشفاء ج4/ الباب الأول، والإمام الغزالي في إحياء العلوم ج2.
فإذا كان الأمر كذلك، إذ يسمع الخليفة من رجل السباب والشتم ولا يحكم بكفر ولا يقتله.
فلماذا أنتم علماء تغوون أتباعكم العوام وتكفرون الشيعة عندهم بحجة أنهم يسبون الصحابة ويشتمون الخلفاء، ثم تبيحون لهم قتل الشيعة المؤمنين!!
وإذا كان سب صحابة الرسول (ص) موجبا للكفر، فلماذا لا تحكمون بكفر معاوية وأتباعه الذين كانوا يسبون ويلعنون أفضل صحابة رسول الله وأعلمهم وأروعهم، ألا وهو أمير المؤمنين وسيد الوصيين وإمام المتقين علي بن أبي طالب (ع) ؟!
وإذا كان سب الصحابة يوجب الكفر، فلماذا لا تكفرون عائشة ـ أم المؤمنين ـ إذا كانت تشتم عثمان وتحرض أبناءها على قتله فتقول: اقتلوا نعثلا فقد كفر؟!
كيف تحكمون في موضوع واحد بحكمين متناقضين؟!
فإذا سب أحد الشيعة ولعن عثمان، تكفروه وتحكمون بقتله. ولكن عائشة التي كفرت عثمان وحرضت المسلمين على قتله تكون عندكم محترمة ومكرمة!! فما هذا التهافت والتناقض؟!
النواب: ما معنى نَعْثَل؟ ولماذا كانت أم المؤمنين تسمي عثمان بنعثل؟
قلت: معنى نعثل ـ كما قال الفيروز آبادي [ وهو من أعلامكم ] في القاموس ـ معناه: الشيخ المخرف.
وقال العلامة القزويني في شرحه على القاموس: ذكر ابن حجر في كتابه تبصرة المنتبه: أن نعثل يهودي كان بالمدينة هو رجل لحياني يشبّه به عثمان.
نرجع إلى بحثنا، فأقول:
إذا كان سب الصحابة يلزم منه الكفر، فإن أول من بدأ بالسب هو أبو بكر لما سب الإمام علي بن أبي طالب (ع) على المنبر في المسجد، وعلي هو أفضل الصحابة وأقربهم إلى رسول الله (ص) وأعظمهم قدرا وأكبرهم شأنا عند الله عز وجل.
ومع ذلك أنتم لا تقبحون عمل أبي بكر، بل تكرموه وتعظموه!!
الحافظ: هذا افتراء وكذب منكم على الصديق، فإن أبا بكر أجل وأكرم من أن يسب عليا كرم الله وجهه، وما سمعنا بهذا إلا منكم، وأنا على يقين بأن الصديق بريء من هكذا أفعال وأعمال قبيحة.
قلت: لا تتسرع في الحكم ولا تتهمني بالكذب والافتراء وقد ثبت لديكم بأني لا أتكلم بغير دليل وبغير شاهد من كتبكم ولكي تعرف صدق كلامي وتعلم بأن أبا بكر ارتكب هذا العمل القبيح فراجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج16 /214 و 215 ط. إحياء التراث العربي، قال:
فلما سمع أبو بكر خطبتها [ أي خطبة سيدة النساء فاطمة (ع) ] شق عليه مقالتها فصعد المنبر و قال أيها الناس......
إنما هو[ أي علي (ع) ] ثعالة شهيده ذنبه، مرب لكل فتنة هو الذي يقول كروها جذعة بعد ما هرمت، يستعينون بالضعفة و يستنصرون بالنساء كأم طحال أحب أهلها إليها البغي(27).
فإذا حكمتم بكفر من سب أحد الصحابة، فيلزم أن تحكموا بكفر أبي بكر وبنته وعائشة، وكذلك معاوية وأنصاره وتابعيهم، وإذا لم تحكموا بكفر هؤلاء لسبهم ولعنهم عليا (ع) فيلزم أن تعمموا الحكم ولا تكفروا الشيعة الموالين للعترة الهادية (ع) لسبهم بعض الصحابة.
كما أفتى وحكم كثير من فقهائكم وعلمائكم بأن الساب للصحابة غير كافر ولا يجوز قتله وذلك باستناد الخبر الذي رواه أحمد ابن حنبل في مسنده ج3، والقاضي عياض في كتاب الشفاء ج4 الباب الأول، وابن سعد في كتاب الطبقات ج5 /279 أخرج بسنده عن سهيل بن أبي صالح أن عمر بن عبد العزيز قال: لا يقتل أحد في سب أحد إلا في سب نبي.
واستنادا على ما مر من الخبر الذي نقلناه عن الحاكم النيسابوري في مستدركه ج4/355، وأخرجه أحمد في مسنده ج1/9 كلاهما عن أبي برزة الأسلمي قال: أغلظ رجل لأبي بكر، فقال أبو برزة: ألا أضرب عنقه؟ فانتهره ـ أبو بكر ـ وقال: ما هي لأحد بعد رسول الله (ص).

احترام النبي (ص) لأصحابه
وأما قول الحافظ: بأن النبي (ص) كان يحترم أصحابه ويكرمهم.
فلا ننكر ذلك... ولكن العلماء أجمعوا على أن احترام النبي للناس كان بسبب أعمالهم حتى أنه كان (ص) يقدر ويحترم عدل كسرى، و جود حاتم وهما كافران، فكان يحترمهما للعدل والجود.
وربما غضب (ص) على أحد أصحابه لذنب ارتكبه وقبيح فعله.
فاحترام النبي وتكريمه لأي شخص من الصحابة لا يدل على حسن عاقبة ذلك الشخص ولا يدل على أنه مورد احترام رسول الله (ص) إلى الأبد، بل يكون احترامه وتكريمه للأشخاص مرهونا بأعمالهم، فما داموا محسنين فهو يحترمهم، وإذا عصوا الله سبحانه وخالفوه ترك احترامهم وغضب عليهم.
فكان رسول الله (ص) يحترم أصحابه قبل أن يصدر منهم ذنبا أو خلافا لأن عقاب المجرم وإهانته قبل أن يرتكب جرما، يكون قبيحا وخلافا للعقل والشرع.
كما أن سيدنا الإمام علي (ع) كان يعلم بعلم من الله سبحانه وإخبار من رسول الله (ص) بأن ابن ملجم المرادي قاتله وكان (ع) يخبر أصحابه وشيعته بذلك، ولكن تركه وشأنه، فلم يسجنه ولم يحاصره ولم يضيق عليه، ولما أشار عليه بعض الناس أن يقتل ابن ملجم، قال (ع): لا يجوز القصاص قبل الجناية.
وروى ابن حجر في الصواعق المحرقة ص 80 في أواخر الفصل الخامس من الباب التاسع:
أن عليا جاءه ابن ملجم يستحمله فحمله، ثم قال رضي الله عنه: أريد حياته ويريد قتلي غديري من خليلي من مرادي ثم قال: هذا والله قاتلي!

رضا الله سبحانه عن الصحابة
وأما قول الحافظ: إن الله سبحانه أعلن رضاه عن أصحاب نبيه، فالطعن فيه إنكار لرضا الله عز وجل، وهذا كفر!
أقول في جوابه: نحن لا ننكر بأن الله تعالى أعلن رضاه عن الصحابة في بيعة الرضوان بقوله سبحانه:
(لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة)(28).
ولكن نقول ما قاله العلماء المحققون: بأن الآية الكريمة لا تتضمن رضا الله سبحانه عن المؤمنين ـ الذين اجتمعوا تحت الشجرة ـ على جميع أعمالهم إلى آخر حياتهم.
إنما عنت الآية الشريفة رضا الله عز وجل عن المؤمنين بمبايعتهم النبي الكريم (ص) تحت الشجرة ـ البيعة المعروفة ببيعة الرضوان ـ والتاريخ يشهد بأن كثيرا من أولئك المبايعون نزلت فيهم آيات النفاق بعد تلك البيعة وانضموا مع المنافقين وأصبحوا من الخاسرين.
فرضا الله سبحانه ما تعلق بهم لأنهم أصحاب النبي (ص)، بل تعلق رضاه بهم لأنهم كانوا مؤمنين بالله ورسوله ورضاهما بهم ما داموا مؤمنين، فإذا خرجوا من الإيمان وارتدوا، فرضا الله العزيز ينقلب إلى غضبه عليهم ـ نعوذ بالله من غضبه ـ والشيعة يحمدون كل عمل حسن صدر من إنسان وخاصة أصحاب رسول الله (ص)، ويقدحون كل عمل قبيح صدر من أي شخص سواء أكان صحابيا أو غير صحابي، فإن أصحاب رسول الله (ص) ما كانوا معصومين وقد صدر من بعضهم أعمال غير حميدة ومعاصي عديدة.
الحافظ: إن هذا القول افتراء على الصحابة!
فنحن لا نعتقد بعصمتهم، لكن النبي (ص) قال فيهم: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.
وقد أجمع المسلمون على صحة هذا الحديث الشريف إلا أنتم الشيعة.

أصحابي كالنجوم!
قلت: أترك النقاش حول سند الحديث و صحته أو سقمه، وأبدأ معك في مدلوله حتى لا نبتعد عن صلب الموضوع والبحث الذي نحن فيه.
فأقول: أولا: اتفق المسلمون وأجمعوا على أن كل من أدرك رسول الله (ص) وسمع حديثه فهو صحابي، سواء أكان من المهاجرين أم الأنصار، أم من الموالين وغيرهم.
ومن الخطأ أن نحسب كل أولئك هادين مهديين، لوجود المنافقين بينهم والفاسقين، وذلك ثابت بالنص الصريح في القرآن الحكيم(29).
حتى أن التاريخ يحدثنا بأن جماعة من أصحاب النبي (ص) الذين كانوا يتظاهرون بحبه وطاعته، تآمروا عليه عند رجوعه من غزوة تبوك وأرادوا قتله في بطن عقبة في الطريق، إلا أن الله تعالى عصم رسول الله (ص) من كيد أولئك الأشرار المنافقين.
الحافظ: لقد روى قضية العقبة جماعة من علماء الشيعة وهي عند علمائنا غير ثابتة.
قلت: انك قلت رهجا وذهبت عوجا، فإن قضية العقبة اشتهرت بين المؤرخين والمحدثين حتى ذكرها كثير من أعلامكم: منهم الحافظ أبو بكر البيهقي الشافعي، في كتابه دلائل النبوة، ذكرها مسندا، ومنهم احمد بن حنبل في آخر الجزء الخامس من مسنده عن أبى الطفيل، ومنهم ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة، حتى لعن رسول الله (ص) في تلك الليلة جماعة من أصحابه وهم المتآمرون عليه والقاصدون قتله.

مؤامرة لقتل النبي (ص)
النواب: أرجوك أن تبين لنا قضية العقبة وقصة المتآمرين على قتل النبي الكريم ولو باختصار.
قلت: ذكر علماء الفريقين: أن جماعة من المنافقين الذين كانوا حول النبي (ص) تآمروا على قتله عند رجوعه من غزوة تبوك.
فهبط جبرئيل على رسول الله (ص) وأخبره بتآمر القوم وأعلمه بمكان اجتماعهم وحذره من كيدهم، فبعث النبي (ص) حذيفة بن اليمان على المكان ليعرفهم، فرجع حذيفة وذكر للنبي (ص) أسماء المتآمرين فكانوا أربعة عشر نفرا، سبعة من آل أمية.
فأمر النبي (ص) حذيفة بكتمان الأمر وكتمان أسمائهم.
وأما مكان المؤامرة المدبرة.. فقد كانت عقبة خطرة في الطريق، وكانت رفيعة وضيقة بحيث لا يتسع إلا لعبور راكب واحد فحمل المنافقون دبابا كثيرة على الجبل الذي يعلو تلك العقبة وكمنوا هناك ليدحرجوها عند وصول ناقة رسول الله (ص) إلى تلك النقطة الخطرة، حتى تنفر الناقة من أصوات الدباب المدحرجة فيسقط النبي (ص) عن ظهرها إلى عمق الوادي فيتقطع ويموت ويضيع دمه، كل ذلك يتم في سواد الليل.
أما النبي (ص) عند عبوره من تلك العقبة أمر بن ياسر أن يأخذ بخطام الناقة ويقودها، وأمر أيضا حذيفة بن اليمان ليسوقها فلما دحرج القوم الدباب وأرادت الناقة أن تنفر صاح النبي (ص) عليها فسكنت وقرت، وانهزم المنافقون وتواروا.
وهكذا عصم الله سبحانه نبيه (ص) وفضح أعداءه، نعم إنكم تعدون هؤلاء المنافقين من أصحاب النبي (ص)، فكيف يمكن أن نقول بأن الاقتداء بهم جائز، أو نعتقد بعدالتهم وأنهم هداة مهديون؟!

صحابة ولكن كاذبون
ثانيا: هذا أبو هريرة الكذاب ـ وقد أشرنا في بعض المجالس السابقة إلى تاريخه الأسود من كتبكم، وأثبتنا بأن عمر بن الخطاب ضربه بالسياط حتى أدماه، لأنه كان يكذب كثيرا على رسول الله في نقله الأحاديث المجعولة عنه (ص).
أما كان أبو هريرة من أصحاب رسول الله (ص)؟
وكذلك سمرة بن جندب الكذاب الفاسق وغيره من الذين كانوا يفترون على النبي (ص) وينقلون عنه أحاديث ما كان فاه بها أبدا!!
وهم يعدون من أصحابه (ص).
فهل من المعقول أن يسمح النبي (ص) لأمته أن يتبعوا الكاذبين ويأخذوا دينهم عنهم؟!
ثم إذا كان هذا الحديث.. " أصحابي كالنجوم الخ " "، صحيحا فما تقولون لو اختلف صحابيان في حكم وتنازعا في أمر، أو قاتلت طائفتان من الصحابة ـ كما حدث بعد النبي (ص) ـ فالحق مع من؟
وفي متابعة أي الفريقين تكون السعادة والنجاة؟!
الحافظ: نستمع قول كل واحد منهما فمن كانت دلائله أقوى وحجته أعلى فنتبعه.
قلت: إذن صاحب الدلائل القوية والحجة العلية يكون صاحب الحق ومخالفه يكون على باطل! فحينئذ لا اعتبار لحديث " أصحابي كالنجوم " وهو ساقط عقلا ، لأن الهداية لا تحصل في الاقتداء بالباطل.

بمن نقتدي في خلافة السقيفة؟
ثالثا: اذا كان هذا الحديث ـ أصحابي كالنجوم ـ صحيحا، فلماذا تطعنون في الشيعة وتحكمون عليهم بالخروج عن الدين ورفض الحق عندما اقتدوا في عدم قبول خلافة أبي بكر وبطلان السقيفة بعدد من الصحابة المقربين للنبي (ص) كسلمان وأبي ذر وعمار والمقداد وأبي أيوب الأنصاري وحذيفة بن اليمان وخزيمة ذي الشهادتين وغيرهم ممن كان النبي (ص) يحترمهم ويكرمهم ويشاورهم في أمور العامة كالحرب والصلح وما شابه ذلك بل نجد في كتبكم ومسانيدكم المعتبرة أحادث كثيرة عن رسول الله (ص) في فضل كثير منهم وقد ذكرنا بعضها في المجالس السابقة وكما ذكرنا احتجاجهم ودلائل مخالفتهم لرأي السقيفة وخلافة أبي بكر.
فإذا كان حديث أصحابي كالنجوم صحيحا، فلماذا تسمون الشيعة بالرافضة ولماذا تحكمون على مذهبهم بالبطلان؟!
أما كان سعد بن عبادة من كبار الصحابة وسادات الأنصار؟ وهو بإجماع المؤرخين والمحدثين ما بايع أبا بكر وخالف خلافته حتى قتل على عهد الخليفة الثاني عمر، وسعد ما بايع عمر أيضا.
فالحديث يصرح بأن الاقتداء به ـ وهو مخالفة أبي بكر وعمر ورفض خلافتهما ونسبتهما إلى الظلم والغصب والبطلان ـ صحيح وفيه الهداية والسعادة.

انحراف بعض الصحابة
رابعا: لا أظن أحد المؤمنين ينكر انحراف بعض الصحابة وخروجهم على الحق وميلهم عن الصراط المستقيم، وذلك بقتالهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وهو إذ ذاك ـ حسب قولكم ـ كان الخليفة الرابع وآخر الخلفاء الراشدين الذين بايعه أهل الحل والعقد، وأجمعوا على خلافته، فنكث بعض الصحابة بيعته وخالفه آخرون ، حتى أعلنوا عليه الحرب وقادوا الجيوش لقتاله.
فهذا طلحة والزبير وهما من أصحاب بيعة الرضوان، قد أخرجوا معهما عائشة زوجة رسول الله (ص) إلى البصرة وكانت بسببهم وقعة الجمل التي قتل فيها ألوف المسلمين وسفكت دماء المؤمنين.
وهذا معاوية وابن العاص، سببا معركة صفين، وكم زهقت فيها نفوس المؤمنين وأريقت دماء المسلمين.
أفهل كانوا هؤلاء الذين نكثوا البيعة ونقضوا العهد وشقوا عصا المسلمين وأوقعوا فيهم الخلاف والشقاق وعملوا لصالح أهل الكفر والنفاق، هل كانوا على الهداية والحق أم كانوا على الباطل والضلال؟!
وقد أجمع العلماء والمحققون وأئمة المسلمين على أن عليا (ع) مع الحق والحق مع علي وهو قول النبي (ص) فيه، فكل من خالفه يكون على باطل، ولو كان من الصحابة وحتى إذا كانت عائشة زوجة رسول الله (ص)(30).
وأما معاوية وابن العاص والوليد بن عقبة ومروان وحزبهم الذين سنوا لعن الإمام علي (ع) وسبه على منابر الإسلام وفي خطب الجمعات وحتى في قنوت الصلوات، مع علمهم بقول النبي (ص):
من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله تعالى(31).
أ فهل مع كل هذا تقولون بأن الاقتداء بهؤلاء الفسقة المنافقين والفجرة المضلين هدى ونجاة؟!

ضعف سند حديث ((أصحابي كالنجوم))
خامسا: إضافة على إباء العقل السليم من قبول هذا الحديث وتصحيحه لما ارتكبه بعض الصحابة بعد رسول الله (ص) من الظلم الفاحش والجرم المبين، ومخالفتهم لكتاب الله العزيز وسنة نبيه الكريم، مضافا إلى ذلك فقد رد كثير من أعلامكم سنده وضعفوا رجاله.
منهم القاضي عياض بعدما ذكر الحديث في كتابه شرح الشفاء ج2/91 ذكر بأن الدار قطني وابن عبدالبر قالا بعدم حجية سنده، فالحديث مردود عندهما، وذكر بأن عبد ابن حميد ذكر في مسنده عن عبدالله بن عمر، وعن البزاز: بأنهما أنكرا هذا الحديث وأعلنا عدم صحته.
ونقل ابن عدي في الكامل بإسناده عن نافع عن عبدالله بن عمر أنه ضعّف الحديث ولم يؤيده.
ونقل عن البيهقي أنه قال: سند الحديث ضعيف، وإن كان نصه مشتهرا بين الناس. انتهى كلام القاضي عياض.
وحيث نجد في سند الحديث الحارث ابن غضين وهو مجهول، وحمزة بن أبي حمزة النصيري وهو متهم عند المحققين بالكذب وجعل الحديث، فالحديث مردود وملغي يجب تركه.
وابن حزم أيضا رد الحديث وقال فيه: إنه موضوع وباطل.

هل تلتزمون بعصمة الصحابة؟
والجدير بالذكر... إنكم لا تلتزمون بعصمة الأنبياء بل وكثير منكم يعتقد بإمكان صدور الخطأ من سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد (ص) ومع ذلك يتعصب لهذا الحديث الموضوع!!
وينكر على الشيعة إذا انتقدوا الصحابة وناقشوا في أفعالهم، وما صدر منهم بعد النبي (ص) من الحروب والفتن التي أشعلوا نيرانها وأحرقوا بها المؤمنين الأبرياء و المسلمين الأتقياء!
الحافظ: نحن لا نعتقد بعصمة أصحاب رسول الله (ص) ولكن نلتزم بعدالتهم ولذلك نقول: كلما صدر منهم كان عن عدالة ونية صحيحة حقة، فإنهم أرادوا إحقاق الحق، فلذلك يؤجرون عليه ولا يؤاخذون عليهم.
قلت: ولكن الأخبار التي نقلها كثير من أعلامكم تكشف أن كثيرا من الصحابة كانوا يعصون الله سبحانه وكانوا يتبعون الهوى ويميلون إلى الدنيا.
الحافظ: لم نسمع بهذا القول قبل اليوم، فالرجاء بين لنا تلك الأخبار.

صحابي يشرب الخمر!
قلت: ذكر ابن حجر في كتابه فتح الباري ج10/30 قال: عقد أبو طلحة زيد بن سهل مجلس خمر في بيته ودعا عشرة أشخاص من المسلمين، فشربوا وسكروا، حتى أن أبا بكر أنشد أشعارا في رثاء قتلى المشركين في بدر!!
النواب: وهل ذكر أسماء المدعوين الحاضرين في ذلك المجلس؟
قلت: نعم يا حضرة النواب ذكرهم علماؤكم قالوا: إنهم كانوا:
1ـ أبا بكر بن أبي قحافة 2ـ عمر بن الخطاب 3ـ أبو عبيدة الجراح 4ـ أبي بن كعب 5ـ سهل بن بيضاء 6ـ أبو أيوب الأنصاري 7ـ أبا طلحة " صاحب البيت " 8ـ أبا دجانة سماك بن خرشة 9ـ أبا بكر بن شغوب 10 ـ أنس بن مالك، وكان عمره يومذاك 18 سنة فكان يدور في المجلس بأواني الخمر يسقيهم.
وروى البيهقي في سننه ج8/29 عن أنس أنه قال: وكنت أصغرهم سنا وكنت الساقي في ذلك المجلس!
فيقوم الشيخ عبدالسلام متعصبا ويقول: والله هذا الخبر من مفتريات أعدائنا، وجعل مخالفينا!
قلت ـ وأنا أتبسم ـ: لا تتهم أحدا بالجعل والافتراء ولا تحلف بالله عز وجل فإن كبار علماؤكم كتبوا هذا الخبر في صحاحهم ومسانيدهم منهم، البخاري في صحيحه، في تفسير الآية الكريمة: ( وإنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) (32).
ومسلم في صحيحه كتاب الأطعمة والأشربة / باب تحريم الخمر.
والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج 3 / 181 و 227.
وابن كثير في تفسيره ج2 / 93 و 94.
وجلال الدين السيوطي في تفسيره الدر المنثور ج2/321.
والطبري في تفسيره ج7/24 ـ وابن حجر العسقلاني في الاصابة ج4/22 ـ وفي فتح الباري ج10/84.
والبيهقي في سننه 286 و 290.
وغير هؤلاء كثير من أعلامكم الذين ذكروا خبر اجتماع المذكورين في مجلس الخمر!
الشيخ عبد السلام: ربما كان ذلك قبل تحريم الخمر!
قلت: حسب نزول آيات القرآن في بيان مضار الخمر وإثمها وتحريمها ، وحسب بعض المفسرين، نعرف أن بعض الصحابة وبعض المسلمين كانوا يشربون الخمر حتى بعدما حرمها الله!
نقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره الكبير ج2/203 روى مسندا عن أبي القموس زيد بن علي، بأن الله سبحانه أنزل آيات عن الخمر ثلاث مرات، المرة الأولى أنزل: (يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما)(33).
ولكن المسلمين ما تركوا الخمر، حتى شربها إثنان من المسلمين فوقفا للصلاة وهما لا يشعران بما يقولان، فأنزل الله تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون)(34).
ومع ذلك ما انتهى كثير من المسلمين وما امتنعوا من شرب الخمر!
إلى أن سكر أحد المسلمين يوما وأنشد أبياتا في رثاء قتلى المشركين يوم بدر [ حسب رواية البزار وابن حجر وابن مروديه كان ذاك السكران أبو بكر ](35).
فلما أخبر النبي (ص) غضب وجاء إليه وأراد أن يضربه بشيء كان في يده.
فقال الرجل: أعوذ بالله من غضب الله ورسوله، فوالله لا أشرب الخمر بعد يومي هذا. فأنزل الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون)(36).
والحاصل: إن الصحابة كسائر الناس والأصناف، فيهم الطيب المحسن والعاصي المسيء، منهم من أدرك برسول الله (ص) أعظم الدرجات العالية وسعد في الدنيا والآخرة بالطاعة والامتثال لأوامر النبي (ص) ومنهم من تبع الهوى وأطاع الشيطان واغتر بالدنيا فضل و أضل.
فنحن حينما نطعن في أحد الصحابة لابد وأن يكون لدينا دليل وبرهان نستند عليه، حتى أن كثيرا من تلك المطاعن إضافة على أنها مذكورة في كتبكم المعتبرة فهي مصدقة بشواهد من القرآن الحكيم، وإن كان عندكم رد معقول ومقبول على ما نطعن به على بعض الصحابة فأتوا به حتى نوافقكم ونترك الطعن، وإذا لم يكن عنكم رد، فأقبلوا قولنا واتركوا التهجم على الشيعة بأنهم يطعنون في الصحابة والخلفاء، وإذا سمعتم منا بأنا نقول: إن بعض الصحابة أو بعض الخلفاء قاموا بأعمال قبيحة وأفعال غير حميدة، فطالبونا بالشواهد والدليل حتى نوضح ونبين لكم.
الحافظ: طيب... بين لنا كيف صدرت أعمال قبيحة وأفعال غير حميدة من بعض الصحابة وبعض الخلفاء، بين ذلك فان كان مستندا بدليل وبرهان فنحن أيضا نقبل منكم، ولسنا أهل تعصب وعناد.
قلت: أتعجب من جناب الحافظ محمد رشيد وسؤاله، بعدما بينا نماذج من جرائم بعض الصحابة ومعاصيهم فيسأل عن القبائح التي ارتكبها بعض الأصحاب والخلفاء!
فأذكر نموذجا واضحا في هذا الباب تلبية لطلب الحافظ محمد رشيد ولكي يزداد علما فأقول:
لقد اتفق أعلام الفريقين على أن أكثر الصحابة نقضوا العهد ونكثوا البيعة التي أمر الله تعالى بها في كتابه ونهى عن نقض العهد بقوله: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها)(37).
ولقد لعن الناقضين في قوله تعالى:
(والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار)(38).
وكما حكم علماء الفريقين وأثبتوا أن نقض العهد من أكبر الذنوب والمعاصي، وخاصة إذا كان العهد والميثاق بأمر الله عز وجل وتبليغ حبيبه المصطفى محمد (ص) فنقض الصحابة لذلك العهد والميثاق من أقبح القبائح التي تؤخذ عليهم.
الحافظ: أي عهد هذا؟ وأي ميثاق أخذه الله على الصحابة، وبلغه النبي (ص) ثم نقضه الأصحاب؟ فالخبر في هذا الباب لا يكون إلا من مفتريات ومجعولات الشيعة، ونحن على علم واعتقاد بأن أصحاب رسول الله (ص) هم أجل وأكرم من نقض العهد الإلهي.

من هم الصادقون؟
قلت: لقد أكدت وكررت عليكم بأن الشيعة حيث يتبعون الأئمة الصادقين من العترة الهادية الطاهرة، فلا يكذبون ولا هم بحاجة في إثبات عقائدهم إلى جعل خبر، أو وضع حديث.
فعلماؤهم وعامتهم على حد سواء في هذا الأمر، وكلهم يتبعون الصادقين الذين أمر الله عز وجل بمتابعتهم بقوله:
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)(39).
وقد صرح كثير من أعلامكم أن المقصود من الصادقين في الآية الكريمة محمد المصطفى (ص) وعلي المرتضى (ع)، وممن صرح بذلك:
الثعلبي في تفسيره، وجلال الدين السيوطي في الدر المنثور، والحافظ أبو نعيم في " ما نزل من القرآن في علي "، والخطيب الخوارزمي في " المناقب "، والحافظ سليمان القندوزي الحنفي في ينابيع المودة / الباب 39، وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين، ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / الباب 62 عن تاريخ ابن عساكر...، هؤلاء كلهم قد اتفقوا على المقصود من الصادقين: النبي الكريم (ص) والإمام علي (ع).
وقال بعض بأن المقصود من الصادقين في الآية الشريفة هم رسول الله (ص) والأئمة من أهل بيته وعترته(40).
فالشيعة مع الصادقين، يتبعونهم ويطيعونهم ويحذون حذوهم، وما لم يكونا كذلك فليسوا بشيعة حقا.
فكن على يقين ـ أيها الحافظ ـ بأننا لا نقول شيئا في حوارنا ونقاشنا إلا ويكون مصدره ومستنده كتب أعلامكم وأقوال علمائكم، فإن يكن لكم اعتراض فاللازم أن تعترضوا على علمائكم الذين كتبوا تلك الروايات والأدلة!
الحافظ: لم أعهد أحدا من علمائنا الأعلام كتب: بأن الصحابة بعد رسول الله قد نقضوا عهدا أو نكثوا بيعة كانت عليهم في حضور النبي (ص) أو أخذها عليهم رسول الله (ص) فنكثوها.

نقض بعض الصحابة للعهود
قلت: لقد نقض بعض الصحابة عهودا أخذها منهم النبي (ص)، ولكنهم نقضوها في حياته أو بعد وفاته، وأهمها عهد الخلافة والولاية وبيعة يوم الغدير.

حديث الولاية في غدير خم
لقد اعترف جمهور علماء المسلمين من الفريقين: بأن النبي (ص) في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام في العام العاشر من الهجرة النبوية عند رجوعه من حجة الوداع إلى المدينة المنورة، نزل عند غدير في أرض تسمى " خم " وأمر برجوع من تقدم عليه وانتظر وصول من تخلف عنه، حتى اجتمع كل من كان معه (ص) وكان عددهم سبعين ألفا أو أكثر، ففي تفسير الثعلبي وتذكرة سبط ابن الجوزي وغيرهما: كان عددهم يومئذ مائة وعشرين ألفا وكلهم حضروا عند غدير خم.
فصعد رسول الله (ص) منبرا من أحداج الابل، وخطب فيهم خطب عظيمة ، ذكرها أكثر علماء المسلمين والمحدثين من الفريقين في مسانيدهم وكتبهم الجامعة، وذكر في شطر منها بعض الآيات القرآنية التي نزلت في شأن أخيه علي بن أبي طالب (ع)، وبين فضله ومقامه على الأمة، ثم قال:
معاشر الناس! ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى.
قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه.
ثم رفع يده نحو السماء ودعا له ولمن ينصره ويتولاه فقال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله.
ثم أمر (ص)، فنصبوا خيمة وأجلس عليا (ع) فيها وأمر جميع من كان معه أن يحضروا عنده جماعات وأفرادا ليسلموا عليه بإمرة المؤمنين ويبايعوه، وقال (ص): لقد أمرني ربي بذلك، وأمركم بالبيعة لعلي (ع).
ولقد بايع في من بايع أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير، فأقام ثلاثة أيام في ذلك المكان، حتى أتمت البيعة لعلي (ع)، حيث بايعه جميع من كان مع النبي (ص) في حجة الوداع، ثم ارتحل من خم وتابع سفره إلى المدينة المنورة.
الحافظ: كيف يمكن أن يقع هكذا أمر هام وعظيم ولكن العلماء الكبار لم يذكروه في كتبهم المعتبرة؟!
  #26  
قديم 05-07-08, 05:31 AM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي



قلت: ما كنت أنتظر منك ـ وأنت من حفاظ الحديث عند أهل السنة والجماعة ـ أن تجهل أو تتجاهل حديث الولاية في الغدير وهو أشهر من الشمس في رائعة النهار، ومن أوضح الواضحات عند ذوي الأبصار، ولا ينكره إلا الجاهل أو العالم المعاند!
ولكي يثبت عندك وعند الحاضرين زيف مقالك وبطلان كلامك حيث قلت: ولكن العلماء الكبار لم يذكروا هذا الحديث!
لا بد لي أن أذكر قائمة بأسماء بعض من رواه من علمائكم الأعلام وأشهر محدثي الإسلام، وإلا فذكر جميعهم أمر لا يرام فأقول منهم:
الفخر الرازي في تفسيره الكبير مفاتيح الغيب.
الثعلبي في تفسيره كشف البيان.
جلال الدين السيوطي / في تفسيره الدر المنثور.
الحافظ أبو نعيم في كتاب ما نزل من القرآن في علي (ع) ـ وحلية الأولياء ـ.
أبو الحسن الواحدي النيسابوري في تفسير غرائب القرآن.
الطبري في تفسيره الكبير.
نظام الدين النيسابوري في تفسيره غرائب القرآن.
" كلهم ذكروا الحديث في تفسير الآية الكريمة: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)(41).
محمد بن اسماعيل البخاري في تاريخه ج1 / 375.
مسلم بن الحجاج في صحيحه ج2 / 325.
أبو داود السجستاني في سننه.
محمد بن عيسى الترمذي في سننه.
ابن كثير الدمشقي في تاريخه.
الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج4/281 و 371.
أبو حامد الغزالي في كتابه سر العالمين.
ابن عبد البر في الاستيعاب.
محمد بن طلحة في مطالب السؤل.
ابن المغازلي في " المناقب ".
ابن الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة: ص 24.
البغوي في مصابيح السنة.
الخطيب الخوارزمي في المناقب.
ابن الأثير الشيباني في جامع الأصول.
الحافظ النسائي في الخصائص وفي سنته.
الحافظ الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودة.
ابن حجر في الصواعق المحرقة، بعدما ذكر الحديث في الباب الأول ص25 ط الميمنية بمصر، قال ـ على تعصبه الشديد الذي اشتهر به ـ: إنه حديث صحيح لا مرية فيه وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد، وطرقه كثيرة جدا.
الحافظ محمد بن يزيد المشهور بابن ماجة القزويني في سننه.
الحاكم النيسابوري في مستدركه.
الحافظ سليمان بن أحمد الطبراني في الأوسط.
ابن الأثير الجزري في كتابه أسد الغابة.
سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة خواص الأمة: 17.
ابن عبد ربه في العقد الفريد.
العلامة السمهودي في جواهر العقدين.
ابن تيمية في كتابه منهاج السنة.
ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب وفي فتح الباري.
جار الله الزمخشري في ربيع الأبرار.
أبو سعيد السجستاني في كتاب الدراية في حديث الولاية.
عبيد الله الحسكاني في كتاب دعاة الهدى إلى أداء حق المولى.
العلامة العبدري في كتاب الجمع بين الصحاح الستة.
الفخر الرازي في كتاب الأربعين، قال: أجمعت الأمة على هذا الحديث الشريف.
العلامة المقبلي في كتاب الأحاديث المتواترة.
السيوطي في تاريخ الخلفاء.
المير علي الهمداني في كتاب مودة القربى.
أبو الفتح النطنزي في كتابه الخصائص العلوية.
خواجة بارسا البخاري في كتابه فصل الخطاب.
جمال الدين الشيرازي في كتابه الأربعين.
المناوي في فيض الغدير في شرح الجامع الصغير.
العلامة الكنجي في كتابه كفاية الطالب / الباب الأول.
العلامة النووي في كتابه تهذيب الأسماء واللغات.
شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين.
القاضي ابن روزبهان في كتاب إبطال الباطل.
شمس الدين الشربيني في السراج المنير.
أبو الفتح الشهرستاني الشافعي في الملل والنحل.
الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد.
ابن عساكر في تاريخه الكبير.
ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة.
علاء الدين السمناني في العروة لأهل الخلوة.
ابن خلدون في مقدمته.
المتقي الهندي في كنز العمال.
شمس الدين الدمشقي في كتاب أسنى المطالب.
الشريف الجرجاني الحنفي في شرح المواقف.
الحافظ ابن عقدة في كتاب الولاية.
ذكرت لكم المدارك والمصادر التي جاءت في خاطري وحضرت في ذهني ولو راجعنا كل مصادر هذا الحديث لوصلت إلى ثلاثمائة مصدر من كبار أعلامكم ومحدثيكم ، رووه بطرق شتى عن أكثر من مائة صحابي من أصحاب النبي (ص).
ولو جمعناها لاحتاجت إلى مجلدات عديدة، كما أن بعض علمائكم قام بهذا الأمر الهام وألف كتابا مستقلا في حديث الولاية، منهم ابن جرير الطبري، المفسر والمؤرخ المشهور من أعلام القرن الثالث والرابع الهجري، روى حديث الولاية عن خمس وسبعين طريقا في كتاب أسماه: " الولاية ".
والحافظ ابن عقدة أيضا من أعلام القرن الثالث والرابع الهجري ألف كتابا في الموضوع، أسماه " الولاية " جمع فيه مائة وخمس وعشرين طريقا نقلا عن مائة وخمسة وعشرين صحابيا من أصحاب رسول الله (ص) مع تحقيقات وتعليقات قيمة.
والحافظ بن حداد الحسكاني من أعلام القرن الخامس الهجري ألف كتابا أسماه: " الولاية " تطرق فيه إلى الحديث وإلى واقعة الغدير بالتفصيل.
وذكر كثير من محدثيكم الأعلام: أن عمر بن الخطاب كان يظهر أو يتظاهر بالفرح ذلك اليوم فصافح عليا عليه السلام وقال: بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.

تأكيد جبرئيل (ع) بالبيعة لعلي عليه السلام
ذكر المير علي الهمداني (وهو فقيه شافعي من أعلام القرن الثامن الهجري) في كتابه مودة القربى / المودة الخامسة / روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: نصب رسول الله (ص) عليا فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه واخذل من خذله وانصر من نصره، اللهم أنت شهيدي عليهم.
قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! وكان في جنبي شاب حسن الوجه طيب الريح، قال لي: يا عمر لقد عقد رسول الله عقدا لا يحله إلا منافق.
فأخذ رسول الله (ص) بيدي فقال: يا عمر! إنه ليس من ولد آدم، لكنه جبرئيل أراد أن يؤكد عليكم ما قلته في علي عليه السلام!!
فأسألكم أيها الحاضرون.. هل كان يحق للصحابة أن ينقضوا ذلك العهد والميثاق الذي عهده الله تعالى لهم؟
وهل من الإنصاف أن ينكثوا بيعتهم لعلي عليه السلام التي عقدها خاتم النبيين (ص) لأمير المؤمنين وسيد الوصيين؟!
هل كان صحيحا أن يهجموا على بيت علي وفاطمة عليهما السلام ويشعلوا النار عند بابه ويهتكوا حرمة فاطمة سيد النساء؟
هل كان يحق لهم أن يسحبوا عليا إلى المسجد ويهددوه بالقتل إن لم يبايع أبي بكر ويجردوا عليه سيوفهم؟!
وقد صدر كل ذلك منهم طلبا للدنيا ومتابعة للهوى... ليس إلا!!
الحافظ: نحن ما كنا نتوقع من حضرتكم أن تنسبوا لصحابة النبي (ص) المقربين، متابعة الهوى وطلب الدنيا، علما بأن رسول اله أمر أمته بمتابعتهم والاقتداء بهم.
قلت: رجاء.. لا تكرروا الكلام، لقد أثبتنا لكم أن الصحابة كغيرهم من أفراد البشر يجوز عليهم الخطأ والعصيان والطغيان، ولم يأمر النبي الأكرم (ص) أمته بالاقتداء بمطلق الصحابة، لأنه مناف للعقل السليم، وإنما أمر أمته بالاقتداء بالصالحين من الصحابة، فقد أثبتنا ضعف سند حديث " أصحابي كالنجوم " ونقلنا لكم كلام القاضي عياض المالكي وهو من أعلامكم حيث قال: حديث أصحابي كالنجوم ضعيف ولا نلتزم به لأن من رواته حارث بن قضين وهو مجهول الحال، وحمزة بن أبي حمزة النصيبي وهو متهم بالكذب.
وكذلك البيهقي وهو من كبار علمائكم ومن أشهر أعلامكم، رد الحديث ورفضه لضعف إسناده.

بعض الصحابة اتبعوا الهوى
وأما قول الحافظ: بأني نسبت صحابة النبي (ص) المقربين إلى طلب الدنيا ومتابعة الهوى، ولم يكن يتوقع مني هذا الأمر.
فأقول له: أنا لم أنسب ذلك إليهم، وإنما هو قول بعض أعلامكم، منهم: العلامة سعد الدين التفتازاني حيث قال في كتابه شرح المقاصد:
إن ما وقع بين أصحابه من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكور على ألسنة الثقات يدل بظاهره على أن بعضهم قد حاد عن الطريق الحق وبلغ حد الظلم والفسق، وكان الباعث عليه الحقد والعناد والحسد واللداد وطلب الملك والرياسات والميل إلى اللذات والشهوات، إذ ليس كل صحابي معصوما ولا كل من لقي النبي (ص) بالخير مرسوما(42).
هذا كلام أحد أعلامكم، فإما أن تخضعوا لكلامه، فتكونوا معنا في هذا الاعتقاد بأن كثيرا من الصحابة الذين حاربوا عليا عليه السلام وخالفوه وآذوه ، إنما آذوا رسول الله (ص): " من سبك فقد سبني ومن آذاك فقد آذاني ومن حاربك فقد حاربني " وغير هذه الأحاديث التي تدل على أن عليا عليه السلام يمثل رسول الله (ص) في أمته، وهذا لا ينكره أي فرد من علماء المسلمين، وكتبكم ومسانيدكم مشحونة بهكذا أحاديث وأخبار وقد صححها علماؤكم ومحدثوكم، فإما أن تقبلوها، أو تطرحوها وتلغوها ، وهذا غير ممكن، لأن ذلك ينتهي إلى إلغاء علمائكم وإبطال أقوال محدثيكم وأعلامكم ، فلا يبقى في مذهبكم حجر على حجر.
فعندما نقول بأن بعض الصحابة فسقوا بعد رسول الله (ص) واتبعوا الباطل، ما قلنا شططا، ولم نكن منفردين في قولنا بل يوافقونا بعض أعلامكم أيضا كما نقلنا قول العلامة سعد الدين التفتازاني.
وأنقل لكم أيضا قول الغزالي، وهو أيضا من أشهر أعلامكم وأكبر علماؤكم.

كلام الغزالي في نقض الصحابة عهد الولاية
لقد تطرق الإمام الغزالي في كتابه " سر العالمين " إلى قضايا الإسلام وما حدث بعد رسول الله (ص) فقال في المقالة الرابعة:
أسفرت الحجة وجهها، و أجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته ص في يوم غدير خم باتفاق الجميع و هو يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، فقال عمر: بخ بخ لك يا أبا الحسن! لقد أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة!!
هذا تسليم و رضى و تحكيم، ثم بعد هذا غلب الهوى لحب الرئاسة، و حمل عمود الخلافة و عقود البنود و خفقان الهواء في قعقعة الرايات و اشتباك ازدحام الخيول و فتح الأمصار، سقاهم كأس الهوى فعادوا إلى الخلاف الأول (فنبذوه وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ)(43)!!
ولما مات رسول الله (ص) قال قبل وفاته: إيتوني بدواة وبياض لأزيل عنكم إشكال الأمر وأذكر لكم من المستحق لها بعدي!
قال عمر: دعوا الرجل فإنه ليهجر!! وقيل يهذو!!
فإذا بطل تعلقكم بتأويل النصوص أيضا، فإن العباس وأولاده وعليا وزوجته وأولاده لم يحضروا حلقة البيعة وخالفكم أصحاب السقيفة في مبايعة الخزرجي ثم خالفهم الأنصار.انتهى.
فانتبهوا أيها الحاضرون! واعلموا بأن الشيعة لا يقولون إلا ما قاله بعض أعلامكم المشتهرين وعلماؤكم المعتبرين.
ولكن لسوء ظنكم بل سوء نظركم بالنسبة إلى الشيعة.. لا تقبلون منهم حتى إذا كان مصدر كلامهم مسانيدكم وكتب علمائكم!
الشيخ عبد السلام: كتاب سر العالمين لم يكن من تأليف الإمام الغزالي وإنما أنتم تنسبونه إليه لتحتجوا به علينا.
والإمام الغزالي هو أجل شأنا وأعظم قدرا، من أن يتكلم بهذا الكلام على الصحابة.

كتاب سر العالمين تأليف الغزالي
قلت: لقد أيد بعض أعلامكم أن كتاب سر العالمين من مصنفات الإمام محمد بن محمد الغزالي، منهم ـ كما يخطر ببالي ـ:
سبط ابن الجوزي وهو من أعلامكم، ولا يشك أحد في التزامه بمذهب السنة والجماعة، بل تعصبه في ذلك، وقد اشتهر بدقة النظر والاحتياط في صدور الحكم في مثل ما نحن فيه، قد ذكر في كتابه تذكرة خواص الأمة في ص36 فنقل قول الغزالي في الموضوع من كتاب سر العالمين ونسبه إليه من غير تعليق أو تشكيك ونقل عنه العبارات التي نقلتها لكم حول الصحابة والخلافة.
وحيث أن سبط ابن الجوزي لم يعلق على عبارات الغزالي بل استشهد بها فيعلم أنه أيضا موافق لذلك الكلام ومؤيد له.
ولكن جناب الحافظ وأمثاله حينما يواجهون بالحقائق الناصعة والبراهين الساطعة، لا يجدون مفرا إلا الإنكار، فأما أن ينفي تأليف المؤلف ويقال بأن هذا الكتاب منسوب إليه، وأما أن ينفي المؤلف نفسه من مذهبه ويقال أنه ليس منا بل هو شيعي منكم!!
وفي بعض الأحيان يفسقون ويكفرون المؤلف وينسبونه إلى الإلحاد.

ضريبة تجاهر السنة بالحق

أ ـ اتهام ابن عقدة بالرفض
ولقد يحدثنا التاريخ عن رجال من أعلامكم، حاربهم أهل الزمان وهجرهم الإخوان وكتب ضدهم الخلان، لأنهم كانوا ينطقون بالحق ويبينون الحقائق باللسان والبنان، فحرم العلماء المتعصبون من أهل مذهبهم، كتبهم ونسبوها إلى الضلال عن بغض وشنآن وحركوا ضدهم الجهلة والعوام وأبناء الوقت والزمان.
الشيخ عبد السلام: هذه مفتريات الشيعة علينا وإلا فعلماؤنا الأعلام يحترمون كل عالم سواء من مذهبهم أو غير مذهبهم ويأمرون العوام باحترام العلماء لعلمهم ولا يسمحون لأحد من الجهلة أن يهتك عالما سواء أكان من أهل السنة والجماعة أم من غيرهم.
قلت: لا داعي للشيعة أن يفتروا عليكم هذا الكلام، ولو كنت تطلب مني شاهدا للكلام لأجبتك بأن أحد الرجال الأعلام الذي أشرنا إليهم، هو الحافظ ابن عقدة، أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني المتوفى عام 333 هجري، وهو من كبار علمائكم ومن مشاهير أعلامكم وقد وثقه الرجاليون من علمائكم كالذهبي واليافعي وقالوا في ترجمته: إنه كان يحفظ ثلاثمائة ألف حديث مع إسنادها وكان ثقة وصادقا، ولكن حيث كان في المجالس والمجتمعات في الكوفة وبغداد، كان ينتقد الشيخين ويذكر معائبهم ومثالبهم، اتهمه العلماء بالرفض وتركوا رواياته وطرحوا مروياته.
قال ابن كثير والذهبي واليافعي في ترجمته: إن هذا الشيخ كان يجلس في جامع براثا ويحدث الناس بمثالب الشيخين ـ أبي بكر وعمر ـ ولذا تركت رواياته وإلا فلا كلام لأحد في صدقه وثقته!!
والخطيب البغدادي في تاريخه، يذكره بالخير والمدح وبعد ذلك يقول: إلا أنه خرج مثالب الشيخين وكان رافضيا!

ب ـ دفن الطبري في بيته ومقاطعة تشييعه!!
محمد بن جرير الطبري وهو المفسر الشهير والمؤرخ الكبير ويعد من أشهر أعلام القرن الثالث الهجري بلغ من العمر ستا وثمانين عاما ومات سنة ثلاثمائة وعشر من الهجرة في مدينة بغداد فمنعوا تشييع جثمانه فدفن ليلا في داره!!
كل ذلك لأنه كتب بعض الحقائق في تاريخه وتفسيره ونشر بعض الأخبار والوقائع التي أغاظت المتعصبين والمعاندين من أهل نحلته، وإن أخفى كثيرا من الحقائق إلا أنهم لم يرضوا عليه وقاطعوه حيا وميتا!!

ج ـ قتل النسائي
ومن أعجب هذه الوقائع قتل الحافظ أحمد بن شعيب بن سنان النسائي وهو أحد الأعلام وأئمة الحديث وجامع أحد الصحاح الستة عندكم، ورد مدينة دمشق سنة ثلاثمائة وثلاث من الهجرة النبوية فوجد أهلها سائرين على البدعة السيئة التي سنها معاوية وحزبه في البلاد، ألا وهي لعن وسب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بعد كل صلاة وفي خطب الجمعة!
فتأسف لذلك الوضع الفجيع المزري وألزم نفسه أن ينشر ما وصله مسندا عن النبي (ص) في فضائل ومناقب الإمام علي عليه السلام فكتب كتابه المسمى بخصائص مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وكان يقرأه على المنبر في الملأ العام، فهجم عليه في يوم من الأيام جماعة من الطغاة والجهلة اللئام فضربوه ضربا مبرحا وأنزلوه من على المنبر وسحقوه بأقدامهم حتى أغمي عليه وبعد قليل مات على أثر تلك الضربات واللكمات. فحملوا جثمانه إلى حرم الله سبحانه ودفن في مكة المكرمة حسب وصيته!!
فهذه الوقائع بعض جرائم المتعصبين أهل العناد واللجاج والجهل الذين يقتلون علماءهم ويسحقون مفاخرهم بأقدامهم، ليس لهم ذنب سوى أنهم نطقوا بالحق وكشفوا عن الواقع ومدحوا من مدحه الله تبارك وتعالى في كتابه.
وقد غفل الجاهلون وما دروا بأنهم لم يتمكنوا من إخفاء الحق بهذه الأعمال الوحشية ولا يمكن حجب الشمس في الضحى بالحركات الهمجية.
أعتذر إليكم لابتعادي عن موضوع البحث.
والحاصل: إن حديث: " من كنت مولاه فهذا علي مولاه " مقبول لدى أعلامكم كما هو مقبول عند علمائنا، واتفق محدثو الفريقين بأن النبي (ص) بأمر من الله تعالى أعلن يوم الغدير هذا الحديث الشريف في حضور ما لا يقل عن سبعين ألف.
صعد النبي (ص) على منبر صنعوه له من أحداج الإبل، وأصعد علي بن أبي طالب وأخذ بكفه والملأ ينظرون إليهما، فنادى فيهم: من كنت مولاه فهذا علي مولاه... إلخ.

ما معنى كلمة مولى؟
الحافظ: نحن لا ننكر واقعة الغدير وحديث الولاية، ولكن قضية الغدير ما كانت على النحو الذي تقولون به أنتم الشيعة، وليس معنى المولى ما تقولون به أنتم بمعنى الأولى بالتصرف، وإنما المولى كما ثبت في اللغة بمعنى المحب والناصر والصديق الحميم، وحيث كان النبي (ص) يعلم بأن ابن عمه عليا له أعداء كثيرون فأراد أن يوصي به الأمة فقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، أي من كان يحبني فليحبب عليا، ومن كان ينصرني فلينصر عليا " كرم الله وجهه " وقد قام النبي (ص) بهذا العمل حتى لا يتأذى علي من بعده من الأعداء.
قلت: لو تنصفنا أيها الحافظ، وتترك التعصب لمذهب الأسلاف ودين الآباء، وتنظر إلى القرائن الموجودة في القضية والواقعة بدقة وإمعان لعرفت الحقيقة واعترفت بما نقول!!
الحافظ: ما هذه القرائن التي تثبت قولكم في المقام، بأن معنى المولى هو الأولى بالتصرف في الأمر العام وفي شؤون الإسلام؟
قلت: القرينة الأولى: نزول الآية الكريمة: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)(44).
الحافظ: من أين تقولون بأن هذه الآية نزلت في يوم الغدير وبشأن تبليغ الولاية؟ ما هو دليلكم على هذا القول؟
قلت: دليلنا وحجتنا قول كبار علمائكم وأعلامكم، منهم:
1ـ جلال الدين السيوطي في تفسير الدر المنثور: ج2 ص298.
2ـ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه الولاية.
3ـ الحافظ أبو عبد الله المحاملي في أماليه.
4ـ الحافظ أبو بكر الشيرازي في " ما أنزل من القرآن في علي عليه السلام ".
5ـ الحافظ أبو سعيد السجستاني في كتابه الولاية.
6ـ الحافظ ابن مردويه في تفسيره الآية الكريمة.
7ـ الحافظ ابن أبي حاتم في تفسير الغدير.
8ـ الحافظ أبو القاسم الحسكاني في شواهد التنزيل.
9ـ أبو الفتح التطنزي في الخصائص العلوية.
10ـ معين الدين المبيدي في شرح الديوان.
11ـ القاضي الشوكاني في فتح القدير:ج3 ص75.
12ـ جمال الدين الشيرازي في الأربعين.
13ـ بدر الدين الحنفي في عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ج8 ص584.
14ـ الإمام الثعلبي في تفسير كشف البيان.
15ـ الإمام الفخر الرازي في التفسير الكبير: ج3 ص636.
16ـ الحافظ أبو نعيم في " ما نزل من القرآن في علي (ع) ".
17 ـ شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين.
18ـ نظام الدين النيسابوري في تفسيره: ج6 ص170.
19ـ شهاب الدين الآلوسي البغدادي في روح المعاني: ج2 ص348.
20 ـ نور الدين المالكي في الفصول المهمة: ص 27.
21ـ الواحدي في أسباب النزول: ص 150.
22ـ محمد بن طلحة في مطالب السؤل.
23ـ المير سيد علي الهمداني في مودة القربى / المودة الخامسة.
24ـ القندوزي في ينابيع المودة / الباب 39.
وغير هؤلاء المذكورين في كثير من أشهر أعلامكم قد كتبوا ونشروا بأن هذه الآية نزلت يوم الغدير، حتى أن القاضي فضل بن روزبهان المشهور بالتعصب والعناد، كتب عن الآية: فقد ثبت هذا في الصحاح أن هذه الآية لما نزلت أخذ رسول الله (ص) بكف علي بن أبي طالب وقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه.
وأعجب من هذا الكلام أنه قال وروى ـ كما في كشف الغمة ـ عن رزين بن عبد الله أنه قال: كنا نقرأ هذه الآية على عهد رسول الله (ص) هكذا:
(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) أن عليا مولى المؤمنين (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)!
ورواه السيوطي في الدر المنثور عن ابن مردويه.
وابن عساكر وابن ابي حاتم عن أبي سعيد الخدري وعن عبد الله ابن مسعود وهو أحد كتاب الوحي.
ورواه القاضي الشوكاني في تفسير فتح القدير كذلك.
والحاصل: إن تأكيد الله سبحانه لنبيه بالتبليغ وتهديده على أنه إن لم يفعل ما أمره تلك الساعة، فكأنه لم يبلغ شيئا من الرسالة، هذه قرينة واضحة على أن ذلك الأمر كان على أهمية كالرسالة فمقام الخلافة والولاية تالية لمقام النبوة والرسالة.

القرينة الثانية
وأما القرينة الثانية: الذي يؤيد ويوضح قولنا … أن نزول آية إكمال الدين كانت بعد ما بلغ رسول الله (ص) رسالته وأمر ربه في ولاية الإمام علي عليه السلام.
الحافظ: اتفق علماؤنا أن آية إكمال الدين نزلت يوم عرفة.
وبعض العلماء جمعوا بين القولين وقالوا بأن الآية نزلت مرتين منهم سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة / آخر الصفحة 18 حيث قال: احتمل أن الآية نزلت مرتين مرة بعرفة ومرة يوم الغدير كما نزلت (بسم الله الرحمن الرحيم) مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة.
وأما الذين وافقونا من أعلامكم وقالوا بأن آية إكمال الدين نزلت في الغدير بعد نصب رسول الله (ص) عليا وليا من بعده. كثيرون منهم:
1ـ جلال الدين السيوطي في الدر المنثور: ج2 ص256، وفي الإتقان: ج1 ص31.
2ـ الإمام الثعلبي في كشف البيان.
3ـ الحافظ أبو نعيم في ما نزل من القرآن في علي عليه السلام.
4ـ أبو الفتح النطنزي في الخصائص العلوية.
5ـ ابن كثير في تفسيره: ج2 ص14.
6ـ المؤرخ والمفسر الشهير محمد بن جرير الطبري في كتابه الولاية.
7ـ الحافظ أبو القاسم الحسكاني في شواهد التنزيل.
8ـ سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة: ص18.
9ـ أبو اسحاق الحمويني في فرائد السمطين / الباب الثاني عشر.
10ـ أبو سعيد السجستاني في كتابه الولاية.
11ـ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: ج8 ص290.
12ـ ابن المغازلي في المناقب.
13ـ الخطيب أبو مؤيد موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب / فصل 14، وفي مقتل الحسين / الفصل الرابع.
وكثير من أعلامكم غير من ذكرنا أيضا قالوا: بأن رسول الله (ص) بعدما نصب عليا وليا من بعده وعرفه للمسلمين فأمرهم وقال:
سلموا على علي بإمرة المؤمنين، فأطاعوا وسلموا على علي بن أبي طالب بإمرة المؤمنين وقبل أن يتفرقوا من المكان نزل جبريل على رسول الله (ص) بقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (45).
فصاح النبي (ص): الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب برسالتي والولاية لعلي بن أبي طالب بعدي.
ولو أحببتم توضيح القضية وكشف الحقيقة فراجعوا مسند أحمد بن حنبل وشواهد التنزيل للحافظ الحسكاني فإنهما شرحا الموضوع أبسط من غيرهما. فلو أمعنتم النظر ودققتم الفكر في الخبر لعلمتم و لأيقنتم أن النبي (ص) ما قصد من كلمة المولى إلا الإمامة والخلافة والأولوية وذلك بالقرائن التي ذكرتها وبقرينة كلمة " بعدي " في الجملة.
ثم فكروا وأنصفوا... هل الأمر بالمحبة والنصرة كان هاما إلى ذلك الحد بأن يأمر النبي (ص) الركب والقافلة وهم مائة ألف أو أقل أو أزيد، فينزلوا في ذلك المكان القاحل وفي ذلك الحر الشديد، ثم يأمر برجوع من سبق ولحوق من تأخر وينتظر حتى يجتمع كل من كان معه وتحت حرارة الشمس حتى أن كثيرا من الناس مد رداءه على الأرض تحت قدميه ليتقي حر الرمضاء وجلس في ناقته ليتقي أشعة الشمس، ثم يصعد النبي (ص) المنبر الذي صنعوه له من أحداج الإبل ويخطب فيهم ويبين فضائل ومناقب ابن عمه علي بن أبي طالب كما ذكرها الخوارزمي وابن مردويه في المناقب والطبري في كتاب الولاية وغيرهم، ثم يبقى (ص) ثلاثة أيام في المكان الذي كان معهودا بنزول القوافل وما كان قبل ذلك اليوم منزلا للمسافر، ويتحمل هو والمسلمون الذين معه مشاقا كثيرة ، حتى بايع كلهم عليا (ع) بأمر رسول الله.. فهل كان من المعقول أنه (ص) كان يريد من كل ذلك ليبين للناس أن يحبوا عليا ويكونوا ناصريه!!
مع العلم أنه (ص) قبل ذلك كان يبين للمسلمين كرارا ومرارا أن حب علي من الإيمان وبغضه نفاق، وكان يأمرهم بنصرته وملازمته، فأي حاجة إلى تحمل تلك المشاق ليبين ما كان مبينا ويوضح ما كان واضحا للمسلمين!! فإذا في تلك الظروف الصعبة التي كانت في قضية الغدير لم نقل بتبليغ الولاية والخلافة من بعده ونقول بما يقوله الحافظ وبعض العلماء من أهل السنة والجماعة، لكان عمل النبي (ص) مع تلك الظروف سفها ولغوا ـ والعياذ بالله من هذا القول ـ بل النبي منزه من اللغو والسفاهة وأعماله كلها تكون على أساس العقل والحكمة.
فنزول هذه الآيات التي ذكرناها في الغدير وتلك التشريفات الأرضية والسماوية، كلها قرائن دالة عند العقلاء والعلماء بأن الأمر الذي بلغه خاتم الأنبياء هو أهم من أمر النصرة والمحبة، بل هو أمر يساوي في الأهمية أمر الرسالة بحيث إذا لم يبلغه رسول الله (ص) لأمته في تلك الساعة فكأنه لم يبلغ شيئا من رسالة الله عز وجل. فهذا الأمر ليس إلا الإمامة على الأمة بعد النبي (ص) وتعيين رسول الله خليفته المؤيد من عند الله والمنصوب بأمر من السماء، وتعريفه للناس، لكي لا تبقى الأمة بلا راعي بعده ولا تذهب أتعابه أدراج الرياح.
ولقد وافقنا بعض أعلام أهل السنة والجماعة في معنى كلمة المولى وأن المقصود منها ـ يوم الغدير ـ الأوْلى.
منهم سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة خواص الأمة / الباب الثاني / ص20 فذكر لكلمة المولى عشر معاني وبعدها قال: لا يطابق أي واحد من هذه المعاني كلام رسول الله (ص) والمراد من الحديث الطاعة المحضة المخصوصة فتعين الوجه العاشر وهو الأوْلى ومعناه: من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به... ودل عليه أيضا قوله (ص): ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟
وهذا نص صريح في إثبات إمامته وقبول طاعته انتهى كلامه ويوافقنا في هذا المعنى أيضا... الحافظ أبو الفرج الإصفهاني يحيى بن سعيد الثقفي في كتابه مرج البحرين، حيث يروي باسناده عن مشايخه: أن النبي (ص) أخذ بكف علي (ع) وقال: من كنت وليه وأولى به من نفسه فعلي وليه.
ويوافقنا في أن المولى بمعنى الأولى... العلامة أبو سالم كمال الدين محمد بن طلحة القرشي العدوي، إذ قال في كتابه مطالب السؤول / في أواسط الفصل الخامس من الباب الأول / قال بعد ذكره حديث " من كنت مولاه فهذا علي مولاه ": أثبت رسول الله (ص) لنفس علي (ع) بهذا الحديث ما هو ثابت لنفسه (ص) على المؤمنين عموما فإنه (ص) أولى بالمؤمنين وناصر المؤمنين وسيد المؤمنين وكل معنى أمكن إثباته مما دل عليه لفظ المولى لرسول الله (ص) فقد جعله لعلي (ع) وهي مرتبة سامية ومنزلة سامقة ودرجة علّية ومكانة رفيعة خصصه بها دون غيره، فلهذا صار ذلك اليوم عيدا وموسم سرور لأوليائه... إلخ.
الحافظ: لاشك أن لكلمة المولى معاني متعددة وأنتم تعترفون بهذه الحقيقة، فلماذا تخصصون معنى الأولوية للمولى؟ وهذا تخصيص من غير مخصص.
قلت: لقد اتفق العلماء في علم الأصول بأن الكلمة التي يفهم منها أكثر من معنى، وكان أحد المعاني حقيقيا فالمعاني الأخر تكون مجازية. والمعنى الحقيقي مقدم على المجاز إلا أن يتضح بالقرائن أن المراد من الكلمة معناها المجازي.
أو كان للكلمة معاني مجازية متعددة، فنعين المراد منها بالقرينة.
ونحن نعلم أن المعنى الحقيقي لكلمة المولى إنما هو الأولى في التصرف، والمعاني الأخرى تكون مجازية.
فمعنى ولــي النكـاح = الأولى في أمر النكاح.
وولي المرأة زوجها = أي الأولى بها.
وولي الطـفـل أبــوه = أي هو الأولى بالتصرف في شأن الطفل.
وولــــي العــــهــــد = هو المتصرف في شؤون الدولة بعد الملك ، أي في غيابه، وأكثر استعمال كلمة الولي جاء في هذا المعنى في اللغة العربية في الكتابات والخطابات.
ثم هذا الاشكال يرد عليكم حيث إن لكلمة المولى معان متعددة، فلماذا تخصصونها في معنى المحب والناصر وهذا تخصيص بلا مخصص على حد زعمكم، فالتزامكم بهذا المعنى يكون باطلا من غير دليل.
وأما نحن إذا خصصنا كلمة المولى بالمتصرف والأولى بالتصرف، فإنما خصصناها للقرائن الدالة على ذلك من الآيات والروايات وأقوال كبار علمائكم مثل سبط ابن الجوزي ومحمد بن طلحة الشافعي، كما مر.
وقد ذكروا في تفسير الآية الكريمة: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) أي في ولاية علي وإمامة أمير المؤمنين، وقد ذكر أحاديث كثيرة بهذا المعنى والتفسير ، العلامة جلال الدين السيوطي في ذيل الآية الشريفة في تفسيره المشهور، الدر المنثور في تفسير القرآن بالمأثور.

احتجاج علي (ع) بحديث الغدير
لقد ذكر المؤرخون والمحدثون بأن الإمام علي (ع) احتج على خصمائه بحديث الغدير في مواطن متعددة، يريد بذلك إثبات خلافته للنبي (ص) مباشرة، ويستدل على إمامته على الأمة بعد رسول الله. فنفهم من احتجاجه (ع) بجملة " من كنت مولاه فعلي مولاه " أن المستفاد والمفهوم من المولى، الإمامة والخلافة وهي التصرف في شئون الأمة والدولة الإسلامية.
ذكر كثير من أعلامكم احتجاجه (ع) بحديث الغدير في مجلس الشورى السداسي الذي شكّله عمر بن الخطاب لتعيين خليفته وكان يريد باحتجاجه على القوم إثبات أولويته بمقام الخلافة والإمامة، وأنه أولى من غيره بإمرة المؤمنين وإمامة المسلمين.
منهم: الخطيب الخوارزمي في كتابه المناقب: ص 217.
وشيخ الإسلام الحمويني في كتابه فرائد السمطين / باب 58.
والحافظ ابن عقدة في كتابه الولاية.
وابن حاتم الدمشقي في كتابه الدر النظيم.
وابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة: 6 ص 168، ط. دار إحياء التراث العربي.
وقد ناشد (ع) مرة أخرى أصحاب رسول الله (ص) في رحبة مسجد الكوفة فقال: أنشدكم الله! من سمع رسول الله (ص) يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه فليشهد!
فشهد قوم، وفي بعض الأخبار فشهد له ثلاثون نفرا من الصحابة، وفي رواية بضعة عشر رجلا من الصحابة.
روى خبر مناشدته في الرحبة: أحمد بن حنبل في مسنده: ج1 ص 119 وج4 ص 370.
وابن الأثير الجزري في أسد الغابة: ج3 ص 307 وج5 ص 205 و 276.
وابن قتيبة في معارفه: ص 194.
والعلامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب.
وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج4 ص 74 ط. إحياء التراث العربي.
والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء: ج5 ص 26.
وابن حجر العسقلاني في الاصابة: ج2 ص 408.
والمحب الطبري في ذخائر العقبي: ص 67.
والنسائي في الخصائص: ص 26.
والعلامة السمهودي في جواهر العقدين.
وشمس الدين الجزري في أسنى المطالب: ص3.
والعلامة القندوزي الحنفي في ينابيع المودة / الباب 4.
والحافظ ابن عقدة في كتابه الولاية أو الموالاة.
وغير هؤلاء الأعلام الأكابر رووا خبر احتجاج الإمام علي (ع) ـ في رحبة مسجد الكوفة ـ بحديث الغدير وناشد الحاضرين قائلا:
أنشدكم الله! من سمع منكم رسول الله (ص) يوم الغدير يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، فليقم وليشهد!
  #27  
قديم 05-07-08, 05:31 AM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي



فقام ثلاثون رجلا وشهدوا، وكان إثنا عشر نفرا منهم ممن حضر بدرا، كلهم شهدوا لعلي (ع) وقالوا: نحن رأينا النبي (ص) يوم غدير خم وسمعناه يقول للناس: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم، قال (ص): من كنت مولاه فعلي مولاه إلخ.
ولم يشهد بعضهم وكتم منهم أنس بن مالك وزيد بن أرقم. فدعا عليهما الإمام علي (ع) فعمي زيد وأصيب أنس بالبرص في جبهته بين عينه لأن عليا (ع) قال: اللهم ارمه بيضاء لا تواريها العمامة(46).
فاحتجاج أمير المؤمنين (ع) بحديث الغدير على خصومه لإثبات خلافته وإمامته على الأمة، هو اكبر دليل على أن المقصود من كلمة المولى في حديث النبي (ص) الأولوية والتصرف في شئون الأمة والدولة الإسلامية.
وهنا علا صوت المؤذن لصلاة العشاء وانقطع كلامنا.

القرينة الرابعة
وبعدما انتهى القوم من صلاة العشاء وشربوا الشاي وتناولوا الفاكهة، ابتدأت بالكلام فقلت:
وأما القرينة الأخرى التي تدل على أن معنى المولى في كلام رسول الله (ص) يوم الغدير هو الأولية في التصرف في شئون الأمة والدولة، قوله (ص): ألست أولى بكم من أنفسكم؟، يشير صلوات الله وسلامه عليه إلى الآية الشريفة: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)(47).
فقال الحاضرون كلهم: بلى يا رسول الله! فقال حينئذ: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، فسياق الكلام واضح والمرام أوضح وهو تثبيت ولاية علي (ع) وأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما أن النبي أولى بهم.
الحافظ: لقد ذكر هذه الجملة بعض المحدثين وهم قليل فأكثر المحدثين وأعلامهم لم يذكروا بأن النبي (ص) قال: ألست أولى بكم من أنفسكم!
قلت: صحيح أن عبارات المحدثين وألفاظهم في نقل حديث الغدير وخطبة النبي (ص) في ذلك اليوم مختلفة،ولكن الذين ذكروا جملة " ألست أولى بكم من أنفسكم " عن لسان رسول الله غير قليلين، إضافة إلى جمهور علماء الشيعة ومحدثيهم وإجماعهم على ذلك. وأما أعلامكم الذين ذكروا هذه الجملة من حديث النبي (ص) وخطبته يوم الغدير فكثير منهم:
1ـ سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة: ص 18.
2ـ أحمد بن حنبل في / المسند.
3ـ ابن الصباغ المالكي في / الفصول المهمة.
4ـ الحافظ أبو بكر البيهقي في / تاريخه.
5ـ أبو الفتوح العجلي في / الموجز في فضائل الخلفاء الأربعة.
6ـ الخطيب الخوارزمي في / المناقب / الفصل 14.
7ـ والعلامة الكنجي الشافعي في / كفاية الطالب / الباب الأول.
8ـ والعلامة القندوزي الحنفي في / ينابيع المودة / الباب 4.
نقله من مسند الإمام أحمد ومشكوة المصابيح وسنن ابن ماجة وحلية الأولياء للحافظ أبي نعيم ومناقب ابن المغازلي الشافعي وكتاب الموالات لابن عقدة، وكثير من أعلامكم غير من ذكرنا أسماءهم، كلهم ذكروا فيما رووا عن النبي (ص) يوم الغدير أنه قال: ألست أولى بكم من أنفسكم؟
فقالوا: بلى! قال: من كنت مولاه فعلي مولاه... الخ.
والآن لكي يتبرك مجلسنا أنقل لكم نص ما رواه إمام أصحاب الحديث أحمد بن حنبل في مسنده ج4 ص 281.
أخرج بسنده عن البراء بن عازب قال: كنا مع رسول الله (ص) في سفره فنزلنا بغدير خم ونودي فينا بالصلاة جامعة فصلى الظهر وأخذ بيد علي فقال: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، فلقيه عمر بن الخطاب بعد ذلك، فقال له: هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.
رواه المير علي الهمداني الشافعي في مودة القربى / المودة الخامسة.
ورواه الحافظ القندوزي في ينابيع المودة / الباب الرابع.
ورواه الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء.
رووه مع اختلاف يسير في ألفاظه والمعنى واحد.
وروى ابن الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة عن الحافظ أبي الفتح ما نصه، فقال (ص): أيها الناس! إن الله تبارك وتعالى مولاي وأنا أولى بكم من أنفسكم، ألا ومن كنت مولاه فعلي مولاه.
وروى ابن ماجة في سننه والنسائي في خصائصه في باب / ذكر قول النبي: من كنت وليه فهذا وليه(48).
أخرج بسنده عن زيد بن أرقم انه (ص).. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟
قال: بلى نشهد، لأنت أولى بكل مؤمن من نفسه.
قال: فإني من كنت مولاه فهذا مولاه، وأخذ بيد علي عليه السلام.
ونقل ابن حجر خطبة النبي في يوم الغدير وذكر فيها قول النبي (ص) أنه قال: أيها الناس! إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فهذا مولاه ـ يعني عليا ـ اللهم وال من والاه وعاد من عاداه / الصواعق المحرقة 25 / ط/ المطبعة الميمنية بمصر.
وأخرج الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي المتوفي 463 هجرية في تاريخه: ج8 / 290 / بسنده عن أبي هريرة أنه قال: من صام يوم ثمان عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا، وهو يوم غدير خم لما أخذ النبي (ص) بيد علي بن أبي طالب فقال: ألست ولي المؤمنين؟
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: من كنت مولاه فعلي مولاه الخ(49).
أظن أنه يكفي ما ذكرناه في خصوص قول رسول الله (ص): " ألست أولى بكم من أنفسكم "؟ فلما أقروا له قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذه الجملة بعد ذلك الإقرار، دليل واضح على أن المراد من المولى الأولوية الثابتة للنبي (ص) بنص القرآن الحكيم.

القرينة الخامسة
لقد أثبت المؤرخون وسجل المحدثون أن حسان بن ثابت الأنصاري أنشأ أبياتا في محضر رسول الله (ص) يوم الغدير بعد أن نصب عليا بالخلافة والإمامة وشرح ذلك الموقف الخطير في شعره الشهير بمناسبة الغدير.
فقال له رسول الله (ص) كما ذكر سبط ابن الجوزي وغيره: يا حسان لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا أو نافحت عنا بلسانك.
وقد ذكر ذلك كثير من أعلامكم منهم:
الحافظ ابن مردويه أحمد بن موسى المفسر والمحدث الشهير في القرن الرابع الهجري المتوفي سنة 352 في كتابه المناقب.
وصدر الأئمة الموفق بن أحمد الخوارزمي وفي المناقب والفصل الرابع من كتابه مقتل الحسين عليه السلام.
وجلال الدين السيوطي في كتابه " رسالة الأزهار ".
والحافظ أبو سعيد الخركوشي في " شرف المصطفى ".
والحافظ ابو الفتح النطنزي في الخصائص العلوية.
والحافظ جمال الدين الزرندي في نظم درر السمطين.
والحافظ أبو نعيم في ما نزل من القرآن في علي.
وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين / باب 12.
والحافظ أبو سعيد السجستاني في كتابه الولاية.
وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص /20.
والعلامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / الباب الأول.
وغير هؤلاء الأعلام من علماء العامة ومؤرخيهم ذكروا عن أبي سعيد الخدري انه قال: أن حسان بن ثابت قام بعدما فرغ رسول الله (ص) من خطابه يوم الغدير ، فقال: يا رسول الله! أتأذن لي أن أقول أبياتا؟
فقال له النبي (ص): قل على بركة الله تعالى.
فصعد على مرتفع من الأرض وارتجل بهذه الأبيات:
يناديهم يوم الغدير نبيــهمبخـــم فاسمع بالرسول منادياوقال فمن مولاكم و وليكمفقالوا و لم يبدوا هناك التعامياإلهك مولانا و أنت ولينــاولم تلف منا لك اليوم عاصـيافقال له قم يا علي فإننــيرضيتك من بعدي إماما و هاديامن كنت مولاه فهذا وليـهفكونوا له أتباع صدق مـواليـاهناك دعا اللهم وال وليـهو كن للذي عادى عليا معاديـافيتضح لكل منصف من هذه الأبيات: أن الأصحاب والحاضرين في يوم الغدير فهموا من حديث النبي (ص) وخطابه وعمله أنه (ص) نصب عليا (ع) إماما وخليفة على الناس، وأن رسول الله لم يقصد من كلمة المولى سوى الولاية الأولوية والتصرف في شئون العامة. فلذا صرح بذلك حسان في شعره بمسمع منه (ص) ومرأى:
فقال له قم يا علي فإننــي رضيتك من بعدي إماما و هاديا(50)
ولو كان النبي (ص) يقصد غير ما قاله حسان لأمر بتغير شعره ولكنه (ص) أيد شعر حسان وقال له: لا تزال مؤيدا بروح القدس. وفي بعض الأخبار: لقد نطق روح القدس على لسانك! وهذا البيت يؤيد ويصدق ما رواه الطبري في كتابه الولاية من خطبة النبي (ص) في يوم الغدير فقال فيما قال (ص):
اسمعوا وأطيعوا فإن الله مولاكم وعلي إمامكم ثم الإمامة في ولدي من صلبه إلى يوم القيامة.
معاشر الناس هذا أخي ووصيي و واعي علمي وخليفتي على من آمن بي وعلى تفسير كتاب ربي.

الذين نقضوا العهد
على أي تقدير، سواء تفسرون حديث رسول الله (ص) بما نفسره نحن الشيعة، أو بتفسيركم أنتم بأن النبي (ص) أراد من قوله: " من كنت مولاه فعلي مولاه " أي المحب والناصر، فمما لاشك فيه أن الأصحاب خالفوا عليا (ع) بعد رسول الله في قضية الخلافة وخذلوه ولم ينصروه، فنقضوا العهد الذي أخذه منه نبيهم في الإمام علي (ع)، وهذا لا ينكره أحد من أهل العلم والاطلاع من الفريقين.
فعلى تقدير معنى المولى وتفسيره بالمحب والناصر، وأن النبي يوم الغدير أمر أصحابه أن يحبوا عليا وينصروه. فهل هجومهم على باب داره وإتيانهم النار ، وتهديدهم بحرق الدار ومن فيها، وترويعهم أهل البيت الشريف، وإيذاؤهم فاطمة وأبناءها، وإخراجهم عليا من البيت كرها مصلتين سيوفهم عليه، يهددونه بالقتل إن لم يبايع أبا بكر، وضربهم حبيبة رسول الله وبضعته الزهراء حتى أسقطوا جنينها المحسن!!
فهل هذه الجرائم والجنيات التي ارتكبها كثير من الصحابة كان امتثالا لأمر النبي (ص) يوم الغدير؟! أم كان خلافا له وهل كل ما فعلوه من حين السقيفة وبعدها إلى السيدة فاطمة الزهراء (ع)، يوافق ما فسرتموه من معنى المولى؟ أم انبعثت وكشفت عن البغضاء والشحناء؟!
وهل هذه الأعمال الوحشية، كانت المودة التي فرضها الله على المسلمين لقربى رسول الله (ص)؟ ومن أقرب إلى رسول الله (ص) من فاطمة؟!
والله سبحانه يقول: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى )(51).
وأمرهم النبي (ص) بصلة أقربائه وأمرهم النبي (ص) أن يصلوا أقرباءه ولا يقطعوهم كما جاء في حلية الأولياء لأبي نعيم، وذكره الحمويني أيضا عن عكرمة عن ابن عباس كما نقله عنهما الحافظ سليمان القندوزي في ينابيع المودة / الباب الثالث والأربعون.
ونقله عن حلية الأولياء ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج9 / 170 / الخبر الثاني عشر / ط. دار إحياء التراث العربي:
قال رسول الله (ص): من سره أن يحيا حياتي، و يموت مماتي، و يسكن جنة عدن التي غرسها ربي، فليوال عليا من بعدي و ليوال وليه و ليقتد بالأئمة من بعدي، فإنهم عترتي، خلقوا من طينتي و رزقوا فهما و علما، فويل للمكذبين من أمتي القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي.
وكلهم عاهدوا رسول الله (ص) على مودة أهل بيته ولكنهم نقضوا العهد، وكأنهم ما سمعوا ولم يقرءوا كتاب الله العزيز حيث يقول: (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار)(52).
فاتركوا التعصب واتبعوا الحق تسعدوا!
الحافظ: لا نسمح لكم أن تنسبوا صحابة رسول الله (ص) إلى نقض العهد والميثاق، وهم المجاهدون في سبيل الله والصابرون في سوح القتال والمتحملون ضربات السيوف وطعنات الرماح!!
كيف تجيزون أنفسكم أن تنسبوا أولئك المؤمنين والمجاهدين إلى نقض العهد والميثاق؟!
إن تهجمكم على الصحابة الكرام وتجرؤكم عليهم بنسبة ما لا يليق إليهم سبب لتكفيركم عند أكثر أهل السنة.
قلت: إن كان هذا الأمر سبب تكفيرنا، فالصحابة كلهم كافرون! وعلماؤكم وأعلامكم أكثرهم كافرون! لأننا ننقل عنهم، ولا نقول شيء بغير دليل، وإنما دائما نذكر مصادر ما نقوله فيهم من كتبكم ومسانيدكم وهذا واضح للحاضرين في ما تحدثنا وناقشناه في المجالس السالفة.
ولكننا نمتاز بأننا نضع النقاط على الحروف ونلفت أنظار المسلمين إلى أفعال الصحابة وأفعالهم، فنمدح محسنهم ونؤيد حسناته ليرغب المؤمنون بالتأسي والاقتداء بهم، ويحبونهم لحب الله وحب الخير والحق والإحسان.
ونقدح بالمسيء من الصحابة ونذمهم لسيئاتهم ومنكراته وما عملوا من الباطل، حتى يتبرأ المؤمنون منهم، ويستنكروا أفعالهم المنافية للإيمان والوجدان وللسنة والقرآن!! لكي لا يرتكبوها ولا يكرروها بحجة الاقتداء بالصحابة، فإن منهم الصاحون ومنهم الطالحون.
ملخص الكلام: نحن إنما ننشر فضائل المحسنين وفضائح المسيئين من الصحابة، من باب نشر المعروف وإنكار المنكر، ولكي نعطي كل ذي حق حقه.
فإن تنكرون علينا هذا الأمر وتكفرونا من أجله، فالأحرى أن تنكروا على صحابة الرسول وتكفروهم حتى الشيخين! لأنهم كانوا ينتقدون بعضهم بعضا ويطعن بعضهم في بعض وكانوا يتسابون ويتقاتلون!! وإن أحداث السقيفة وهجوم القوم على دار فاطمة (ع) وأحداث قتل عثمان وحرب الجمل وصفين أدل دليل على ذلك.
وأنتم إما تجهلون الحقائق أو تتجاهلون، ومحبتكم للصحابة وصلت إلى حد المثل الشائع:
" حب الشيء يعمي ويصم "، لذلك حينما تسمع مني بأن الصحابة بعضهم نقضوا عهد الله وميثاقه الذي أخذه عليهم رسول الله (ص) فتغضب وتتعصب للصحابة وتنكر الخبر!! ومقتضى الحال أن تطالبني بالدليل قبل أن تغضب وتتعصب.
الحافظ: الآن أطالبك بدليلك، فأت به إن كنت من الصادقين!

أكثرهم نقضوا العهد
أولا: ثبت عند كل عالم ذي وجدان وصاحب ضمير، أن النبي (ص) يوم الغدير أخذ العهد والميثاق من أصحابه على حب علي ونصرته وموالاته وطاعته، فيا ترى هل نصروه في أحداث السقيفة وما بعدها أم خذلوه؟ ونقضوا عهد الله وميثاقه الذي أخذه عليهم رسول الله (ص) في الغدير وخالفوه؟!
ثانيا: قد صدر منهم في حياة النبي (ص) نقض العهد أيضا، فإنهم بايعوا رسول الله (ص) وعاهدوه على أن يقاتلوا دونه ولا يتركوه في المعركة ولا يولوا الدبر للأعداء، بل يقابلوهم وجها لوجه حتى ينالوا إحدى الحسنيين. ولقد حذرهم الله سبحانه من الفرار والهزيمة في القتال والجهاد فقال:
(يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير)(53).
وقد ذكر كثير من محدثيكم ومؤرخيكم أن كثيرا من الأصحاب انهزموا وفروا يوم حنين، وأجمعوا أن جلهم فروا يوم أحد وفي خيبر ومنهم الشيخان وعثمان:
أخرج ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج15 / 24 / طبع دار إحياء التراث العربي عن الواقدي قال:... و كان ممن ولى عمر و عثمان و الحارث بن حاطب و ثعلبة بن حاطب و سواد بن غزية و سعد بن عثمان و عقبة بن عثمان و خارجة بن عامر... و لقيتهم أم أيمن تحثي في وجوههم التراب و تقول لبعضهم: هاك المغزل فاغزل به!!
و احتج أيضا من قال بفرار عمر بما رواه الواقدي في كتاب المغازي في قصة الحديبية قال: قال عمر يومئذ: يا رسول الله، أ لم تكن حدثتنا أنك ستدخل المسجد الحرام و تأخذ مفتاح الكعبة و تعرّف مع المعرّفين و هدينا لم يصل إلى البيت و لا نحر؟!! فقال رسول الله (ص): أ قلت لكم في سفركم هذا؟ قال عمر: لا.
قال (ص): أما إنكم ستدخلونه و آخذ مفتاح الكعبة و أحلق رأسي و رءوسكم ببطن مكة و أعرّف مع المعرّفين، ثم أقبل (ص) على عمر و قال: أ نسيتم يوم أحد (إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ)(54) و أنا أدعوكم في أخراكم!
أ نسيتم يوم الأحزاب (إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وتظنون بالله الظنونا)(55)!
أ نسيتم يوم كذا! و جعل (ص) يذكرهم أمورا.
أ نسيتم يوم كذا!
فقال المسلمون صدق الله وصدق رسوله، أنت يا رسول الله أعلم بالله منا.
فلما دخل عام القضية و حلق رأسه قال: هذا الذي كنت وعدتكم به، فلما كان يوم الفتح و أخذ مفتاح الكعبة قال (ص): ادعوا لي عمر بن الخطاب، فجاء فقال (ص): هذا الذي كنت قلت لكم.
قالوا: فلو لم يكن فر يوم أحد لما قال (ص) له: أ نسيتم يوم أحد (إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ )(56).
هذا الخبر... حينما ينقله ابن أبي الحديد وغيره فلا بأس عليه، ولكن نحن الشيعة إذا نقلناه، فأنتم علماء العامة تتعصبون وتتهجمون علينا وتحركون الجهلة والعوام وتقولون بأن الرافضة يهينون الصحابة وينالون من الشيخين!! هذا لأنكم تسيئون بنا الظنون وعلى حد قول الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلةولكن عين السخط تبدي المساوياولذلك فلنا معكم موقف عسير في يوم القيامة إذا شكوناكم إلى الله العدل الحكيم ليحكم بيننا ويأخذ منكم حقنا ويعاقبكم على ظلمكم إذ تفتون علينا بالكفر! وتؤيدون الذين ظلموا، ومن رضي بعمل قوم حشر معهم، (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)(57).
الحافظ: نحن ما ظلمناكم ولا نؤيد الظالمين، وهذا افتراء علينا.
قلت: الظلم الذي جرى علينا كثير، ولو تغاضينا وعفونا عن بعضها فلا نعفو عن هجومهم على بيت أمي فاطمة الزهراء عليها السلام، وإيذائها وغصبهم حقها ، فإني من ذراريها ويحق لي أن أقيم الدعوى على من ظلمها وضربها وأسقط جنينها واغتصب فدكها!!
الحافظ: نحن ما كنا في ذلك الزمان حتى نعرف الحقائق وهذه الدعاوى تحتاج إلى الإثبات.
قلت: نعم نحن ما كنا في ذلك الزمان، ولكن الروايات والأحاديث التي نقلها المؤرخون والمحدثون تكون بمثابة شهود القضية والواقعة، لا سيما إذا كان الرواة والمؤرخون من أعلامكم.

فدك وما يدور حولها
فدك وعوالي سبع قرى زراعية حوالي المدينة المنورة كانت تمتد من سفح الجبال إلى سيف البحر ومن العريش إلى دومة الجندل.
قال ياقوت الحموي صاحب معجم البلدان في كتابه الآخر فتوح البلدان: ج6/343.
واحمد البلاذري في تاريخه.
وابن أبي الحديد في شرح النهج: ج16 / 210 / واللفظ للأخير: عن كتاب السقيفة وفدك لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري بسنده عن الزهري قال: بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا فسألوا رسول الله ص أن يحقن دماءهم و يسيرهم، ففعل، فسمع ذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك، و كانت للنبي ص خاصة، لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.
قال أبو بكر: و روى محمد بن إسحاق أيضا، أن رسول الله ص لما فرغ من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك، فبعثوا إلى رسول الله ص فصالحوه على النصف من فدك، فقدمت عليه رسلهم بخيبر أو بالطريق، أو بعد ما أقام بالمدينة فقبل ذلك منهم، و كانت فدك لرسول الله (ص) خالصة له، لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب. قال: و قد روى أنه صالحهم عليها كلها، الله أعلم أي الأمرين كان! انتهى كلام الجواهري.
وما نقله الطبري في تاريخه قريب من كلام الجوهري بل كلام كل المؤرخين والمحدثين عن فدك يقارب كلام الجوهري.

فدك حق فاطمة عليها السلام
بعدما رجع النبي (ص) إلى المدينة نزل جبرئيل من عند الرب الجليل بالآية الكريمة: (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا)57.
فانشغل فكر النبي بذي القربى، من هم؟ وما حقهم؟ فنزل جبرائيل ثانيا عليه (ص) وقال: إن الله سبحانه يأمرك أن تعطي فدكا لفاطمة (ع) فطلب النبي (ص) ابنته فاطمة (ع) وقال: إن الله تعالى أمرني أن أدفع إليك فدكا، فمنحها وتصرفت هي فيها وأخذت حاصلها فكانت تنفقها على المساكين.
الحافظ: هل هذا الحديث في تفسير الآية الكريمة موجود في كتب علمائنا أيضا؟ أم يخص تفاسيركم؟
قلت: لقد صرح بهذا التفسير كبار مفسريكم وأعلامكم منهم: الثعلبي في تفسير كشف البيان، وجلال الدين السيوطي في الدر المنثور: ج4 رواه عن الحافظ ابن مردويه أحمد بن موسى المتوفى عام 352، وأبو القاسم الحاكم الحسكاني والمتقي الهندي في كنز العمال وابن كثير الدمشقي الفقيه الشافعي في تاريخه والشيخ سليمان الحنفي في ينابيع المودة / باب 39 نقلا عن الثعلبي وعن جمع الفوائد وعيون الأخبار أنه لما نزلت: (وآت ذا القربى حقه) دعا النبي (ص) فاطمة فأعطاها فدك الكبير.
فكانت فدك في يد فاطمة (ع) يعمل عليها عمالها، ويأتون إليها بحاصلها في حياة النبي (ص) وهي كانت تتصرف فيها كيفما شاءت، تنفق على نفسها وعيالها أو تتصدق بها على الفقراء والمعوزين.
ولكن بعد وفاة رسول الله (ص) أرسل أبو بكر جماعة فأخرجوا عمال فاطمة من فدك وغصبوها وتصرفوا فيها تصرفا عدوانيا!
الحافظ: حاشا أبو بكر أن يتصرف في ملك فاطمة تصرفا عدوانيا، وإنما كان سمع من النبي (ص) قوله: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة ". وقد استند إلى هذا الحديث الشريف وأخذ فدك.

هل الأنبياء لا يورّثون؟
قلت: أولا: نحن نقول: بأن فدك كانت نحلة وهبة من النبي (ص) لفاطمة (ع) وهي استلمتها وتصرفت فيها فهي (ع) كانت متصرفة في فدك حين أخذها أبو بكر . وما كانت إرثا.
ثانيا: الحديث الذي استند عليه أبو بكر مردود غير مقبول لأنه حديث موضوع لوجود اشكالات فيه.
الحافظ: ما هي اشكالاتكم؟ ولماذا يكون مردودا؟
قلت: أولا: واضع الحديث عندما وضع على لسانه بأنه صلى الله عليه وآله قال: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " قد غفل عن آيات المواريث التي جاءت في القرآن الحكيم، في توريث الأنبياء، ولو كان يقول: سمعت النبي (ص) يقول: أنا لا أورث لكان له مخلص من آيات توريث الأنبياء في القرآن فالصيغة الأولى: نحن معاشر الأنبياء لا نورث تعارض نص القرآن الحكيم، فتكذيب أبا بكر ورده أولى من نسبة النبي (ص) إلى ما يخالف كتاب الله عز وجل.
كما أن فاطمة الزهراء (ع) أيضا احتجت على أبي بكر وردته وردت حديثه بالاستناد إلى القرآن الحكيم فإنه أقوى حجة وأدل دليل واكبر برهان.

استدلال الزهراء عليها السلام وخطبتها
نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج6 /211 / طبع دار إحياء التراث العربي، عن أبي بكر الجوهري بإسناده عن طرق مختلفة تنتهي إلى زينب الكبرى بنت فاطمة الزهراء (ع) وإلى الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه (ع) وإلى الإمام الباقر بن جعفر ـ محمد بن علي ـ (ع) وإلى عبد الله بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط (ع) قالوا جميعا: لما بلغ فاطمة (ع) إجماع أبي بكر على منعها فدكا، لاثت خمارها، و أقبلت في لمة من حفدتها و نساء قومها تطأ في ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله (ص)، حتى دخلت على أبي بكر و قد حشد الناس من المهاجرين و الأنصار، فضرب بينها و بينهم ريطة بيضاء ـ و قال بعضهم: قبطية، و قالوا قبطية بالكسر و الضم ـ ثم أنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء ثم أمهلت طويلا حتى سكنوا من فورتهم، ثم قالت: أبتدئ بحمد من هو أولى بالحمد و الطول و المجد، الحمد لله على ما أنعم و له الشكر بما ألهم.
و ذكر خطبة طويلة جيدة قالت في آخرها: فاتقوا الله حق تقاته، و أطيعوه فيما أمركم به، فإنما يخشى الله من عباده العلماء، و احمدوا الله الذي لعظمته و نوره يبتغي من في السموات و الأرض إليه الوسيلة. و نحن وسيلته في خلقه، و نحن خاصته و محل قدسه، و نحن حجته في غيبه، و نحن ورثة أنبيائه.
ثم قالت: أنا فاطمة ابنة محمد، أقول عودا على بدء، و ما أقول ذلك سرفا و لا شططا، فاسمعوا بأسماع واعية و قلوب راعية! ثم قالت: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم)(58) فإن تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم و أخا ابن عمي دون رجالكم... ثم ذكرت كلاما طويلا تقول في آخره: ثم أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لي!
(أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)(59) ؟ إيها معاشر المسلمين! ابتز إرث أبي!
يا بن أبي قحافة! أفي كتاب الله أن ترث أباك و لا أرث أبي!! لقد جئت شيئا فريا!! إلى آخر خطبتها(60).
وجاء في بعض الروايات كما في كتاب السقيفة وفدك لأبي بكر الجوهري وغيره، أنها قالت في خطبتها:
أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم!
إذ يقول الله جل ثناؤه: (وورث سليمان داود)(61).
واقتص من خبر يحيى وزكريا إذ قال: (رب هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا)(62).
وقال تبارك وتعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين)(63).
فزعمتم أن لا حظ لي و لا أرث لي من أبي!
أ فخصّكم اللّه بآية أخرج منها أبي؟!
أم تقولون أهل ملّتين لا يتوارثان؟ أ و لست أنا و أبي من أهل ملّة واحدة أم أنتم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من أبي (ص).
(أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)(64) ـ انتهى كلام الجوهري ـ.

احتجاج علي عليه السلام في فدك
روى المحدثون أن عليا عليه السلام جاء إلى أبي بكر وهو في المسجد، و حوله حشد من المهاجرين و الأنصار. فقال (ع): يا أبا بكر لم منعت فاطمة نحلتها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وقد ملكتها في حياته؟!
فقال أبو بكر: فدك في‏ء للمسلمين، فإن أقامت شهودا أن رسول الله أنحلها فلها و إلا فليست حقّ لها فيه.
قال علي (ع): يا أبا بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله تعالى؟
قال: لا.
قال (ع): فإن كان في يد المسلمين شي‏ء يملكونه، فادعيت أنا فيه، من تسأل البينة؟
قال: إيّاك أسأل.
قال: فما بال فاطمة سألتها البينة منها على ما في يديها! وقد ملكته في حياة رسول الله (ص) وبعده.
فسكت أبو بكر هنيئة، ثم قال: يا علي! دعنا من كلامك، فإذا لا نقوى على حجتك، فإن أتيت بشهود عدول، وإلا فهي فيء للمسلمين، لا حق لك ولا لفاطمة فيها!!
فقال علي عليه السلام: يا أبا بكر تقرأ كتاب الله!
قال: نعم.
قال (ع): أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(65) فيمن نزلت؟ فينا أو في غيرنا؟
قال: بل فيكم!
قال (ع): فلو أنّ شهودا شهدوا على فاطمة بنت رسول الله عليها السلام بفاحشة ـ والعياذ بالله ـ ما كنت صانعا بها؟
قال: أقمت عليها الحد كما أقيم على نساء المسلمين!!
قال (ع): كنت إذا عند اللّه من الكافرين!
قال: و لم؟ قال: لأنّك رددتّ شهادة اللّه بطهارتها و قبلت شهادة الناس عليها!
كما رددت حكم الله وحكم رسوله أن جعل لها فدك وزعمت أنها فيئ للمسلمين، وقد قال رسول الله (ص): البينة على المدعي، واليمين على من ادعي عليه.
فدمدم الناس وأنكروا على أبي بكر، وقالوا: صدق ـ والله ـ علي.

رد الخليفة على فاطمة وعلي عليهما السلام
نقل ابن أبي الحديد في شرح ‏نهج‏ البلاغة ج: 16/ 214 ـ 215/ ط دار إحياء التراث العربي عن أبي بكر الجوهري بإسناده إلى جعفر بن محمد بن عمارة قال : فلما سمع أبو بكر خطبتها شق عليه مقالتها فصعد المنبر و قال: أيها الناس! ما هذه الرعة إلى كل قالة أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله (ص)؟! ألا من سمع فليقل! و من شهد فليتكلم! إنما هو ثعالة، شهيده ذنبه، مربّ لكل فتنة، هو الذي يقول: كروها جذعة بعد ما هرمت، يستعينون بالضعفة، و يستنصرون بالنساء، كأم طحال أحب أهلها إليها البغي، ألا إني لو أشاء أن أقول لقلت و لو قلت لبحت، إني ساكت ما تركت. ثم التفت إلى الأنصار فقال: قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم، و أحق من لزم عهد رسول الله (ص) أنتم! فقد جاءكم فآويتم و نصرتم، ألا إني لست باسطا يدا و لا لسانا على من لم يستحق ذلك منا.
ثم نزل فانصرفت فاطمة (ع) إلى منزلها.
بالله عليكم أنصفوا!!!
أيليق هذا الكلام البذيء والبيان الرديء لمدعي خلافة النبي (ص) ؟!
أيجوز لشيخ كان صاحب رسول الله (ص) أن يمثل بنت رسول الله وبضعة لحمه، بالثعلب أو بأم طحال الفاجرة؟!
ويمثل الإمام علي عليه السلام بذنب الثعلب وهو الذي عظم الله قدره وأكبر شأنه في كتابه وجعله نفس رسول الله (ص) في آية المباهلة بلا منكر!!
إلى متى تغمضون أعينكم وتصمون آذانكم وتختمون على قلوبكم بالتغافل والتعصب؟! فتنكرون ضوء الشمس في الضحى وتعيشون الجهل والعمى!!
افتحوا أعينكم وآذانكم وقلوبكم، واخرجوا عن الغفلة والتعصب، وادخلوا مدينة العلم والحكمة من بابها التي فتحها النبي (ص) واعرفوا الحق وتمسكوا به وكونوا أحرارا في دنياكم!
أيها الحافظ: فلو إن قائلا في هذا المجلس يقول بأن الحافظ كالثعلب والشيخ عبد السلام ذنبه، ويقول: أن زوجة الحافظ تكون مثل فلانة الفاجرة!!
ما كنت تصنع به؟ أ كنت تسكت على تجاسر؟ أم تقولون: إن كلامه ليس بتجاسر؟!
حتما تحسب كلام القائل بالنسبة إليك سبا صريحا وشتما وقيحا، يستحق أن ترده بأخشن جواب! وربما أمرت أتباعك ومحبيك بضربه وتأديبه وتعذيبه وتأنيبه، والكل يعطونك الحق في ذلك، إذا.. كيف تريدون منا أن نصبر على تجاسر أبي بكر وسبه وشتمه لأبينا أمير المؤمنين وجدتنا فاطمة عليهما السلام؟ كيف نتحمل من أبي بكر وهو يدعي خلافة جدنا النبي فيصعد منبره ويعبر بتلك التعابير الركيكة عن جدتنا الزهراء وأبينا أمير المؤمنين، فيشتمهم ذلك الشتم القبيح ويسبهم السباب الوقيح، ملوحا أو مصرحا؟!

استغراب ابن أبي الحديد(66)
يستغرب ابن أبي الحديد ويتعجب من جواب أبي بكر فلذلك يقول: قرأت هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري، و قلت له: بمن يعرض؟ فقال: بل يصرح. قلت لو صرح لم أسألك. فضحك و قال: بعلي بن أبي طالب (ع). قلت: هذا الكلام كله لعلي يقوله؟! قال: نعم، إنه الملك يا بني! قلت: فما مقالة الأنصار؟ قال: هتفوا بذكر علي، فخاف من اضطراب الأمر عليهم، فنهاهم.
فسألته عن غريبه، فقال: أما الرعة بالتخفيف أي: الاستماع و الإصغاء، و القالة: القول، و ثعالة: اسم الثعلب، علم ممنوع من الصرف، و مثل: ذؤالة للذئب، و شهيده ذنبه، أي: لا شاهد له على ما يدعي إلا بعضه و جزء منه... و مرب: ملازم، أرب بالمكان، و كروها جذعة: أعيدوها إلى الحال الأولى، يعني الفتنة و الهرج. و أم طحال: امرأة بغي في الجاهلية، و يضرب بها المثل فيقال: أزنى من أم طحال!!
لا أدري كيف تسنى لأبي بكر أن يتكلم بذلك الكلام البذيء؟ وكيف سنحت له نفسه أن يعبر بذلك التعبير المسيء ويؤذي فاطمة ويغضبها وقد سمع قول رسول الله (ص): فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن أغضبها فقد أغضبني؟!
وهل بذلك يجاب احتجاج الإمام علي (ع)؟ أشتمه علي وسبه؟ أم استدل له بحكم الله وبالعقل والمنطق؟
ما ضره لو قبل الحق وعمل به، ولا سيما وقد سمع رسول الله (ص) يقول: علي مع الحق والحق مع علي يدور الحق حيثما دار علي (ع).
ليت شعري بأي دليل ولماذا يسب عليا وفاطمة ويشتمهما وقد سمع قول النبي (ص) فيهما وفي أبنائهما: أنا سلم لمن سالمهم وحرب لمن حاربهم؟؟(67)

عقاب من سب عليا عليه السلام
لا شك أن الله سبحانه يعذب ساب علي عليه السلام أشد العذاب، كائنا من كان، وقد فتح العلامة الكنجي الشافعي بابا في كتابه كفاية الطالب وهو الباب العاشر في كفر من سب عليا عليه السلام، روى بسنده عن يعقوب بن جعفر بن سليمان قال حدثنا أبي عن أبيه قال: كنت مع أبي عبد الله بن عباس و سعيد بن جبير يقوده، فمر على صفة زمزم فإذا قوم من أهل الشام يشتمون علي بن أبي طالب عليه السلام! فقال لسعيد بن جبير ردني إليهم، فوقف عليهم، فقال: أيكم الساب لله عز و جل؟ فقالوا: سبحان الله ما فينا أحد سب الله، فقال: أيكم الساب رسول الله؟ قالوا: ما فينا أحد سب رسول الله ص. قال: فأيكم الساب علي بن أبي طالب ع؟ فقالوا: أما هذا فقد كان!! قال: فأشهد على رسول الله ص سمعته أذناي و وعاه قلبي يقول لعلي بن أبي طالب: من سبك فقد سبني و من سبني فقد سب الله و من سب الله أكبه الله على منخريه في النار.
  #28  
قديم 05-07-08, 05:32 AM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي



وروى كثير من أعلامكم ومحدثيكم أن النبي (ص) قال في علي وفاطمة : من آذاهما فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله.
وقال (ص): من آذى عليا فقد آذاني.
وقال (ص): من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله(68).

الدليل الثاني في رد أبي بكر
قلنا بأن الدليل الأول على رد الحديث الذي نقله أبو بكر عن النبي (ص): نحن معاشر الأنبياء لا نورث، أنه مخالف لنص القرآن، فإن الآيات الكريمة صريحة في توريث الأنبياء.
وأما الدليل الثاني في رده: هو أننا نعلم بأن الإمام علي (ع) هو عَيْبَة علم رسول (ص) وهو الذي قال فيه النبي (ص) كما نقله علماء الفريقين: " أنا مدينة العلم وعلي بابها، وأنا دار الحكمة وعلي بابها، ومن أراد العلم والحكمة فليأت الباب ".
والحديث النبوي الآخر، الذي اشتهر أيضا بين المحدثين من الفريقين قوله (ص):
" علي أقضاكم ".
فكيف يمكن أن يبين النبي (ص) حكما خاصا في الإرث وقاضي دينه وباب علمه، لا يعلم ذلك؟ ولا سيما الحكم الذي يكون في شأن فاطمة (ع) وهي زوجة علي (ع) وهو وصي رسول الله (ص).
فكيف يقبل عقلكم أن النبي (ص) يكتم هذا الأمر عن أخص الناس إليه وعمن يخصهم الحكم وقوله لأبي بكر الذي لا يرتبط بالموضوع؟! والمفروض أنه (ص) يقول ذلك الحكم لوارثه أو وصيه، وهذا أمر بديهي يعرفه كل أحد حتى عامة الناس والسوقيين ، فكيف بسيد المرسلين وخاتم النبيين؟!
الشيخ عبد السلام: أما حديث أنا مدينة العلم، غير مقبول عند محدثينا، وكذلك لم يثبت عند جمهور علمائنا بأن عليا وصي رسول الله (ص)، وهذا الأمر غير مقبول، بل عندنا مردود ما رواه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة (رض) أنه ذكر عندها أن رسول الله (ص) أوصى. قالت: ومتى أوصى؟ ومن يقول ذلك؟ إنه دعا بطست ليبول، وإنه بين سحري ونحري، فانخنث في حجري فمات وما شعرت بموته.
فكيف يمكن أن يوصي رسول الله (ص) لأحد ويخفى ذلك على أم المؤمنين عائشة(رض)؟!
قلت: أما نفيك الحديث أنا مدينة العلم وعلي بابها فهو تحكم وتعصب، لأن كثيرا من أعلامكم ذكروه في كتبهم وإسنادهم وحسنوه وصححوه، منهم:
الثعلبي، والحاكم النيسابوري، ومحمد الجزري وبن جرير الطبري والسيوطي والسخاوي والمتقي الهندي والعلامة الكنجي ومحمد بن طلحة والقاضي فضل بن روزبهان والمناوي وابن حجر المكي والخطيب الخوارزمي والحافظ القندوزي والحافظ أبو نعيم وشيخ الإسلام الحمويني وابن أبي الحديد المعتزلي والطبراني وسبط بن الجوزي والنسائي وغيرهم(69).

الإمام علي وصي النبي (ص)
وأما أن النبي (ص) اتخذ عليا وصيا لنفسه فهو أمر ثابت للنصوص المتوافرة والروايات المتكاثرة حتى عده العلماء من الأمور المتواترة، ولا ينكره إلا المعاند الحقود والمتعصب العنود.
النواب: خليفة رسول الله هو الذي ينفذ وصاياه، وينظم شئون أهله وزوجاته، كما أن الخلفاء الراشدين كانوا يضمنون لزوجات النبي كلما احتجن وكانوا يتكفلون بمعاشهن ورزقهن. فلماذا تخصصون عليا كرم الله وجهه بالوصاية؟
قلت: نعم... لا ريب أن وصي النبي خليفته، وقد ذكرت لكم في المجالس السابقة النصوص الواردة في أن عليا هو خليفة رسول الله (ص)، والآن أذكر لكم النصوص المتظافرة والأحاديث المتوافرة في أن عليا (ع) هو وصي النبي (ص) وليس غيره، والجدير بالذكر أني أنقل هذه الأخبار من كتب أعلامكم وإسناد علمائكم الموثقين لديكم، فلا يصح بعد ذلك أن يقول الشيخ عبد السلام: أن خبر تعيين النبي عليا بالوصاية مردود عند علمائنا للخبر المروي عن أم المؤمنين عائشة، فإن الخبر الواحد لا يمكن أن يعارض مجموع الأخبار المقبولة عند الأعلام والمروية عن الطرق الموثقة عن الأصحاب الكرام، فيؤخذ بالجمع ويسقط الواحد.
1ـ روى الثعلبي في تفسيره وفي كتابه المناقب، و، وروى ابن المغازلي الفقيه الشافعي في كتابه المناقب، والمير علي الهمداني في مودة القربى / المودة السادسة، كلهم عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله (ص) لما عقد المؤاخاة بين أصحابه، قال: هذا علي أخي في الدنيا والآخرة وخليفتي في أهلي ووصيي في أمتي ووارث علمي وقاضي ديني، ماله مني مالي منه، نفعه نفعي وضره ضري، من أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني.
2ـ خصص الحافظ سليمان القندوزي في كتابه ينابيع المودة بابا في الموضوع وهو: الباب الخامس عشر " في عهد النبي (ص) لعلي (ع) وجعله وصيا " هكذا عنونه، ثم نقل فيه عشرين خبرا ورواية عن طريق الثعلبي وشيخ الإسلام الحمويني والحافظ أبي نعيم، وأحمد بن حنبل وابن المغازلي والخوارزمي والديلمي، وأنا أنقل إليكم بعضها:
عن مسند أحمد بن حنبل بسنده عن أنس بن مالك قال: قلنا لسلمان: سل النبي (ص) عن وصيه. فقال سلمان: يا رسول الله من وصيك؟ فقال: يا سلمان! من وصي موسى؟ فقال: يوشع بن نون، قال (ص): وصيي ووارثي يقضي ديني وينجز موعدي، علي بن أبي طالب.
هذا الحديث! أخرجه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص / 26، وأخرجه أيضا ابن المغازلي في مناقبه.
3ـ وينقل عن موفق بن أحمد الخوارزمي بسنده عن بريدة قال: قال النبي (ص): لكل نبي وصي ووارث وإن عليا وصيي ووارثي.
هذا الحديث أخرجه العلامة الكنجي أيضا في كتابه كفاية الطالب بسنده عن بريدة عن أبيه، وبعد نقله قال: هذا حديث حسن، أخرجه محدث الشام في تاريخه، كما أخرجناه سواء.
4ـ ونقل شيخ الإسلام الحمويني عن أبي ذر قال: قال رسول الله (ص): أنا خاتم النبيين، وأنت يا علي خاتم الوصيين إلى يوم الدين.
ونقل عن موفق بن أحمد الخوارزمي أيضا بسنده عن أم سلمة ـ أم المؤمنين ـ قالت: قال رسول الله (ص): إن الله اختار من كل نبي وصيا، وعلي وصيي في عترتي وأهل بيتي وأمتي بعدي.
6ـ ونقل عن مناقب ابن المغازلي بسنده عن الأصبغ بن نباتة قال: قال علي (ع) في بعض خطبه: أيها الناس! أنا إمام البرية، ووصي خير الخليقة، وأبو العترة الطاهرة الهادية، أنا أخو رسول الله (ص) ووصيه ووليه وصفيه وحبيبه، أنا أمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين وسيد الوصيين.
حربي حرب الله وسلمي سلم الله وطاعتي طاعة الله وولايتي ولاية الله، وأتباعي أولياء الله، وأنصاري أنصار الله.
7ـ وروى أيضا ابن المغازلي بسنده عن ابن مسعود عن النبي (ص) أنه قال: انتهت الدعوة إلي وإلى علي، لم يسجد أحدنا لصنم قط، فاتخذني نبيا واتخذ عليا وصيا.
8ـ روى المير علي الهمداني الشافعي في كتابه مودة القربى / المودة الرابعة / عن عتبة بن عامر الجهني قال: بايعنا رسول الله (ص) على قول: أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا نبيه وعليا وصيه فأي من الثلاثة تركناه كفرنا الخ...، وبعدها روى عن علي (ع) عن رسول الله (ص) قال: إن الله تعالى جعل لكل نبي وصيا، جعل شيث وصي آدم، ويوشع وصي موسى، وشمعون وصي عيسى، وعليا وصيي، ووصيي خير الأوصياء الخ....
9ـ نقل القندوزي في الباب الخامس عشر من ينابيعه عن أبي نعيم الحافظ انه روى في حلية الأولياء بسنده عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله ( ص): إن الله عهد إلي في علي عهدا وقال عز وجل: إن عليا راية الهدى، و إمام أوليائي، و نور من أطاعني، و هو الكلمة التي ألزمتها المتقين. من أحبه أحبني و من أبغضه أبغضني. فبشره بذلك، فجاء علي فبشره بذلك، فقال: يا رسول الله! أنا عبد الله و في قبضته فإن يعذبني فبذنبي، و إن يتم الذي بشرني به فالله أولى بي وأكرم بي. قال (ص): قلت: اللهم أجل قلبه و اجعله ربيعة الإيمان فقال جل شأنه: قد فعلت به ذلك. ثم قال تعالى: إن عليا مستخص بشيء من البلاء لم يكن لأحد من أصحابك! فقلت: يا رب، إنه أخي ووصيي، فقال عز وجل: إن هذا شي‏ء قد سبق في علي ، إنه مبتلى و مبتلى به.
10ـ ونقل القندوزي أيضا في الباب عن مناقب الموفق بن أحمد الخوارزمي روى بسنده عن أبي أيوب الأنصاري قال: أن فاطمة سلام الله عليها أتت في مرض أبيها (ص) وبكت، فقال رسول الله (ص): يا فاطمة! إن لكرامة الله إياك زوجتك من أقدمهم سلما و أكثرهم علما و أعظمهم حلما، إن الله عز وجل اطلع إلى أهل الأرض اطلاعة فاختارني منهم فبعثني نبيا مرسلا، ثم اطلع اطلاعة فاختار منهم بعلك فأوحى إلي أن أزوجه إياك و أتخذه وصيا. قال القندوزي: وزاد ابن المغازلي في المناقب: يا فاطمة! إنا أهل بيت أعطينا سبع خصال لم يعطها أحد من الأولين و لا يدركها أحد من الآخرين، منا أفضل الأنبياء و هو أبوك، و وصينا خير الأوصياء و هو بعلك، و شهيدنا خير الشهداء و هو حمزة عمك، و منا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء و هو جعفر ابن عمك، ومنا سبطان وسيدا شباب أهل الجنة ابناك، والذي نفسي بيده إن مهدي هذه الأمة يصلي عيسى بن مريم خلفه وهو من ولدك. قال القندوزي: وزاد الحمويني: يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، يا فاطمة! لا تحزني و لا تبكي فإن الله عز وجل أرحم بك و أرأف عليك مني و ذلك لمكانك مني و موقعك من قلبي.
قد زوجك الله زوجا وهو أعظمهم حسبا و أكرمهم نسبا، و أرحمهم بالرعية و أعدلهم بالسوية و أبصرهم بالقضية. انتهى ما نقله القندوزي(70).

مات النبي (ص) ورأسه في حجر علي عليه السلام
أما ما نقله الشيخ عبد السلام عن عائشة: إن رسول الله (ص) مات ورأسه بين سحري ونحري، فهو مردود عند أهل البيت (ع) لأنهم رووا إلى حد التواتر وأيده كثير من أعلامكم أن النبي (ص) مات ورأسه في حجر علي يناجيه.
الشيخ عبد السلام: لا أظن أحدا من علمائنا الأعلام ينقل هذا الخبر ويؤيده، لأنه معارض لرواية أم المؤمنين عائشة!
قلت: إذا أحببت أن تعرف حقيقة الأمر وينكشف لك الواقع فراجع:
1ـ كنز العمال: ج4/55 و ج6/392 و400.
2ـ طبقات ابن سعد: ج2 /51.
3ـ مستدرك الصحيحين للحاكم: ج3 /139.
4ـ وتلخيص الذهبي وسنن ابن أبي شيبة والجامع الكبير للطبراني ومسند أحمد بن حنبل: ج3، وحلية الأولياء / ترجمة الإمام علي (ع)، ومصادر كثيرة أخرى، رووا بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، عن أم سلمة وعن جابر بن عبد الله الأنصاري وحتى عن عائشة وغيرهم: أن رسول الله (ص) حينما قبض كان رأسه في حجر الإمام علي عليه السلام، وقد أشار الإمام في نهج البلاغة إلى هذا الأمر حيث يقول (ع): و لقد قبض رسول الله (ص) و إن رأسه لعلى صدري و قد سالت نفسه في كفي، فأمررتها على وجهي، و لقد وليت غسله (ص) و الملائكة أعواني، إلى آخر خطبته الشريفة، ومن أراد أن يطلع عليها كاملة ويعرف رموزها ومغزاها فليراجع شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: ج10/179 / ط دار إحياء التراث العربي.
وفي صفحة 365 من نفس المجلد، قال: ومن كلام له (ع) عند دفن سيدة النساء فاطمة (ع)، كالمناجي به رسول الله (ص) عند قبره: السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك.. على أن يقول: فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ، وَ فَاضَتْ َ بَيْنَ نَحْرِي وَ صَدْرِي نفسك فإِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، إلى آخر كلامه(71).
ولقد أيد هذا الكلام والمعنى كل من شرح نهج البلاغة من ابن أبي الحديد ومن قبله ومن بعده الى الشيخ محمد عبده.
هذه دلائل كافية لرد الخبر المروي عن عائشة، ولا يخفى أن عائشة كانت تحمل حقدا وبغضا على الإمام علي (ع) بحيث كانت ترى جواز وضع روايات تنفي بها فضائل علي عليه السلام ومناقبه!!

مفهوم الوصاية وأهميتها
نعرف مفهوم الوصاية من الروايات والأحاديث التي ذكرناها فالمعنى هو الذي تداعى للنواب إذ قال: الخليفة هو الذي يقوم بتنفيذ وصايا النبي (ص) ولا حاجة إلى آخر.
وصحابة النبي (ص) أيضا كانوا يفهمون أن الوصي هو الذي يقوم مقام النبي (ص)، لذلك قام بعض المتعصبين المعاندين من أهل السنة بإنكار وصاية الإمام علي لأنهم عرفوا بأن الإقرار بذلك يلازم الإقرار بخلافته عليه السلام.
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج1 / 139 و140 / ط دار إحياء التراث العربي: أما الوصية فلا ريب عندنا أن عليا عليه السلام كان وصي رسول الله (ص)، وإن خالف في ذلك من هو منسوب عندنا إلى العناد.
ثم نقل في صفحة 143 وما بعدها أبياتا وأراجيز في إثبات وصاية علي (ع)، منها و قال عبد الله بن العباس حبر الأمة:
وصي رسول الله من دون أهلهو فارسه إن قيل هل من منازلوقول خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين يخاطب عائشة، منها:
وصي رسول الله من دون أهلهو أنت على ما كان من ذاك شاهدهو قال أبو الهيثم بن التيهان
إن الوصي إمامنا و ولينابرح الخفاء و باحت الأسراروأنا أكتفي بهذا المقدار ومن رام الإكثار فليراجع شرح النهج حتى يجد الأراجيز والأشعار في
هذا الإطار(72).
الشيخ عبد السلام: إذا كانت هذه الأخبار صحيحة، فلماذا لا نجد في كتب التاريخ والحديث وصية رسول الله (ص) لعلي كرم الله وجهه كما نقلوا وصية أبي بكر وعمر وقت موتهما رضي الله عنهما؟
قلت: روى أئمة أهل البيت (ع) وصايا النبي (ص) للإمام علي (ع)، نقلها علماء الشيعة وسجلوها في كتبهم، ولكني حيث التزمت من أول نقاش أن لا أنقل خبرا وحديثا إلا من كتب علمائكم وأعلامكم، فأشير في هذا الموضوع أيضا وأجيب سؤالك من مصادركم الموثقة وأسانيدكم المحققة.
فأقول: لكي يتضح لكم الأمر وينكشف لكم الحق، راجعوا الكتب الآتية:
1ـ طبقات ابن سعد: ج2 / 61 و63.
2ـ كنز العمال: ج4 / 54 وج 6 /155 و393 و403.
3ـ مسند أحمد بن حنبل: ج4 /164.
4ـ مستدرك الحاكم: ج3 /59 و111.
وسنن البيهقي ودلائله، والاستيعاب والجامع الكبير للطبراني، وتاريخ ابن مردويه، وغير هؤلاء رووا عن النبي وصاياه لعلي بعبارات مختلفة وفي مناسبات عديدة، خلاصتها قوله (ص): يا علي أنت أخي ووزيري، تقضي ديني وتنجز وعدي وتبري ذمتي، وأنت تغسلني وتواريني في حفرتي.
إضافة إلى ما نقله علماء الحديث في هذا المجال، فقد أجمعوا على أن الذي قام بتغسيل النبي (ص) وتكفينه وباشر دفنه فأنزله في قبره وواراه في لحده، هو الإمام علي (ع).
وذكر الحافظ عبد الرزاق في كتابه الجامع: أنه كان على النبي خمسمائة ألف درهم،ن فأداه علي بن أبي طالب (ع).
الشيخ عبد السلام: قال الله سبحانه: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين)(73) وبناء عليها كان يلزم أن يوصي النبي عند الاحتضار حينما تيقن بموته كما أوصى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
قلت: أولا... لم يكن مراد الآية الكريمة من (إذا حضر أحدكم الموت) أي: حال الاحتضار واللحظات الأخيرة من الحياة. فإنه في تلك الحالة قل من يكون في حالة استقرار نفسي وتمهيد روحي بحيث يتمكن من بيان وصاياه، وإنما المراد من الآية الكريمة، أي إذا ظهرت علامات الموت من الضعف والشيخوخة والمرض وما إلى ذلك فليبين وصاياه.
ثانيا:... لقد ذكرني كلامك بأمر فجيع، إذا ذكرته هاج حزني وتألم قلبي وذلك أن كلنا نعلم أن رسول الله كثيرا ما كان يؤكد على المسلمين في أن يوصوا ولا يتركوا الوصية بحيث إنه قال (ص): من مات بغير وصية مات ميتة الجاهلية.
ولكنه (ص) لما أراد أن يكتب وصيته في مرضه الذي توفي فيه، وأراد أن يؤكد كل ما كان طيلة أيام رسالته الشريفة يوصي بها عليا (ع) في تنفيذ أمور تتضمن هداية الأمة واستقامتها وعدم انحرافها وضلالتها، فمنعوه من ذلك وحالوا بينه وبين كتابة وصيته!!
الشيخ عبد السلام: لا أظن أن يكون هذا الخبر صحيحا والعقل لا يقبله بل يأباه، لأن المسلمين كانوا في طاعة رسول الله وذلك لأمر الله سبحانه إذ يقول: (ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(74)، ولقوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)(75).
ولا ريب أن مخالفة كتاب الله عز وجل ومعاندة رسول الله كفر بالله سبحانه. وكان أصحابه على هذا الاعتقاد. فكيف يخالفوه ويعاندوه؟! فهذا الخبر ليس إلا كذبا وافتراء على الصحابة الكرام، وأنا على يقين بأن الملحدين وضعوا هذا الخبر ونشروه حتى يصغروا شأن النبي وينزلوا مقامه بأن محمدا ما كان مطاعا في أمته، وأن نبيا لا تطيعه أمته لجدير بأن لا يطيعه الآخرون!

خبر إن الرجل ليهجر
قلت: هذا ظنكم ( وإن الظن لا يغني من الحق شيئا)(76).
والخبر الذي تقولون: بأنه كذب وافتراء، رواه أعلامكم وحتى أصحاب الصحاح لا سيما البخاري ومسلم، وهما عندكم على مكانة عظيمة من الاحتياط في نقل الأحاديث، ولقد كانا يحتاطان أن لا يرويا حديثا يستند إليه الشيعة في طعن الصحابة، وتضعيف خلافة الثلاثة الذين سبقوا عليا (ع).
فقد اتفق المحدثون وأجمعوا على أن النبي قال لمن حضر عنده وهو في مرضه الذي توفي فيه: إئتوني بورق ودواة لأكتب لكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي!!
فعارضه جماعة فقال أحدهم: إن الرجل ليهجر كفانا كتاب الله!! وعارضه آخرون فقالوا: دعوا رسول الله (ص) ليوصي.
فكثر اللغط، فقال (ص): قوموا عني فإنه لا ينبغي النزاع عند نبي!
الشيخ عبدالسلام: أكاد أن لا أصدق هذا الخبر! من كان يتجرأ من الصحابة أن يعارض رسول الله (ص) ويقابله بهذا الكلام؟!
وهم يتلون كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار حيث يقول تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى)(77).
فلا أدري لماذا خالفوا النبي (ص) وعارضوه أن يوصي، علما أن أي مؤمن ومؤمنة لا يحق لهما أن يمنعا أحدا من الوصية، وإن الوصية حق على كل مسلم ومسلمة، فكيف بالنبي (ص) الذي طاعته واجبة على الأمة، ومخالفته عناد كفر وإلحاد؟ فلذلك يصعب علي قبول هذا الخبر وتصديقه!
قلت: نعم إنه خبر ثقيل على مسامع كل مؤمنين، ومؤلم لقلوب كل المسلمين، وإنه يثير تعجب كل إنسان و يستغربه كل صاحب وجدان وإيمان!!
فإن العقل يأبى أن يقبله ويصعب على قلب أن يتحمله. إذ كيف يروم لجماعة، يدعون بأنهم أتباع نبي الله، ثم يمنعوه من أن يوصي عند وفاته بشيء يكون سبب سعادتهم، ويضمن لهم هدايتهم ويمنعهم عن الضلال والشقاء بعده أبدا؟! ولكن هذا ما حدث!!

تأسف ابن عباس
إنه مؤسف لكل غيور، فإن كل مسلم إذا سمع الخبر يتأسف ويتألم كما كان عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله (ص) إذا تذكر ذلك اليوم يتأسف ويبكي.
ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج2/ 54 و 55 / ط. دار إحياء الثراث العربي قال: و في الصحيحين، خرجاه معا عن ابن عباس أنه كان يقول: يوم الخميس و ما يوم الخميس ثم بكى حتى بل دمعه الحصى. فقلنا: يا ابن عباس، و ما يوم الخميس؟
قال: اشتد برسول الله (ص) وجعه، فقال: ائتوني بكتاب أكتبه لكم لا تضلوا بعدي أبدا. فتنازعوا، فقال (ص): إنه لا ينبغي عندي تنازع، فقال قائل: ما شأنه؟ أ هجر؟!(78).
الشيخ عبد السلام: هذه الرواية مبهمة، لا تصرح بأن النزاع لأي شيء حدث؟ ثم من هو القائل؟: ما شأنه؟ أهجر؟
قلت: لإن كانت هذه الرواية مبهمة فإن هناك روايات صريحة على أن القائل هو عمر بن الخطاب، وأنه هو الذي منع بكلامه من أن يأتوا للنبي (ص) بالقرطاس والدواة ليوصي!
الشيخ عبدالسلام: هذا بهتان عظيم! نعوذ بالله تعالى من هذا الكلام، وأنا على يقين أن هذا البهتان على الخليفة عمر ما هو إلا من أقاويل الشيعة وأباطيلهم، فأوصيك أن لا تعدها!
قلت: وأنا أوصيك يا شيخ: أن لا تفوه بكلمة من غير تفكر، فإن لسان المؤمن خلف قلبه وقلب المنافق خلف لسانه، يعني ينبغي للمؤمن أن يفكر قبل أن يتكلم، فإن المنافق يتكلم قبل أن يفكر في مقاله ومعنى كلامه، ثم ينكشف له بطلانه وزيفه، وكم رميتم الشيعة المؤمنين، في هذه المناقشات، ونسبتم كلامنا للأباطيل والأقاويل، ثم انكشف للحاضرين أنها ما كانت كذلك وإنما كان كلامنا من مصادر ومنابع أهل السنة وعلمائهم وأعلامهم!!
وسأثبت لكم أننا لسنا أهل افتراء وبهتان ولا أهل الأقاويل والبطلان، وإنما ذاك غيرنا!!
ولكي يظهر لك الحق ويتضح الأمر، بأن القائل: أهجر؟ أو يهجر!
وأن المانعين من أن يكتب النبي (ص) وصيته، هو عمر.
فراجع المصادر التي سأذكرها من علمائكم:
1ـ صحيح البخاري: ج2/ 118.
2ـ صحيح مسلم في آخر كتاب الوصية.
3ـ الحميدي في الجمع بين الصحيحين.
4ـ أحمد بن حنبل في المسند: ج1 / 222.
6ـ والنووي في شرح صحيح مسلم، وغيرهم كابن حجر في صواعقه، والقاضي أبو علي، والقاضي روزبهان، والقاضي عياض، والغزالي، وقطب الدين الشافعي ، والشهرستاني في الملل والنحل وابن الأثير، والحافظ أبو نعيم، وسبط ابن الجوزي. وجل علمائكم أو كل من كتب من أعلامكم عن وفاة النبي (ص) ذكر هذا الأمر العظيم والخطب الجسيم والخبر الأليم.
نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج2 / 55 / ط. دار إحياء التراث العربي بيروت قال: و في الصحيحين أيضا، خرجاه معا عن ابن عباس رحمه الله تعالى قال: لما احتضر رسول الله (ص) و في البيت رجال منهم عمر بن الخطاب، قال النبي (ص): هلم أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده، فقال عمر: إن رسول الله (ص) قد غلب عليه الوجع، و عندكم القرآن، حسبنا كتاب الله!
فاختلف القوم و اختصموا، فمنهم من يقول قربوا إليه يكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده، و منهم من يقول: القول ما قاله عمر، فلما أكثروا اللغو و الاختلاف عنده (ع)، قال لهم: قوموا فقاموا.
فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية: ما حال بين رسول الله (ص) و بين أن يكتب لكم ذلك الكتاب.
ونقل سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص / 64 و65 / ط. مؤسسة أهل البيت بيروت، قال: وذكر أبو حامد الغزالي في كتاب " سر العالمين ": ولما مات رسول الله (ص) قال قبل وفاته بيسير: إئتوني بدواة وبياض لأكتب لكم كتابا لا تختلفوا فيه بعدي، فقال عمر:
دعوا الرجل فإنه يهجر!!
إن هذه المخالفة والمعارضة من عمر لرسول الله (ص) ما كانت أول مرة بل كانت مسبوقة بمثلها كما في صلح الحديبية وغيرها... ولكن هذه المرة سببت اختلاف المسلمين وتنازعهم في محضر رسول الله (ص)، وكان أول نزاع وتخاصم وقع بين المسلمين في حياة النبي (ص) ودام ذلك حتى اليوم، فعمر بن الخطاب هو مسبب هذه الاختلافات والضلالات التي أدت بالمسلمين إلى القتال والحروب، وسفك الدماء وإزهاق النفوس، لأنه منع النبي (ص) من كتابة ذلك الكتاب الذي كان يتضمن اتحاد المسلمين وعدم ضلالتهم إلى يوم الدين!!
الشيخ عبدالسلام: لا ننتظر من جنابكم هذا التجاسر على مقام الخليفة الفاروق! وأنت صاحب الخلق البديع والأدب الرفيع فكيف لا تراعي الأخلاق والآداب؟!
قلت: بالله عليكم! اتركوا التعصب! وتجردوا عن حب ذا وبغض ذاك ! وأنصفوا! هل تجاسر الخليفة على سيد المرسلين وخاتم النبيين (ص) ومخالفته ومعارضته للنبي (ص) ونسبته رسول الله (ص) إلى الهجر والهذيان أعظم أم تجاسري على الخليفة كما تزعمون؟! ولعمري ما كان تجاسري إلا كشف الواقع وبيان الحقيقة!
وليت شعري... أنا لا أراعي الأخلاق والآداب أم عمر بن الخطاب؟ إذ سبب النزاع والصياح، وتخاصم الأصحاب عند رسول الله (ص) حتى رفعوا أصواتهم وأزعجوا النبي (ص) بحيث أخرجهم وأبعدهم وغضب عليهم لأنهم خالفوا الله سبحانه إذ يقول:
(يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون)(79).
الشيخ عبد السلام: لم يقصد الخليفة من كلمة الهجر معنى سيئا وإنما قصد أن النبي (ص) بشر مثلنا، وكما نحن في مثل تلك الحالة نفقد مشاعرنا، فرسول الله (ص) كان كذلك! لأن الله تعالى يقول: (قل إنما أنا بشر مثلكم)(80) ... فهو (ص) إذا مثلنا في جميع النواحي: في الغرائز والعواطف، ويعرض عليه من العوارض الجسمية كضعف القوى والأعضاء كما يعرض على غيره من البشر، وحالة الهجر والهذيان في حال المرض أيضا من عوارض الجسد البشري، فربما يعرض عليه كما يعرض على كل أفراد البشر!!
قلت: أولا: إني أتعجب من انقلابك واستغرب تبدل حالك! إذ كنت قبل هذا تقول: لا ريب إن مخالفة كتاب الله كفر ومعاندة رسول الله (ص) إلحاد، والآن طفقت توجه كلام معانديه وعمل مخالفيه! فما عدا مما بدا؟!
ثانيا: أتعجب أيضا أنك لا تتأثر من كلام عمر على رسول الله (ص) وهو سيد الأولين والآخرين. وتتغير هذا التغير الفظيع من كلامي على عمر، وهو إنسان عادي غاية ما هنالك أن أحد صحابة رسول الله وكم له في الصحابة من نظير!!
والجدير بالذكر أنه بعد تلك الصحبة الطويلة ما عرف النبي (ص) حق معرفته وكان جاهلا بمقامه المنيع وشأنه الرفيع فنسب إليه الهجر، وهذا رأي بعض أعلامكم مثل القاضي عياض الشافعي في كتاب الشفاء والكرماني في شرح صحيح البخاري والنووي في شرح صحيح مسلم فإنهم يعتقدون من ينسب الهجر والهذيان إلى رسول الله (ص) فقد جهل معنى النبوة والرسالة، ولا يعرف قدر النبي وشأنه، لأن الأنبياء العظام كلهم في زمان تبليغ رسالتهم وإرشادهم للناس يكونون معصومين عن الخطأ والزلل، لأنهم يأخذون عن الله تعالى ومتصلون بعالم الغيب والملكوت، سواء أكانوا في حال الصحة أم المرض.
فيجب على كل فرد من الناس أن يطيعهم ويمتثل لأوامرهم. فمن خالف النبي (ص) في طلبه البياض والدواة ليكتب وصيته (ص) وخاصة بمثل ذلك الكلام الشنيع:
" إن رسول الله يهجر "! " إنما هو يهجر "! " قد غلب عليه الوجع "!
وما إلى ذلك من كلام فجيع وبيان فظيع، إنما يدل على جهل قائله وعدم معرفته لمقام النبي وشخصيته العظيمة!
ثالثا: أطلب من جناب الشيخ أن يراجع كتب اللغة في تفسير كلمة " يهجر " حتى يعرف مدى تجاسر قائلها على رسول الله (ص)!!
فقد قال اللغويون: الهُجر بالضم = الفُحش، وبالفتح = الخلط والهذيان، وهو بعيد عن مقام النبوة وقد عصم الله سبحانه رسوله عن ذلك بقوله عز وجل : (بسم الله الرحمن الرحيم والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى)(81) لذلك أمر المسلمين بالإطاعة المحضة له من غير ترديد وإشكال، فقال سبحانه: (ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا )(82).
وقال تعالى: ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)(83).
فمن استشكل في كلام رسول (ص) أو تردد في إطاعته وامتثال أمره، فقد خالف الله تعالى وأصبح من الخاسرين.
الشيخ عبد السلام: ولو فرضنا بأن عمرا قد أخطأ، فهو خليفة رسول الله (ص) وكان يقصد بذلك حفظ الدين والشريعة ولكنه اجتهد فأخطأ فيعفى عنه والله خير الغافرين.
قلت: أولا: حينما تكلم عمر بذلك الكلام الخاطئ لم يكن خليفة رسول الله، بل شأنه شأن أحد الناس العاديين.
ثانيا: قد قلت: إنه اجتهد فأخطأ! فلعمري هل الرأي أو الكم المخالف لنص القرآن، اجتهاد؟ أم ذنب لا يغفر!
ثالثا: وقلت: إنه كان يقصد حفظ الدين والشريعة.
فمن أين تقول هذا؟ والله من وراء القصد.
ثم هل أن النبي (ص) كان أعرف بحفظ الشريعة أم عمر بن الخطاب؟ فإن رسول الله (ص) كان موكلا من الله في ذلك وكان (ص) حريصا على الدين وحفظ الشريعة أكثر من غيره، ولأجل ذلك أراد أن يوصي ويكتب كتابا لا يضل المسلمون بعده أبدا.
ولكن عمر منع من ذلك وصار سببا لضلالة من ضل إلى يوم القيامة، فأي عفو وغفران يشمل هذا المجتهد الخاطئ!!
الشيخ عبد السلام: ربما الخليفة الفاروق رضي الله عنه كان يعرف الأوضاع الاجتماعية والظروف الراهنة، وثبت عنده بأن الوصية وكتاب النبي (ص) يحدث فتنة عظيمة من بعده (ص)، فكان بمنعه ورفضه الكتاب والوصية، ناصحا للنبي و ناويا الخير للإسلام والمسلمين.
قلت: إن أستاذي المرحوم الشيخ محمد علي الفاضل القزويني وكان يحوي علم المعقول والمنقول، كان ينصحني ويقول: توجيه الخطأ يولد أخطاء أخرى، فلو اعترف العاقل بخطئه لكان أسلم له وأجمل، وقالوا قديما: الاعتراف بالخطأ فضيلة. وأنا أراك هويت في مهوى توجيه خطأ من تهوى فنسيت كلام الله تعالى حيث يقول:
(وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)(84).
الشيخ عبد السلام: تظهر نية الفاروق الحسنة من آخر كلامه حيث قال:

حسبنا كتاب الله!!
قلت: هذه الجملة تدل على عدم معرفة الخليفة لمقام النبوة وعدم معرفته بحقيقة كتاب الله أيضا، لأن القرآن كلام ذو وجوه وله بطون، ولابد من مفسر(85) وموضح يعرف الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والمتشابه والمحكم منه، وهذا لا يكون إلا من أفاض الله عليه من الحكمة وفتح في قلبه ينابيع علومه، فلذا قال سبحانه: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم )(86).
فإذا كان القرآن وحده يكفي لما قال سبحانه: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(87). ولما قال تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)(88).
ولقد عرف رسول الله (ص) لأمته الراسخين في العلم وأولي الأمر الذين يرجع إليهم في تفسير القرآن وتوضيحه، في حديثه الذي كرره على مسامع أصحابه وقد وصل حد التواتر في النقل، إذ قال حتى عند وفاته: إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، إن تمسكتم بهما نجوتم ـ لن تضلوا أبدا(89).
فرسول الله (ص) لا يقول لأمته: كفاكم كتاب الله وحسبكم. بل يضم إلى القرآن أهل بيته وعترته.
أيها الحاضرون! فكروا وأنصفوا أي القولين أحق أن يؤخذ به قول عمر: حسبنا كتاب الله. أم قول النبي (ص): كتاب الله وعترتي؟
لا أظن أحدا يرجح قول عمر على قول رسول الله (ص)، فإذا كان كذلك، فلماذا أنتم تركتم قول النبي (ص) وأخذتم بقول عمر؟! فإذا كان كتاب الله وحده يكفينا، فلماذا يأمرنا الله تعالى ويقول: (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(90) والذكر سواء كان القرآن أو رسول الله (ص) فأهل الذكر هم عترة رسول الله وأهل بيته الطيبين.
وقد مر الكلام حول الموضوع في الليالي السالفة، ونقلت لكم عن السيوطي وغيره من أعلامكم أنهم رووا بأن أهل الذكر هم عترة رسول الله (ص) الذين جعلهم النبي (ص) عدل القرآن ونظيره.
وأنقل لكم ـ الآن ـ مضمون كلام أحد أعلامكم وهو قطب الدين الشيرازي، قال في كتابه كشف الغيوب: لابد للناس من دليل ومرشد يرشدهم إلى الحق ويهديهم إلى الصراط المستقيم، ولذا أتعجب من كلام الخليفة عمر (رض): حسبنا كتاب الله! وبهذا الكلام رفض الهادي والمرشد فمَثَله كمن يقبل علم الطب وضرورته ولزومه للناس إلا أنه يرفض الطبيب ويقول حسبنا علم الطب وكتبه ولا نحتاج لطبيب!
من الواضح إن هذا الكلام مردود عند العقلاء، لأن الطبيب وجوده لازم لتطبيق علم الطب كما يلزم علم الطب الناس، والعلم من غير عالم وعارف بمصطلحاته ورموزه، يبقى معطلا لا يمكن أن يستفاد منه، فكما لا يمكن لآحاد البشر أن يعرفوا علم الطب ورموزه، ولا بد من أطباء في كل مجتمع يعالجون المرضى بمعرفتهم لعلم الطب ورموز العلاج، كذلك القرآن الكريم وعلومه لا يعقل بأن الناس كلهم يعرفون علومه ورموزه ومصطلحاته، فلا بد أن يرجعوا إلى العالم لعلومه ورموزه والمتخصص بتفسيره وتأويله وقد قال سبحانه: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)(91).
وقال عز وجل: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)(92). فالكتاب المبين وحقيقته إنما يكون في قلوب أهل العلم، كما قال سبحانه:
(بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم)(93).
  #29  
قديم 05-07-08, 05:33 AM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي



ولهذا كان علي كرم الله وجهه يقول: أنا كتاب الله الناطق والقرآن كتاب الله الصامت. انتهى مضمون مقال وخلاصة مقال قطب الدين.
أقول: كل عاقل منصف، وكل صاحب وجدان وإيمان يعرف أن عمر بن الخطاب ارتكب ظلما كبيرا بمنعه النبي (ص) أن يكتب لأمته كتابا لن يضلوا بعده أبدا!!
وأما قولك أيها الشيخ: إن أبا بكر وعمرا أوصيا ولم يمنعهما أحد من الصحابة: فهو قول صحيح وهذا الأمر يثير تعجبي واستغرابي. كما يهيج حزني ويبعث الألم في قلبي، فقد اتفق المؤرخون والمحدثون على إن أبا بكر أملا وصيته على عثمان ، وهو كتبها في محضر بعض أصحابه وعرف عمر بن الخطاب ذلك ولم يمنعه، وما قال له: لا حاجة لنا بوصيتك وعهدك، حسبنا كتاب الله!
ولكنه مع رسول الله (ص) عن الوصية وكتابة عهده لأمته، قائلا: أنه يهجر.. كفانا أو حسبنا كتاب الله!! وقد كان ابن عباس وهو حبر الأمة كلما يتذكر ذلك اليوم يبكي ويقول: إن الرزية كل الرزية: ما حال بين رسول الله (ص) و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم / صحيح البخاري بحاشية السندي: ج4 / كتاب المرضى باب قول المريض قوموا عني وج 4 / 271 / باب كراهية الخلاف.
نعم كان ابن عباس يتأسف ويبكي، ويحق لكل مسلم منصف أن يتأسف ويبكي، وأن يتألم ويتأثر ويتغير، ونحن على يقين أنهم لو تركوا رسول الله (ص) يكتب وصيته، لبين أمر الخلافة من بعده وعين خليفته مؤكدا عليهم بأن يطيعوه ولا يخالفوه ، ولذكرهم كل ما قاله في هذا الشأن وفي شأن وصيه وخليفته ووارثه من قبل. والذين منعوا من ذلك، كانوا يطمعون في خلافته كما كانوا يعلمون أنه يريد أن يسجل خلافة ابن عمه علي بن أبي طالب، ويكتبه ويأخذ منهم العهد والبيعة له في آخر حياته، كما أخذ عليهم ذلك في يوم الغدير، لذلك خالفوه بكل وقاحة ومنعوه من ذلك بكل صلافة!
الشيخ عبد السلام: كيف تدعي هذا ومن أين تبين لك أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يوصي في أمر الخلافة ويعين علي بن أبي طالب لهذا الأمر من بعده ؟!
قلت: من الواضح أنه (ص) بين جميع أحكام الدين للمسلمين، وما ترك صغيرة ولا كبيرة من الفرائض السنن إلا بينها، حتى قال تعالى في كتابه: (اليوم أكملت دينكم)(94)، فكان من هذه الجهة مرتاح البال، ولكن الذي كان يشغل باله هو موضوع خلافته وولي الأمر بعده، لأنه (ص) كان يعرف عداوة كثير من الناس لعلي بن أبي طالب، وكان يعلم حقدهم وحسدهم له (ص) وكان يعرف طمع بعض الصحابة، وحرصهم على خلافته في أمته، لذلك كان يتخوف من مناوئي الإمام علي عليه السلام ومخالفيه، أن لا يخضعوا لإمارته ولا يقبلوا خلافته، فأراد أن يؤكدها عليهم في آخر ساعات حياته، إضافة على ما بينه في هذا الأمر طول حياته كرارا ومرارا، كما روى الغزالي في كتابه " سر العالمين " في المقالة الرابعة، أنه (ص) قال: إيتوني بدوات وبياض لأزيل عنكم إشكال الأمر، وأذكر لكم من المستحق لها بعدي.
ثم كلنا نعلم أن الأمر الذي آل اختلاف المسلمين بعد رسول الله (ص) وكان سبب سفك وإزهاق النفوس، إنما هو أمر الخلافة لا غير، فتبين أنه (ص) أراد أن يوضح أمر الخلافة لا غير، فيتبين أنه (ص) أراد أمر الخلافة للمسلمين ويوصي بها لرجل منهم يستحقها، حتى يبايعوه ويخضعوا لإمارته وخلافته ولكي لا يؤول أمرهم إلى التخاصم والتنازع، ولا يقعوا من بعده في هوة الاختلاف ومزلة الانحراف.
ثم إن النبي (ص) في مواطن كثيرة عين وصيه وعرفه للناس، وقد نقلنا لكم بعض الأخبار والأحاديث في هذا الشأن ولا حاجة لتكرارها.
ولا ينكر أحد من المسلمين المنصفين بأن النبي (ص) عين عليا وصيا لنفسه وأودعه الوصايا التي أراد أن يكتبها حتى لا يضلوا من بعده أبدا، ولكنهم منعوه ورفضوها بقولهم: إنه ليهجر. كفانا أو حسبنا كتاب الله!!
الشيخ عبد السلام: خبر تعيين النبي (ص) عليا وصيا لنفسه غير متواتر فلا يصح الاستناد به.
قلت: هو خبر متواتر عن طريق العترة النبوية الطاهرة والأمر ثابت من غير شك ولا ترديد.
وأما عن طرقكم، فربما لم يكن لفظه متواترا ولكن معناه قد تواتر عن طرقكم في ألفاظ متفاوتة وجمل متعددة.
ثم إذا كان التواتر عندكم مهما إلى هذا الحد بحيث لو كان الخبر واصلا عن طريق موثوق وبسند حسن وقد صححه العلماء المتخصصون، ومع ذلك ترفضونه بحجة أنه غير متواتر، فأسألكم هل كان حديث: " لا نورث ما تركناه صدقة " متواترا؟! لا .. بل هو خبر واحد رواه أبو بكر(95)، وصدّقه عصابة كانت لهم منفعة ومصلحة في تصديقهم إياه!
ولكن في كل عصر ينكره ملايين المسلمين ويرفضه آلاف العلماء الصالحين.
وقد أنكره الإمام علي (ع) وهو باب علم الرسول، ورفضته فاطمة الزهراء (ع) بضعة رسول الله الطاهرة المطهرة التي عصمها الله من الزلل وطهرها من الرجس والدنس بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة المستندة على كتاب الله الحكيم والمنطق القويم والعقل السليم.
ولو لم يورث الأنبياء فكيف قال النبي (ص): لكل نبي وصي ووارث، وأن عليا وصيي ووارثي؟(96)
وأثبتنا أن المقصود وراثة المال والمقام. وحتى إذا كان المقصود وراثة العلم فوارث علم النبي (ص) أحق بخلافته من فاقد علمه.
والجدير بالذكر أن أبا بكر وعمر في كثير من القضايا رجعا إلى الإمام علي (ع) وعملا برأيه وأخذا بقوله، ولكن في هذه القضية بالذات خالفوه، ولم يقبلوا حتى شهادته في فدك بأنها منحة رسول الله (ص) لفاطمة (ع)، فرفضوا شهادته وشتموه بقولهم: إنما هو ثعالة شهيده ذنبه، مرب لكل فتنة الخ.
الحافظ: إن أبا بكر وعمر كانا في غنى عن علي وعلمه ولم يرجعا إليه في بعض الأحكام لجهلهما بالحكم بل كانا يحترمانه ويشاورانه.
قلت: إن قولك هذا منبعث عن حبك للشيخين وقد قالوا: حب الشيء يعمي ويصم.
وإن قولك رأي شخصي لم يقل به قائل، بل هو مخالف لصريح ما نقله أعلامكم عن نفس أبي بكر وعمر.
وإليكم نماذج منها:

الحكم في امرأة ولدت لستة أشهر
نقل المحدثون منهم أحمد بن حنبل في مسنده والمحب الطبري في ذخائر العقبى وابن أبي الحديد في شرح النهج والشيخ سليمان القندوزي في ينابيع المودة / الباب السادس والخمسون فصل: في ذكر كثرة علم علي، قال: وروي أن عمر أراد رجم المرأة التي ولدت لستة أشهر! فقال علي (ع) في كتاب الله: (وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً)(97) ثم قال:(وفصاله في عامين)(98) فالحمل ستة أشهر، فتركها عمر، وقال عمر: لو لا علي لهلك عمر. قال القندوزي: أخرجه أحمد والقلعي وابن السمان.
ونقل القندوزي في الباب قبل هذا الخبر بقليل فقال:
وأخرج أحمد [ ابن حنبل ] في المناقب: أن عمر بن الخطاب إذا أشكل عليه شيء اخذ من علي رضي الله عنه.
ولو تصفحنا كتب التاريخ والحديث لوجدنا كثيرا من هذه القضايا المشكلة التي كان يعجز عن حكمها الخلفاء فيرجعون فيها إلى علي (ع) ويأخذون بقوله ويعملون برأيه.
فيا أيها العلماء! وأيها الجمع! فكروا: لماذا رفضوا شهادة علي (ع) في أمر فدك ولم يقبلوا حكمه في قضية فاطمة (ع) وقالوا ما قالوا وافتروا عليه وشتموه!!
ثم إذا كان الحديث الذي رواه أبو بكر صحيحا وكان قد سمعه من رسول الله (ص) فلماذا لم يحكم في سائر ممتلكات النبي (ص) بحكم فدك ولم يضمها إلى بيت المال لعامة المسلمين، أو يجعلها صدقات ينتفع بها المساكين.
بل ترك حجرة فاطمة (ع) لها، وترك حجرات زوجات الرسول لكل واحدة منهن حجرتها، من باب الإرث(99).
إضافة على هذا: إذا كان أبو بكر يؤمن بما يقول ويعتقد بالحديث الذي رواه: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة " وعلى هذا المبنى أخذوا فدك وأخرجوا عمال فاطمة منها. فلماذا رد فدك ـ بعد أيام ـ على فاطمة وكتب لها كتابا في ذلك إلا أن عمر أخذ منها الكتاب ومزقه، ومنعها من التصرف في فدك؟!
الحافظ: هذا كلام جديد لم نسمع به من قبل! فمن أي مصدر وبأي دليل تقول: بأن أبا بكر (رض) رد فدك على فاطمة ثم منعها عمر في خلافة أبي بكر ومزق كتابه؟!!
قلت: يبدو أن مشاغل الحافظ كثيرة بحيث لا يجد فرصة ليطالع كتب أعلام السنة من أهل مذهبه ونحلته، وإلا لما كان هذا الخبر جديدا على مسامعه، فقد روى هذا الخبر كثير من المؤرخين والمحدثين منهم علي بن برهان الدين الشافعي في السيرة الحلبية: ج3/391وابن أبي الحديد في شرح النهج: ج16 / 247/ ط دار إحياء التراث العربي / قال: روى إبراهيم بن سعيد الثقفي عن إبراهيم بن ميمون، قال: حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب (ع) عن أبيه عن جده عن علي (ع) قال: جاءت فاطمة (ع) إلى أبي بكر و قالت: إن أبي أعطاني فدك، و علي و أم أيمن يشهدان فقال: ما كنت لتقولي على أبيك إلا الحق قد أعطيتكها، و دعا بصحيفة من أدم فكتب لها فيها، فخرجت فلقيت عمر فقال: من أين جئت يا فاطمة؟ قالت جئت من عند أبي بكر. أخبرته أن رسول الله (ص) أعطاني فدك و أن عليا و أم أيمن يشهدان لي بذلك فأعطانيها و كتب لي بها. فأخذ عمر منها الكتاب. ثم رجع إلى أبي بكر، فقال: أعطيت فاطمة فدك و كتبت بها لها؟ قال: نعم فقال: إن عليا يجر إلى نفسه، و أم أيمن امرأة، و بصق في الكتاب فمحاه و خرقه!
والعجب إن عمر الذي كان بهذه الشدة في قضية فدك أيام خلافة أبي بكر، لما وصلت أيامه وصارت الخلافة في يده رد فدك على أولاد فاطمة وكذلك بعض الخلفاء من بعده!
الحافظ: إن هذا الخبر من أعجب الأخبار لتناقضه، وإني حائر في تصديقه ورده!
قلت: لا تتحير ولا ترد الخبر بل راجع كتاب وفاء الوفاء في تاريخ مدينة المصطفى للعلامة السمهودي وهو من أعلامكم، ومعجم البلدان لياقوت الحموي.
رويا أن أبا بكر أخذ فدك من فاطمة، ولكن عمر في خلافته رده على العباس وعلي بن أبي طالب، فإذا كان فدك فيء المسلمين وقد أخذه أبو بكر حسب الحديث الذي سمعه من النبي (ص)، فبأي سبب رده عمر وجعله في يد علي والعباس دون سائر المسلمين؟!
الشيخ عبد السلام: لعله جعلهما من قبله حتى يأخذا حاصله ويصرفاه في مصالح المسلمين.
قلت: ولكن ظاهر بعض العبارات التاريخية أنهما ادعيا عند عمر ميراثهما فأعطاهما فدك وكانا يتصرفان فيها تصرف المالك في ملكه(100).
الشيخ عبد السلام: لعل مراد المؤرخين من عمر هو عمر بن عبدالعزيز!

رد عمر بن عبد عبدالعزيز فدك
فتبسمت ضاحكا من قوله وقلت: علي (ع) والعباس ما كانا في خلافة عمر بن عبدالعزيز، وحكم عمر بن عبدالعزيز فدك على أولاد فاطمة (ع) خبر آخر وقد ذكره العلامة السمهودي أيضا، وذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج16 / 216 قال: ... فلما ولي عمر ابن عبد العزيز الخلافة الأموية كانت أول ظلامة ردها، [ أنه ] دعا الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) و قيل بل دعا علي بن الحسين (ع) فردها عليه، و كانت بيد أولاد فاطمة ع مدة ولاية عمر بن عبد العزيز.
فلما ولي يزيد بن عاتكة قبضها منهم، فصارت في أيدي بني مروان كما كانت يتداولونها، حتى انتقلت الخلافة عنهم فلما ولي أبو العباس السفاح ردها على عبد الله بن الحسن بن الحسن، ثم قبضها أبو جعفر لما حدث من بني الحسن ما حدث، ثم ردها المهدي ـ ابنه ـ على ولد فاطمة (ع) ثم قبضها موسى بن المهدي و هارون أخوه، فلم تزل أيديهم حتى ولي المأمون.

المأمون ورده فدك
نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج16 في صفحة 217: قال أبو بكر [ الجوهري ] حدثني محمد بن زكريا قال: حدثني مهدي بن سابق قال: جلس المأمون للمظالم فأول رقعة وقعت في يده نظر فيها و بكى، و قال للذي على رأسه: ناد أين وكيل فاطمة؟ فقام شيخ عليه دراعة و عمامة و خف تعزى، فتقدم فجعل يناظره في فدك و المأمون يحتج عليه و هو يحتج على المأمون، ثم أمر أن يسجل لهم بها، فكتب السجل و قرئ عليه، فأنفذه، فقام دعبل إلى المأمون فأنشده الأبيات التي أولها:
أصبح وجه الزمان قد ضحكابرد مأمون هاشم فدكاونقل ياقوت الحموي في معجم البلدان في كتاب المأمون إلى واليه على المدينة في شأن فدك، جاء فيه:
كان رسول الله (ص) أعطى ابنته فاطمة رضي الله عنها فدكا وتصدق عليها بها، وأن ذلك كان أمرا ظاهرا معروفا عند آله عليهم الصلاة والسلام.

فدك كانت نحلة فاطمة (ع)
لقد ثبت في موضعه أن فدكا كانت نحلة لفاطمة أنحلها رسول الله (ص) وذا كان بعض الخلفاء يردونها على أولاد فاطمة وكان آخرون يغصبونها اقتداء بأبي بكر!!
الحافظ: إن كانت فدكا، نحلة أنحلها رسول الله فاطمة، فلماذا ادعتها من بابا الإرث ولم تدعيها نحلة؟
قلت: لا شك أنها ادعت فدكا بادئ الأمر من بابا النحلة وأقامت شهودا على ذلك، فلما ردوا شهودها ادعتها من باب الإرث.
الحافظ: هذا كلام جديد لم نسمع به من قبل ولعلك مشتبه!
قلت: إني على يقين فيما أقول ولست مشتبها، ولم تنفرد الشيعة بهذا الخبر بل نقله كثير من أعلامكم منهم: علي بن برهان الدين في كتابه السيرة الحلبية، والفخر الرازي في تفسير الكبير، وياقوت الحموي في معجم البلدان، وابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج: ج16 / 214 / ط. دار إحياء التراث العربي، يروي عن أبي بكر الجوهري، قال: و روى هشام بن محمد عن أبيه قال: قالت فاطمة لأبي بكر : أن أم أيمن تشهد لي أن رسول الله (ص) أعطاني فدك، فقال لها يا ابنة رسول الله .... إن هذا المال لم يكن للنبي (ص)، و إنما كان مالا من أموال المسلمين(101)، يحمل النبي به الرجال و ينفقه في سبيل الله فلما توفي رسول الله ص وليته كما كان يليه.
قالت: و الله لا كلمتك أبدا! قال: و الله لا هجرتك أبدا! قالت: و الله لأدعون الله عليك! قال: و الله لأدعون الله لك.
فلما حضرتها الوفاة أوصت ألا يصلي عليها فدفنت ليلا... الخ.

توجيه العامة عمل أبي بكر
الحافظ: نحن نعلم أن أبا بكر أسخط فاطمة رضي الله عنها، وماتت بنت رسول الله (ص) وهي واجدة عليه، ولكنه أبا بكر برئ، لأنه عمل بحكم الله وطالبها بالشهود لإثبات حقها، وأنت جد خبير بأنه يجب في هذه القضايا أن يشهد رجلان أو رجل وامرأتان، وهذا حكم عام وفاطمة جاءت برجل وامرأة وما أكملت الشهود، ولذا لم يصدر أبو بكر الحكم لها، فغضبت!!
قلت: فلنختم مجلسنا وندع الجواب إلى الليلة القابلة فإن الحاضرين تعبوا، وأخاف أن يطول الكلام فيملوا.
النواب: كلنا شوق وشغف لنعرف حقيقة الأمر، فإن موضوع فدك مهم جدا وحساس، وإذا أنتم ما تعبتم، فنحن راغبون إلى الاستماع لكلامكم وجوابكم.
قلت: أنا لا أتعب من هذه المجالس والمناقشات الدينية أبدا، بل مستعد أن أبقى معكم حتى الصباح.
وأما الجواب: فقد قال الحافظ: بأن أبا بكر عمل بحكم الله وطالب فاطمة بالشهود لإثبات حقها!
قلت: لقد كانت فاطمة (ع) متصرفة في فدك، وكانت في يدها فبأي شرع وقانون يطالب ذو اليد بإقامة الشهود على إثبات حقه فيما يكون تحت تصرفه وفي يده ؟! فإن الأصل المجمع عليه في قانون القضاء الإسلام ي أن ذو اليد هو المالك فإذا ادعى أحد على ما في يده فعلى المدعي إقامة الشهود والبينة، وليس على المنكر إلا اليمين، فأبو بكر كان مدعيا لفدك التي كانت في يد فاطمة (ع) وتحت تصرفها، فحينئذ كان عليه أن يأتي بالبينة لإثبات ما يدعي، وليس له أ، يطالب السيدة الزهراء (ع) بالشهود والبينة.
ولكن.. إذا كان خصمي حاكمي فكيف أصنع؟!
فأبو بكر خالف حكم الله سبحانه وسحق القانون وقلب أصول القضاء!!
وأما قول الحافظ: بأن الحق يثبت بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين ، وهذا حكم عام.
فأقول: ما من عام إلا وقد خص.
الحافظ: هذه القاعدة لا تجري في القضاء، فإن قوانين القضاء تجري على الأغنياء والفقراء وعلى الفساق والأولياء، على حد سواء، ولا يستثنى حتى الأنبياء.
قلا: إن هذا الكلام يخالف سنة رسول الله (ص) وسيرته المسجلة في صحاحكم، والثابتة في مسانيدكم.

خزيمة.. ذو الشهادتين
ذكر ابن أبي الحديد ترجمة ذي الشهادتين في شرح النهج:ج10 / 108 و109 ط دار إحياء التراث العربي / قال: هو خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة الخطمي الأنصاري من بني خطمة من الأوس، جعل رسول الله (ص) شهادته كشهادة رجلين، لقصة مشهورة الخ.
والقصة كما ذكرها الأعلام في ترجمته وفي كتب الحديث وأنا أنقلها من كتاب أسد الغابة لابن الأثير قال: روى عنه ابنه عمارة أن النبي (ص) اشترى فرسا من سواء بن قيس المحاربي، فجحده سواء! فشهد خزيمة بن ثابت للنبي (ص) فقال له رسول الله: ما حملك على الشهادة، ولم تكن حاضرا معنا؟
قال: صدقتك بما جئت، وعلمت أنك لا تقول إلا حقا.
فقال رسول الله (ص): من شهد له خزيمة أو عليه فهو حسبه.
فما ظنك برسول الله (ص) لو كان علي يشهد عنده في قضية هل كان يصدقه أم يرده؟!
وهو القائل في حقه: " علي مع الحق والحق مع علي يدور الحق حيث ما دار علي " فكما أن النبي (ص) خصص شهادة خزيمة وأحله محل شاهدين وصارت شهادته بشهادتين، كذلك أصحاب آية التطهير الذين عصمهم الله تعالى وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. فقولهم لا يرد، فإن الراد عليهم كالراد على الله سبحانه، وقد أثبتنا فيما سبق أن عليا (ع) شهد لها بأن رسول الله (ص) أنحلها فدك، ولكنهم ردوا شهادته بحجة أن عليا يجر إلى نفسه، فكذبوه وصدقه الله في كتابه الحكيم بقوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)(102).
الحافظ: من أين تقول هذه الآية نزلت في شأن علي كرم الله وجهه ؟

من هم الصادقون
قلت: أجمع علماء الشيعة استنادا على الروايات الواصلة عن طريق أهل البيت (ع) والعترة الهادية، بأن الصادقين هم خاتم النبيين وعلي أمير المؤمنين والعترة، وقد وافقنا كثير من أعلامكم وذهبوا إلى هذا الرأي، منهم: الثعلبي في تفسيره كشف البيان وجلال الدين السيوطي في تفسيره الدر المنثور، عن ابن عباس، والحافظ أبو سعد عبد الملك بن محمد الخركوشي في كتاب شرف المصطفى عن الأصمعي. والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء رووا عن النبي (ص) أنه قال: الصادقون أنا وعلي.
وقال القندوزي في ينابيع المودة / الباب التاسع والثلاثون: أخرج موفق بن أحمد الخوارزمي عن أبي صالح عن ابن عباس (رض) قال: الصادقون في هذه الآية محمد (ص) وأهل بيته. أيضا أبو نعيم الحافظ والحمويني أخرجاه عن ابن عباس بلفظه، انتهى.
وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين والعلامة الكنجي في كفاية الطالب / الباب 62/وابن عساكر في تاريخه رووا بإسنادهم عن النبي (ص) قال: كونوا مع الصادقين أي مع علي بن أبي طالب.
وهناك آيات أخرى أنقلها إليكم بالمناسبة:
1ـ (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون)(103) روى جماعة من أعلامكم عن مجاهد عن ابن عباس قال: الذي جاء بالصدق محمد (ص)، والذي صدق به علي بن أبي طالب (ع). منهم جلال الدين السيوطي في تفسيره الدر المنثور، والحافظ ابن مردويه في المناقب، والحافظ ابو نعيم في الحلية، والعلامة الكنجي في كفاية المطالب / باب 62، وابن عساكر في تاريخه يروي عن فئة من المفسرين.
2ـ (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم)(104).
روى أحمد بن حنبل في المسند والحافظ أبو نعيم في كتابه: " ما نزل في علي من القرآن (ع) " عن ابن عباس أنها نزلت في شأن علي بن أبي طالب (ع) فهو من الصديقين.
3ـ (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا)(105).
وقد صرحت الأحاديث المروية عن طرقكم والتي نقلها أعلامكم في كتبهم ومسانيدهم: بأن عليا (ع) أفضل الصديقين، ولكي تعرفوا حقيقة مقالنا راجعوا ... مناقب ابن المغازلي الحديث 293 و294، والتفسير الكبير للفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه)(106).
والدر المنثور للسيوطي في تفسير قوله تعالى: (واضرب لهم مثلا)(107) في سورة ياسين... وقال: اخرجه أبو داود وأبو نعيم وابن عساكر والديلمي عن أبي ليلى وفيض القدير للمناوي: ج4/238 في المتن وقال في الشرح ـ بعد لفظة وابن عساكر عن أبي ليلى ـ: وابن مردويه والديلمي من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أبي ليلى، وذخائر العقبى: ص 56 والرياض النضرة: ج2/ 153 للمحب الطبري، وقال فيهما رواه احمد بن حنبل في كتاب المناقب.
هؤلاء كلهم رووا بإسنادهم عن رسول الله (ص) أنه قال: الصديقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آل يس.. وحزقيل مؤمن آل فرعون.. وعلي بن أبي طالب، وهو أفضلهم.
ورواه ابن حجر في الصواعق المحرقة في ضمن الأربعين حديثا في فضائله (ع) ـ الحديث الحادي والثلاثون ـ ونقله القندوزي في ينابيع المودة / الباب الثاني والأربعون قال: الإمام أحمد في مسنده وأبو نعيم وابن المغازلي وموفق الخوارزمي أخرجوا بالاسناد عن أبي ليلى وعن أبي أيوب الأنصاري (رض) قال: قال رسول الله (ص): الصديقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آل يس.. وحزقيل مؤمن آل فرعون.. وعلي بن أبي طالب، وهو أفضلهم.
ورواه العلامة الكنجي إمام الحرمين في كتابه كفاية الطالب الباب الرابع والعشرون بسنده المتصل عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال: قال رسول الله (ص): سباق الأمم ثلاثة لم يشركوا بالله طرفة عين علي بن أبي طالب وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون فهم الصديقون، حبيب النجار مؤمن آل ياسين و حزئيل مؤمن آل فرعون وعلي بن أبي طالب ع و هو أفضلهم. ثم قال: هذا سند اعتمد عليه الدار قطني واحتج به(108).
انظروا إلى هذه الأحاديث والأخبار المروية عن رسول الله (ص) في كتبكم ومسانيدكم واتقوا الله بترك التعصب والعناد، ومزقوا الغشاوة التي ضربها أسلا فكم على قلوبكم وعقولكم، واكسروا الأقفال التي جعلوها على أفهامكم وبصائركم، وحرروا أنفسكم من قيود وأغلال التقليد من آبائكم وأجدادكم، ثم فكروا واعقلوا بقلوب متفتحة، وبعقول متنورة، وانظروا هل يحق أن تلقبوا أحدا غير علي بن أبي طالب بالصديق؟!
ليت شعري بأي دليل من القرآن الحكيم لقبتم أبا بكر بالصديق، بعد أن كذب أفضل الصديقين، ورد شهادة الصديق الأكبر في حق الصديقة الطاهرة فاطمة (ع)؟!
وبأي دليل لقبتم الذي مالأ أبا بكر وسانده على غصب حق الزهراء (ع)، وأطلقتم عليه لقب الفاروق؟!
(إن هي إلا أسماء سميتموهما أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان)(109).

علي (ع) مدار الحق والقرآن معه
أما قال رسول الله (ص): علي مع الحق والحق معه، وعلي مع القرآن والقرآن معه؟
هل من المعقول أن من كان مع الحق ومع القرآن وهما لا يفارقانه، يكون كاذبا؟! أو يشهد باطلا؟!
النواب: إنني كثيرا أجالس علماءنا وأستمع إلى حديثهم، ولا أغيب عن خطب الجمعة أبدا، ولكني ما سمعت منهم هذين الحديثين، فهل نقلهما علماؤنا الأعلام ومحدثونا الكرام في كتبهم؟
قلت: نعم نقلها كثير من أعلامكم، وقد أعلنت كرارا بأني لا أنقل لكم حديثا انفرد بنقله علماء الشيعة، بل كل ما أذكره في هذه المناقشات منقول من مصادر علمائكم وكتب أعلامكم، حتى يصدق عليه اسم الاحتجاج ويكون أوقع في نفوسكم وأرضى لقلوبكم وألزم لكم. وأذكر لك بعض المصادر المقبولة لديكم حول الحديثين الشريفين، وهي كثيرة منها:
في تاريخ بغداد: ج4 / 321 ذكر الخطيب البغدادي، والحافظ ابن مردويه في المناقب، والديلمي في الفردوس، والمتقي الهندي في كنز العمال: ج6 / 153، والحاكم النيسابوري في المستدرك: ج3 / 124، وأحمد بن حنبل في المسند، والطبراني في الأوسط والخطيب الخوارزمي في المناقب، والفخر الرازي في تفسيره: ج1 / 111، وابن حجر المكي في الجامع الصغير: ج2/74 و 75 و 140، وفي الصواعق المحرقة / الفصل الثاني / من الباب التاسع / الحديث الحادي والعشرين من الأربعين حديثا التي نقلها في فضل الإمام علي (ع)، ونقل الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودة / الباب 65 / 185 / ط. إسلامبول نقل عن الجامع الصغير لجلال الدين السيوطي، ونقل أيضا في الباب العشرين عن جمع الفوائد والأوسط والصغير للطبراني، ونقل الحمويني في الفرائد وعن ربيع الأبرار للزمخشري عن ابن عباس وعن أم سلمة.
والسيوطي في تاريخ الخلفاء / 116 والمناوي في فيض القدير: ج4 / 356 عن ابن عباس أو أم سلمة.
وفي مجمع الزوائد ج9 / 134، وج 7 / 236، والشبلنجي في نور الأبصار: ص 72 رووا عن أم سلمة، وبعضهم عن ابن عباس عن رسول الله (ص) أنه قال: علي مع القرآن والقرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض.
ونقل ابن حجر في الصواعق أيضا في أواخر الفصل الثاني من الباب التاسع(110).
قال: وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته:
أيها الناس يوشك أن أقبض قبضا سريعا، فينطلق بي و قد قدمت إليكم القول معذرة إليكم: ألا إني مخلف فيكم كتاب الله ربي عز و جل، و عترتي أهل بيتي، ثم أخذ بيد علي (ع) فرفعها فقال هذا علي مع القرآن و القرآن مع علي لا يفترقا حتى يردا علي الحوض فاسألوهما ما خلفت فيهما.
وجاء في بعض الروايات: الحق لن يزال مع علي وعلي مع الحق لن يختلفا ولن يفترقا.
وحديث: " علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار " قد نقله أكثر محدثيكم(111).
وفي كتاب تذكرة الخواص(112) عند نقله حديث: " من كنت مولاه فعلي مولاه "، قال:... وكذا قوله (ص): " وأدر الحق معه حيثما دار وكيف ما دار " ، فيه دليل على أنه ما جرى خلاف بين علي (ع) وبين أحد الصحابة إلا وكان الحق مع علي (ع) وهذا بإجماع الأمة.

من أطاع عليا فقد أطاع الله ورسوله
وكذلك نرى في كتب أعلامكم وأسناد محدثيكم حديثا مرويا عن رسول الله (ص) إذ قال: من أطاع عليا فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن أنكر عليا فقد أنكرني، ومن أنكرني فقد أنكر الله (113).
ونقل أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتابه الملل والنحل أن رسول الله (ص) قال: لقد كان علي على الحق في جميع أحواله يدور معه الحق حيثما دار.
كيف وبماذا توجهون عمل أبي بكر ورده شهادة علي (ع) في حق الزهراء (ع) مع وجود هذه الأخبار في كتبكم المعتبرة؟! فلا بد أن تعترفوا بأن عمل أبي بكر كان مخالفا لكتاب الله ولسنة رسول الله (ص) وأنه جحد حق فاطمة ومنعها فدكا من غير حق، وأنه كذب الله (ص) وأنه جحد حق فاطمة ومنعها فدكا من غير حق، وأنه كذب تلك الصادقة المصدقة، وكذب عليا (ع) وأهانه برد شهادته والهجوم على داره وسحبه من البيت إلى المسجد لأخذ البيعة منه كرها....
فأين هذه الأعمال مما رواه أبو المؤيد موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب، ومحمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، أن رسول الله (ص) قال: من أكرم عليا فقد أكرمني، ومن أكرمني فقد أكرم الله، ومن أهان عليا فقد أهانني، ومن أهانني فقد أهان الله؟!!
أيها الحاضرون، وخاصة أنتم العلماء، قايسوا أحداث السقيفة وما بعدها وما جرى على آل رسول الله (ص) من بعده، قايسوها مع هذه الأخبار والأحاديث المروية في كتب أعلامكم، ثم أنصفوا واحكموا: هل الصحابة عملوا بأوامر رسول الله (ص) ووصاياه في حق عترته وأهل بيته أم خالفوها؟؟! وهل عمل أبو بكر بحكم الله والشرع المبين في قضية فدك أم أنه أجحف فاطمة وجحد حقها؟!
لأننا قلنا: أولا.. ما كان له أن يطالب البينية من فاطمة لأنها كانت متصرفة في فدك، وكانت فدك في يدها، فكان هو المدعي وعليه البينة، لا على فاطمة (ع).
ثانيا: إذا كان أبو بكر محتاطا في القضية كما تزعمون، وأنه أراد أن يتيقن من تمليك رسول الله (ص) فاطمة فدكا، فطالبها بالشهود والبينة، فلماذا ترك هذا الاحتياط حينما ادعى الصحابة الآخرون مالا بوعد من رسول الله (ص) وعده، فأعطاه أبو بكر ذلك المبلغ من بيت مال المسلمين ولم يطالبه بالبينة والشهود ؟ فكيف يحكم في قضيتين متشابهتين بحكمين متناقضين؟!
ولعمري.. لماذا يحتاط في أمر فاطمة (ع)؟ أكان أبو بكر يظن كذبها؟! وهي التي يشهد الله سبحانه بطهارتها من كل رجس، وكانت عند عامة الناس أيضا صادقة ومصدقة، فقد قال أبو نعيم في حلبة الأولياء: ج2 / 42 / راويا عن عائشة قال: ما رأيت أحدا قط أصدق من فاطمة غير أبيها.
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج ج16 / 284 / ط. دار إحياء التراث العربي:
و سألت علي بن الفارقي، مدرس المدرسة الغربية ببغداد، فقلت له : أ كانت فاطمة صادقة؟ قال: نعم.
قلت: فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك و هي عنده صادقة؟
فتبسم.. ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه و حرمته و قلة دعابته، قال: لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها، لجاءت إليه غدا و ادعت لزوجها الخلافة، و زحزحته عن مقامه، و لم يكن يمكنه الاعتذار و الموافقة بشي‏ء، لأنه يكون قد سجل على نفسه أنها صادقة فيها تدعي كائنا ما كان من غير حاجة إلى بينة و لا شهود.
و هذا كلام صحيح، و إن كان أخرجه مخرج الدعابة و الهزل.
" انتهى كلام ابن أبي الحديد ".
فالحقيقة التي هي اليوم ظاهرة ومكشوفة لعلمائكم كيف كانت مبهمة وغير منكشفة يوم أمس عند معاصريها والذين أدركوها من قريب؟! فكانت أوضح لهم وأظهر ، إلا أن السياسة وحب الرياسة اقتضت منهم إنكار الحقيقة وجحد حق الزهراء المظلومة (ع)!!
الحافظ: لمن أعطى الخليفة (رض) مال المسلمين بغير بينة وشهود؟
قلت: ادعى جابر بعد وفاة النبي (ص) أنه وعده بأن يعطيه من مال البحرين حين وصوله. فأعطاه أبو بكر ألف وخمسمائة دينار، من مال المسلمين الذي وصل من البحرين، وما طلب من جابر بينة وشهودا على ما ادعاه.
الحافظ: أولا: ما وجدت هذا الخبر في كتب علمائنا، ولعلكم انفردتم أنتم الشيعة به!
وثانيا: من أين عرفتم أن الخليفة ما طالب جابرا بالبينة والشهود على ما ادعاه؟
قلت: إني أتعجب من قولك! كيف ما وجدت هذا الخبر في كتب علمائكم؟ وهم يستدلون ويستشهدون بهذا الخبر على أنه خبر الصحابي الواحد العادل مقبول.
كما أن شيخ الإسلام الحافظ أبا الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني طرحه في كتاب فتح الباري في شرح صحيح البخاري / باب من يكفل عن ميت ديْنا ـ وبعد نقله الخبر قال: إن هذا الخبر فيه دلالة على قبول خبر العدل من الصحابة ولو جر ذلك نفعا لنفسه، لأن أبا بكر لم يلتمس من جابر شاهدا على صحة دعواه.
ونقل البخاري هذا الخبر أيضا في صحيحه: ج5 / 218 / ط. دار إحياء التراث العربي تحت عنوان " قصة عمان والبحرين ":
روى بسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال لي رسول الله (ص): لو قد جاء مال البحرين، لقد أعطيتك هكذا وهكذا وثلاثا.
فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله (ص).
فلما قدم على أبي بكر، أمر مناديا فنادى من كان له عند النبي (ص) ديْن أو عدة فليأتني.
قال جابر: فجئت أبا بكر فأخبرته أن النبي (ص) قال: لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا ثلاثا. قال: فأعطاني..... ـ وفي آخر الرواية ـ فقال لي أبو بكر: عدها.
فعددتها فوجدتها خمسمائة. فقال خذ مثلها مرتين.
ونقله السيوطي أيضا في كتابه تاريخ الخلفاء / قسم خلافة أبي بكر.
والآن أيها الحاضرون... فكروا وأنصفوا! لماذا هذا التبعيض؟ يصدق جابر على ما مدعاه من غير بينة وشهود، وترد بنت رسول الله (ص) وشهودها! وقد شهد الله تعالى لها ولبعلها وابنيهما في آية التطهير!

إشكال في شمول آية التطهير
الحافظ: إن سياق الآية خطاب لزوجات الرسول (ص) ولذا ذهب البيضاوي والزمخشري وغيرهما من أئمة التفسير إن الآية تشمل زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقولكم بأنها تشمل عليا وفاطمة وابنيهما قول ضعيف لأنه خارج عن سياق الآية وظاهرها، فإن صدر الآية وآخرها يخاطب نساء النبي.

آية التطهير لا تشمل زوجات النبي (ص)
قلت: كلامك مردود من جهات عديدة.
أولا: كلامك بأن صدر الآية آخرها يخاطب نساء النبي (ص) فيقتضي أن يكون وسطها أيضا ـ وهو آية التطهير ـ خطابا لنساء النبي (ص).
أقول: أولا: إن البلاغة تقتضي غير ذلك، فقد ثبت عند العلماء إن من فنون البلاغة في القرآن الحكيم، أن يتوسط كلام جديد بين الجمل المتناسقة، اتقاء من أن يمل السامع من الكلام المسجع والجملات المرتبة على نسق واحد، فتغير الأسلوب يكون تنويعا في الكلام، وقد تكرر نمط هذا الأسلوب في القرآن الكريم.
ثانيا: إذا كان المقصود من أهل البيت هم زوجات الرسول (ص) لاقتضى أن يكون الضمير ضمير جمع المؤنث المخاطب على نسق الضمائر التي وردت قبلها وبعدها، فيكون " ليذهب عنكن الرجس ويطهركن "، ولكن الله سبحانه ذكر الضمائر في هذه القطعة من الآية على صيغة جمع المذكر المخاطب فقال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)(114)، فأخرجها عن مخاطبة زوجات النبي ونسائه.
  #30  
قديم 05-07-08, 05:34 AM
الناشر الناشر غير متصل
 
المشاركات: 343
افتراضي



النواب: فإذا كان الخطاب متوجها إلى أهل البيت بصيغة جمع المذكر المخاطب، فمن أين تقولون أنها تشمل فاطمة وهي أنثى؟ فتكون خارجة من الآية.
قلت: علماؤكم يعرفون أن ضمير الجمع المذكر إنما جاء هنا للتغليب، وهذا لا ينافي شمول الآية الكريمة لفاطمة (ع). فهي واحدة مقابل أبيها وبعلها وابنيها، فعدد الذكور في الجمع غالب، ولذا جاء الضمير مخاطبا لهم بصيغة " عنكم " و " يطهركم ". وقد أشار إلى هذا ابن حجر في كتابه الصواعق المحرقة / الباب الحادي عشر / الفصل الأول في الآيات الواردة في أهل البيت / الآية الأولى: قال الله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)، قال أكثر المفسرين: على أنها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين، لتذكير ضمير " عنكم " وما بعده، انتهى كلامه.
واكثر المفسرين والمحدثين على أن الآية الكريمة لا تشمل زوجات النبي (ص) كما جاء في صحيح مسلم: ج2/237 ـ 238 / روى بسنده عن يزيد بن حيان قال: دخلنا على زيد بن أرقم ـ والخبر طويل وفيه أنه حدثهم ـ عن رسول الله (ص) قال: ألا وإني تارك فيكم الثقلين: أحدهما: كتاب الله، هو حبل الله، من أتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة. وفيه: فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا و ايم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها و قومها، أهل بيته: أصله و عصبته الذين حرموا الصدقة بعده.
ثم هناك روايات كثيرة مروية في كتبكم، واصلة عن طرقكم بألفاظ متعددة ومعنى واحد، على أن آية التطهير تشمل النبي والوصي وفاطمة والحسن والحسين (ع) لا سادس لهم. ولكي تعرفوا ذلك فراجعوا مصادركم المعتبرة عندكم والتي منها:
1ـ كشف البيان في تفسير القرآن للثعلبي، عند تفسيره الآية.
2ـ التفسير الكبير للفخر الرازي: ج6/783.
3ـ الدر المنثور لجلال الدين السيوطي: ج5/199.
4ـ والنيسابوري في المجلد الثالث من تفسيره.
5ـ وتفسير رموز الكنوز لعبد الرزاق الرسعني.
6ـ الخصائص الكبرى: ج2 / 264.
7ـ الإصابة لابن حجر العسقلاني: ج4 /207.
8ـ تاريخ ابن عساكر: ج4 / 204 و206.
9ـ مسند أحمد بن حنبل ج1/331.
10ـ الرياض النضرة: ج2/188 للمحب الطبري.
11ـ صحيح مسلم: ج2/331 وج7/130.
12ـ الشرف المؤبد للنبهاني: ص10 طبع بيروت.
13ـ كفاية الطالب للعلامة الكنجي الشافعي / الباب المائة.
14ـ الحافظ سليمان القندوزي في ينابيع المودة / الباب 23، نقل عن صحيح مسلم وعن شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني عن عائشة أم المؤمنين، ونقل أخبارا أخرى عن الترمذي والحاكم السمناني والبيهقي والطبراني ومحمد بن جرير وأحمد بن حنبل وابن أبي شيبة وابن منذر وابن سعد والحافظ الزرندي والحافظ ابن مردويه رووا عن أم سلمة أم المؤمنين وعن ولدها عمر بن أبي سلمة وعن أنس بن مالك وسعد بن أبي وقاص وواثلة بن اسقع وأبي سعيد الخدري قالوا: إن آية التطهير نزلت في شأن الخمسة الطيبة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين.
15ـ وابن حجر المكي على تعصبه الغريب نقل في كتابه الصواعق /85 و86 / ط المطبعة الميمنية بمصر / عن سبع طرق واعترف بأن الآية الكريمة نزلت في شأن الخمسة الطيبة ولا تشمل غيرهم وذلك في تحقيق عميق وطويل.
16ـ ونقل السيد أبو بكر بن شهاب الدين العلوي في كتابه رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبي الهادي في الباب الأول / نقل عن الترمذي وابن جرير وابن منذر والحاكم وابن مردويه والبيهقي وابن أبي حاتم والطبراني وأحمد بن حنبل وابن كثير ومسلم بن الحجاج وابن أبي شيبة والسمهودي، مع ذكر تحقيقات عميقة من أكابر علمائكم، على أن الآية الكريمة لا تشمل غير الخمسة الطيبة الذين شملهم كساء رسول الله (ص) وعرفوا بأصحاب الكساء.
17ـ وفي الجميع بين الصحاح الستة نقل عن الموطأ لمالك بن أنس الأصبحي، وعن صحاح البخاري ومسلم وسنن أبي داود والسجستاني والترمذي وجامع الأصول.
وفي كلمة أقول: إن عامة علمائكم وأعلامكم من المفسرين والمحدثين والفقهاء والمؤرخين وغيرهم، أجمعوا على أن الآية الشريفة ـ آية التطهير ـ نزلت في شأن محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقد وصل هذا المعنى إلى قريب حد التواتر عندكم، والمخالف لهؤلاء شاذ معاند متمسك بأخبار ضعيفة لا اعتبار بها، ولا وزن لها في قبال تلك الأخبار المتكاثرة والروايات المتظافرة.

عودا إلى فدك
فلنعد لما كنا عليه من البحث والحوار، أقول: أنصفونا! هل بعد ثبوت التطهير الإلهي لفاطمة وعلي (ع)، وعلم القوم بأن الله تعالى طهرهما وابنيهما من الأرجاس والمساوئ الظاهرية والباطنية، وعصمهم من كل صغيرة وكبيرة بنص القرآن الحكيم، فهل كان يجدر بأبي بكر أم كان يحق له أن يرد فاطمة، وي